الإسلام والمرأة: هل ساوى بين الرجل والمرأة أم أقام العدل بينهما؟
المشكلة تبدأ عندما نجعل المساواة مرادفة للعدل
من أكثر الشبهات تكرارًا في الحديث عن المرأة في الإسلام:
لماذا لا يساوي الإسلام بين الرجل والمرأة في جميع الأحكام؟
فإذا اختلف نصيب أحدهما عن الآخر في مسألة، أو اختلفت بعض المسؤوليات، أو تميزت بعض الأحكام، قيل مباشرة:
هذه تفرقة… وهذه انتقاص… وهذا ظلم.
لكن قبل إطلاق هذا الحكم، هناك سؤال أكثر أهمية:
هل العدل يعني أن يكون الرجل والمرأة متطابقين في كل شيء؟
هنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية.
فالإسلام لم يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بكونه رجلًا أو امرأة، لكنه في الوقت نفسه لم يجعل العدل قائمًا على قاعدة واحدة تقول:
«كل ما للرجل يجب أن يكون للمرأة بالصورة نفسها، وكل ما على الرجل يجب أن يكون على المرأة بالصورة نفسها».
فالعدل أوسع من مجرد التطابق.
أولًا: المساواة الإنسانية أصل لا خلاف فيه
حين يتحدث القرآن عن أصل الإنسان، لا يجعل الرجل أصلًا والمرأة فرعًا عنه.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾
وقال:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فالرجل والمرأة يشتركان في أصل الإنسانية، وفي المسؤولية أمام الله، وفي إمكان التقرب إليه والعمل الصالح ونيل الثواب.
ولا توجد في الإسلام قاعدة تقول إن الرجل أكرم عند الله لمجرد كونه رجلًا، أو أن المرأة أقل قيمة لمجرد كونها امرأة.
بل معيار التفاضل الذي قرره القرآن هو:
التقوى والعمل الصالح.
ثانيًا: لكن المساواة في الكرامة لا تعني التطابق في كل الأحكام
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين.
هناك فرق بين قولنا:
الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية.
وبين قولنا:
الرجل والمرأة متطابقان في كل الخصائص والأدوار والأحكام.
الأول أصل قرره الإسلام.
أما الثاني فليس هو مفهوم الإسلام عن العلاقة بين الجنسين.
فالإنسانان قد يتساويان في الكرامة، ثم تختلف بعض مسؤولياتهما أو أحكامهما بحسب طبيعة العلاقة أو المسؤولية أو الظروف.
وهذا لا يعني أن أحدهما أفضل إنسانيًا من الآخر.
فالقيمة شيء، وتوزيع المسؤوليات شيء آخر.
ثالثًا: العدل ليس دائمًا أن تعطي الجميع الشيء نفسه
لو كان العدل يعني إعطاء كل إنسان المقدار نفسه في كل ظرف، لما احتجنا إلى مفهوم المسؤولية أصلًا.
فالعدل قد يكون:
مساواة في موضع، وتفريقًا في موضع آخر.
والسؤال الصحيح عند وجود اختلاف في الحكم ليس:
«هل اختلف الرجل عن المرأة؟»
بل:
«لماذا اختلف الحكم؟ وما الحقوق والواجبات المقابلة له؟»
وهذه قاعدة مهمة جدًا في فهم الأحكام الشرعية.
فلا يجوز اقتطاع حكم واحد من منظومة كاملة، ثم تقديمه باعتباره دليلًا على ظلم المرأة، دون النظر إلى بقية الحقوق والالتزامات المرتبطة به.
رابعًا: الإسلام لا ينظر إلى الأسرة باعتبارها صراعًا بين رجل وامرأة
من الأخطاء الحديثة تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة على أنها منافسة دائمة:
من يملك السلطة؟
من يملك القرار؟
من يأخذ أكثر؟
ومن يتنازل؟
لكن التصور الإسلامي للأسرة مختلف.
الأسرة ليست ميدانًا لصراع الحقوق، وإنما بناء يقوم على المسؤولية والتعاون والمودة والرحمة.
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
وقال سبحانه:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
فالعلاقة الزوجية في أصلها ليست علاقة مالك بمملوك، ولا علاقة سيد بتابع، وإنما علاقة إنسان بإنسان، تجمعهما رابطة الزواج وما يترتب عليها من حقوق وواجبات.
خامسًا: القوامة ليست امتيازًا مفتوحًا للرجل
ومن أكثر المفاهيم التي تُثار حولها الشبهات قضية القوامة.
قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
لكن القوامة لا يصح أن تُفهم على أنها:
رخصة للسيطرة، أو إلغاء لشخصية المرأة، أو حق مفتوح في الظلم.
فالقوامة مرتبطة في الآية نفسها بالمسؤولية والإنفاق، وليست مجرد لقب يمنح صاحبه امتيازات بلا التزامات.
وكلما تحولت القوامة إلى ظلم أو استبداد أو إهانة، فقد ابتعدت عن مقصودها الأخلاقي والشرعي.
ولهذا جاء الأمر:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
فالمسؤولية لا تعني الاستبداد، والقيادة الأسرية لا تعني إلغاء الطرف الآخر.
سادسًا: الإسلام أعطى المرأة شخصية مستقلة
لو كانت المرأة في التصور الإسلامي مجرد تابع للرجل، لما قرر لها الإسلام ذمة مالية وحقوقًا مستقلة.
قال تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾
وقال سبحانه:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾
فالمرأة لها مالها، ولها حقها في الميراث، ولها ذمة مالية، ولا تصبح أموالها ملكًا لزوجها بمجرد الزواج.
وهذه ليست قضية شكلية، وإنما جزء من الاعتراف القانوني والإنساني بشخصيتها.
سابعًا: المرأة شريكة في المسؤولية الدينية والأخلاقية
لم يجعل الإسلام العبادة والجزاء طريقًا خاصًا بالرجال.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ... أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
فالمرأة مخاطبة بالإيمان والعبادة والأخلاق، والرجل كذلك.
وكلاهما مسؤول عن اختياراته وأعماله.
وهذا جانب جوهري من الكرامة:
أن يكون الإنسان مسؤولًا أمام الله باعتباره إنسانًا مكلفًا، لا تابعًا لغيره.
ثامنًا: اختلاف بعض الأحكام لا يعني أن أحد الجنسين أقل قيمة
هذه قاعدة ينبغي تكرارها؛ لأنها أساس فهم كثير من الشبهات.
إذا اختلف حكمان بين الرجل والمرأة في مسألة ما، فلا يكفي إثبات الاختلاف لإثبات الظلم.
فالظلم يحتاج إلى أكثر من مجرد الاختلاف.
نحتاج أن نسأل:
ما سبب الاختلاف؟
ما الحقوق المقابلة له؟
ما المسؤوليات التي ترتبت عليه؟
هل الحكم جزء من منظومة متكاملة؟
وهل نقلنا النص كما هو، أم اقتطعناه من سياقه؟
ومن هنا يتبين أن مجرد اختلاف الأحكام لا يساوي تلقائيًا انتقاصًا من الكرامة.
تاسعًا: لا يصح تحويل قضية المرأة إلى معركة بين الإسلام والحداثة
الإسلام لا يُقاس لمجرد أنه قديم، كما أن الفكرة لا تصبح صحيحة لمجرد أنها حديثة.
والحق لا يُعرف بالزمن.
فبعض الأفكار القديمة قد تكون عادلة، وبعض الأفكار الحديثة قد تكون محل نقاش، والعكس صحيح.
ولهذا ينبغي أن يكون النقاش حول المرأة قائمًا على:
العدل، والكرامة، والحقوق، والمسؤولية، والنصوص، والمقاصد.
لا على مجرد الشعارات.
فليس كل ما يسمى «تحررًا» عدلًا بالضرورة، كما أن كل اختلاف في الحكم الشرعي ليس ظلمًا بالضرورة.
عاشرًا: أين يقع الخطأ في كثير من الانتقادات الموجهة للإسلام؟
يقع الخطأ أحيانًا في ثلاث طرق رئيسية:
1 ـ اقتطاع حكم واحد
يُؤخذ حكم منفرد، ثم يُترك ما يتعلق به من حقوق وواجبات.
2 ـ الخلط بين الإسلام والعادات
بعض الممارسات الاجتماعية قد تكون نتيجة ثقافة أو عرف أو اجتهاد بشري، ثم تُنسب مباشرة إلى الإسلام.
3 ـ افتراض أن التطابق هو المعيار الوحيد للعدل
وهذا افتراض يحتاج إلى دليل، وليس حقيقة بديهية.
فقد يختلف شخصان في المسؤولية، دون أن يعني ذلك أن أحدهما أكثر إنسانية من الآخر.
الإسلام لا يقول: الرجل إنسان والمرأة نصف إنسان
هذه الصورة لا تعبر عن المنظومة الإسلامية.
فالمرأة:
تؤمن، وتعبد، وتتعلم، وتملك، وترث، وتتصدق، وتُحاسب، وتثاب، وتتحمل المسؤولية الأخلاقية.
والرجل كذلك.
والفروق التي جاءت بها بعض الأحكام الشرعية لا ينبغي أن تُحوَّل تلقائيًا إلى حكم على قيمة المرأة الإنسانية.
فالقرآن لم يجعل الذكورة معيارًا للكرامة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
الخلاصة: الإسلام لم يجعل العدل نسخة واحدة للجميع
عندما نسأل:
هل ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة؟
فالجواب يحتاج إلى تفصيل.
نعم، ساوى بينهما في أصل الكرامة الإنسانية، والتكليف، والثواب والعقاب، والمسؤولية الأخلاقية، ولم يجعل الذكورة سببًا للتفاضل عند الله.
لكنه لم يجعل الرجل والمرأة متطابقين في جميع الأحكام والمسؤوليات.
وهذا ليس تناقضًا.
فالاختلاف في بعض الأحكام لا يعني اختلافًا في القيمة الإنسانية.
والعدل ليس أن نجعل الناس نسخًا متطابقة، وإنما أن نعطي كل طرف حقوقه، ونلزمه بما يناسب مسؤوليته، ونمنع الظلم عنه.
ومن هنا ينبغي أن نقرأ أحكام المرأة في الإسلام بوصفها منظومة متكاملة، لا مجموعة من الأحكام المتفرقة التي يُنتزع بعضها من سياقه للحكم على الدين كله.
فإذا كان السؤال:
هل أراد الإسلام أن يجعل المرأة أقل من الرجل؟
فالنصوص التي تقرر أصل الكرامة والمسؤولية والحقوق تجيب عن ذلك بوضوح.
أما إذا كان السؤال:
لماذا اختلف بعض أحكام الرجل عن بعض أحكام المرأة؟
فهنا تبدأ المسائل التفصيلية التي تحتاج إلى دراسة كل حكم في سياقه، وهو ما سنأتي إليه في المقالات التالية.
فالإنصاف لا يكون بإلغاء الفروق، ولا بتقديس الفروق، وإنما بفهمها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق