اللحية والسواك… حين تُختزل السُّنّة في المظهر
يقول بعضهم: ورد في إعفاء اللحية أكثر من سبعة عشر حديثًا، وهذا دليل على عظيم أهميتها!
ونقول: لقد ورد في السواك أكثر من مئة حديث!
قال العلامة سراج الدين ابن الملقّن في كتابه البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، كما نقل عنه الصنعاني في سبل السلام شرح بلوغ المرام:
«قد ذُكر في السواك زيادة على مئة حديث، فواعجبًا لسنة تأتي فيها الأحاديث الكثيرة، ثم يهملها كثير من الناس، بل كثير من الفقهاء، فهذه خيبة عظيمة!».
فإذا كانت كثرة الأحاديث هي المعيار، فلماذا لا يحظى السواك بالاهتمام نفسه الذي تحظى به اللحية؟!
وإذا كان المقصود هو بيان أهمية اللحية، فلا خلاف في أن ورود أحاديث كثيرة في سنة من السنن يدل على عناية الشريعة بها، لكن مجرد كثرة الروايات لا يكفي وحده لترتيب السنن بعضها فوق بعض.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا تحظى بعض السنن بمساحة واسعة من الاهتمام والحديث، بينما لا تحظى سنن أخرى بالقدر نفسه؟
أولًا: اللحية والسواك… وماذا عن الأحكام الفقهية؟
اختلف الفقهاء في حكم إعفاء اللحية، ونُقلت في المسألة أقوال، منها الوجوب والاستحباب، كما نُقل القول بالإباحة عن بعض أهل العلم.
أما السواك، فقد قال بوجوبه بعض العلماء، ومنهم إسحاق بن راهويه وداود الظاهري، في حين ذهب جمهور الفقهاء إلى استحبابه في أحواله المعروفة.
والمقصود من هذه المقارنة ليس الجزم بأن السواك أهم من اللحية، ولا أن كثرة الأحاديث تحسم المسألة؛ وإنما المقصود التنبيه إلى أن المسائل الفقهية لا تُوزن بكثرة الحديث عنها، ولا ينبغي أن يتحول الاهتمام بحكم فقهي إلى مقياس للحكم على تدين الناس.
فإذا كان السواك قد وردت فيه هذه النصوص الكثيرة، فلماذا لا نرى من التشديد في شأنه ما نراه في شأن اللحية؟
ولماذا لا يكون الحرص على سائر خصال الفطرة حاضرًا بالقدر نفسه، كقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظافر، والختان؟
إن هذه الخصال جميعًا جديرة بالعناية، ولكل واحدة منها حكمها وتفصيلها الفقهي، ولا يصح أن نجعل إحداها وحدها عنوانًا للتدين، ثم نغفل عن بقية السنن.
ثانيًا: لماذا تتقدم المظاهر أحيانًا على المقاصد؟
لعل من أسباب هذا التفاوت أن بعض المظاهر يسهل رؤيتها والحكم عليها؛ فاللحية ظاهرة للناس في كل لقاء، بينما السواك وسائر أعمال الطهارة والعناية الشخصية قد لا يطّلع عليها الآخرون.
وهكذا قد يتحول الأمر، عند بعض الناس، من الحرص على السنة إلى الاهتمام بما يميز صاحبه في أعين الآخرين.
ولا يلزم أن يكون هذا هو حال كل من يحرص على اللحية، ولا يصح الحكم على النيات بغير بينة؛ لكن الظاهرة تستحق التأمل حين يصبح المظهر الخارجي أساسًا لتصنيف الناس، والحكم على استقامتهم، والطعن في دينهم ومروءتهم.
فهل العبرة بأن يبدو الإنسان ملتزمًا أمام الناس، أم بأن يحرص على طاعة الله في ظاهره وباطنه، وأن يتحلى بالأخلاق التي دعا إليها الإسلام؟
إن الدين ليس هيئةً جسديةً فحسب، ولا مجموعة من العلامات الخارجية التي يُمتحن بها المسلمون.
ثالثًا: هل كل ما خالف الهيئة النبوية الظاهرة يُذم؟
ومن المسائل التي تستحق النظر أيضًا طريقة الاستدلال بالهيئة الظاهرة للنبي ﷺ.
فقد كان النبي ﷺ يلبس العمامة في أحوال معروفة، ومع ذلك لا يجعل المسلمون اليوم لبس العمامة شرطًا للاستقامة، ولا يعيّرون من لم يلبسها، ولا يعدّون اختلاف لباسه دليلًا على ضعف دينه.
وهذا يذكّرنا بأهمية التفريق بين ما ورد عن النبي ﷺ على جهة التشريع والتعبد، وما كان من سنن العادات والهيئات التي تتأثر بالأعراف والبيئات.
فليس كل ما فعله النبي ﷺ في باب العادات يأخذ حكمًا واحدًا، ولا يصح أن نُسوّي بين جميع الهيئات والأفعال من غير نظر في أدلتها ودلالاتها.
واللحية نفسها تحتاج إلى هذا النظر الفقهي المتأنّي، بعيدًا عن المبالغة في التهوين من شأنها، أو الغلو في جعلها معيارًا وحيدًا للتدين.
رابعًا: هل حلق اللحية تشبّه بالنساء؟
ومن الحجج التي تُذكر في ذم حلق اللحية القول بأنه تشبّه بالنساء.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: الحكم الفقهي لحلق اللحية، والحكم على كل رجل يحلقها بأنه متشبّه بالنساء.
فليس كل اختلاف في الهيئة يُحمل تلقائيًّا على التشبه المحرّم، إذ لا بد من النظر في حقيقة التشبه، والعرف، والقصد، وما ورد في المسألة من أدلة وأحكام.
كما أن مجرد وصف هيئةٍ ما بأنها مخالفة لما اعتاده الناس لا يكفي وحده لإثبات أنها نقص في الخِلقة أو عيب في الإنسان.
وقد وردت أحاديث في صفة أهل الجنة، منها ما جاء في أنهم يدخلونها «جُرْدًا مُرْدًا»، وقد ورد هذا المعنى من طرق متعددة، وتكلم أهل العلم في أسانيد رواياته وألفاظها.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن وصف أهل الجنة بهذه الصفة لا يكفي وحده لإثبات حكم فقهي متعلق بحلق اللحية في الدنيا؛ فلكل مقام دليله، ولكل مسألة وجه الاستدلال الذي ينبغي تحريره.
والمقصود هنا أن الهيئة الجسدية وحدها ليست معيارًا للحكم على كرامة الإنسان أو صلاحه عند الله.
خامسًا: اللحية ليست دليلًا قاطعًا على الاستقامة
اللحية سنة من سنن الإسلام التي اعتنى بها الفقهاء، واختلفوا في بعض أحكامها وتفاصيلها.
لكن هل يعني ذلك أنها دليل قاطع على استقامة صاحبها؟
وهل يعني تركها أن صاحبها منحرف أو قليل الدين؟
كلا؛ فالحكم على الإنسان لا يُختزل في مظهر واحد.
فكم من رجل كثّ اللحية، لكنه سيئ الخلق، ظالم للناس، يطلق لسانه في أعراضهم، ويحتقر المخالفين له!
وكم من رجل حليق الوجه، لكنه حسن الخلق، صادق اللسان، رحيم بالناس، حريص على الطاعة، مجتنب للظلم والعدوان!
ولا يعني هذا أن حسن الخلق يُسقط الأحكام الشرعية، أو أن المظهر لا قيمة له؛ وإنما يعني أن الاستقامة أوسع من أن تُختصر في اللحية، وأن المخالفة الفقهية لا تبيح انتهاك كرامة صاحبها.
فمن قال بوجوب إعفاء اللحية، فليبيّن حكمه بالدليل، وليدعُ إلى ما يراه حقًّا بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما السخرية من المسلمين، والتنمر عليهم، واتهامهم في دينهم، فليست من لوازم القول بالوجوب، ولا من مقتضيات النصيحة الشرعية.
سادسًا: السنن ليست مظهرًا واحدًا
إن السنن النبوية لا تنحصر في اللحية، ولا في الثياب، ولا في هيئة مخصوصة.
فمن السنن ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالطهارة والنظافة، ومنها ما يتعلق بالمعاملات والأخلاق والآداب.
ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم:
حسن الظن بالمسلمين، واجتناب التسرع في اتهامهم.
الرفق في النصيحة، والابتعاد عن الفظاظة والتشهير.
حفظ الألسنة عن الغيبة والسخرية والوقيعة في الأعراض.
التواضع، وترك تزكية النفس واحتقار الآخرين.
العدل مع المخالف، والإنصاف في عرض أقواله وأدلته.
العناية بسنن النبي ﷺ في العبادة والسلوك والمعاملة، لا في المظهر وحده.
فليس من تعظيم السنة أن نحرص على بعض هيئاتها، ثم نضيّع ما أمرت به من مكارم الأخلاق.
وليس من نصرة الدين أن ننتصر لمظهرٍ من مظاهره، ثم نسيء إلى المسلمين باسمه.
أخيرًا: لسنا ضد اللحية… بل ضد اختزال الدين فيها
أحب أن أؤكد أمرًا مهمًّا:
لست ضد اللحية، ولا ضد أي سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ، ولا أدعو إلى التهاون في أحكام الشريعة.
وإنما أعترض على الغلو في المظاهر، وعلى تحويل هيئة من الهيئات إلى مقياس شامل يُحاكم الناس من خلاله، فيُرفع صاحبها فوق منزلته، ويُنتقص ممن خالفه، وكأن الدين كله قد اجتمع في هذه الهيئة وحدها.
إن اللحية لا تجعل صاحبها معصومًا من الخطأ، كما أن حلقها لا يجعل صاحبها ساقطًا في ميزان الأخلاق، ولا يبيح لأحد أن يطعن في دينه أو مروءته.
ومن أراد أن ينصح فليتذكر أن النصيحة عبادة، وأن لها أدبًا، وأن المقصود منها هداية الناس لا إذلالهم.
فالدين ليس لحيةً فحسب، والسنة ليست مظهرًا واحدًا، والاستقامة ليست بطاقةً تُمنح للناس بحسب هيئاتهم.
إنما الاستقامة التزامٌ بشرع الله، وصدقٌ في العبادة، وحسنٌ في الخلق، وعدلٌ مع الخلق، وتواضعٌ للحق.
فلنعظّم سنن النبي ﷺ جميعًا، ولنجمع بين العناية بالظاهر وإصلاح الباطن، وبين صحة الاعتقاد وحسن الخلق، وبين الدعوة إلى الحق والرحمة بالخلق.
فما أحوجنا إلى أن نكون أحرص على هداية المسلمين من حرصنا على تصنيفهم، وأشد خوفًا من ظلمهم من خوفنا من مخالفتهم لنا!
نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، والاتباع الصادق لنبيه ﷺ، وحسن الخلق، والعدل والإنصاف، وأن يهدينا جميعًا إلى ما يحب ويرضى.
وبالله التوفيق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق