الإسلام والمرأة: الميراث والشهادة… هل الظاهر من الحكم هو كل الحقيقة؟
شبهتان تتكرران كثيرًا… والجواب يحتاج إلى علم لا إلى شعارات
من أكثر ما يُثار عند الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام قضيتان تتكرران بصورة لافتة:
الميراث… والشهادة.
يقال:
المرأة ترث نصف الرجل، إذن الإسلام انتقص منها!
ويقال:
شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، إذن المرأة أقل أهلية من الرجل!
ثم تُبنى على هاتين المقدمتين أحكام كبيرة على الإسلام كله.
لكن المشكلة أن كلا الاستدلالين يبدأ من اختزال حكم فقهي معقد في عبارة قصيرة، ثم تحويل هذا الاختزال إلى حكم شامل على مكانة المرأة.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق الحكم هو:
هل فعلًا ترث المرأة دائمًا نصف الرجل؟ وهل شهادة المرأة دائمًا على النصف من شهادة الرجل؟
هنا تبدأ الحقيقة.
أولًا: عبارة «المرأة ترث نصف الرجل» ليست قاعدة عامة
هذه العبارة من أكثر العبارات تداولًا، لكنها غير دقيقة إذا أُطلقت على جميع مسائل المواريث.
فالمواريث في الشريعة الإسلامية ليست قاعدة واحدة تقول:
كل رجل يأخذ ضعف كل امرأة.
بل هي منظومة دقيقة تتداخل فيها صلة القرابة، ودرجة القرب من الميت، وعدد الورثة، ووجود الحاجب، وغير ذلك من أحكام الفرائض.
ولهذا فإن المرأة في علم المواريث ليست شخصًا واحدًا.
فهي قد تكون:
بنتًا، أو أمًّا، أو زوجة، أو أختًا، أو جدة، أو بنت ابن، أو غير ذلك من الوارثات.
ولكل حالة حكمها.
ثانيًا: متى ترث المرأة نصف الرجل؟
هناك حالات محددة نص فيها القرآن على أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال تعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
لكن هذا الحكم ليس قاعدة عامة في جميع صور الميراث.
وقد بيّنت دار الإفتاء المصرية أن الحالات التي يكون فيها نصيب الأنثى نصف نصيب الذكر تنحصر في أربع صور مشهورة، منها اجتماع الابن والبنت، واجتماع الأخ الشقيق والأخت الشقيقة، واجتماع الأخ لأب والأخت لأب، واجتماع ابن الابن وبنت الابن عند تحقق شروط ذلك.
إذن:
قول «الإسلام يجعل المرأة دائمًا على النصف من الرجل» غير صحيح.
ثالثًا: المرأة قد ترث مثل الرجل
وهنا تظهر أهمية دراسة المواريث بدل الاكتفاء بالشعارات.
فقد توجد حالات يكون فيها نصيب المرأة مساويًا لنصيب الرجل.
وقد ذكرت دار الإفتاء المصرية أمثلة متعددة لذلك، وأكدت أن استقراء مسائل الميراث يكشف عن أكثر من ثلاثين حالة تتساوى فيها المرأة مع الرجل، أو تزيد عليه، أو ترث فيها ولا يرث نظيرها من الرجال.
ومن الأمثلة التي ذكرتها الدار:
الأب والأم مع وجود الفرع الوارث؛ ففي بعض صورها يتساوى نصيب الأب مع نصيب الأم.
وكذلك توجد صور أخرى تتساوى فيها بعض النساء مع بعض الرجال بحسب تركيب الورثة.
وهذا وحده يكشف خطأ تحويل مسألة «للذكر مثل حظ الأنثيين» إلى قانون شامل لكل ميراث المرأة.
رابعًا: بل قد ترث المرأة أكثر من الرجل
وهذه نقطة يغفل عنها كثير ممن يتحدث عن الموضوع دون دراسة علم الفرائض.
فقد تكون المرأة في بعض صور الميراث صاحبة نصيب أكبر من نصيب رجل موجود معها في التركة.
وقد تكون المرأة هي الوارثة، بينما لا يرث نظيرها من الرجال في صورة معينة.
وقد أوردت دار الإفتاء المصرية هذا المعنى صراحة، وذكرت أن استقراء أحوال المرأة في الميراث يظهر صورًا تساوي فيها الرجل، وصورًا تزيد عليه، وصورًا ترث فيها ولا يرث نظيرها من الرجال.
وهذا يجعل العبارة:
«المرأة في الإسلام ترث نصف الرجل»
عبارة مبتورة لا تعكس نظام المواريث كله.
خامسًا: الميراث لا يقوم على الذكورة والأنوثة وحدهما
وهنا نصل إلى نقطة جوهرية.
لو كان الميراث في الإسلام قائمًا ببساطة على قاعدة:
الرجل أفضل من المرأة، ولذلك يأخذ أكثر منها دائمًا
لكانت المسألة سهلة جدًا:
كل رجل يأخذ أكثر من كل امرأة.
لكن هذا ليس واقع علم المواريث.
فدار الإفتاء المصرية بينت أن توزيع الأنصبة يرتبط بمعايير متعددة، منها درجة القرابة، والمرحلة العمرية، والأعباء المالية، لا بمجرد كون الوارث رجلًا أو امرأة.
ولهذا قد ترث امرأة أكثر من رجل، وقد تتساوى معه، وقد ترث هي ولا يرث هو.
سادسًا: لماذا يوجد تفاوت في بعض صور الميراث؟
هنا لا بد من التفريق بين أمرين:
الحكمة من الحكم
والعلة الشرعية للحكم.
فالأحكام التي نص عليها القرآن لا تتوقف صحتها على أن يدرك الإنسان جميع حكمها.
ومع ذلك، ذكر العلماء حكمًا ومعانيَ تتعلق بتفاوت الأعباء المالية والمسؤوليات.
ومن أبرز ما يُذكر هنا أن الشريعة أوجبت على الرجل في نظام الأسرة أعباء مالية كالنفقة، بينما لا تُلزم المرأة بالإنفاق على زوجها وأولادها لمجرد كونها زوجة وأمًّا.
لكن ينبغي ألا نحول هذه الحكمة إلى قاعدة حسابية جامدة نقول فيها إن كل حالة ميراث يمكن تفسيرها بعبء مالي واحد.
فالمواريث علم له تفاصيل دقيقة، والحكمة قد تتعدد، وقد تخفى بعض وجوهها.
سابعًا: والأهم… لا يجوز للرجل أن يأخذ ميراث المرأة بحجة أنه رجل
وهنا مفارقة مهمة.
قد يستخدم بعض الناس قضية الميراث للاعتراض على الإسلام، بينما المشكلة الحقيقية في بعض المجتمعات ليست في حكم الإسلام، وإنما في مخالفة حكم الإسلام.
فالشريعة أعطت المرأة حقها في الميراث.
لكن قد توجد أعراف اجتماعية تحرم المرأة من نصيبها، أو تضغط عليها للتنازل عنه، أو تمنعها من المطالبة به.
وهذا ظلم لا يجوز نسبته إلى الإسلام.
وقد شددت دار الإفتاء المصرية في بياناتها على ضرورة حفظ حقوق النساء في أموالهن، وحذرت من أكل حقوقهن في المواريث.
إذن:
الإسلام لا يُلام على جريمة ارتكبها من خالف أحكامه.
ثامنًا: نأتي إلى الشبهة الثانية… شهادة المرأة
أما مسألة الشهادة، فهي أيضًا من أكثر المسائل التي تُختزل في عبارة:
«شهادة المرأة نصف شهادة الرجل.»
وهذه العبارة بهذا الإطلاق تحتاج إلى تصحيح.
فالآية التي يُستدل بها في هذا الباب تتعلق بتوثيق الديون والمعاملات المالية.
قال تعالى:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾
وهذه الآية جاءت في سياق توثيق الدين والمعاملات المؤجلة، وليس في كل أبواب الشهادة والقضاء.
ولهذا لا يصح تحويل هذا الحكم الخاص إلى قاعدة تقول:
«الإسلام يعتبر المرأة نصف الرجل في كل شهادة.»
فهذا تعميم لا يطابق تفاصيل الفقه الإسلامي.
تاسعًا: الشهادة ليست بابًا واحدًا في الفقه الإسلامي
عند دراسة الشهادة في كتب الفقه نجد اختلافًا في أحكامها بحسب نوع القضية ومجالها وطبيعة الواقعة.
فليست كل شهادة مالية.
وليست كل الوقائع من النوع الذي تتحدث عنه آية الدين.
ولهذا فإن اختزال المسألة كلها في آية واحدة ثم إصدار حكم شامل على أهلية المرأة العلمية أو العقلية أو الإنسانية ليس استدلالًا دقيقًا.
بل ينبغي أن نسأل:
عن أي شهادة نتحدث؟
وفي أي نوع من القضايا؟
وما شروط الإثبات في تلك القضية؟
وما قول الفقهاء فيها؟
وهنا يظهر الفرق بين دراسة الحكم وبين ترديد الشبهة.
عاشرًا: هل المرأة أقل أهلية عقلية لأنها امرأة؟
لا يصح أن نستخرج من اختلاف بعض أحكام الشهادة حكمًا عامًا بأن المرأة أقل قيمة أو عقلًا من الرجل.
فالقرآن لم يجعل التقوى والفضل والكرامة الإنسانية مرتبطة بالذكورة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
وقال سبحانه:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
فالحكم على أهلية المرأة الإنسانية والعقلية بمجرد كونها امرأة ليس منطقًا مستفادًا من هذه النصوص.
حادي عشر: المشكلة ليست في النص… بل في القراءة المجتزأة
لو أردنا أن نختزل الإسلام في جملة واحدة، لأمكن لأي شخص أن يصنع «شبهة» حول أي موضوع.
نأخذ آية من سياقها.
ثم نأخذ حكمًا من منظومته.
ثم نترك عشرات النصوص الأخرى.
ثم نقول:
«انظروا! الإسلام ظلم المرأة.»
لكن القراءة العلمية لا تكون هكذا.
فالإنصاف يقتضي أن نقرأ:
النص، وسياقه، وأحكامه المرتبطة به، وتطبيقاته الفقهية، والصورة الكاملة للتشريع.
وعندها تتضح الفروق بين:
الاختلاف والانتقاص.
والعدل والمساواة الحسابية.
والحكم الشرعي والتطبيق الاجتماعي.
ثاني عشر: ليست كل مساواة عدلًا
وهذه خلاصة المقال السابق أيضًا.
فإذا قلنا:
الرجل والمرأة يجب أن يتساويا في كل شيء لأنهما متساويان في الإنسانية
فقد خلطنا بين أمرين:
المساواة في الكرامة
وهي أصل ثابت.
والتطابق في جميع الأحكام
وهو أمر آخر.
فالعدل لا يعني دائمًا أن يحصل الجميع على المقدار نفسه.
وإذا كان الاختلاف في بعض الأحكام لا يقوم على مجرد التمييز، بل على منظومة من الحقوق والواجبات والمسؤوليات، فلا يصح وصفه بالظلم لمجرد وجود الاختلاف.
الخلاصة: قبل أن تطالب بتغيير الحكم… تعلّم الحكم أولًا
ليس من الإنصاف أن يأتي شخص لا يعرف علم الفرائض، ثم يسمع عبارة:
«للذكر مثل حظ الأنثيين»
فيظن أن هذه قاعدة تشمل كل امرأة وكل رجل في جميع مسائل الميراث.
فهذا ليس علمًا، بل تعميم لحكم خاص على نظام كامل.
كما ليس من الإنصاف أن تُختزل أحكام الشهادة كلها في صورة واحدة، ثم يُبنى عليها حكم شامل على أهلية المرأة.
إن من أراد مناقشة الإسلام في قضية المرأة، فليبدأ بالعلم قبل الحكم، وبالتفصيل قبل التعميم.
وقد بينت دار الإفتاء المصرية أن المرأة لا ترث نصف الرجل على إطلاقه، بل إن استقراء مسائل المواريث يظهر أكثر من ثلاثين حالة تتساوى فيها المرأة مع الرجل أو تزيد عليه أو ترث ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابل حالات محددة يكون فيها نصيبها نصف نصيب الرجل.
فليس السؤال: لماذا تأخذ المرأة نصف الرجل؟
بل السؤال الأدق:
في أي حالة؟ ولماذا؟ وما بقية حالات الميراث؟
وليس السؤال:
هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل دائمًا؟
بل:
ما نوع الشهادة؟ وما القضية؟ وما النص الذي يحكمها؟
فمن أراد أن يناقش حكمًا شرعيًا، فليقرأه كاملًا قبل أن يحكم عليه.
ومن أراد أن ينصف المرأة، فليعرف حقوقها التي قررها الإسلام قبل أن يطالب بتغيير أحكامه.
والله تعالى يقول:
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق