لا للتعصّب المذهبي، ولا للتفريط في التراث الفقهي، ولا للامذهبية القائمة على الفوضى!
بين احترام الأئمة واتباع الدليل، كيف نفهم العلاقة الصحيحة بين المذاهب والاجتهاد؟
ليس الخلاف الحقيقي بين من يحترم المذاهب الفقهية ومن يرفضها، ولا بين من يقدّر جهود الأئمة ومن ينتقص منهم؛ فهذه مقابلات زائفة لا تنصف القضية ولا تحرّر محل النزاع.
إنما السؤال الذي يستحق النقاش هو:
هل تعني الاستفادة من المذاهب الفقهية وجوب الالتزام بأحدها في كل مسألة؟ وهل يعني رفض التعصّب لها الاستغناء عن تراثها، أو الخوض في الأحكام الشرعية بغير علم؟
والجواب المنصف يقتضي أن نميّز بين ثلاثة أمور:
🔹 التعلُّم من المذاهب الفقهية.
🔹 والتعصّب لمذهب بعينه.
🔹 واللامذهبية التي تفتقر إلى التأصيل العلمي والمنهج المنضبط.
فليس كل متمذهب متعصبًا، وليس كل من لم ينتسب إلى مذهب معين مجتهدًا، كما أن رفض التعصب المذهبي لا يعني الاستغناء عن جهود العلماء، ولا يبيح لأحد أن يتصدر للفتوى قبل امتلاك أدواتها.
وإليك تفصيل المسألة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أولًا: المذاهب الفقهية مدارس علمية، وليست سجونًا للعقول
لا يمكن لطالب العلم الجاد أن يستغني عن دراسة التراث الفقهي، ولا أن يتصور تحصيل الفقه من غير الرجوع إلى جهود العلماء الذين خدموا النصوص الشرعية، وحرروا المسائل، وجمعوا الأقوال، وناقشوا الأدلة، ووضعوا القواعد والضوابط.
فالمذاهب الفقهية ليست مجرد قوائم من الأحكام، وإنما هي مدارس علمية متكاملة، لها مناهجها الأصولية، وطرائقها في الاستدلال، ومدارسها الداخلية، وتطوراتها عبر القرون.
ومن أراد أن يفهم الفقه الإسلامي فهمًا راسخًا، فلا غنى له عن دراسة هذه المدارس، ومعرفة أصولها، ومآخذها، ووجوه الاتفاق والاختلاف بينها.
لكن ينبغي أن ننتبه إلى حقيقة جوهرية:
إن وجوب التعلُّم من التراث الفقهي لا يعني بالضرورة وجوب الالتزام الحصري بمذهب واحد في جميع المسائل.
فثمة فرق بين أن تقول: لا يمكن لطالب العلم أن يستغني عن دراسة المذاهب، وبين أن تقول: لا يجوز له أن يخالف مذهبًا معينًا في أي مسألة، مهما ظهر له من الدليل.
الأول تقرير لأهمية العلم والتحصيل، والثاني دعوى تحتاج إلى دليل وتحرير.
ومن الخطأ أن نجعل احترام الأئمة مرادفًا لتجميد الاجتهاد، أو أن نجعل الوفاء لتراثهم مشروطًا بعدم مناقشة آرائهم.
فالأئمة الذين نجلّهم كانوا علماء مجتهدين، بذلوا وسعهم في فهم الشريعة، ولم يجعلوا أقوالهم نصوصًا معصومة من الخطأ.
نحفظ تراثهم بدراسته وفهمه ونقده نقدًا علميًّا، لا بتحويله إلى نصوص لا يجوز تجاوزها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثانيًا: أين الدليل على وجوب التزام كل مسلم بمذهب فقهي بعينه؟
من المسائل التي ينبغي تحريرها بدقة: هل أوجب الله على كل مسلم أن يكون حنفيًّا أو مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا، بحيث لا يجوز له الخروج عن المذهب الذي انتسب إليه؟
إن الانتساب إلى أحد المذاهب الأربعة ليس في ذاته مشكلة، بل قد يكون الانتظام في دراسة مذهب معين وسيلة نافعة لضبط العلم، وتدرّج الطالب في تحصيله، ومعرفة أصول المسائل وفروعها.
لكن اتخاذ هذا الانتساب التزامًا شرعيًّا حصريًّا على جميع المسلمين، في كل زمان ومكان، دعوى أخرى تحتاج إلى إثبات.
فلا ينبغي الخلط بين اختيار منهج تعليمي منظم، وبين القول بأن الله أوجب على كل مسلم اتباع مذهب معين دون غيره.
كما لا يصح أن نجعل الانتماء المذهبي شرطًا لقبول الفتوى، أو معيارًا للحكم على أهلية العالم، أو حاجزًا يمنع النظر في الأدلة والترجيح بينها.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كان المسلم مأمورًا باتباع شرع الله، وكان العلماء وسائط لفهم النصوص وبيان الأحكام، فكيف يتحول الانتساب إلى مدرسة فقهية إلى غاية مستقلة، بحيث يصبح الحفاظ على قول المذهب مقدّمًا على النظر في حجته؟
إن المذهب وسيلة لفهم الشريعة، وليس شريعة مستقلة عنها.
ومع ذلك، ينبغي التفريق بين العالم المؤهل للنظر في الأدلة، وبين العامي الذي لا يملك أدوات الترجيح؛ فليس من المنهج العلمي أن نطالب كل مسلم بأن يستنبط الأحكام بنفسه، أو أن يوازن بين الأحاديث وأقوال الفقهاء دون علم.
فالعامي يسأل أهل العلم، وطالب العلم يتدرج في التحصيل، والمجتهد ينظر في الأدلة بحسب ما امتلكه من أدوات الاجتهاد.
وهذا هو الفارق بين رفض الإلزام المذهبي المطلق، وبين الدعوة إلى الفوضى في الفتوى.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثالثًا: ليس كل من خالف المذهب مجتهدًا، وليس كل من التزم به متعصبًا
من المهم أن نبتعد عن الأحكام المتسرعة في الاتجاهين.
فليس كل من أعلن أنه لا يتقيد بمذهب معين صار مجتهدًا قادرًا على استنباط الأحكام، كما أن مجرد الانتساب إلى مذهب فقهي لا يجعل صاحبه متعصبًا أو مقلدًا أعمى.
فقد يكون الرجل غير منتسب إلى مذهب معين، لكنه لا يحسن فهم النصوص، ولا يعرف قواعد الاستدلال، ولا يميز بين الصحيح والضعيف، ولا يحيط بأقوال العلماء؛ فيتحول تركه للتمذهب إلى مجرد انتقاء عشوائي للأقوال.
وقد يكون الرجل مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنفيًّا أو حنبليًّا، لكنه واسع الاطلاع، يعرف أدلة مذهبه وأدلة مخالفيه، ويدرك مواضع الاتفاق والافتراق، ولا يتردد في قبول الحق إذا ظهر له بدليله.
فالعبرة ليست بالاسم الذي يحمله الإنسان، وإنما بحقيقة منهجه العلمي.
لا تجعلوا المذهبية وحدها دليلًا على العلم، ولا تجعلوا اللامذهبية وحدها دليلًا على الاجتهاد.
فالعلم له أدواته، والاجتهاد له شروطه، والفتوى لها مسؤوليتها.
ومن أراد أن يخالف مذهبًا في مسألة، فعليه أن يعرف حقيقة القول الذي يخالفه، وأدلته، ووجه الاستدلال به، وأقوال العلماء في المسألة، وما قد يرد على اختياره من اعتراضات.
أما أن يكتفي بقراءة حديث، أو اقتباس عابر، ثم يظن أنه قد تجاوز قرونًا من البحث الفقهي، فذلك ليس اجتهادًا، وإنما قد يكون جهلًا بحقيقة المسألة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
رابعًا: المذاهب تختلف في أصول الاستدلال، وليس الخلاف بينها في الفروع وحدها
من الأخطاء الشائعة تصوير المذاهب الفقهية وكأنها تتفق على منهج واحد في الاستدلال، ثم تختلف في النتائج فحسب.
والحقيقة أن بينها اختلافات أصولية مؤثرة، تتعلق بمناهج فهم النصوص، وطرائق الجمع والترجيح، وحجية بعض الأدلة، وشروط العمل بها.
ومن أمثلة ذلك: اختلاف العلماء في بعض مسائل عمل أهل المدينة، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وقول الصحابي، وغير ذلك من مباحث أصول الفقه.
وهذه الاختلافات ليست مجرد تفاصيل نظرية، بل قد يكون لها أثر مباشر في الأحكام الفقهية.
فقد يرى عالم أن دليلًا معينًا معتبر في موضع، بينما يرى غيره أن شروط الاحتجاج به غير متحققة، أو أن دليلًا آخر يعارضه ويترجح عليه.
ومن هنا لا يصح اختزال المذاهب في عبارة: «كلهم يستدلون بالكتاب والسنة»، ثم اتخاذ هذه العبارة ذريعة لإلغاء الفروق المنهجية بينهم.
نعم، الكتاب والسنة أصلان عظيمان في الاستدلال الشرعي، لكن فهم النصوص، وتحديد دلالاتها، والجمع بينها، ومعرفة ما يخصص العام أو يقيد المطلق أو يبين المجمل، مسائل تحتاج إلى علم وأصول.
كما أن الانتساب إلى مذهب لا يعني أن كل مسألة فيه محسومة بقول واحد؛ فقد تتعدد الروايات عن الإمام، وتختلف أقوال أصحاب المذهب، ويتباين الترجيح بين المتقدمين والمتأخرين.
ولهذا فإن معرفة «المذهب» ليست دائمًا مجرد معرفة قول واحد منسوب إلى إمام؛ بل قد تتطلب معرفة الروايات، ومراتب الأقوال، وأوجه الترجيح داخل المدرسة الفقهية نفسها.
فإذا كان الخلاف قائمًا داخل المذهب الواحد، فكيف يصح تصوير كل مذهب على أنه كتلة واحدة لا تقبل المراجعة؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
خامسًا: سد الذرائع وقول الصحابي وغيرهما… أمثلة على ضرورة ضبط الأصول
من المشكلات المنهجية أن يتعامل الباحث مع القواعد الأصولية بحسب ما يوافق النتيجة التي يريد الوصول إليها، فيحتج بقاعدة في مسألة، ثم يهمل مقتضاها في مسألة أخرى تشترك معها في العلة أو المناط، دون أن يبين وجه التفريق.
فقد يستدل شخص بسد الذرائع لمنع أمر معين، ثم يرفض تطبيق القاعدة في واقعة أخرى يرى مخالفه أنها من جنسها.
وقد يقرر حجية قول الصحابي، ثم يترك الاحتجاج به في موضع آخر دون بيان سبب معتبر، أو ينفي حجيته على وجه مطلق ثم يستند إليه حين يوافق رأيه.
ومثل هذه الأمثلة تثير سؤالًا مهمًّا:
هل يملك الباحث أصولًا واضحة يلتزم بها، أم أنه ينتقل بين القواعد بحسب ما تقتضيه النتيجة التي يريدها؟
لكن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن اختلاف الحكم في صورتين لا يثبت وحده التناقض؛ فقد تختلف العلة، أو تتغير شروط تطبيق القاعدة، أو يوجد مانع معتبر، أو يكون الخلاف في أصل حجية الدليل أو في كيفية تنزيله.
ولهذا فإن النقد العلمي لا يكتفي بقولنا: «لقد تناقض»، بل يطالب بتحديد موضع التناقض، وإثبات اتحاد محل الحكم، وانتفاء الفارق المؤثر.
كما أن سد الذرائع، وحجية قول الصحابي، وسائر الأدلة الأصولية، مسائل لها تفصيلات داخل المذاهب نفسها، فلا يصح اختزالها في أحكام مطلقة من قبيل أن مذهبًا يأخذ بها دائمًا، وأن سائر المذاهب ترفضها دائمًا.
والمقصود أن الباحث يحتاج إلى منهج منضبط، يعرف به متى يحتج بالدليل، وكيف يوازن بين الأدلة، وعلى أي أساس يرجح قولًا على آخر.
فالتحرر من التعصب لا يعني التحرر من القواعد، وإنما يعني إخضاع القواعد نفسها للنظر العلمي المنضبط.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سادسًا: لا يجوز أن تتحول أقوال الأئمة إلى حواجز تمنع الاجتهاد
من حق الأئمة على الأمة أن تُحفظ جهودهم، وأن تُدرس كتبهم، وأن تُعرف مناهجهم، وأن يُدعى لهم بالرحمة والرضوان.
لكن ليس من حق أحد أن يجعل أقوالهم حواجز نهائية تمنع كل نظر أو اجتهاد بعدهم.
فالعلم لا يتوقف عند جيل، والمعرفة تتراكم، وقد يطلع المتأخر على نصوص أو طرق أو أقوال أو مناقشات لم تتيسر للمتقدم، أو تتضح له وجوه في المسألة لم تظهر له من قبل.
وهذا لا يعني أن المتأخر أعلم من المتقدم لمجرد تأخره، ولا أن كثرة الكتب التي وصلت إلينا تجعل كل باحث معاصر أقدر على الترجيح من الأئمة السابقين.
إنما يعني أن السبق الزمني ليس وحده دليلًا على رجحان القول، كما أن التأخر الزمني ليس دليلًا على ضعفه.
فالعبرة بالحجة، مع مراعاة العلم والاختصاص، ومعرفة النصوص وطرق الاستدلال، والإحاطة بأقوال أهل العلم.
وقد يجتهد العالم فيصيب، وقد يجتهد فيخطئ، ولا يسقط قدره العلمي بسبب خطأ في مسألة، كما لا يصبح كل قول له صحيحًا لمجرد صدوره عنه.
ومن هنا فإن إغلاق باب الاجتهاد في النفوس، وإن بقيت مسائل الاجتهاد وشروطه محل بحث بين العلماء، لا يخدم العلم ولا يحقق مقصود الشريعة.
فالاجتهاد ليس شعارًا يرفعه كل أحد، لكنه كذلك ليس امتيازًا تاريخيًّا انتهى بوفاة جيل معين.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سابعًا: احترام الأئمة لا يكون بالسخرية ممن خالفهم
من المؤسف أن تتحول بعض المناقشات المذهبية إلى سجالات يغلب عليها التحقير والتقليل من شأن المخالف، وكأن قوة الحجة تقاس بعلو الصوت، أو كثرة الأتباع، أو القدرة على إحراج الخصم أمام الجمهور.
فتارة يُسخر من الباحث لأنه خالف المشهور في مذهبه، وتارة يُتهم بالغرور لمجرد أنه ناقش قولًا مشهورًا، وتارة يُصرف النقاش عن الدليل إلى الحديث عن مكانة الأئمة وفضلهم.
ولا شك أن للأئمة مكانة عظيمة، وأن الاعتراف بفضلهم واجب أدبي وعلمي، لكن فضل العالم لا يحوّل كل اجتهاداته إلى حق لا يقبل المناقشة.
كما أن نقد قول عالم لا يعني انتقاص صاحبه، ومخالفة اجتهاده لا تعني إنكار علمه أو فضله.
إن الفرق كبير بين أن تقول: أخطأ الإمام في هذه المسألة، وبين أن تقول: لا قيمة للإمام ولا لعلمه.
الأولى مناقشة علمية قد تصح وقد تخطئ، والثانية انتقاص لا يخدم البحث.
وكذلك لا يجوز أن يُتخذ جهل بعض المنتسبين إلى اللامذهبية دليلًا على بطلان كل نقد للتعصب المذهبي، كما لا يجوز أن تُتخذ أخطاء بعض المتمذهبين دليلًا على فساد التمذهب كله.
إنما تُناقش الأقوال بأدلتها، والمناهج بمقدماتها ونتائجها، والدعاوى بما يثبتها.
أما السخرية والشخصنة والتشنيع، فلا تقوم مقام البرهان.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثامنًا: لا يكفي أن تردد أسماء الكتب والأئمة لتكون من أهل العلم
ومن الآفات التي تصيب النقاشات الفقهية أن تتحول أسماء الكتب إلى شعارات، وأسماء الأئمة إلى حجج جاهزة، دون قراءة حقيقية أو فهم لمناهج أصحابها.
فقد يكثر المرء من ذكر كتاب معين، أو يستشهد بعبارة منسوبة إلى إمام، لكنه لا يعرف سياقها، ولا مقدماتها، ولا المسائل التي يناقشها صاحبها.
وهذا لا يختص بأصحاب مذهب دون آخر، بل قد يقع فيه المتعصبون لمذهب معين، كما يقع فيه بعض من يرفعون شعار اتباع الدليل ورفض التقليد.
فليس العلم أن تحفظ أسماء المصنفات، ولا أن تجمع الاقتباسات، ولا أن تنتقي من كلام العلماء ما يوافق موقفك.
العلم أن تفهم المسألة في سياقها، وتعرف أدلتها، وتدرك وجه الاستدلال، وتستوعب الاعتراضات، وتستطيع التمييز بين ما ثبت عن العالم وما لم يثبت، وبين قوله الشخصي وما استقر عليه مذهبه في مرحلة لاحقة.
ومن أراد أن يناقش مذهبًا فقهيًّا، فعليه أن يدرسه من مصادره، لا أن يكتفي بما ينقله عنه خصومه.
ومن أراد أن ينتقد قولًا لإمام، فعليه أن يحرر نسبة القول إليه، ويفهم دليله، ويعرض اعتراضه بإنصاف.
فلا التعصب يصنع عالمًا، ولا مجرد مخالفة المذاهب تصنع مجتهدًا.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
تاسعًا: هل يستطيع العالم المعاصر أن يخالف اجتهادات السابقين؟
نعم، من حيث الأصل، لا يوجد ما يجعل كل اجتهاد سابق ملزمًا لكل مجتهد لاحق لمجرد أن صاحبه متقدم في الزمن.
لكن هذا لا يعني أن كل عالم معاصر يحق له أن ينشئ مذهبًا جديدًا، أو أن يخالف المذاهب الأربعة في كل ما شاء، أو أن يجعل رأيه الشخصي حجة بمجرد دعوى النظر في الأدلة.
فالاجتهاد رتبة علمية لها شروطها، وليس مجرد إعلان الاستقلال عن المذاهب.
والمجتهد المؤهل لا يبدأ من فراغ، بل يستفيد من جهود السابقين، ويدرس أقوالهم، ويعرف أدلتهم، ويقف على اعتراضاتهم، ثم ينظر فيما ترجح لديه وفق أصول معتبرة.
وقد يكون الصواب مع إمام متقدم، وقد يظهر للباحث المتأخر وجه أقوى في مسألة معينة، وقد يتوقف عن الترجيح إذا لم تتضح له الحجة.
ولا يلزم من مخالفة العالم لمذهب معين أن يكون قد أنشأ مذهبًا مستقلًّا؛ فقد يوافق مذهبًا آخر في مسألة، ويخالفه في أخرى، بناءً على اجتهاده وأدلته.
كما أن الاستفادة من المذاهب الأربعة لا تمنع من دراسة أقوال غيرها من المدارس الفقهية، متى كان ذلك ضمن بحث علمي مؤهل، بعيدًا عن الانتقاء الذي تحكمه الأهواء.
إن المطلوب ليس أن يكون كل عالم نسخة من عالم سابق، ولا أن يكون كل باحث صاحب مذهب مستقل؛ بل أن يكون النظر في الأحكام قائمًا على العلم والحجة، وأن يُعطى كل قول قدره بحسب دليله.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
عاشرًا: ماذا عن المذاهب الفقهية والمرجعية المحلية؟
قد يكون للبلد مذهب فقهي غالب، أو تقليد علمي راسخ، أو مؤسسات دينية وتعليمية تعتمد منهجًا فقهيًّا معينًا.
وهذا أمر يمكن أن تكون له فوائد في تنظيم التعليم والإفتاء، وتوحيد المرجعية في بعض الشؤون العامة، وتقليل الاضطراب في المسائل التي يحتاج الناس فيها إلى جواب واضح.
لكن ينبغي التمييز بين اعتماد منهج فقهي لأغراض التعليم والتنظيم، وبين الادعاء بأن هذا المذهب وحده هو الحق، أو أن الانتساب إليه واجب شرعي على كل فرد من أهل البلد.
فالمذهب المالكي، مثلًا، ليس حكرًا على بلد بعينه، كما أن المذهب الشافعي أو الحنفي أو الحنبلي ليس ملكًا جغرافيًّا لأمة دون أخرى.
وقد انتقلت العلوم والمذاهب والقراءات بين البلدان، وأسهم علماء من أقاليم مختلفة في نقلها وتطويرها وخدمتها.
ولا يصح أن تتحول المرجعية المحلية إلى تعصب جغرافي، أو أن يصبح الدفاع عن الهوية الثقافية مبررًا لإقصاء كل اجتهاد وافد، أو أن يُتهم كل من خالف المذهب الغالب بأنه يهدد هوية المجتمع.
وفي المقابل، ليس من الحكمة إهمال التقاليد العلمية المحلية، أو التعامل معها بازدراء، أو استيراد الأقوال والفتاوى دون فهم للواقع الذي تنزل عليه.
المطلوب هو الإفادة من التراث المحلي، مع إبقاء باب البحث العلمي مفتوحًا، والتمييز بين التنظيم المؤسسي والإلزام الشرعي المطلق.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الحادي عشر: ما الموقف الصحيح إذن؟
الموقف المنضبط ليس في التعصب للمذاهب، ولا في الدعوة إلى هجرها، ولا في جعل اللامذهبية شعارًا يبرر القول في الدين بغير علم.
بل يقوم على جملة من الأصول:
🔹 أولًا: احترام الأئمة الأربعة وسائر علماء المسلمين، والاعتراف بفضلهم وجهودهم في خدمة الشريعة.
🔹 ثانيًا: دراسة المذاهب الفقهية دراسة علمية جادة، ومعرفة أصولها وأدلتها وطرائق الاستدلال فيها.
🔹 ثالثًا: عدم ادعاء عصمة أي إمام، وعدم جعل الانتساب إلى مذهب معين معيارًا وحيدًا للحق أو العلم.
🔹 رابعًا: التفريق بين العامي الذي يسأل أهل العلم، وطالب العلم الذي يتدرج في التحصيل، والمجتهد المؤهل للنظر والترجيح.
🔹 خامسًا: عدم الانتقال بين الأقوال لمجرد موافقة الهوى، أو البحث عن الأسهل دون ضابط علمي.
🔹 سادسًا: قبول البحث في أدلة المسائل، وعدم رفض القول لمجرد مخالفته للمذهب الذي اعتاده الإنسان.
🔹 سابعًا: احترام المرجعيات العلمية المحلية، دون تحويلها إلى حدود تمنع الاستفادة من سائر التراث الإسلامي.
🔹 ثامنًا: إخضاع الأقوال للمناقشة العلمية، مع حفظ مكانة أصحابها، والابتعاد عن السخرية والتجريح والشخصنة.
بهذه الأصول يمكن أن نجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على الاجتهاد، وبين احترام العلماء ورفض التعصب، وبين اتباع الدليل والالتزام بالمنهج العلمي.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الخاتمة: لا تقديس للمذاهب، ولا قطيعة مع التراث، ولا اجتهاد بلا أدوات
إن المذاهب الفقهية ثروة علمية عظيمة، لا يجوز التفريط فيها، كما أن أئمتها علماء أجلاء، لا يجوز الانتقاص من قدرهم أو تجاهل جهودهم.
لكن احترامهم لا يعني أن كل اجتهاد صدر عنهم معصوم من الخطأ، ولا أن أقوالهم تصبح ملزمة لكل مجتهد في كل عصر، ولا أن الانتساب إلى مذهب معين شرط لصحة العلم أو لقبول الحق.
وفي المقابل، فإن نقد التعصب المذهبي لا يمنح أحدًا رخصة للجهل بالفقه، أو تجاوز العلماء، أو انتقاء الأقوال بحسب الأهواء، أو ادعاء الاجتهاد دون امتلاك أدواته.
فلا تعصّب يجعل أقوال الرجال فوق المناقشة، ولا تفريط يهدر قرونًا من التراث الفقهي، ولا لامذهبية تتحول إلى فوضى في فهم النصوص واستنباط الأحكام.
نريد علمًا يحترم السابقين دون أن يؤلّه اجتهاداتهم، ويستفيد من المذاهب دون أن يتقيد بالتعصب لها، وينظر في الأدلة دون أن يتجاوز شروط النظر والاستنباط.
نريد طالب علم يعرف قدر الأئمة، وباحثًا يناقش أقوالهم بأدب، ومفتيًا لا يتكلم بغير علم، ومجتهدًا لا يجعل رأيه معصومًا لمجرد أنه خالف المشهور.
فالحق لا يُعرف بمجرد أسماء الرجال، ولا تُرد الأقوال لمجرد مخالفتها للمألوف؛ وإنما يُطلب الحق بالعلم، ويُوزن القول بالحجة، ويُحفظ للعلماء فضلهم ومكانتهم.
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن نتمسك بها:
لا للتعصّب المذهبي، ولا للتفريط في التراث الفقهي، ولا للامذهبية القائمة على الفوضى!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق