الاثنين، 12 أكتوبر 2026

الغناء والمعازف في ميزان الدليل: دراسة في الأحاديث وأقوال العلماء

 

الغناء والمعازف في ميزان الدليل: دراسة في الأحاديث وأقوال العلماء

بين أحاديث المنع وأدلة الإباحة… كيف نفهم الخلاف بعيدًا عن التعصب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن مسألة الغناء والمعازف من المسائل التي طال فيها البحث والنقاش بين العلماء قديمًا وحديثًا، وتعددت فيها التصانيف والرسائل، واختلفت فيها مناهج الاستدلال، كما اختلفت أنظار العلماء في ثبوت بعض الروايات، وفي دلالتها على الأحكام الشرعية.

وقد تجاوز الخلاف العلمي أحيانًا حدود البحث في الأدلة إلى الطعن في المخالف، والتشنيع عليه، واتهامه بالانحراف أو اتباع الهوى؛ مع أن الواجب في مسائل الاجتهاد أن يكون الاحتكام إلى الدليل، وأن يُناقَش القول بالحجة والبرهان، لا بالتجريح والخصومة.

ولذلك، فإن المقصود من هذا المقال ليس ادعاء حسم المسألة في كلمات معدودة، ولا الاكتفاء بنقل أقوال الموافقين، وإنما الوقوف مع أبرز الأدلة التي دار حولها الخلاف، والتنبيه إلى الفرق بين صحة الحديث، ودلالته، وكيفية الجمع بينه وبين بقية النصوص.


أولًا: أشهر الأحاديث التي استدل بها المانعون

1. حديث: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف»

روى البخاري في صحيحه، في حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، أن النبي ﷺ قال:

«ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف».

وهذا الحديث من أشهر ما يُستدل به على تحريم المعازف، وقد دار حوله نقاش حديثي وأصولي واسع.

فقد اعترض ابن حزم على الحديث من جهة اتصاله بالإسناد، وناقش بعض الرواة والطرق، وانتهى في بحثه المشهور إلى عدم ثبوت شيء من الأحاديث التي رأى أنها تدل على التحريم.

وفي المقابل، ذهب جمهور من أهل الحديث إلى صحة الحديث، وأجابوا عن الاعتراضات المتعلقة بتعليقه في صحيح البخاري، وبيّنوا أن تعليق البخاري له لا يعني انقطاعه في واقع الأمر؛ فقد ورد موصولًا من طرق أخرى.

وهنا ينبغي التنبيه إلى مسألة مهمة:

ليس كل اعتراض على إسناد الحديث علةً قادحة، كما أن مجرد وجود الحديث في كتاب مشهور لا يُغني عن فهم طرقه ودراسة علله عند البحث الحديثي المتخصص.

والأهم من ذلك أن البحث لا ينتهي بمجرد الحكم على الحديث بالصحة؛ بل يبقى النظر في دلالته، وفي وجه الاستدلال به على الحكم محل النزاع.

وقد ناقش الإمام الشوكاني هذه المسألة في كتابه «نيل الأوطار»، كما بحثها الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع في كتابه «الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام»، وذهب كل منهما إلى مناقشة الأدلة من زاويته العلمية.

2. حديث الخسف والقذف عند ظهور المعازف

ورد عن عبد الرحمن بن سابط حديث يتضمن ذكر الخسف والقذف، وربط ذلك بظهور المعازف والخمور ولبس الحرير.

وقد اختلف أهل العلم في الحكم على طرقه؛ فمنهم من ضعّف الحديث، ومنهم من حسّنه، ومنهم من ناقش اختلاف الروايات وما يثبت منها وما لا يثبت.

وهذا المثال يوضح أهمية عدم جمع الروايات المختلفة في حكم واحد؛ إذ قد يكون لبعض طرق الحديث ضعف، بينما يرى بعض الباحثين أن مجموع طرقه يرفع الحديث إلى مرتبة القبول.

ولا يصح أن يُنسب إلى جميع المحدثين اتفاقٌ على تصحيحه أو تضعيفه من غير تحرير لأقوالهم وأسانيدهم.

3. حديث تحريم الخمر والميسر والكوبة

ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال إنه حُرِّم عليه الخمر والميسر والكوبة.

وقد صحح أهل العلم أصل الحديث، مع وجود كلام لبعض النقاد في بعض ألفاظه وطرقه.

كما وقع الخلاف في تفسير «الكوبة»؛ فقيل: هي الطبل، وقيل: النرد، وقيل: آلة من آلات اللهو.

ومن هنا تظهر أهمية الجمع بين البحث الحديثي والبحث اللغوي؛ لأن الحكم على اللفظ يتأثر بثبوت الرواية، كما يتأثر بتحديد معناه المراد.

4. حديث النهي عن كسب الزمارة

ورد حديث النهي عن كسب الزمارة، وقد صححه بعض أهل العلم، مع وجود اختلاف في تفسير اللفظ الوارد فيه، وفي بعض طرقه.

ومن الخطأ أن يُبنى حكم فقهي واسع على لفظ محتمل من غير جمع طرق الرواية، والنظر في تفسير الرواة له، ومقارنته باستعمال العرب للفظ.


ثانيًا: الأحاديث والآثار التي استدل بها المجيزون

في مقابل أدلة المنع، استدل القائلون بالجواز بأحاديث وآثار تدل على وقوع الغناء أو الضرب بالدف في بعض المناسبات، مع إقرار النبي ﷺ لبعض تلك الصور.

ولا بد هنا من التمييز بين الإباحة في صور معينة، وبين القول بإباحة جميع أنواع الغناء والمعازف دون استثناء؛ فليس أحد الأمرين مساويًا للآخر.

1. حديث زمارة الراعي

ورد عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما سمع صوت مزمار راعٍ، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، ثم سأل نافعًا: أيسمع الصوت؟

فلما أخبره نافع بأنه لم يعد يسمعه، أعاد ابن عمر راحلته إلى الطريق، وذكر أنه رأى النبي ﷺ يفعل مثل ذلك.

وقد استدل بعض الباحثين بهذا الأثر على أن مجرد سماع الصوت ليس كالتعمد إلى الاستماع إليه.

غير أن دلالته على حكم المعازف عمومًا محل بحث؛ لأن الواقعة تتعلق بسماع صوت عارض، ولا تتضمن وحدها بيان حكم كل صورة من صور الغناء وآلات الموسيقى.

2. الغناء والدف في بعض المناسبات

وردت آثار عن بعض الصحابة في الترخيص بالدف والغناء في العرس، وفي بعض المناسبات التي وردت فيها الرخصة.

ومن ذلك ما نُقل عن أبي مسعود وأُبيّ بن كعب وثابت بن زيد رضي الله عنهم، من وجود جوارٍ يضربن بالدف ويغنين، مع ذكر الترخيص في العرس.

ويُستدل بمثل هذه الآثار على أن الغناء والدف لم يكونا ممنوعين في جميع الأحوال والصور.

لكن يبقى النظر في حدود الرخصة: هل تختص بالدف؟ وهل تختص بالعرس؟ وما حكم غيرها من الآلات؟ وما أثر مضمون الغناء والظروف المصاحبة له؟

وهذه أسئلة تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يكفي فيها تعميم حكم صورة واحدة على جميع الصور.

3. حديث الجاريتين في يوم العيد

ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن جاريتين كانتا تغنيان في بيتها بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث، فأنكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك، فقال النبي ﷺ:

«دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا».

وهذا الحديث أصل مهم في إثبات جواز الغناء في الصورة التي وقعت في بيت عائشة رضي الله عنها، كما يدل على مراعاة مناسبة العيد وما جرى فيها من اللهو المباح.

وقد اختلف الفقهاء في مدى دلالة الحديث على غير هذه الصورة؛ فاستدل به بعضهم على أصل جواز الغناء بضوابطه، بينما رأى آخرون أن الواقعة لا تدل على إباحة المعازف بإطلاق.

ومن الإنصاف أن نثبت ما يدل عليه الحديث، وألا نحمله على أكثر مما يحتمل.

4. قصة الجارية التي نذرت الضرب بالدف

وردت روايات في امرأة نذرت أن تضرب بالدف عند رجوع النبي ﷺ سالمًا، فأذن لها بالوفاء بنذرها في الصورة المذكورة.

وقد استُدل بهذه الروايات على مشروعية الدف في أحوال مخصوصة، وعلى أن حكم الآلات والأصوات لا يُبحث بمعزل عن النصوص الواردة في كل صورة.

غير أن الاستدلال بها على جميع آلات اللهو يحتاج إلى بيان وجه القياس، والنظر في الفرق بين الدف وغيره عند من يفرّق بينهما.

5. أحاديث الدف في النكاح

وردت أحاديث وآثار أخرى في إعلان النكاح بالدف، ومنها حديث:

«فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف».

وقد حسّن هذا الحديث بعض أهل العلم، وتناوله المحدثون بالبحث والتخريج.

كما وردت روايات في إنشاد الجواري وضربهن بالدف في بعض مناسبات الزواج، وفي بعضها كلام من جهة الأسانيد أو الألفاظ.

والمنهج الصحيح أن تُدرس كل رواية بحسب درجتها، ثم تُبحث دلالتها، دون أن تُجعل جميع الروايات في مرتبة واحدة.


ثالثًا: هل الخلاف في صحة الأحاديث أم في دلالتها؟

هذه من أهم المسائل التي ينبغي أن ينتبه إليها القارئ.

فليس كل خلاف في حكم الغناء والمعازف ناشئًا عن اختلاف العلماء في صحة الأحاديث؛ إذ قد يصحح عالمان حديثًا واحدًا، ثم يختلفان في فهم دلالته، أو في كيفية الجمع بينه وبين أحاديث أخرى.

ويمكن تلخيص جوانب الخلاف في ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: ثبوت الرواية.

هل صح الحديث عن النبي ﷺ؟ وهل طرقه متصلة؟ وهل سلم من العلل القادحة؟

المستوى الثاني: دلالة النص.

إذا ثبت الحديث، فما الذي يدل عليه؟ وهل دلالته صريحة في التحريم، أم تحتمل أكثر من وجه؟ وما حدود الحكم الذي يثبت به؟

المستوى الثالث: الجمع بين الأدلة.

كيف تُفهم أحاديث المنع إلى جانب الأحاديث التي تدل على إقرار بعض صور الغناء والدف؟ وهل تختلف الأحكام باختلاف الآلات، أو مضمون الكلام، أو المناسبة، أو ما يصاحب الغناء من محرمات؟

والخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى نتائج غير دقيقة؛ فقد يظن أحدهم أن تصحيح الحديث يحسم كل تفاصيل الحكم، أو أن ثبوت رخصة في صورة معينة يُسقط جميع أدلة المنع.

وكلا الأمرين يحتاج إلى بحث وتحرير.


رابعًا: ماذا عن أثر ابن مسعود في تفسير «لهو الحديث»؟

ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه تفسير «لهو الحديث» في قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: 6]،

بأنه الغناء، وقد اشتهر هذا التفسير عنه في كتب التفسير والآثار.

وهذا الأثر من الأدلة التي يستند إليها المانعون، ويبحث العلماء في ثبوته ودلالته، وفي علاقته بعموم لفظ الآية وسياقها.

ومن المهم هنا التفريق بين تفسير الآية بأحد مصاديقها، وبين القول إن اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى؛ فهذه مسألة تفسيرية وأصولية تحتاج إلى النظر في كلام المفسرين، وفي سياق الآية، وفي بقية الأدلة.

ولا يصح تجاوز هذا البحث بمجرد الاستشهاد بالأثر أو الاعتراض عليه إجمالًا.


خامسًا: ماذا قال العلماء في المسألة؟

لم تكن مسألة الغناء والمعازف خالية من التصنيف والبحث، بل تناولها علماء من اتجاهات فقهية وحديثية متعددة.

ومن أبرز الكتب التي يُرجع إليها في دراسة المسألة:

  • «المحلى» و«رسالة الملاهي» للإمام ابن حزم.

  • «نيل الأوطار» للإمام الشوكاني.

  • «تحريم آلات الطرب» للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

  • «الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام» للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع.

  • «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي.

  • «الفتاوى» للشيخ علي الطنطاوي.

  • «الحلال والحرام في الإسلام» للشيخ يوسف القرضاوي.

وهذه المؤلفات ليست على رأي واحد، كما أنها تختلف في مناهج الاستدلال، ودرجة التوسع في تخريج الأحاديث، وطريقة الجمع بين الأدلة.

ومن أراد بحث المسألة بحثًا جادًّا، فلا ينبغي أن يكتفي بقراءة كتاب واحد من كتب المنع أو الإباحة، بل عليه أن يطالع حجج الطرفين، ويتتبع مصادر النقول، ويميّز بين ما ثبت بالدليل وما هو مجرد استنتاج أو ترجيح.

كما ينبغي التنبيه إلى أن وجود كتاب ضمن قائمة المراجع لا يعني صحة كل ما فيه، ولا يغني عن فحص الأدلة التي يستند إليها مؤلفه.


سادسًا: الإنصاف مع العلماء أولى من التعصب للأقوال

من أخطر ما يصاحب الخلاف الفقهي أن يتحول من مناقشة الأدلة إلى الطعن في أصحابها.

وقد نبّه الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع، في مقدمة كتابه «أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان»، إلى خطورة التعصب الذي يحمل بعض الناس على النيل من العلماء المخالفين، بدل مناقشة أقوالهم بالحجة.

وهذه قاعدة لا تختص بمسألة الغناء والمعازف؛ بل تشمل سائر مسائل الاجتهاد والخلاف.

فليس من المنهج العلمي أن يُتهم كل من قال بالتحريم بالتشدد، ولا أن يُتهم كل من قال بالجواز باتباع الهوى، لمجرد مخالفته للرأي الذي نراه صوابًا.

والعالم قد يجتهد فيصيب أو يخطئ، والمطلوب أن نناقش قوله، وننظر في دليله، ونرد ما نراه خطأً بالحجة، مع حفظ حقه في العلم والاجتهاد.

كما أن الاستشهاد بقول عالم لا يعفي الباحث من دراسة حجته؛ فالعبرة ليست بكثرة الأسماء، ولا بشهرة المؤلف، وإنما بما يقوم عليه القول من دليل صحيح وفهم معتبر.


سابعًا: هل كل ما يسمى غناءً أو موسيقى يأخذ حكمًا واحدًا؟

ينبغي قبل إصدار الحكم تحديد الصورة التي نتحدث عنها.

فثمة فرق بين الكلام الحسن الذي يُنشَد، وبين الغناء الذي يشتمل على كلمات محرمة، وبين استعمال الدف في مناسبة وردت فيها الرخصة، وبين استعمال آلات أخرى مختلف في حكمها.

كما أن وجود محرمات مصاحبة للغناء قد يؤثر في حكم الصورة المعينة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن كل صورة من صور الغناء محرمة لذاتها، مثلما لا يكفي ثبوت الرخصة في صورة واحدة للحكم بإباحة جميع الصور.

ولهذا شدّد الشيخ علي الطنطاوي، في كلامه عن الغناء والموسيقى، على أهمية تحديد محل النزاع قبل المناظرة، والتنبيه إلى أن بعض المختلفين قد يتحدثون عن صورتين مختلفتين، ثم يتوهم كل فريق أنه يرد على الآخر.

وهذا تنبيه وجيه إلى ضرورة تحرير محل النزاع، وإن بقيت تفاصيل الحكم بحاجة إلى النظر في أدلة كل صورة على حدة.


خاتمة: نبحث عن الدليل، لا عن انتصار الأشخاص

إن مسألة الغناء والمعازف مثال واضح على أهمية الجمع بين علوم الحديث والفقه وأصول الاستدلال، وعلى ضرورة التمييز بين ثبوت النص وفهمه، وبين الحكم على رواية بعينها واستنباط حكم عام منها.

ومن أراد الوصول إلى الراجح، فعليه أن يجمع الأدلة الثابتة، ويدرس طرقها ودلالاتها، وينظر في أقوال العلماء وأجوبتهم، بعيدًا عن الانتقاء والتعصب.

فلا يُرد الحديث الصحيح لمجرد مخالفته لرأي سابق، ولا يُحمل النص على ما لا يدل عليه من أجل الوصول إلى نتيجة مرغوبة، ولا تُجعل مكانة العالم بديلًا عن البرهان.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول الخلاف إلى ذريعة للطعن في العلماء، أو اتهام المخالفين في نياتهم، أو تصوير المسألة وكأن كل من خالفنا فيها لا يريد اتباع الكتاب والسنة.

فالإنصاف أن نطلب الحق بالدليل، وأن نُحسن فهم النصوص، وأن نحفظ للعلماء قدرهم، وأن نُفرّق بين الخطأ في الاجتهاد وبين الطعن في النيات.

والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق