حين يُؤخذ النص وحده
كيف يؤدي سوء فهم النصوص إلى التكفير؟
من أخطر الأخطاء في فهم القرآن والسنة:
أن يجد الإنسان نصًا شديد الوعيد، فيأخذه وحده، ثم يبني عليه حكمًا عامًا دون أن يجمع بقية النصوص المتعلقة بالمسألة.
وقد يبدو الأمر في ظاهره التمسك بالكتاب والسنة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل التمسك بالنص يعني أن نأخذ نصًا واحدًا ونترك بقية النصوص؟
أم أن التمسك الحقيقي بالوحي يقتضي:
جمع النصوص، ورد المتشابه إلى المحكم، وفهم النص في سياقه، ومعرفة أصول الاستنباط؟
الكتاب يقدم في هذا الباب مادة مهمة جدًا، ويحذر من أن بعض أهل الضلال عبر التاريخ كانوا يأخذون نصوصًا متفرقة ويقطعونها عن قرائنها وأسباب نزولها وورودها.
وهنا تكمن المشكلة.
أولًا: ليس كل من استدل بالنص أصاب في فهمه
قد يقول شخص:
عندي آية صريحة!
أو:
عندي حديث صحيح!
ثم يتصور أن مجرد وجود النص ينهي المسألة.
لكن العلم الشرعي لا يقوم على:
وجود النص فقط،
بل على:
فهم النص.
فقد يكون النص صحيحًا، لكن:
يُفهم على غير مراده،
أو:
يُحمل على غير سياقه،
أو:
يُعارض بنص آخر دون جمع بينهما،
أو:
يُعمم ما جاء في سياق خاص.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط:
ماذا قال النص؟
بل أيضًا:
ماذا أراد النص؟
ثانيًا: جمع النصوص ليس ترفًا علميًا
ينتقد الكتاب من يقع في الخطأ بسبب أنه:
لا يجمع جميع النصوص في الموضوع الواحد،
ولا:
يرجع الفروع إلى الأصول،
ولا:
المتشابهات إلى المحكمات.
وهذه قاعدة عظيمة.
فلا يجوز أن نبني تصورًا كاملًا عن:
الإيمان،
أو:
الكفر،
أو:
الطاعة والمعصية،
أو:
الوعيد،
انطلاقًا من حديث أو آية واحدة مع تجاهل بقية النصوص.
ثالثًا: مثال خطير — نصوص التكفير
يسوق الكتاب عدة أمثلة على النصوص التي قد تُفهم بصورة خاطئة إذا أُخذت منفردة.
ومنها قوله تعالى في القاتل عمدًا:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا...﴾
ومنها قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
ومنها:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
ومنها الأحاديث التي ورد فيها نفي الإيمان عن:
الزاني، وشارب الخمر، والسارق.
ومنها قوله ﷺ:
«لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
لو أخذ الإنسان كل نص على ظاهره المنفرد، دون جمع بقية الأدلة، لأمكن أن يبني تصورات خطيرة جدًا حول:
من هو الكافر؟
ومن خرج من الإيمان؟
ومن استحق الخلود؟
وهنا تظهر ضرورة العلم.
رابعًا: «لا يؤمن» لا تعني دائمًا الخروج من الإسلام
من الأمثلة التي يذكرها الكتاب:
قول النبي ﷺ:
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...»
وقوله في شرب الخمر والسرقة.
فلو أخذ الإنسان العبارة منفردة وقال:
كل من زنى فهو كافر خارج من الإسلام.
فهو لم يفهم النص ضمن بقية النصوص والقواعد.
ولهذا كان من الضروري عند علماء أهل السنة التفريق بين:
نقص الإيمان
و
زوال أصل الإيمان.
وهذا مثال واضح على أن النص الواحد لا يُفهم دائمًا بمعزل عن بقية الباب.
خامسًا: «قتال المسلم كفر» لا يعني ببساطة تكفير كل متقاتل
يسوق الكتاب كذلك حديث النبي ﷺ:
«لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
فهل كل مسلم قاتل مسلمًا أصبح بمجرد ذلك كافرًا كفرًا مخرجًا من الإسلام؟
هذه النتيجة لا يمكن الوصول إليها بمجرد قراءة الحديث منفردًا.
بل لا بد من:
جمع النصوص،
و
فهم دلالات ألفاظ الكفر في السنة،
و
معرفة الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الذي لا يخرج من الملة بحسب السياق والدليل.
وهذا مثال آخر على أهمية المنهج لا مجرد حفظ النص.
سادسًا: أخطر ما في المسألة أن صاحبها قد يظن نفسه أكثر تمسكًا بالسنة
وهنا المفارقة.
الشخص الذي يأخذ نصًا واحدًا قد يقول:
أنا لا أؤوّل ولا أتكلف، أنا آخذ بالنص كما هو!
لكن هل مجرد أخذ النص يكفي؟
الكتاب يطرح سؤالًا شديد الأهمية:
إذا كان بعض أهل الضلال يأخذون نصوصًا متفرقة ويقطعونها عن قرائنها وأسباب نزولها وورودها، فهل المشكلة في النصوص نفسها؟
أم في:
«الفهم السقيم لتلك النصوص»؟
وهذا سؤال ينبغي أن يكون حاضرًا عند كل من يتصدر للحديث في العقيدة.
سابعًا: النص لا يعيش وحده
النص الشرعي لا يُفهم في فراغ.
بل هناك:
سياق.
وقرائن.
وأسباب نزول أو ورود.
ونصوص أخرى.
وأصول عامة.
وقواعد في اللغة.
وقواعد في الجمع والترجيح.
ولهذا فإن الاقتصار على كلمة أو جملة قد يعطي معنى لم يرده المتكلم أصلًا.
وهذه ليست مشكلة خاصة بالعقيدة.
بل هي قاعدة في فهم الكلام عمومًا.
ثامنًا: لماذا لا نأخذ النصوص كلها بطريقة واحدة؟
لأن النصوص نفسها متنوعة.
منها:
المحكم والمتشابه.
ومنها:
العام والخاص.
ومنها:
المطلق والمقيد.
ومنها:
المجمل والمبين.
ومنها:
النصوص التي تحتاج إلى جمع حتى يتضح معناها.
ولهذا فإن العالم لا يكتفي بأن يقول:
وجدت حديثًا.
بل يسأل:
هل هناك حديث آخر يفسره؟
هل هناك آية تبين المراد؟
هل هذا عام أم خاص؟
هل وردت له قرينة؟
كيف فهمه العلماء؟
تاسعًا: من أخطر نتائج القراءة الجزئية — التوسع في التكفير
قضية التكفير ليست مجالًا للتسرع.
لأن الحكم على إنسان بأنه خرج من الإسلام ليس حكمًا بسيطًا.
ولهذا فإن النصوص التي فيها ألفاظ:
الكفر،
أو:
نفي الإيمان،
أو:
الخلود في النار،
لا يجوز أن تتحول إلى أدوات سريعة لإخراج المسلمين من الإسلام.
بل تحتاج إلى:
جمع الأدلة،
و
فهم كلام العلماء،
و
تحرير محل النزاع،
و
معرفة الشروط والموانع،
والتمييز بين:
الكفر الأكبر
و
الكفر الأصغر أو ما ورد من ألفاظ الوعيد دون إرادة الخروج من الملة بحسب السياق.
عاشرًا: هل كل من تمسك بظاهر النص يكون على منهج السلف؟
هذه نقطة شديدة الأهمية في الكتاب.
فالمؤلف يسأل:
إذا كان بعض أهل الضلال يأخذون بظاهر نصوص معينة، فلماذا لا نقول إنهم على منهج السلف لمجرد أنهم أخذوا بالظاهر؟
والجواب الذي تقود إليه المادة:
لأن المشكلة ليست في مجرد دعوى الأخذ بالظاهر، بل في طريقة فهم النصوص واستنباط الأحكام منها.
فليس كل من قال:
«أنا آخذ بالظاهر»
قد أحسن الفهم.
الحادي عشر: حتى «الظاهر» نفسه يحتاج إلى تعريف
وهذه قضية دقيقة جدًا.
ما هو ظاهر النص؟
هل الظاهر هو:
أول معنى يخطر في ذهن القارئ المعاصر؟
أم:
المعنى الذي تدل عليه اللغة؟
أم:
المعنى الذي يفهم من السياق؟
ينقل الكتاب عن ابن قدامة تعريفًا مهمًا للظاهر بأنه:
ما يسبق إلى الفهم، حقيقة كان أو مجازًا.
وهذا يبين أن كلمة:
«الظاهر»
ليست بهذه البساطة التي يتعامل معها البعض.
الثاني عشر: السياق قد يكون هو مفتاح الفهم
من الأمثلة التي يعرضها الكتاب ما يتعلق بلفظ:
المعية.
فقد نقل عن ابن تيمية أن السياق يدل على العلم في بعض المواضع، مستشهدًا بافتتاح الآية بالعلم وختمها بالعلم.
ثم نقل عن ابن قدامة مناقشة دقيقة لمفهوم التأويل، وأن حمل اللفظ على معنى يكون هو المتبادر إلى الفهم لا يعد عنده تأويلًا بالمعنى الاصطلاحي الذي يذمه.
وهذا يوضح مرة أخرى:
أن الخلاف قد يكون أحيانًا في تحديد «ما هو الظاهر» أصلًا.
الثالث عشر: لذلك لا يكفي أن تقول «أنا أثبت الظاهر»
السؤال التالي مباشرة:
أي ظاهر تقصد؟
ظاهر اللفظ منفردًا؟
أم ظاهر اللفظ في السياق؟
أم الظاهر الذي يفهمه العربي من مجموع الكلام؟
أم الظاهر الذي قرره أحد الأئمة؟
هذه أسئلة علمية حقيقية.
ولهذا فإن الشعارات المختصرة من نوع:
«نحن نأخذ بالظاهر، وغيرنا يؤول»
قد تخفي وراءها مسائل أعمق بكثير.
الرابع عشر: القرآن لا يطلب منا أن نختار آية ونترك بقية القرآن
القرآن يفسر بعضه بعضًا.
والسنة تبين القرآن.
والنصوص تُجمع في الباب الواحد.
والمحكم يفسر المتشابه.
والعام قد يخصصه دليل آخر.
والمطلق قد يقيد.
وهذه هي الروح العلمية التي ينبغي أن تحكم قراءة النصوص.
ولهذا فإن جمع الأدلة ليس تنازلًا عن النص، بل هو أكمل صور التمسك به.
الخامس عشر: المشكلة ليست في النصوص بل في سوء استعمالها
من أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من المادة:
أن النصوص نفسها لا تتحمل مسؤولية كل فهم خاطئ يُبنى عليها.
فالكتاب يطرح السؤال صراحة:
«فهل الذنب هو ذنب النصوص من الآيات والأحاديث، أم ذنب الفهم السقيم لتلك النصوص؟»
وهذا سؤال ينبغي أن يسبق كل حكم.
فقد يكون:
النص صحيحًا.
لكن:
الاستدلال به خاطئ.
وقد يكون:
الحديث ثابتًا.
لكن:
إسقاطه على الواقعة غير صحيح.
وقد تكون:
الآية محكمة.
لكن:
فهمها منفردة أنتج نتيجة باطلة.
السادس عشر: ما المنهج الصحيح إذن؟
يمكن تلخيص المنهج الذي تدعو إليه هذه المادة في سبع خطوات:
1 ـ جمع النصوص في الباب الواحد.
لا تأخذ نصًا وتترك عشرة.
2 ـ رد المتشابه إلى المحكم.
3 ـ فهم السياق والقرائن.
4 ـ معرفة أسباب النزول والورود عند الحاجة.
5 ـ فهم اللغة العربية وأساليبها.
6 ـ الرجوع إلى أصول الاستنباط وكلام أهل العلم.
7 ـ الحذر الشديد قبل إطلاق أحكام التكفير.
وهذه ليست تعقيدات زائدة.
بل هي التي تمنعنا من تحويل النص الشرعي إلى أداة للفوضى العلمية.
الخلاصة
التمسك بالقرآن والسنة لا يعني:
أن تختار النص الذي يؤيد موقفك.
ولا يعني:
أن تأخذ ظاهر جملة وتترك بقية الباب.
ولا يعني:
أن تجعل كل لفظ من ألفاظ الوعيد حكمًا مباشرًا على الأشخاص.
بل التمسك الحقيقي بالنصوص يعني:
جمعها، وفهمها، ورد بعضها إلى بعض، والنظر في سياقها وقرائنها.
والكتاب يحذر من أن أخذ النصوص متفرقة وقطعها عن قرائنها وأسباب نزولها وورودها كان من أسباب الانحراف في فهمها.
كما يعرض أمثلة متعددة في أبواب التكفير، ويبين خطورة عدم جمع النصوص في الموضوع الواحد.
ولهذا:
ليس كل من رفع شعار «أنا آخذ بظاهر النص» قد فهم النص.
وليس كل من خالف فهمك للنص قد خالف القرآن والسنة.
فالعبرة ليست بمجرد وجود النص، وإنما بصحة فهمه والاستدلال به.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق