الجمعة، 2 أكتوبر 2026

«أنا الناطق باسم الكتاب والسنة»! حين يتحول الاجتهاد إلى حقيقة مقدسة

 

الكتاب والسنة

لا يخطئان… لكن فهمنا لهما قد يخطئ!

حين يتحول اجتهاد الشيخ إلى «عين الكتاب والسنة»

من أخطر المشكلات التي يمكن أن يقع فيها الخطاب الديني أن يختلط النص الشرعي بـ فهم العالم للنص، حتى يصبح رأي الشيخ أو اجتهاده وكأنه هو عين مراد الله ورسوله ﷺ، ومن خالفه فكأنه خالف الكتاب والسنة!

وهنا تبدأ المشكلة.

فالكتاب والسنة معصومان من الخطأ، أما فهم الإنسان للكتاب والسنة فليس معصومًا.

وهذا فرق جوهري ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا.


🔹 الإمام يجتهد… ولا يدّعي العصمة

تأمل طريقة أئمة الفقه الكبار:
أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم.

لم تكن عظمتهم في أنهم جعلوا آراءهم مرادفًا للكتاب والسنة، وإنما في أنهم اجتهدوا في فهم النصوص واستنباط الأحكام منها.

ولهذا نشأت المذاهب الفقهية.

فنحن نقول:

هذا مذهب أبي حنيفة.
وهذا مذهب مالك.
وهذا قول الشافعي.
وهذا اختيار أحمد.

ولا نقول:

هذا هو الكتاب والسنة قطعًا.

لماذا؟

لأن هناك فرقًا بين النص الإلهي أو النبوي، وبين اجتهاد الإنسان في فهم ذلك النص وتطبيقه على الوقائع.


🔹 النص شيء… وفهم النص شيء آخر

قد يكون النص صحيحًا وثابتًا، لكن العلماء يختلفون في:

  • دلالته.
  • عمومه وخصوصه.
  • إطلاقه وتقييده.
  • الناسخ والمنسوخ.
  • الجمع بين الأدلة.
  • فهم السياق.
  • تنزيل الحكم على الواقعة.

ولهذا يمكن لعالمٍ أن يجتهد فيصيب، ويمكن لعالم آخر أن يجتهد فيخطئ، مع كون الجميع يقصدون الوصول إلى الحق.

وهنا تظهر قيمة الفقه الإسلامي وتنوعه.

فالاختلاف بين العلماء لا يعني بالضرورة أن أحدهم يتبع الكتاب والسنة والآخر يتركهما، بل قد يكون اختلافهم في فهم النصوص وترجيح الأدلة.


🔹 المشكلة تبدأ عندما يُلغى الفرق بين «الدليل» و«الاستدلال»

الدليل قد يكون من القرآن أو السنة.

لكن استدلال العالم بالدليل هو عمل بشري.

وهذه نقطة بالغة الأهمية.

فحين يقول العالم:

أرى أن هذا النص يدل على كذا.

فهو يقدّم فهمه للنص.

أما حين يُقال للناس:

هذا هو حكم الكتاب والسنة، ومن خالفه فقد خالف الكتاب والسنة!

فهنا يجب أن نسأل:

هل الخلاف مع النص نفسه، أم مع فهم هذا العالم للنص؟

فالذي يخالف آية صريحة لا يشبه من يخالف عالمًا في تفسيره للآية.

والذي يرفض حديثًا ثابتًا لا يشبه من يقبل الحديث لكنه يختلف مع العالم في دلالته أو طريقة الاستدلال به.

وهذه الفروق إذا أُهملت، تحولت الخلافات الاجتهادية إلى معارك حول «السنة» و«البدعة» و«اتباع الكتاب والسنة»!


🔹 لا تجعل اجتهادك يتكلم بلسان الوحي

ليس الإشكال أن يقول الشيخ:

هذا هو القول الذي أراه راجحًا.

ولا أن يقول:

هذا ما ظهر لي من الأدلة.

ولا أن يقول:

هذا هو فهمي للنصوص.

بل هذه عبارات تدل على أن صاحبها يفرق بين النص وبين فهمه للنص.

الإشكال أن يتحول اجتهاده إلى معيار يُقال على أساسه:

هذا هو الحق المطلق، وما عداه باطل، وهذا هو قول الكتاب والسنة، ومن خالفه فقد خالف السنة!

وكأن المسألة لم تعد اجتهادًا بشريًا يحتمل النظر والمناقشة، بل أصبحت حقيقة منزلة لا تقبل المراجعة.


🔹 العالم يُحترم… لكنه لا يُعصم

احترام العلماء لا يعني عصمتهم.

والرجوع إلى أهل العلم لا يعني تحويل أقوالهم إلى نصوص مقدسة.

بل من تمام احترام العلم أن نضع كل قول في موضعه:

القرآن قرآن.
والسنة سنة.
واجتهاد العالم اجتهاد عالم.

فالقرآن لا يُنسب إلى أحد من البشر.

والسنة لا تصبح ملكًا لمذهب أو شيخ.

أما فهم العلماء لها فهو تراث علمي واجتهاد بشري عظيم، لكنه يظل اجتهادًا بشريًا.


🔹 ولهذا كان اختلاف الأئمة ثراءً لا جريمة

لو كان كل اجتهاد فقهي هو عين الكتاب والسنة، لما بقي معنى لاختلاف الأئمة أصلًا.

لكن وجود اختلافهم يذكّرنا بحقيقة مهمة:

أن النص واحد، بينما قد تتعدد وجوه فهمه واستنباط الحكم منه.

وهذا لا يعني أن جميع الأقوال صحيحة بالضرورة، ولا أن الحق لا وجود له، وإنما يعني أن الوصول إلى الحق في المسائل الاجتهادية يمر عبر النظر والاستدلال والترجيح، وليس بمجرد إعلان أحد الأشخاص أن قوله هو «الكتاب والسنة».


⚠️ الخلاصة

المشكلة ليست في أن نرجع إلى الكتاب والسنة.

بل على العكس:

الكتاب والسنة هما المرجع الأعلى للمسلمين.

لكن المشكلة أن يأتي شخص فيعرض فهمه الخاص للكتاب والسنة ثم يقدمه للناس وكأنه هو الكتاب والسنة ذاتهما.

وهنا يجب أن نضع خطًا واضحًا:

الكتاب والسنة لا يخطئان، أما فهمنا للكتاب والسنة فيحتمل الصواب والخطأ.

ولهذا لا ينبغي أن نقول عن كل اجتهاد:

هذا هو الكتاب والسنة!

بل الأصح في كثير من مسائل الاجتهاد أن نقول:

هذا فهم العالم للكتاب والسنة، وهذا هو اجتهاده في المسألة.

فإذا ظهر لنا الدليل الأقوى، اتبعناه.

وإذا اختلفنا في فهم الدليل، بقي الخلاف خلافًا علميًا، لا معركةً حول من يملك وحده حق الكلام باسم الكتاب والسنة.

**فالكتاب والسنة فوق الأشخاص والمذاهب والاتجاهات…

ولا أحد يملك ختمًا يقول: أنا الناطق الرسمي باسم الوحي!**

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق