🕌 ناصر سبحاني…
العالم الذي حمل القرآن مشروعَ حياة ودفع ثمن الدعوة
سيرة عالمٍ وداعيةٍ كرديٍّ من إيران، ارتبط اسمه بالقرآن والعلم والدعوة والصحوة الإسلامية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين نتحدث عن ناصر سبحاني، فإننا لا نتحدث عن شخصية علمية ودعوية معزولة عن سياقها، وإنما عن رجل عاش واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ إيران الحديث، وبرز اسمه في أوساط المسلمين السنة، ولا سيما في كردستان إيران.
فقد تزامنت مسيرته مع التحولات الكبرى التي شهدتها إيران في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ومع صعود التيارات الإسلامية، وتنامي النشاط الدعوي بين المسلمين السنة في البلاد.
وفي هذا المناخ برز عدد من العلماء والدعاة الأكراد، كان من بينهم أحمد مفتي زاده وناصر سبحاني، اللذان ارتبط اسماهما بالحركة الإسلامية السنية في كردستان إيران.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌿 من دوريسان إلى ميدان الدعوة
وُلد ناصر سبحاني سنة 1951م في قرية دوريسان التابعة لمنطقة باوه في كردستان إيران.
واتجه في شبابه إلى دراسة العلوم الشرعية، فتلقى العلم في مدارس دينية كردية، ودرس على عدد من علماء المنطقة، حتى حصل على الإجازة العلمية وأصبح من العلماء والدعاة المعروفين في بيئته.
ولم يكن العلم بالنسبة إليه مجرد تحصيلٍ نظري، بل كان مرتبطًا بالدعوة والإصلاح والتربية.
وقد احتل القرآن الكريم مكانة مركزية في مشروعه العلمي؛ فكان التفسير والتدبر وفهم الوحي من أبرز اهتماماته، وحاول أن يجعل من القرآن أساسًا لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع.
وتصفه مصادر كردية بأنه كان من علماء أهل السنة في إيران، ومن أبرز قادة الحركة الإخوانية في كردستان إيران في مرحلة ما بعد الثورة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📖 القرآن… محور المشروع
كان ناصر سبحاني شديد الارتباط بالقرآن الكريم.
فقد انشغل بالتفسير والتدبر والاستنباط، ولم ينظر إلى القرآن باعتباره كتابًا يُتلى فحسب، بل باعتباره مصدرًا للهداية وبناء الفرد والمجتمع.
ولهذا ارتبط اسمه عند تلاميذه ومحبيه بمشروع علمي ودعوي يقوم على:
القرآن، والعلم، والتزكية، والدعوة، والإصلاح.
وتنسب إليه بحوث واجتهادات في علوم القرآن والحديث وأصول الفقه والفكر الإسلامي، كما عُرف باهتمامه بالجمع بين الدراسة الشرعية والعمل الدعوي.
وهذه الصورة تفسر المكانة التي احتلها في الأوساط الإسلامية السنية في كردستان إيران، رغم قصر حياته نسبيًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🕌 من الصحوة الإسلامية إلى الحركة الدعوية
شهدت العقود التي سبقت الثورة الإيرانية وما تلتها انتشارًا واسعًا لأفكار الصحوة الإسلامية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
ولم تكن كردستان إيران بعيدة عن هذه الموجة.
فقد تأثر عدد من الدعاة والعلماء الأكراد بأفكار الحركة الإسلامية المعاصرة، ولا سيما أفكار حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي، وتطورت بين المسلمين السنة في إيران أنشطة دعوية وتنظيمية ذات صلة بهذا التيار.
وفي هذا السياق برز ناصر سبحاني كواحد من أهم الشخصيات التي ارتبطت بهذا النشاط.
وتذكر المصادر الخاصة بجماعة الدعوة والإصلاح أن الجماعة نشأت في أعقاب الثورة الإيرانية، على أيدي مجموعة من الدعاة المتأثرين بالصحوة الإسلامية، وكان ناصر سبحاني في مقدمة الشخصيات المرتبطة بتأسيسها وقيادتها.
ولهذا فإن الأدق تاريخيًا أن نقول:
كان ناصر سبحاني من أبرز مؤسسي وقادة الحركة الإسلامية الإخوانية السنية في كردستان إيران، ومن الوجوه العلمية والروحية البارزة لجماعة الدعوة والإصلاح.
وهو تعبير أدق من اختزال المسألة في القول إنه «المؤسس الوحيد للإخوان المسلمين في إيران».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🤝 علاقته بأحمد مفتي زاده
وفي مسيرته الدعوية، ارتبط ناصر سبحاني بعدد من الشخصيات الإسلامية السنية في كردستان إيران، وفي مقدمتهم العلامة أحمد مفتي زاده.
وكان مفتي زاده من أبرز الشخصيات الإسلامية والكردية في إيران خلال تلك المرحلة، كما كان من الشخصيات المؤثرة في الحركة الإسلامية السنية.
وتشير المصادر التي تناولت تلك المرحلة إلى نشاط الرجلين في قضايا المسلمين السنة والأكراد، وإلى حضورهما في المشهد الإسلامي الذي أعقب الثورة الإيرانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🇮🇷 الثورة الإيرانية… آمال ثم صدام
عندما قامت الثورة الإيرانية سنة 1979م، كان ناصر سبحاني من الشخصيات التي تعاملت مع المرحلة الجديدة من موقع الاهتمام بقضايا المسلمين السنة والأكراد.
وتذكر الروايات المتعلقة بسيرته أنه التقى قادة الثورة أكثر من مرة، وسعى إلى إيصال مطالب الشعب الكردي وقضايا أهل السنة.
لكن الآمال التي رافقت بداية المرحلة الجديدة سرعان ما اصطدمت بتوترات سياسية وفكرية وأمنية متزايدة.
وبمرور الوقت، أصبح النشاط الإسلامي السني في بعض المناطق الكردية موضع رقابة وضغط من السلطات.
وكان ناصر سبحاني واحدًا من الشخصيات التي تأثرت بهذا الوضع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🔒 سنوات من المطاردة
بعد تصاعد الخلافات، اضطر سبحاني وأسرته إلى العيش فترة طويلة بصورة متخفية، متنقلين بين عدد من المدن.
ويذكر مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني أن سبحاني وعائلته عاشوا سنوات في ظروف من التخفي بعد خلافاته مع السلطات، قبل أن يعود إلى سنندج سنة 1989م.
لم يكن الاختفاء يعني بالنسبة إليه التوقف عن الدعوة.
بل استمر، بحسب الروايات المتعلقة بسيرته، في التواصل مع الشباب والدعاة ومتابعة النشاط الإسلامي.
حتى جاءت اللحظة التي انتهت فيها سنوات المطاردة بالاعتقال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
⛓️ الاعتقال في سنندج
في خرداد 1368هـ.ش، الموافق يونيو/حزيران 1989م، توجه ناصر سبحاني إلى مدينة سنندج.
وهناك اعتقلته الأجهزة الأمنية في منزل الداعية السني ماموستا فاروق فرساد.
ويؤكد مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني واقعة الاعتقال، ويذكر أن أسرته لم تُمنح فرصة لزيارته في السجن.
ومنذ ذلك الوقت دخل سبحاني آخر فصول حياته.
فقد تحول العالم والداعية الذي أمضى سنوات في التدريس والدعوة والبحث إلى سجين ينتظر مصيره في ظروف لم تكن تفاصيلها واضحة لعائلته ومحبيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
⚖️ الإعدام… والتفاصيل التي بقيت غامضة
في 28 إسفند 1368هـ.ش، الموافق 19 مارس/آذار 1990م، أُعدم ناصر سبحاني في سجن سنندج، بحسب مصادر كردية ومركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني.
وهنا ينبغي تصحيح معلومة شائعة ترددت في بعض الكتابات عنه:
لم يكن إعدامه في عيد الأضحى سنة 1990م.
فالتاريخ المذكور في المصادر هو 19 مارس 1990م، أي قبل عيد الأضحى بأشهر.
كما أن تفاصيل التهمة التي أدت إلى إعدامه ليست محسومة بصورة موثقة؛ إذ يشير مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني إلى أن التهم التي أدت إلى اعتقاله وإعدامه لم تتضح بشكل قاطع.
ولهذا فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا ننسب إليه أو إلى السلطات سببًا محددًا للإعدام على أنه حقيقة نهائية ما لم تثبته وثيقة موثوقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✒️ «سلاحه كان قلمه»
ومن الروايات التي ارتبطت بنهايته أن مسؤولًا إيرانيًا بارزًا، هو محمد محمدي ري شهري، قيل إنه رد على احتجاجات بشأن إعدامه بعبارة مفادها أن سبحاني لم يكن يحمل سلاحًا، لكن سلاحه كان قلمه.
ومهما يكن من درجة ثبوت هذه الرواية وتفاصيلها، فقد أصبحت هذه العبارة جزءًا من الذاكرة التي تشكلت حول الرجل:
عالمٌ لم يحمل سلاحًا، وإنما حمل كتابًا وقلمًا وفكرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🕊️ عالمٌ لم تطل به الحياة
رحل ناصر سبحاني سنة 1990م، ولم يكن قد تجاوز الأربعين من عمره.
لكن قصر حياته لم يمنع من بقاء أثره في أوساط من عرفوه ودرسوا عليه وتأثروا بمشروعه العلمي والدعوي.
فقد جمع في تجربته بين:
العلم والدعوة،
والقرآن والتفسير،
والتزكية والإصلاح،
والعمل الإسلامي،
والانتماء إلى بيئته الكردية السنية.
ولهذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الإسلامية الكردية، وفي تاريخ الحركة الإسلامية السنية في إيران.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📜 ما الذي بقي من سيرته؟
إن قراءة سيرة ناصر سبحاني لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لقصة اعتقال وإعدام.
الأهم هو فهم الفكرة والمشروع والمرحلة.
فالرجل عاش في زمن كانت فيه إيران تتحول سياسيًا بصورة عميقة، وكانت الحركة الإسلامية السنية تحاول أن تجد لنفسها مكانًا في واقع جديد شديد التعقيد.
وفي قلب هذا الواقع ظهر علماء ودعاة حاولوا أن يجعلوا من القرآن والعلم والدعوة طريقًا للإصلاح.
وكان ناصر سبحاني واحدًا من هؤلاء.
قد يختلف الناس في تقييم التيار الذي انتمى إليه، وقد تختلف المواقف من أفكاره واجتهاداته ومن الحركة التي ارتبط بها، لكن دراسة سيرته تظل جزءًا من دراسة تاريخ المسلمين السنة في إيران، وتاريخ الحركة الإسلامية في كردستان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌿 ناصر سبحاني… قصة لم تنتهِ بالإعدام
لم يكن ناصر سبحاني سياسيًا فحسب، ولا عالمًا منعزلًا عن واقع الناس، ولا داعيةً يكتفي بالكلام.
بل كان نتاج مرحلة كاملة:
مرحلة الصحوة الإسلامية،
والتحولات الكبرى في إيران،
والحركة الإسلامية السنية في كردستان،
والبحث عن دور للقرآن والعلم في إصلاح الإنسان والمجتمع.
ثم جاءت النهاية مبكرة.
اعتقالٌ في سنندج…
وسجن…
ثم إعدام في مارس 1990م.
لكن حياة الإنسان لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من أثر، وما حمله من أفكار، وما دفعه من ثمن لما آمن به.
وهكذا بقي ناصر سبحاني واحدًا من الأسماء البارزة في تاريخ الحركة الإسلامية السنية في كردستان إيران؛ عالمًا وداعيةً ارتبط اسمه بالقرآن والعلم والدعوة، وانتهت حياته في السجن بعد سنوات من النشاط والمطاردة.
رحمه الله وغفر له، وجعل علمه ودعوته وما قدمه في ميزان حسناته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق