الخميس، 8 أكتوبر 2026

«لحوم العلماء مسمومة»… ولكن أي علماء؟

 

حين يُحرَّم على الناس ما يُباح للسلطة… أسئلة محرجة للخطاب المدخلي

ليس المقصود من هذا المقال مهاجمة أشخاص بأعيانهم، ولا الطعن في نيات أحد، وإنما مناقشة خطاب ديني وفكري أراه قائمًا ـ في بعض صوره ـ على ازدواجية واضحة في التعامل مع القضايا الشرعية والسياسية.

فالمشكلة ليست في أن يختلف الناس في مسألة فقهية، ولا في أن يختار عالمٌ قولًا دون آخر؛ فالاختلاف سنة بشرية قديمة.

المشكلة تبدأ عندما يصبح المعيار مختلفًا بحسب الشخص والموقف والجهة التي يصدر عنها الفعل.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة:


أولًا: لماذا يكون التشدد في بعض العادات… والتساهل في أخرى؟

يُشنّع على المسلمين بسبب الاحتفال بالمولد النبوي، ويُقدَّم الأمر أحيانًا باعتباره من أعظم صور البدع.

وفي المقابل، عندما تظهر في المجتمع مظاهر احتفالية أخرى، أو فعاليات ترفيهية وثقافية لم تكن معهودة بهذه الصورة، يصبح التعامل معها أكثر مرونة.

وهنا السؤال ليس:

هل المولد سنة أم بدعة؟

فهذه مسألة لها بحثها الفقهي وأقوال العلماء فيها.

وإنما السؤال:

هل المعيار الشرعي واحد في جميع الحالات، أم أن الموقف يتغير بتغير الجهة التي تقف خلف الفعل؟


ثانيًا: «لحوم العلماء مسمومة»… ولكن أي علماء؟

من أكثر العبارات تداولًا في بعض البيئات السلفية:

«لحوم العلماء مسمومة».

والمعنى في أصله مفهوم: التحذير من الوقيعة في أهل العلم والطعن في أعراضهم بغير حق.

لكن الإشكال يظهر عندما يصبح هذا المبدأ انتقائيًا.

فإذا كان العالم من داخل الدائرة المقرّبة، أصبح الكلام عليه غيبةً وطعنًا وتعديًا.

أما إذا خالف في المنهج أو السياسة أو الموقف من شخص معين، فقد يصبح التجريح فيه مباحًا، وربما تحولت مخالفته إلى تبديع وتحذير وهجر.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

إذا كانت أعراض العلماء مصونة، فلماذا لا تكون هذه القاعدة شاملة للجميع؟


ثالثًا: متى تكون طاعة الحاكم واجبة؟

لا أحد ينكر أن الشريعة جاءت بحفظ الجماعة، والنهي عن الفوضى والفتن، والحث على طاعة ولي الأمر في المعروف.

لكن السؤال الأهم:

هل تتحول طاعة الحاكم إلى قاعدة تبرر كل موقف يصدر عنه؟

فإذا كان الحاكم يرى المظاهرات المؤيدة له أو المؤيدة لسياساته أمرًا مشروعًا، نجد أحيانًا من يبرر ذلك.

أما إذا كانت المظاهرة تنتقد الحاكم أو تعارض سياسته، فيُستدعى خطاب التحريم والفتنة والخروج وشق عصا الطاعة.

وهنا يظهر السؤال:

هل الحكم متعلق بالفعل نفسه، أم بمن يقف خلفه؟

فالقاعدة الشرعية لا ينبغي أن تتغير لمجرد تغير الفاعل.


رابعًا: ماذا عن الحكام الذين يخطئون؟

من حق العلماء والدعاة أن يحذروا من الفوضى والانقلابات والعنف، وهذا أمر مفهوم.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول قاعدة «طاعة ولي الأمر» إلى حصانة مطلقة من النقد والنصيحة والمحاسبة الأخلاقية.

فالطاعة في المعروف لا تعني أن يصبح الحاكم فوق النصيحة، أو أن تتحول أخطاؤه إلى صواب لمجرد صدورها عنه.

والسؤال هنا:

هل طاعة ولي الأمر تعني إسقاط واجب إنكار المنكر والنصيحة والأمر بالمعروف؟

أم أن المطلوب هو الجمع بين الأمرين:

طاعة في المعروف، ونصيحة بالحق، ورفض للظلم، مع تجنب الفوضى والعنف؟


خامسًا: فلسطين والمقاومة… أين يقف المعيار الشرعي؟

ومن القضايا التي تكشف اختلاف المواقف مسألة فلسطين والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

فإذا كان معيارنا هو نصرة المظلوم ورفض الاحتلال، فينبغي أن يكون الموقف من هذه القضية قائمًا على مبادئ شرعية ثابتة، لا على الخصومة السياسية مع هذا الفصيل أو ذاك.

فالاختلاف مع حركة أو جماعة سياسية لا ينبغي أن يجعل قضية شعب بأكمله أمرًا ثانويًا.

كما أن نقد بعض أساليب المقاومة ـ إن وُجد ما يستحق النقد ـ شيء، والتقليل من أصل حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال شيء آخر.

المعيار يجب أن يكون واحدًا:

العدل، ورفع الظلم، وحفظ الدماء، والالتزام بالضوابط الشرعية.


سادسًا: لماذا يُشدَّد على المسلم العادي… ويُتسامح مع السلطة؟

هذه هي النقطة الأكثر إثارة للأسئلة.

فقد يُحذَّر المسلم من أمور صغيرة، وتُقام الدنيا حول بعض العادات الاجتماعية، ويُتهم الناس بالتساهل في الدين بسبب مسائل خلافية.

لكن عندما يتعلق الأمر بسياسات رسمية أو قرارات تصدر عن السلطة، يصبح الخطاب أكثر هدوءًا، ويبدأ البحث عن المخارج والتبريرات.

وهنا لا بد من سؤال صريح:

هل الحكم الشرعي يتغير عندما ينتقل الفعل من المواطن العادي إلى السلطة؟

إذا كان الفعل محرّمًا، فهو محرّم بصرف النظر عن فاعله.

وإذا كان مباحًا، فلا ينبغي أن يصبح حرامًا لمجرد أن فاعله ليس من أهل السلطة.


سابعًا: هل احتكار «الحق» هو المشكلة؟

من أخطر مظاهر الخطاب الديني حين يعتقد تيار ما أنه وحده يمثل:

الكتاب والسنة.

ثم تصبح بقية التيارات:

مبتدعة،
ضالّة،
جاهلة،
حزبية،
منحرفة.

وهذا لا يعني أن كل الآراء صحيحة، ولا أن النقد ممنوع.

بل يعني أن امتلاك الحقيقة الشرعية يحتاج إلى علم ودليل، وليس إلى مجرد الانتماء إلى جماعة أو مدرسة معينة.

فالناس جميعًا مطالبون بالدليل، ولا أحد يمتلك وكالة حصرية عن الإسلام.


ثامنًا: مشكلة التصنيف والتبديع

من أخطر ما يمكن أن يتحول إليه الخلاف العلمي أن يصبح التصنيف هو الأصل.

فبدل أن نناقش:

ما الدليل؟

نبدأ بالسؤال:

من قال هذا؟ وإلى أي جماعة ينتمي؟

ثم يُبنى على التصنيف كل شيء:

تحذير،
هجر،
تبديع،
إسقاط،
وتحريض على الناس.

وهنا تتحول الخلافات العلمية إلى معارك هوية.

والنتيجة أن المسلم قد يصبح مشغولًا بتصنيف المسلمين أكثر من انشغاله بإصلاح نفسه ومجتمعه.


الخلاصة

أنا لا أرى المشكلة في شخص بعينه، ولا أعتقد أن كل من ينتسب إلى التيار المدخلي متشابه في مواقفه أو أفكاره.

لكنني أنتقد نمطًا من الخطاب يقوم ـ في بعض صوره ـ على معايير تبدو مختلفة بحسب الأشخاص والجهات:

تشددٌ مع المخالف،
وتسامحٌ مع الموافق.

تحذيرٌ شديد من بعض الممارسات،
وصمتٌ أو تبريرٌ لممارسات أخرى.

التشديد على طاعة الحاكم،
مع ضعف مساحة النقد والنصيحة.

التحذير من احتكار الدين،
مع ممارسة نوع من الاحتكار باسم «الكتاب والسنة».

وهذه ليست دعوة إلى الفوضى، ولا إلى إسقاط هيبة الدولة، ولا إلى الخروج على الحكام.

بل هي دعوة إلى شيء أبسط:

أن يكون المعيار واحدًا.

أن يكون الحلال حلالًا للجميع، والحرام حرامًا على الجميع.

أن تُحفظ أعراض العلماء جميعًا، لا علماء جماعة بعينها.

أن تكون النصيحة حقًا للجميع، لا امتيازًا على المخالفين.

أن يكون نقد الظلم مبدأً ثابتًا، لا موقفًا يتغير بحسب هوية الظالم.

وأن نفهم أن الطاعة الشرعية ليست شيكًا على بياض، كما أن المعارضة ليست فضيلة مطلقة.

فالحق لا يُعرف بالرجال، ولا بالجماعات، ولا بالقرب من السلطة أو البعد عنها.

وإنما يُعرف بالدليل والعدل واتساق المعيار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق