اختلاف السلف في فهم نصوص الصفات
هل الخلاف دليل على الضلال؟
من أكثر ما يؤلم في الخلافات العقدية المعاصرة أن يتحول اختلاف الفهم إلى اتهام في الدين والمنهج.
فإذا فهم عالم نصًا بطريقة، وفهمه عالم آخر بطريقة مختلفة، لم يكتف بعض الناس بمناقشة الدليل، بل سرعان ما ينتقلون إلى:
التبديع، والتضليل، والتشنيع، والطعن في النيات.
لكن هل كان السلف أنفسهم متطابقين في فهم كل نص من نصوص العقيدة؟
الكتاب الذي بين أيدينا يقدم جوابًا واضحًا:
«واختلف السلف الصالح في هذا الموضوع.»
ثم يقرر أن معظم الاختلاف لم يكن لأن بعضهم يملك النصوص والآخر لا يملكها، وإنما كان السبب الرئيس:
«الفهم في النصوص.»
وهذه قاعدة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.
أولًا: وجود الخلاف لا يعني غياب الحق
عندما يختلف العلماء في مسألة، يقع بعض الناس في أحد طرفين:
إما أن يقول:
«بما أنهم اختلفوا، فكل الأقوال صحيحة.»
أو يقول:
«بما أن هناك قولًا واحدًا هو الحق، فكل من خالفه ضال مبتدع.»
والكتاب يرفض هذا التبسيط.
فهو يقرر بوضوح أن:
الصواب واحد، وليس معنى الاجتهاد أن جميع الأقوال المتناقضة صحيحة.
لكن في الوقت نفسه، لا يعني الخطأ في الاجتهاد أن صاحبه يصبح خارجًا عن أهل العلم أو أن يُسقط فضله كله.
ولهذا ينقل الكتاب معنى مهمًا:
«ليس معناه أن جميع الأقوال ـ وإن تناقضت ـ صواب، بل الصواب أحدهما، ولكن الجميع محمودون مأجورون.»
وهذا هو الميزان الدقيق.
ثانيًا: لماذا اختلف العلماء؟
قد يظن البعض أن اختلاف العلماء سببه أن أحدهم لديه النص والآخر لا يعرفه.
لكن الكتاب يقرر أن الأمر ليس كذلك في كثير من المسائل.
فقد يكون:
النص موجودًا عند الجميع.
والحديث معروفًا.
والآية محفوظة.
لكن يختلف العلماء في:
دلالتها.
وسياقها.
ومراد المتكلم منها.
وكيفية الجمع بينها وبين النصوص الأخرى.
وهذا ما يسميه الكتاب:
اختلاف الفهم في النصوص.
وهذه حقيقة مهمة جدًا في دراسة العلوم الشرعية.
ثالثًا: الفهم البشري ليس معصومًا
النص المقدس شيء.
وفهم الإنسان للنص شيء آخر.
ولهذا كان من الخطأ أن نتعامل مع فهم عالم للنص وكأنه هو النص نفسه.
فالقرآن وحي.
أما تفسير العالم للآية فهو:
اجتهاد بشري.
والحديث النبوي شيء.
أما فهم العالم لدلالته فهو:
اجتهاد يحتاج إلى النظر والمناقشة.
ومن هنا يمكن أن نفهم كيف يقع الاختلاف بين علماء كبار، مع اشتراكهم في الإيمان بالكتاب والسنة وتعظيمهما.
رابعًا: السلف ليسوا معصومين
وهذه نقطة صريحة في الكتاب.
فعند الحديث عن مواقف السلف من آيات الصفات، ينبه المؤلف إلى أن:
«السلف الصالح ليسوا بمعصومين.»
وأن المعصوم هو رسول الله ﷺ.
وهذا لا يعني التقليل من شأن الصحابة والتابعين وأئمة الهدى.
بل يعني وضعهم في موضعهم الصحيح:
هم خير القرون، ولكنهم بشر.
يُصيبون ويخطئون.
يجتهدون.
وقد يختلفون.
والعصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.
خامسًا: هل يلزمنا أن نفعل كل ما لم يفعله السلف؟
ينبه الكتاب إلى نقطة مهمة:
ليس معنى كون الصحابة والتابعين خير القرون أننا مأمورون بأن:
لا نقول إلا ما قالوه حرفيًا،
أو:
لا نفعل إلا ما فعلوه.
فالدين رسالة للعالمين، وليس لقوم دون قوم أو لزمن دون زمن.
وهنا ينبغي التفريق بين:
الاقتداء بالسلف
وبين:
تحويل كل تصرف أو كل سكوت لهم إلى قاعدة تحكم كل زمان ومكان.
سادسًا: لماذا سكت بعض السلف عن بعض المسائل؟
ينقل الكتاب عن العز بن عبد السلام تفسيرًا مهمًا لذلك.
فهو يرى أن السلف لم يكونوا بحاجة إلى الخوض في بعض مسائل التأويل؛ لأن الشبهات التي دفعت المتأخرين إلى الخوض فيها لم تكن قد ظهرت في عصرهم.
ويقول بمعنى كلامه:
لو ظهرت تلك الشبهات في عصرهم لردوا عليها وأنكروا على أصحابها، كما رد الصحابة والسلف على القدرية عندما ظهرت بدعتهم.
وهذا يلفت النظر إلى قاعدة مهمة:
اختلاف الأسئلة يؤدي أحيانًا إلى اختلاف طريقة الجواب.
فالصحابي قد لا يحتاج إلى شرح فلسفي لمسألة لم تكن مطروحة أصلًا.
أما العالم بعد ظهور الشبهة فقد يحتاج إلى تفصيل طويل ليدفع الإشكال.
سابعًا: لا تجعل السكوت دليلًا على التحريم
ومن هنا يمكن أن نفهم قضية مهمة.
إذا لم نجد عن عالم من السلف كلامًا في مسألة معينة، فلا يعني بالضرورة أنه:
حرّم الكلام فيها.
قد يعني ببساطة:
أن الحاجة إلى الكلام فيها لم تكن موجودة.
وهذا قريب جدًا من الفكرة التي ينقلها الكتاب عن العز بن عبد السلام في سبب سكوت السلف عن التأويل.
ولهذا يجب أن نفرق بين:
عدم الفعل أو عدم الكلام
وبين:
المنع والتحريم.
ثامنًا: المشكلة تبدأ عندما يتحول الاجتهاد إلى خصومة
ينقل الكتاب معنى مهمًا جدًا:
أن اختلاف السلف في فهم بعض النصوص أمر يمكن أن يقع، لكن غير المقبول هو أن يتحول ذلك إلى:
تضليل المسلمين بعضهم لبعض، والطعن بعضهم في بعض.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في زماننا.
فقد يبدأ النقاش:
كيف نفهم هذه الآية؟
ثم يتحول إلى:
أنت لا تفهم!
ثم:
أنت مبتدع!
ثم:
أنت لا تمثل أهل السنة!
ثم:
يجب هجرُك والتحذير منك!
وهكذا تتحول مسألة علمية إلى خصومة شخصية.
تاسعًا: هل كل اختلاف مذموم؟
لا.
فالكتاب يميز بين:
الاختلاف المشروع
و
الاختلاف الذي يؤدي إلى الفرقة والعداوة.
وينقل عن يحيى بن سعيد أن أهل الفتوى كانوا يختلفون:
هذا يحل.
وهذا يحرم.
ومع ذلك لم يكن أحدهم يرى مخالفه هالكًا لمجرد مخالفته.
وهذه صورة عظيمة من صور أدب العلماء.
فالعالم يقول:
هذا ما ترجح عندي.
ولا يقول بالضرورة:
ومن لم يقل به فهو فاسد الدين.
عاشرًا: الاجتهاد لا يعني أن كل رأي صحيح
وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة دقيقة.
الإنصاف لا يعني أن نقول:
كل الأقوال صحيحة.
فهذا غير صحيح.
فالكتاب نفسه يقرر:
«الصواب أحدهما.»
لكن المجتهد الذي أخطأ بعد بذل وسعه لا يُعامل معاملة المتعمد للباطل.
وهذا فرق جوهري بين:
الخطأ العلمي
و
الانحراف المتعمد.
الحادي عشر: لا تقيس العلماء على نفسك
من الأخطاء الشائعة أن يقرأ الإنسان قولًا لعالم لا يوافق رأيه، فيقول:
«كيف قال هذا العالم ذلك؟ هذا أمر واضح!»
لكن ما يبدو واضحًا لك اليوم قد يكون موضع بحث عند عالم عاش في سياق مختلف، وقرأ عشرات النصوص المتعلقة بالمسألة، ونظر فيها وفق أصول علمية.
ولهذا فإن احترام العلماء لا يعني الموافقة على كل اجتهاداتهم.
بل يعني:
أن نخالفهم بأدب، ونناقشهم بعلم، ولا نظلمهم.
الثاني عشر: ماذا يعني أن نختلف بأدب؟
يعني أن نقول:
«هذا القول لا يظهر لي رجحانه.»
بدل:
«هذا قول باطل لا يقوله إلا أهل الضلال.»
ونقول:
«الدليل عندي يدل على كذا.»
بدل:
«من خالفني فقد خالف السلف.»
ونقول:
«هذه المسألة وقع فيها خلاف.»
بدل:
«لم يخالف فيها أحد.»
هذه ليست مجرد فروق في الأسلوب.
بل هي فروق في الأمانة العلمية.
الثالث عشر: الخلاف لا يبرر البغضاء
ينبه الكتاب إلى أن العداوة والبغضاء بين المسلمين قد تكون من آثار النفس والبغي، لا من مقتضيات العلم نفسه.
وهذا أمر ينبغي أن نتذكره دائمًا.
قد تختلف معي في مسألة.
وقد أختلف معك.
لكن:
لا يعني ذلك أنني أكرهك.
ولا يعني أنني أحتقر علمك.
ولا يعني أنني أنسب إليك سوء القصد.
فالخلاف العلمي شيء.
والعداوة الشخصية شيء آخر.
رابع عشر: ماذا ينبغي أن يكون منهجنا؟
إذا اختلف العلماء في فهم نص عقدي، فعلينا أن نسلك طريقًا واضحًا:
أولًا: نجمع النصوص.
لا نأخذ نصًا ونترك بقية الباب.
ثانيًا: نفهم اللغة والسياق.
ثالثًا: نجمع أقوال العلماء.
رابعًا: نعرف محل الاتفاق ومحل الخلاف.
خامسًا: نفرق بين القطعي والاجتهادي.
سادسًا: نرجح بالدليل.
سابعًا: لا نحول الخلاف إلى عداوة.
وهذا هو الطريق الذي يحفظ للعلم هيبته وللمسلمين وحدتهم.
الخلاصة
اختلاف السلف في فهم بعض آيات وأحاديث الصفات ليس سببًا للطعن فيهم، بل هو مثال على أن:
الفهم البشري قد يختلف.
فالكتاب يقرر أن السلف اختلفوا في هذا الموضوع، وأن معظم الاختلاف كان في فهم النصوص، لا في امتلاك النص من عدمه.
كما يؤكد أن:
🔹 السلف ليسوا معصومين.
🔹 الصواب واحد، وليس كل قولين متناقضين صحيحين.
🔹 المجتهد قد يخطئ ويكون مع ذلك مأجورًا على اجتهاده.
🔹 اختلاف العلماء لا يبرر تضليل المسلمين والطعن فيهم.
🔹 سكوت السلف عن بعض المسائل لا يعني بالضرورة تحريم الكلام فيها.
ولهذا:
إذا اختلف العلماء في فهم النص، فليس أول واجبنا أن نسأل: من نُسقط؟
بل نسأل: ما الدليل؟ وما وجه الاستدلال؟ وما الذي قاله العلماء فعلًا؟
ثم نرجح ما ظهر لنا أنه الحق، من غير أن نحول الخلاف العلمي إلى خصومة بين المسلمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق