قالوا: نحن نتبع الكتاب والسنة…
فلما خالف شيوخهم الكتابَ والسنة، اتبعوهم وتركوا الكتاب والسنة!
من أكثر الشعارات التي تتكرر في الخطاب السلفي:
«نحن لا نتبع الأشخاص… نحن نتبع الكتاب والسنة!»
وهو شعار لا يختلف مسلم في أصل معناه.
لكن الشعارات لا تكفي وحدها…
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يأتي الدليل في اتجاه، ويكون موقف الشيخ أو الرمز في اتجاه آخر.
فماذا يحدث عندها؟
هنا تظهر المشكلة.
🔴 عندما يكون الدليل مع الشيخ… فالدليل حُجّة!
إذا استُدل بآية أو حديث أو كلام لأحد أئمة أهل العلم، وكان ذلك مؤيدًا لموقف الشيخ الذي يتبعه الشخص، أصبح الكلام:
«الدليل واضح!»
«نحن مع الكتاب والسنة!»
«العبرة بالدليل لا بالأشخاص!»
وهذا جيد.
لكن…
ماذا لو جاء الدليل نفسه بما لا يوافق موقف الشيخ؟
هنا تتغير لغة الحوار أحيانًا.
فبدل أن يُناقش الدليل، يبدأ البحث عن صاحب الدليل:
من قال بهذا؟
ومن أخذ عنه؟
ومن أثنى عليه؟
وهل حذّر منه الشيخ الفلاني؟
وفجأة يتحول النقاش من:
ماذا يقول الدليل؟
إلى:
ماذا قال شيخنا في صاحب الدليل؟
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
أين ذهب شعار: «نحن نتبع الكتاب والسنة»؟
🔴 من «الدليل أولًا» إلى «الشيخ أولًا»
ليس الخطأ أن يحترم الإنسان عالمًا ويستفيد من علمه.
ولا الخطأ أن يرجح قول عالم على قول آخر بناءً على قوة الدليل.
فالخلاف العلمي أمر معروف بين أهل العلم.
المشكلة تبدأ عندما يصبح قول الشيخ هو المعيار الذي تُقبل به النصوص أو تُرفض.
فإن وافق الشيخُ الدليلَ قيل:
«هذا هو الكتاب والسنة.»
وإن خالفه الدليلُ قيل:
«لا تتكلم في العلماء!»
وإن نوقش اجتهاده قيل:
«احذر من فلان!»
وإن قيل: أين الدليل؟
كان الجواب أحيانًا:
«شيخنا أعرف منك!»
وهنا لم نعد أمام اتباع للكتاب والسنة بالمعنى الذي يرفعه الشعار، بل أمام ارتباط شديد برمزٍ علمي يُنظر إلى مخالفته وكأنها مخالفة للدين نفسه.
🔴 «لحوم العلماء مسمومة»… فهل القاعدة للجميع؟
ومن أكثر العبارات التي تُستعمل في هذا السياق:
«لحوم العلماء مسمومة.»
وهي عبارة يراد بها التحذير من الوقيعة في أهل العلم، وهذا من حيث الأصل معنى مفهوم.
لكن السؤال:
هل تُطبَّق هذه القاعدة على الجميع؟
إذا كان العالم الذي نختلف معه من خارج الدائرة، أصبح نقده وتجريحه والتحذير منه أمرًا يسيرًا.
أما إذا كان من رموز الدائرة نفسها، أصبح مجرد مناقشة كلامه:
«طعنًا في العلماء»!
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:
ليس المطلوب أن نمنع نقد العلماء، ولا أن نفتح باب التجريح بلا ضوابط؛ وإنما المطلوب أن تكون القاعدة واحدة على الجميع.
فكما لا يجوز تحويل العالم إلى معصوم، لا يجوز أيضًا تحويل مخالفه إلى هدف مباح.
🔴 «نحن مع الدليل»… حتى يخالف الدليل شيخنا!
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
من السهل جدًا أن تقول: «أنا مع الدليل».
لكن الامتحان الحقيقي ليس عندما يوافق الدليل رأيك.
الامتحان الحقيقي عندما يقول لك الدليل:
اترك رأيك.
وعندما يقول لك النص:
راجع موقفك.
وعندما تجد أن العالم الذي تحترمه قد أخطأ في مسألة.
فهل تستطيع أن تقول:
أحترم العالم… لكن الخطأ خطأ، والدليل مقدَّم على قوله؟
أم تصبح مهمة الدفاع عن الشيخ أهم من البحث عن الحق؟
هنا يظهر الفرق بين اتباع العلماء والاستقلال عنهم، وبين تحويل العلماء إلى مرجعية فوق النقد والمراجعة.
🔴 ومن «الغربة» إلى صناعة حصانة من النقد
ومن الملاحظ أيضًا أن بعض الخطابات تقدم أتباعها باعتبارهم:
«غرباء»، «قابضين على الدين»، «متمسكين بالسنة رغم مخالفة الناس».
والغربة في ذاتها ليست دليلًا على البطلان ولا على الحق.
فقد يكون الإنسان غريبًا لأنه تمسك بالحق.
وقد يكون غريبًا لأنه أخطأ وخالف الناس.
فالكثرة ليست معيارًا للحق، كما أن قلة الأتباع ليست دليلًا عليه.
ولهذا لا يكفي أن تقول:
«نحن غرباء.»
بل السؤال الأهم:
غربة عن ماذا؟ وبأي دليل؟
🔴 ومن الأولى بالغربة؟
ثم تأتي مفارقة أخرى.
حين يتحدث البعض عن «الغربة» وعن الثبات أمام الضغوط، ينبغي ألا تتحول هذه الصورة إلى وسيلة لمنح النفس حصانة أخلاقية وعلمية.
فليست كل معارضة اضطهادًا.
وليس كل هجوم دليلًا على أنك على الحق.
كما أن القرب من أصحاب النفوذ ليس وحده دليلًا على الباطل.
المعيار في الحالتين واحد:
الدليل.
والعدل.
والإنصاف.
وموقف الإنسان من الحق عندما يكون الحق مخالفًا لمصلحته أو لمصلحة الجماعة التي ينتمي إليها.
🔥 المشكلة ليست في أن يكون لك شيخ…
المشكلة أن يصبح شيخك هو الدليل.
استفد من العلماء.
احترم العلماء.
اسأل أهل العلم.
رجّح بين أقوالهم.
لكن لا تجعل احترامك للعالم سببًا في قبول كل ما يقول دون نظر، ولا تجعل مخالفته سببًا في إسقاط الدليل أو تأويل النصوص لتوافق موقفه.
العالم يُحترم، لكنه لا يُعصم.
والشيخ يُتبع في الحق، لا لأن اسمه كبير، وإنما لأن ما قاله قام عليه الدليل.
⚠️ وأصعب اختبار للمنهج
كل جماعة تستطيع أن تقول:
«نحن مع الكتاب والسنة.»
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما:
يخالف الكتاب والسنةُ شيخَك.
عندها فقط يظهر:
هل أنت مع الدليل؟
أم مع الشيخ؟
هل تبحث عن الحق؟
أم تبحث عن ما يبرر موقف الشيخ؟
هل تقبل أن تخطئ جماعتك؟
هل تقبل أن يخطئ عالمك؟
هل تستطيع أن تقول:
«أحبه وأحترمه، لكن قوله هنا ليس هو الحق»؟
إذا استطعت ذلك…
فأنت تحترم العالم دون أن تجعله فوق الدليل.
أما إذا أصبح كل دليل يخالف شيخك محلَّ تأويل، وكل مخالف له محلَّ تحذير، وكل نقد له طعنًا في العلماء…
فالسؤال هنا لا يعود:
«هل تتبع الكتاب والسنة؟»
بل يصبح:
هل تتبع الكتاب والسنة فعلًا… أم تتبع فهم شيخك للكتاب والسنة؟
وهنا يكمن الفرق بين احترام العلماء وتقديس الأشخاص.
فالحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الحقُّ بالدليل… ثم يُعرف الرجال بمقدار قربهم منه.


