الأحد، 27 سبتمبر 2026

جلسة الاستراحة في الصلاة… رخصةٌ عند الحاجة لا سنةٌ راتبة

 

جلسة الاستراحة في الصلاة… رخصةٌ عند الحاجة لا سنةٌ راتبة

هل كلُّ فعلٍ فعله النبي ﷺ يُشرع لكل مسلم أن يداوم عليه في كل صلاة؟ وهل مجرّد ثبوت الفعل النبوي يكفي للحكم بأنه سنةٌ راتبة؟

من المسائل الفقهية التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم مسألةُ جلسة الاستراحة؛ وهي الجلسة الخفيفة التي يجلسها المصلّي بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة، قبل أن ينهض إلى الركعة التالية.

وقد ذهب بعض العلماء إلى استحبابها مطلقًا، ورأى آخرون أنها ليست من سنن الصلاة الراتبة، وإنما يفعلها المصلّي عند الحاجة إليها، كالكِبَر أو الضعف أو المرض أو مشقة النهوض.

وهذا القول الأخير هو الذي نريد الوقوف عند أدلته، وبيان وجهه، بعيدًا عن التعصّب للأقوال، أو تحويل المسائل الاجتهادية إلى معارك بين المسلمين.

أولًا: ثبوت الفعل النبوي لا يعني بالضرورة سُنِّيَّته الراتبة

ثبت في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.

وهذا الحديث أصلٌ مهم في مسألة جلسة الاستراحة، ولا يصح تجاهله أو ردّه لمجرّد مخالفته لما اعتاده المرء من صفة الصلاة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا هو:

هل كل فعلٍ فعله النبي ﷺ في صلاته يُحمل بالضرورة على أنه سنةٌ راتبة يُطلب من كل مصلٍّ فعلها في كل صلاة؟

ليس الأمر كذلك على إطلاقه؛ فالفعل النبوي قد يكون للتعبّد، وقد يكون لبيان الجواز، وقد يقع لحاجة أو سبب عارض. ولا بدّ من النظر في القرائن والأدلة الأخرى لمعرفة وجه الفعل ودلالته.

وهذا هو موضع البحث في جلسة الاستراحة: هل فعلها النبي ﷺ على جهة التشريع العام، أم أن لها صلةً بحاله البدنية في ذلك الوقت؟

تم لصق markdown(3).md

ثانيًا: هل كانت جلسة الاستراحة من هديه الدائم؟

من الأدلة التي يستند إليها القائلون بعدم استحباب جلسة الاستراحة مطلقًا أن عددًا من الصحابة الذين وصفوا صلاة النبي ﷺ لم يذكروا هذه الجلسة في وصفهم.

وقد استدل ابن القيم رحمه الله بهذا المعنى، وذكر أن الفقهاء اختلفوا فيها: هل هي من سنن الصلاة التي يُستحب لكل أحد فعلها، أم ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟

ثم أشار إلى أن مجرّد فعل النبي ﷺ لا يدل وحده على أن الفعل من سنن الصلاة، ما لم يُعلم أنه فعله على جهة الاقتداء والتشريع، لا لحاجة عارضة.

وهذه ملاحظة أصولية جديرة بالتأمل؛ إذ إن الفعل النبوي ثابتٌ من حيث وقوعه، لكن دلالته على الاستحباب العام تحتاج إلى النظر في سياقه وقرائنه.

تم لصق markdown(3).md

ثالثًا: حال النبي ﷺ في أواخر عمره

من وجوه الجمع التي ذكرها عدد من أهل العلم أن النبي ﷺ فعل جلسة الاستراحة لحاجةٍ تتعلق بالكِبَر أو ضعف البدن أو مشقة القيام.

وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله عن القائلين بعدم استحبابها تمسّكهم بما ورد في معنى قوله ﷺ: «إني قد بدَّنت»، وذكر أن ذلك قد يدل على أن الجلوس كان لسبب خاص، فلا يُشرع إلا لمن اتفق له نحو ذلك.

كما نقل ابن قدامة المقدسي رحمه الله أن جلسة الاستراحة قد تكون لمشقة القيام، وأن الحاجة إلى الاعتماد على الأرض عند النهوض قد تنشأ عن كِبَر أو ضعف أو مرض أو سِمَن ونحو ذلك.

وهذا الوجه لا يقوم على إنكار الحديث، وإنما على تفسير الفعل النبوي في ضوء الحال التي وقع فيها، والجمع بين الروايات بدل افتراض التعارض بينها.

تم لصق markdown(3).md

رابعًا: ماذا عن الصحابة الذين لم يجلسوا؟

نُقل عن عدد من الصحابة أنهم كانوا ينهضون من السجود إلى القيام دون جلسة الاستراحة، كما نُقل هذا عن جماعة من أهل العلم.

وهنا تظهر أهمية النظر في عمل الصحابة؛ فهم الذين شاهدوا صلاة النبي ﷺ، وعرفوا هيئتها، وكانوا أحرص الناس على الاقتداء به.

ولا يعني ذلك أن ترك بعض الصحابة لهذه الجلسة يُبطل دلالة حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، أو أن عملهم وحده يحسم المسألة؛ وإنما المقصود أن هذه الآثار تُعدّ من القرائن التي يستأنس بها في فهم الحديث، ولا سيما عند الجمع بين الروايات والنظر في كيفية تطبيق الصحابة للسنة.

وقد أشار أهل العلم إلى أن اختلاف الآثار في هذه المسألة كان من أسباب اختلاف الفقهاء في حكمها.

تم لصق markdown(3).md

خامسًا: جلسة الاستراحة بين السنة الراتبة والرخصة عند الحاجة

ينبغي التفريق بين أمرين:

  • ثبوت أن النبي ﷺ جلس جلسة الاستراحة في بعض صلاته.

  • القول بأن هذه الجلسة سنةٌ راتبة يُستحب لكل مصلٍّ المحافظة عليها في كل صلاة.

فالأول ثابت بالحديث، أما الثاني فهو محلّ الخلاف الفقهي.

والقول بأنها رخصة عند الحاجة يستند إلى احتمال أن النبي ﷺ فعلها لمشقة القيام، وأنها ليست هيئةً راتبةً لازمةً لكل مصلٍّ، وإنما يُشرع فعلها لمن احتاج إليها بسبب كِبَر أو ضعف أو مرض أو نحو ذلك.

وهذا لا يعني أن من جلسها تعبّدًا أو أخذًا بقول من يستحبها مطلقًا يكون قد خالف السنة؛ فالمسألة اجتهادية، ولها أدلتها وأقوال أهل العلم فيها.

وإنما المقصود بيان أن الفعل النبوي لا يُفهم بمعزل عن سائر الأدلة والقرائن، وأن ثبوت الفعل لا يستلزم وحده الحكم باستحباب المداومة عليه لكل أحد.

سادسًا: لماذا لا ينبغي تحويل المسألة إلى إنكارٍ وتبديع؟

جلسة الاستراحة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم قديمًا، فلا يصح أن يجعلها أحدٌ معيارًا للحكم على التزام الناس بالسنة، أو أن يُنكر على من فعلها، أو على من تركها تقليدًا لمن يرى عدم استحبابها.

فمن جلسها عملًا بالحديث، أو تقليدًا لمن استحبها، فله مستنده الفقهي.

ومن تركها أخذًا بقول من يرى أنها ليست سنةً راتبة، وإنما تُفعل عند الحاجة، فله كذلك مستنده.

والإنصاف يقتضي أن نعرض المسألة كما عرضها الفقهاء: خلافٌ في فهم دلالة الفعل النبوي، وفي الجمع بين الروايات، لا خلافٌ بين محبٍّ للسنة ومخالفٍ لها.

الخلاصة

إن جلسة الاستراحة ثابتةٌ عن النبي ﷺ، لكن الخلاف إنما هو في دلالتها: هل هي سنةٌ راتبة لكل مصلٍّ، أم فعلٌ وقع لحاجة، فيُشرع لمن احتاج إليه؟

والقول بأنها رخصةٌ عند الحاجة لا سنةٌ راتبة قولٌ معروف عند أهل العلم، يستند إلى الجمع بين الروايات، والنظر في حال النبي ﷺ، وما نُقل عن الصحابة والفقهاء.

والمقصود من هذا البحث ليس التقليل من شأن السنة النبوية، بل التأكيد على أن اتباع السنة لا يكون بمجرد إثبات الفعل، وإنما بفهم دلالته، ومعرفة سياقه، وجمع النصوص الواردة في الباب.

فلا ينبغي أن نُلزم الناس بهيئةٍ اختلف العلماء في دلالة أدلتها، ولا أن نجعل مسائل الاجتهاد سببًا للتنازع والتبديع.

والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق