جلسة الاستراحة في الصلاة… بين ظاهر الحديث وفقه الصحابة
قراءة في اختلاف العلماء بين دلالة الرواية وفهم السلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من المسائل الفقهية التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم مسألة جلسة الاستراحة في الصلاة؛ وهي الجلسة الخفيفة التي يجلسها المصلي بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة، قبل النهوض إلى الركعة التالية.
وقد اختلف العلماء في حكمها، فذهب فريق إلى استحبابها، مستدلين بالأحاديث الواردة في صفة صلاة النبي ﷺ، وذهب فريق آخر إلى عدم استحبابها على وجه العموم، وحملوا ما ورد فيها على أحوال مخصوصة.
وهذا الخلاف، على صغر المسألة في ظاهرها، يفتح أمامنا بابًا مهمًّا من أبواب الفقه وأصول الاستدلال:
كيف نفهم الحديث النبوي في ضوء الآثار الواردة عن الصحابة، ومواقف أئمة الفقه الذين عاصروا آثارهم، وعرفوا طرائقهم في الصلاة؟
وهل يكفي ثبوت الفعل النبوي لإثبات استحبابه على وجه العموم، أم لا بد من النظر في القرائن والأحوال التي احتفت به؟
هذه هي القضية التي تستحق التأمل.
أولًا: أحاديث جلسة الاستراحة
استدل القائلون باستحباب جلسة الاستراحة بأحاديث صحيحة، من أشهرها حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه.
قال مالك بن الحويرث رضي الله عنه:
«أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا».
وفي رواية أخرى أنه صلى بأصحابه، وقال إنه إنما صلى بهم ليُريهم كيف رأى رسول الله ﷺ يصلي، وجاء في وصف صلاته أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام.
وقد أخذ بظاهر هذه الأحاديث عدد من أهل العلم، ورأوا أن جلسة الاستراحة من الهيئات المشروعة في الصلاة.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، في معرض شرحه للحديث:
«وفيه مشروعية جلسة الاستراحة، وأخذ بها الشافعي وطائفة من أهل الحديث».
ونقل الإمام النووي رحمه الله استحبابها، مستندًا إلى صحة الأحاديث الواردة فيها.
وهذه الأدلة هي العمدة التي اعتمد عليها القائلون بسنيتها، ولا يصح تجاهلها أو التقليل من شأنها.
لكن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد؛ إذ تقابل هذه الروايات آثارٌ أخرى عن عدد من كبار الصحابة، تدل على أنهم كانوا ينهضون من السجود إلى القيام دون الجلوس جلسة الاستراحة.
وهنا يبدأ البحث في كيفية الجمع بين هذه النصوص والآثار.
ثانيًا: ماذا كان يفعل كبار الصحابة؟
نقل أهل العلم آثارًا عن عدد من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، تدل على أنهم كانوا ينهضون إلى القيام دون الجلوس للاستراحة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ناقلًا بعض هذه الآثار:
«ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه ولم يجلس، ونحوه عن علي وعمر وابن عمر وابن الزبير».
ونقل أيضًا عن الشعبي أن عمر وعليًّا وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم.
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله، في معرض بيان الخلاف:
«وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وبه يقول مالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي».
ثم نقل عن الترمذي قوله:
«وعليه العمل عند أهل العلم».
وهذه النقول تبيّن أن عدم الجلوس للاستراحة لم يكن قولًا شاذًّا أو اجتهادًا طارئًا، بل هو اتجاه فقهي معروف، نُقل عن جماعة من الصحابة، وأخذ به عدد من كبار الأئمة.
ومن هنا يبرز السؤال:
إذا كانت أحاديث جلسة الاستراحة ثابتة، وكان عدد من كبار الصحابة لا يفعلونها، فكيف نفهم موقفهم؟
ثالثًا: هل ترك الصحابة لجلسة الاستراحة مخالفة للسنة؟
إن تصوير المسألة على أن النبي ﷺ فعل جلسة الاستراحة، ثم تركها كبار الصحابة إهمالًا للسنة أو تساهلًا في اتباعها، تصوير يحتاج إلى مراجعة.
فالصحابة رضي الله عنهم كانوا أحرص الناس على اتباع رسول الله ﷺ، وأعرفهم بأحواله، وأقربهم إلى مشاهدة عبادته وتلقي هديه.
ولا يعني ذلك أنهم معصومون من الخطأ، أو أن كل اجتهاد يصدر عن أحدهم لا يُناقش؛ وإنما المقصود أن فهم مواقفهم لا ينبغي أن يقوم على اتهامهم بالتقصير، بل على البحث في الأدلة والقرائن التي يمكن أن تفسر اختلاف العمل.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: ثبوت أن النبي ﷺ فعل هيئة معينة في الصلاة.
الثاني: ثبوت أن هذه الهيئة مقصودة للتشريع العام، وأنها مطلوبة من كل مصلٍّ في جميع الأحوال.
فليس كل فعل نبوي يدل بالضرورة على الوجوب، كما أن دلالة الفعل على الاستحباب العام قد تحتاج إلى النظر في سياقه والقرائن المحيطة به.
ومن هذا الباب جاء اختلاف العلماء في جلسة الاستراحة.
فمنهم من رأى أن الأحاديث تدل على مشروعيتها عمومًا، ومنهم من رأى أن فعلها ارتبط بحال النبي ﷺ في أواخر حياته، وما كان عليه من الكِبَر وثقل البدن.
وهذا هو التفسير الذي يدافع عنه الاتجاه الذي يتبناه هذا المقال.
رابعًا: هل كانت جلسة الاستراحة مرتبطة بكِبَر السن؟
يرتكز هذا التفسير على النظر في زمن رواية مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وفيما ثبت من أحاديث عن حال النبي ﷺ في أواخر حياته.
فقد أقام مالك بن الحويرث رضي الله عنه مع النبي ﷺ عشرين يومًا وليلة، ثم رجع إلى قومه، وقد قدم عليه في أواخر حياته.
وفي المقابل، وردت أحاديث عن عائشة رضي الله عنها، تدل على أن النبي ﷺ كان يصلي بعض صلاته قاعدًا بعدما أسنّ وثقل بدنه.
ومن ذلك قولها رضي الله عنها، في وصف حاله في أواخر حياته، إنه كان يصلي كثيرًا من صلاته جالسًا.
كما ورد عنه ﷺ قوله:
«إني قد بدّنت».
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا المعنى على أن بعض الهيئات التي ظهرت في صلاته ﷺ في أواخر حياته كانت مرتبطة بما لحقه من الكِبَر وضعف البدن.
وعلى هذا الفهم، فإن جلسة الاستراحة ليست مقصودة لذاتها في كل صلاة، وإنما قد تكون وسيلة للاستعانة على النهوض، ورفع المشقة عن المصلي.
ويستأنس أصحاب هذا الاتجاه بكون عدد من الصحابة الذين لازموه ﷺ لم يكونوا يجلسون هذه الجلسة، وبما نُقل عنهم من النهوض مباشرة إلى القيام.
لكن ينبغي التنبه إلى أن هذا استدلال اجتهادي في تفسير الروايات، وليس نصًّا صريحًا قاطعًا في أن جلسة الاستراحة لا تُشرع إلا عند الحاجة؛ ولذلك بقي الخلاف قائمًا بين أهل العلم.
خامسًا: مكانة عمل الصحابة في فهم السنة
من القواعد المهمة في دراسة الحديث والفقه أن عمل الصحابة وفهمهم قد يكون له أثر في الترجيح بين الأقوال، ولا سيما حين تتعدد الروايات أو تحتمل النصوص أكثر من وجه.
وقد اعتنى العلماء بآثار الصحابة، واستدلوا بها في مواضع كثيرة، ورأوا أن معرفة عملهم تساعد على فهم النصوص، وتكشف عن كيفية تلقيهم لها وتطبيقهم إياها.
ومن ذلك ما يذكره الشيخ الألباني رحمه الله في بعض مباحثه الحديثية، حين يستأنس بعمل كبار الصحابة في تقوية بعض الأحاديث أو ترجيح بعض المعاني.
فإذا كان عمل الصحابي معتبرًا في بعض مسائل الترجيح، فإن من المشروع علميًّا أن نبحث في دلالة عمل الصحابة الذين لم يكونوا يجلسون جلسة الاستراحة، وأن نسأل: هل كانوا يرون أن الحديث لا يدل على الاستحباب العام؟ أم كانوا يحملون الفعل على حال مخصوصة؟ أم كان لهم في المسألة اجتهاد آخر؟
هذه أسئلة علمية مشروعة، ولا يصح أن تُغلق بمجرد القول إن الحديث في صحيح البخاري.
فصحة الحديث أمر، وتحديد دلالته الفقهية أمر آخر.
وقد يكون الحديث صحيحًا، ثم يختلف العلماء في فهمه، أو في الجمع بينه وبين غيره من الأدلة.
وهذا من أسباب اختلاف الفقهاء، وليس دليلًا على إهمالهم للسنة.
سادسًا: هل كثرة الصحابة المخالفين تكفي وحدها للترجيح؟
من المهم هنا ألا ننتقل من طرف إلى آخر.
فكما لا يصح إهمال آثار الصحابة لمجرد وجود حديث صحيح في المسألة، لا يصح أيضًا أن نجعل مجرد كثرة الآثار عنهم كافية وحدها لإبطال دلالة الحديث.
بل لا بد من النظر في أمور متعددة، منها:
ثبوت الأحاديث والآثار من جهة الإسناد.
دلالة الألفاظ والسياق الذي وردت فيه.
إمكان الجمع بين الروايات بدل افتراض التعارض.
معرفة ما إذا كان الفعل النبوي وقع لبيان حكم عام أو لحاجة مخصوصة.
النظر في أقوال العلماء الذين تناولوا المسألة، وأدلتهم في فهم النصوص.
فالمسألة ليست مفاضلة مجردة بين صحابي وآخر، ولا بين حديث وأثر، وإنما هي بحث في مجموع الأدلة ووجوه دلالتها.
ومن الخطأ أن يتحول الاستدلال بمكانة الصحابة إلى وسيلة لإسقاط النصوص، كما أن من الخطأ أن يتحول الاستدلال بظاهر حديث إلى وسيلة لإهدار فهم الصحابة وآثارهم.
والمنهج العلمي يقتضي جمع الأدلة، وفهمها في سياقها، ثم النظر في وجوه الجمع والترجيح.
سابعًا: هل اختلاف العلماء في جلسة الاستراحة خلاف في السنة؟
إن وجود هذا الخلاف بين أئمة معتبرين يكشف عن طبيعة الاجتهاد الفقهي، وكيف يمكن للنصوص نفسها أن تكون محل نظر من جهات متعددة.
فالقائلون بالاستحباب يستندون إلى أحاديث صحيحة في صفة صلاة النبي ﷺ.
والذين لم يروا استحبابها على وجه العموم يستندون إلى آثار عن الصحابة، وإلى فهمهم للقرائن المتعلقة بحال النبي ﷺ، وإلى ما نقل عن أئمة الفقه في المسألة.
ولا يلزم من هذا أن يكون الفريق الأول متساهلًا في اتباع السنة، أو أن يكون الفريق الثاني معرضًا عن الحديث الصحيح.
بل كل فريق ينطلق من اجتهاد في فهم الأدلة، مع تفاوت العلماء في تقدير دلالاتها ووجوه الجمع بينها.
وهنا تظهر أهمية التفريق بين مخالفة النص وبين مخالفة فهمٍ اجتهادي للنص.
فقد يثبت الحديث عند العالم، لكنه لا يرى أن دلالته تقتضي ما ذهب إليه غيره. وقد يرى أن الفعل النبوي مرتبط بقرينة أو حال مخصوصة.
وهذا النوع من الخلاف لا يُحسم بالتشنيع، وإنما بالبحث العلمي ومناقشة الأدلة.
الخلاصة
إن مسألة جلسة الاستراحة مثال واضح على أهمية الجمع بين الروايات، والنظر في عمل الصحابة، وفهم مناهج أئمة الفقه في الاستدلال.
وقد ذهب فريق من العلماء إلى استحبابها، اعتمادًا على الأحاديث الواردة فيها، بينما لم ير فريق آخر استحبابها على وجه العموم، وحملوا فعل النبي ﷺ لها على حال مخصوصة.
والذي ينبغي التأكيد عليه أن صحة الحديث لا تعني بالضرورة اتفاق العلماء على دلالته، كما أن اختلافهم في دلالته لا يعني إعراض أحدهم عن السنة.
ومن أراد بحث هذه المسألة بحثًا منصفًا، فعليه أن يجمع النصوص، ويدرس الآثار، ويتأمل وجوه الاستدلال، بعيدًا عن التعصب لقول أو مذهب.
فالسنة النبوية هي الأصل الذي يرجع إليه الجميع، وفهم العلماء لها اجتهاد يُعرف قدره بدليله، لا بمجرد الانتساب إلى قائله.
وإذا كان أئمة الفقه قد اختلفوا في هذه المسألة، مع حرصهم على اتباع رسول الله ﷺ، فليس من الإنصاف أن نجعلها سببًا للتبديع أو الانتقاص أو الطعن في النيات.
فالخلاف الاجتهادي لا يُعالج بالتعصب، وإنما بالعلم والإنصاف، وردّ المسائل إلى أدلتها، وحفظ مكانة أهل العلم، مع بقاء حق البحث والمناقشة والترجيح.
والله تعالى أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق