الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

الإسلام.. والتعامل مع الآخر

الإسلام.. والتعامل مع الآخربسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .الحجرات – 13
مقدمة
الإسلام نظام شامل كامل لتنظيم حياة البشر على الأرض. وكمال الإسلام وشموله يعني أنه ينظم علاقة الإنسان بخالقه كما ينظم علاقة العبد بسائر مخلوقات الله. ولما كان البشر هم أكرم هذه المخلوقات، فإنه من الطبيعي أن يولي الإسلام قدراً كبيراً من الاهتمام بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، سواء كان ذلك على مستوى الأسرة أو المجتمع أو الدولة أو الأمة أو الإنسانية جمعاء.
وشمول الإسلام وعالميته يقتضي كذلك أن يشمل هديه تنظيم وترشيد علاقة المسلم بغير المسلم في حالتي السلم والحرب(1).
ولقد أصبحت قضية التعامل مع الآخر من القضايا الهامة والملحّـة.. وازدادت أهميتهـا عنـدما أطلق فلاسفة الغرب

ومفكروه شعارات مثل: نهاية التاريخ، وصراع الحضارات. واتخذ قادة الغرب مواقف، وأطلقوا حروباً مدمرة ضد المسلمين، معتمدين على نظريات هؤلاء المبشرين أمثال برنارد لويس، وصاموئيل هنتنغتون، والقس فرنكلين جراهام، المقرب من الرئيس الأمريكي بوش، القائلة بضرورة محاربة قوى الشر والإرهاب.. وأعلنوها صريحة أن الإسلام هو الإرهاب. وإذا كان للعالم أن يعيش في سلام فلا بد من القضاء على محاور الشر فيه.. وتغيير ثقافات ومبادئ ومناهج ومعارف المسلمين التي لا تخرّج غير الإرهابيين الأشرار!
إلا أن الإسلام له موقف مختلف، فبدلاً من القضاء على الثقافات الأخرى، أو تغييب الأفكار المضادة، فإنه يدعو إلى التعايش مع الآخرين في ظل مبادئ وأسس وقوانين أخلاقية وإنسانية.
وبناء على ذلك فقد أصبح من الضروري توضيح هذا الأمر، وتحديد الآخرين الذين نختلف معهم.. وكيف نتعامل مع كل فريق منهم.. وفقاً للتعاليم الإسلامية.
وهؤلاء هم:
1- المسلمون الذين نختلف معهم في بعض الفروع.
2- غير المسلمين الذين نختلف معهم في العقائد والأصول من اليهود والنصارى وأتباع الديانات الأخرى.
(2)
المسلم الذي نختلف معه في بعض الفروع
تحدث عن هؤلاء بعض الكتّاب الدعاة.. وبينوا لنا أحسن السبل للتعامل معهم. يقول الشيخ محمد الغزالي:
(إن المطارق التي هوت على أمّ رأس الأمة الإسلامية، وجعلتها تجثو بين أيدي أعدائها كانت من الداخل لا من الخارج! حدث ذلك في تاريخها القريب والبعيد، وجنت الأمة من وراء انقساماتها الصاب والعلقم!
وفي تجوالي بأرجاء العالم الإسلامي رأيت اختلاف الفقهاء من ألف عام ويزيد يقسّم المسلمين طوائف متباعدة، ويغري الرجل أن ينظر إلى أخيه شزراً في قضية علمية خفيفة الوزن، وربما رفض الصلاة خلفه!
ثم تنضم إلى الخلاف الفقهي قضايا شخصية ومنفعية تخص هذا أو ذاك، فإذا الإخاء الإسلامي يذوب والخصومات الخبيثة تضرى وينشغل المسلمون بعضهم ببعض)(1).

الفرقة الناجية
إن الموقف الفئوي والمتعصب الذي يحكم سلوك بعض المجموعات والجماعات الإسلامية، أو الفرق والاتجاهات، والذي يقوم على ادعاء: أن كل فريق منهم هو الفرقة الناجية، موقف كان ولا يزال يولد الشقاق، ويؤسس لفتن بدأت مع الخوارج في أواخر عهد الخلفاء الراشدين.. وتفاقمت في أيامنا هذه..
إن الفرقة ورفض كل فئة للأخرى هو أحد الأسباب الرئيسة لهذه الحالة المزرية التي يعيشها المسلمون في العالم اليوم.. وهي أشد خطورة من كل مكر الأعداء وطائراتهم وقنابلهم العملاقة التي يقصفون بها ديار المسلمين، وأبعد ما يكون عن روح الإسلام الكريمة.
ألا ينتبه هؤلاء إلى كلمات نبيهم في خطبة حجة الوداع، حين قال: (أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد).
وإلى قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(1).
بين الإخاء والروح الحزبية
إن روح التحزب التي تعمقت في نفوس من ينسبون أنفسهم إلى الحركات الإسلامية هي السبب الرئيس في مثل هذه المواقف المتشنجة.. وليس من حلّ لهذه الخلافات إلا إحسان الظن وسلامة الصدر والمحبة في الله..
يقول الإمام حسن البنا:
(نلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى 

الإسلام السابغ بأفضل حدوده وأوسع مشتملاته، ألسنا مسلمين وهم كـذلـك؟
وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟
وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟
ففيم الخلاف إذن؟ ولماذا لا يكون رأينا مجالاً للنظر عندهم كرأيهم عندنا؟
ولماذا لا نتفاهم في جو الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم..؟
يعلم الإخوان ذلك، فهم لهذا أوسع الناس صدراً مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علماً، وفي كل دعوة حقاً وباطلاً، فهم يتحرون الحق ويأخذون به ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين نسأل الله لنا ولهم الهداية)(1).
ولـم يكـن ذلـك مجرد كلمات ذكرها الإمام حسن البنا في ------------------------- (1) دعوتنا- حسن البنا، ص- (28-30).

رسائله.. كما يتكلم أكثر الناس عن المثاليات حين يكتبون.. بل كانت مواقف عملية حقيقية حددت العلاقة بين الإخوان وبين الجماعات الإسلامية الأخرى.
قال الإمام حسن البنا: (وأما موقفنا من الهيئات الإسلامية على اختلاف نزعاتها، فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء، نحبها ونعاونها، ونحاول جاهدين أن نقرب بين وجهات النظر ونوفق بين مختلف الفكر، توفيقاً ينتصر به الحق في ظل التعاون والحب. ولا يباعد بيننا وبينها رأي فقهي أو خلاف مذهبي، فدين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)(1).
وقال أيضاً: (ومثل هذا الخلاف حول فروع الأعمال ، أمره بين خطأ وصواب فإذا عرفنا أن المخطئ والمصيب مأجوران، هان الخطب، فالإجماع على فروع الدين مطلب مستحيل، بل ويتنافى مع طبيعة هذا الدين. وعليه لابد أن نلتمس العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات. ونرى أن مثـل هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتبـاط القلوب، ---------------------------
(1) رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا.
وتبادل الحب، والتعاون على الخير)(1).رسالة دعوتنا- حسن البنا.
وعليه يتوجب:
• علـى الحركـات الإسلاميـة الـواعية.. أن تـدرك هـذه المعاني.. وأن تسـارع إلى تصحيح مواقفها من الآخرين.. فإذا كان الإسلاميون عاجزين عن التعاون وتنسيق المواقف فيما بينهم.. فكيف يدّعون أنهم سيوحدون الأمة ويجمعون شمل المسلمين؟
• وعلى الحركات الإسلامية الواعية.. أن تبتعد عن تجريح الحركات الأخرى أو اتهامها.. أو تكفيرها.. أو تفسيقها فنحن دعاة لا قضاة.
• وعلى الحركات الإسلامية خاصة تلك المتشامخة المتعاظمة التي تزعم لنفسها أنها أمة الإسلام أو جماعة المسلمين وأنها الفرقة الناجية من دون الآخرين.. وأنها الصواب وما عداها الخطأ.. أن تتطامن.. وأن تعترف بالآخرين.. فكل عامل للإسلام فريق وجماعة من المسلمين.. وليس الفريق الأوحد أو الجماعة الأولى والأخيرة.

وإذا لم تسارع الحركات الإسلامية إلى مثل هذا التفاهم والتعاون.. فلن تستطيع تحقيق أهدافها من ناحية.. ولن تستطيع بالتالي الصمود أمام هذه الهجمة الشرسة المتعددة الجوانب التي تعمل على هدم الإسلام واقتلاعه من جذوره من ناحية أخرى..
قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ().
الموقف من الأحزاب غير الإسلامية
وإلى جانب الأحزاب والجماعات الإسلامية، يوجد عدد من الأحزاب والجماعات غير الإسلامية.. فما هو الموقف الإسلامي من ذلك التعدد..؟
يقول الأستاذ يوسف القرضاوي: إن تعدد الأحزاب في مجال
السياسة أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه. فإذا كان المذهب الفقهي مدرسة فكرية لها أصولها الخاصة في فهم الشريعة، والاستنباط من أدلتها التفصيلية في ضوئها. فإن الحزب هو مذهب في السياسة، له فلسفته وأصوله، ومناهجه.
التعددية الحزبية
المبادئ الدستورية العامة التي يتبناها الإسلام وهي: الشورى، والحرية، والعدالة، والمساواة، يصعب حمايتها والحفاظ عليها إلا في ظل نظام يحترم التنظيمات السياسية، ويضمن لها ممارسة نشاطها في حدود المصلحة العامة.. فالشورى والمعارضة وجهان لعملة واحدة هدفها تبادل الرأي بين الحاكم والمحكوم.. فالحاكم بحاجة إلى من يسترشد به ويعضده من ناحية، والمعارضة بحاجة إلى من ينظمها ويقودها من ناحية أخرى، وكلاهما تقوم به الأحزاب السياسية(1).  الإسلام وحقوق الإنسان- د. القطب محمد طبلية، ص- 249.

وقضية الأحزاب هي التي أثارت البلبلة عند الحركات الإسلامية.

فلقد ركز الإمام حسن البنا (رحمه الله) على الحزبية في مصر.. وقال: لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية سيئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن، وأنها ليست أحزابا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية.
وبعد المحن المتلاحقة التي تعرضت لها الحركات الإسلامية في الكثير من البلدان، توضحت الصورة عندها، وتبينت أن النظام الذي يمنع الأحزاب.. ويسحق الحريات.. أو يبني لنفسه حزبا أوحدا يحتكر السلطة إنما هو نظام ديكتاتوري قمعي يحرم الإنسان من أبسط حقوقه في الكلام والمعتقد والتجمع، ولا يستحق مثل هذا النظام إلا المعارضة، ولئن هادنك اليوم فسينقض عليك غدا.
وبناء على ذلك، ونتيجة للتجارب المريرة للحركات الإسلامية.. فهي تؤمن اليوم:
• بضرورة وجود الأحزاب السياسية وترى أن تنوعها يخدم العمل السياسي العام ويصب في مصلحة الأمة.
• ولقد تحالفت الحركة الإسلامية في أكثر من بلد إسلامي مع أكثر من حزب سياسي ديمقراطي علماني..
في مصر تحالف الإخوان مع حزب الوفد في مرحلة، ومع حزبي الأحرار والعمل في مرحلة أخرى. وفي باكستان تحالفت الجماعة الإسلامية مع أحزاب أخرى.. وفي تركيا تحالف حزب السلامة مع حزب الشعب الجمهوري اليساري مرة ومع الأحزاب اليمينية مرة أخرى..
أما حزب الرفاه في تركيا فقد شكل الحكومة برئاسة زعيم الحزب البروفسور نجم الدين أربكان متحالفا مع الحزب الأكثر علمانية وهو حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر.
إن النظرة السابقة التي ربما قبلت التعددية الحزبية في إطار الأحزاب الإسلامية (باعتبار أن الاتفاق على الإسلام كمبدأ عام لا ينفي إمكان الاختلاف على تفاصيل الخطط والبرامج والأولويات)، تطورت فصارت تقبل الأحزاب مطلقا..
فالإسلام لم يترك غير المسلمين دون حماية. بل هناك مبدأ هام يقضي بحسن معاملة الأقليات الدينية والسياسية داخل المجتمع الإسلامي. وبمقتضى هذا المبدأ يمنح أصحاب هذه الأقليات حق التعبير عن آرائهم وممارسة نشاطاتهم الفكرية والسياسية من خلال تنظيمات أو أحزاب سياسية خاصة بهم(1).
بل إن المستشار مأمون الهضيبي الناطق الرسمي للإخوان المسلمين قبل في تصريح له تشكيل حزب للأقباط في مصر واعتبر ذلك طبيعيا(2).
ولقد أثنى رسول الله على حلف الفضول الذي شهده في الجاهلية واجتمع فيه المتحالفون على نصرة المظلوم وقال: ولو دعيت له في الإسلام لأجبت.
-
هذا بيان للناس
وفي البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في مارس 1994م، تحت عنوان تعدد الأحزاب في المجتمع المسلم.. جاء فيه:
إننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي وإنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودا من جانبها على تكوين ونشاطات الجماعات أو الأحزاب السياسية، وأن يترك لكل حزب أن يعلن ما يدعو إليه ويوضح منهجه.. بشرط الالتزام بالشريعة الإسلامية والمبادئ الأساسية للأمة التي لا خلاف فيها بين علماء وفقهاء المسلمين. كما إننا نرى أن قبول الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية.
وهكذا تكون النظرة الأولى التي شاعت عن الحركة الإسلامية بأنها ضد الأحزاب قد صححتها ببيان واضح.. يدعو إلى تعدد الأحزاب والجماعات تأسيا في ذلك بالمدارس العقدية والفقهية الإسلامية التي ظهرت في مراحل متعددة في التاريخ الإسلامي.
وقبول هذا الموضوع.. يضع الحركة الإسلامية في نقاط متوازية مع النظم السياسية الديمقراطية التي تعتبر الأحزاب جزءا رئيسا من بنائها.
(3)
غير المسلمين.. كيف ننظر إليهم..
وكيف نتعامل معهم؟
الأصل هو التنوع
الأصل في العلاقات الإنسانية هو التنوع والتمايز والاختلاف بين بني البشر .
والرؤية الإسلامية العقدية والفكرية – والتي تجسدت في تاريخها الحضاري واقعاً معاشاً عبر القرون – ترى أن الأصل والقاعدة والقانون، هو التنوع والتمايز والاختلاف.. فالواحدية والأحدية فقط للذات الإلهية، وما عداها يقوم على التعدد والاختلاف.. ذلك هو القانون التكويني الذي يسود ويحكم كل عوالم المخلوقات: في الإنسان.. والحيوان.. والنبـات.. والجماد.. وفي الأفكار والفلسفات والأيديولوجيات.. وفي الشرائع والملل والديانات..
قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ(1).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(2).
وقال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(3).
وعليه فالإسلام يعترف بالآخر، ومن ثم يتعارف عليه ويتعايش معه، لا كمجرد واقع مفروض لا فكاك منه، وإنما باعتبار هذا الاعتراف وهذا التعارف سنة من سنن الله سبحانه وتعالى.
لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً
ومـع التعـدد والتنـوع والاختلاف في الشعوب والأمم 

والجماعات.. وفي اللغات والقوميات.. وفي الأجناس والألوان.. هناك سنة وآية وقـانون التنوع والتمايز والاختلاف في الشرائع والملل الدينية.. وفي المناهج والثقافات والحضارات.
قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ( ).
وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ(2).
وفي تفسير المفسرين لآيتي سورة هود هاتين، يقولون: وللاختلاف خلقهم.
فعلى حين يقف إيمان يهود عند اليهودية وحدها، مع إنكار وتكفير ونفي جميع الآخرين.. وعلى حين تصنع المذاهب النصرانية ذلك أيضاً مع كل الآخرين. يتفرد الإسلام والمسلمون بالاعتراف بكل الشرائع وجميع النبوات وسائـر ------------------------
(1) المائدة- 48. (2) هود- (118-119).
الكتب. قال تعالى: آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ(1).
قانون الإيمان بين الإسلام وغيره
إن قانون الإيمان لدى كل ملة غير ملة الإسلام لا يكتمل إلا بإنكار كل الآخرين وتكفيرهم.. والإيمان الإسلامي وحده هو الذي لا يكتمل إلا إذا آمن أصحابه بكل النبوات والرسالات وكتب وشرائع هذه النبوات والرسالات.. بل ولا يكتمل هذا الإيمان الإسلامي إلا إذا مكّن المسلمون أهلَ تلك الشرائع والملل من إقامة عقائدهم، المخالفة للإسلام، بل والتي تنكر وتجحد الإسلام(2)!!
ولا يـأمر الإسـلام أتباعه بمعـاداة من خالفهم في الرأي
---------------------------


والعقيدة لمجرد الاختلاف، بل لرد العدوان ودفع الظلم إن وقع.. أما إذا سالمهم غيرهم، ولم يمدوا أيديهم إليهم بالأذى والظلم، فلا يكتفي الإسلام بأن يأمر أتباعه بمسالمتهم، بل يلزمهم بأن يبرّوهم ويقسطوا إليهم، كما يبرون المسلمين ويقسطون إليهم.
قال تعالى: لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(1).
---------------------------
(1) الممتحنة- (8-9).
(4)
نبدأ بالآخر اليهودي أو النصراني..
كيف تعاملنا معه؟!
قال تعالى: وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (1).
وقال تعالى: سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(2).
وقال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ . مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ(3). هذه هي الصورة القرآنية.. التي صاغت الثقافة الإسلامية تجاه أنبياء بني إسرائيل وشريعتهم وكتبهم.. فهل يستطيع حتى أكثر الحاخامات تعصباً، أو أشد علمانييها
------------------------
(1) البقرة- 87.
(2) الصافات- (120-122).
(3) آل عمران- (2-4).
تحرراً أن يجد شيئاً من ذلك في تصورات اليهود والنصارى وثقافتهم عن الآخر، وخاصة إذا كان هذا الآخر هو الإسلام والقرآن ورسول المسلمين وأمة الإسلام وحضارتهم وتاريخهم؟!
وعلاوة على هذه الصورة القرآنية عن الآخر اليهودي والنصراني.. فإن المسلمين وحضارتهم ودولتهم وتاريخهم وفقه معاملاتهم لم يقفوا بهذه الصورة عند حدود الأفكار المجردة.. وإنما وضعوها في الممارسة والتطبيق منذ عصر النبوة.. وعبر تاريخ الحضارة الإسلامية.. ولا بأس أن نستعرض بعض هذه النصوص والمواقف(1).
في العصر النبوي
• في دستور دولة النبوة الأولى نجد النصوص التالية:
(ويهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم.. مواليهم وأنفسهم.. وأن بطانة يهود كأنفسهم.. إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يـوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل
------------------------
(1) الإسلام والآخر- د. محمد عمارة، ص- 27.
بيته. ومن تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، غير مظلومين ولا مُتناصر عليهم.. ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين.. على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم..)(1).
• ذكر ابن اسحق في سيرته: أن وفد نجران - وهم من النصارى - لما قدموا على رسول الله بالمـدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله (دعوهم) فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. ولقد استنتج الفقهاء المسلمون من هذه الحادثة جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين وتمكينهم من الصلاة فيها إذا كان ذلك عارضا(2).
• في العهـود التي كتبها النبي لعدد من التجمعـات
---------------------------

 (2) الإسلام والآخر- د. محمد عمارة، ص- (17-22).
(1) مجموعة الوثائق السياسية- محمد حميد الله، وابن هشام 2: 149.
(2) زاد المعاد - الجزء الثالث.
اليهودية في شمال الجزيرة، بعد غزوة خيبر (7هـ) والسنين التي تلتها، إذ بعث إلى بني جنبة بمقنة القريبة من أيلة على خليج العقبة: (أما بعد فقـد نـزل عليّ رسلكم راجعين إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هـذا فإنكـم آمنـون لكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم، لا ظلم عليكم ولا عدى، وإن رسول الله جاركم مما منع منه نفسه.. وإن عليكم ربع ما أخرجت نخلُكم وصادت عروككم (مراكبكم) واغتزل نساؤكم، وإنكم برئتم بعد من كل جزية أو سخرة، فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول الله أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم وأن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول الله)...
• وفي العهد الذي كتبه رسول الله في أعقاب غزوة تبوك (9هـ) لنصارى نجران، والذي يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية، جاء فيه:
(ولنجران وحاشيتهم جوار الله.. ومن سأل منهم حقاً فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين.. ولا يؤاخذ أحدٌ منهم بظلم آخر. وعلى مـا فيـه هذه الصحيفـة جـوار الله وذمـة النبـي أبداً، حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم. وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح)(1).
وبذلك حوّل رسول الله هذه التجمعات اليهودية والنصرانية، إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية، ويحتمون بقوتها وسلطانها، ويتمتعون بعدلهـا وسماحتها: ولقد ظلّ اليهود والنصارى كمواطنين يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية لا يمسهم أحد بسوء(2).
قال تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُـولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ
-------------------------
(1)الطبقات- ابن سعد 1: 36.
(2) دراسة في السيرة- عماد الدين خليل، ص- 385 .
إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(1).
في عصر الخلفاء الراشدين
وجاء عهد الخلفاء الراشدين لكي يشهد المجتمع الإسلامي
تألقاً في العلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم لا يقل تفرداً وتألقاً عما شهده عصر الرسالة. لقد أصبح المجتمع الإسـلامي بحـركة الفتح مجتمعاً عالمياً ضم جناحيه على أعداد كبيرة من الأجناس والأديان والأقوام والجماعات والمذاهب والفرق والاتجاهات، ونريد أن نعرف كيف تم التعامل معهـا عبـر عمليات الفتح أولاً، وبعد استقرار الوجود الإسلامي ثانياً، وهل تمكن المسلمون من الاستجابة لتحديات التنوع المذهبي في مجتمعهم العالمي الجديد؟
• عند حصار القدس طلب بطريركها صفرينوس أن يحضر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليسلم له مفاتيـح المدينة فاستجاب عمر رضي الله عنـه ودخل
-------------------------
(1) العنكبوت- 46.
القدس واستلم مفاتيحها، ولما حانت الصلاة، وطلب منه البطريرك صفرينوس أن يصلي في الكنيسة لم يفعل الخليفة ذلك خوف أن يستغل ذلك أنـاس بعده فيطالبـون بموقع الكنيسة تحت حجة أن الخليفة عمر صلى فيها، وبعدها كان عقد الأمان المشهور باسم العهدة العمرية، وقد ورد فيها: (هذا ما أعطى أمير المؤمنين عمر أهل إيليا (القدس) من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبرّيّها وسائر ملتها أنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضارّ أحد منهم ولا يسكن بإيليا معهم أحد من يهود)(1).
• يقول السير توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: لما قدم أهل الحيرة المال الذي اتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم إنما دفعوا هذه الجزية على شريطة (أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم).
-----------------------
(1) وكان ذلك من شروط صفرينوس على المسلمين.
وكذلك حدث أن سجل خالد بن الوليد في المعاهدة التي أبرمها أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله: (فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا).
ويمكن الحكم على مدى التزام المسلمين بهذا الشرط من تلك الحادثة التي وقعت في حكم الخليفة عمر: لما حشـد الإمبراطور هـرقـل جيشاً ضخماً لصد قوات المسلمين كان لزاماً على المسلمين نتيجـة لما حدث أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم أن يـردوا على السكان ما جبي من الجزية من هذه المدن وكتب إلى الناس يقول (إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخـذنـا منكم. ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا عليهم، وبذلك ردت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين وقالوا: (ردكم الله علينا ونصركم عليهم – أي على الروم وهم على دينهم – فلو كانوا هم لم يردوا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا)(1).
• وذكر أرنولد في كتابه: ومما يدل على أن تحول المسيحيين إلى الإسلام – في مصر – لم يكن راجعاً إلى الاضطهاد، وما وقفنا عليه من الشواهد التاريخية الأصليـة هو أنـه في الوقـت الذي شغر فيه كرسي البطريركية تمتع المسيحيون بالحرية التامة في إقامة شعائرهم، وسمح لهم بإعادة بناء كنـائسهم، بل ببناء كنائس جديدة، وتخلصوا من القيود التي كانت فرضت عليهم، وحوكموا في محاكمهم الخاصة، على حين أعفي الرهبان من دفع الجزية ومنحوا امتيازات معينة)(2).
• ويقول غوستاف لوبون: (لقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي وكان البـؤس والشقـاء ممـا كانت تعانيه مصر التي كانت
---------------------------
(1) الدعوة إلى الإسلام- توماس أرنولد، ص- 79.
(2) الدعوة إلى الإسلام- توماس أرنولد، ص- 130.
مسرحاً للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن. وكان أهـل مصـر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات، وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية وأنهكها استبداد الحكام تحقد على سادتها الروم وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين)(1).
• وحدث بين اليهود والنصارى ما هو أشد هولاً، ففي السنة الأخيرة من حكـم فـوكاس (610م) على سبيل المثال، أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية فأرسل الإمبراطور قائده أبنوسوس ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل اليهود جميعاً، قتلاً بالسيف، وشنقاً وإغراقاً وتعذيباً ورمياً للوحوش الكاسرة.
وحدث ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة. وهذه واحدة من نماذج التعامل بين الطرفين يوردها المـؤرخ المصري المقريزي: (في أيام فوقا ملك الـروم بعث كسـرى ملـك فـارس جيوشـه إلى بلاد الشام ومصر
---------------------------
(1) حضارة العرب- غوستاف لوبون ، ص- 336.
فخربوا كنائس القدس وفلسطين وعامّة بلاد الشام وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، وقتلوا منهم أمة كبيرة وسبوا سبْياً لا يدخل تحت حصر، وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم وأقبلوا نحو الفرس من كل مكان فنالوا من النصارى كل منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخربوا لهم كنيستين في القدس وأحرقوا أماكنهم وأسروا بطـريـك القدس وكثيراً من أصحابه.. وكان هرقل قد ملك الروم، وغلب الفرس، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر ويجدد ما خربه الفرس، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها وقدموا له الهدايا الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمنهم ويحلف لهم على ذلك، فأمنهم وحلف لهم، ثم دخل القدس وقد تلقاه النصارى بالأناجيل والصلبان، فوجد المدينة وكنائسها خراباً، فساءه ذلك وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس وأنهم كانوا أشد نكاية لهم من الفرس، وحثوا هرقل علـى الوقيعـة بهم وحسّنوا له ذلك، فاحتج عليهـم بمـا كـان من تأمينه لهـم وحلفـه، فأفتـاه رهبانهم
وبطاركتهم وقسيسوهم بأنه لا جرم عليه في قتلهم، فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر والشام منهم إلا من فرّ واختفى)(1).
في العصر الأموي
يذكر لول ديورانت في كتابه ( قصة الحضارة ) ما يلي:
لقد كان أهل الذمة (المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون) يتمتعون في عهد الخلافة (الأموية) بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يُفرض عليهم أكثر من أداء ضريبة عن كل شخـص تختلف باختلاف دخله وتتـراوح بين دينار -------------------------
(1) حضارة العرب- غوستاف لوبون، ص- (36-37).
وأربعة دنانير ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقّاء والشيوخ والعجزة وأهل العمى الشديد والفقر، وكان الذمّيون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها اثنان ونصف بالمائة من الدخل السنوي، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم)(1).
في العصر العبّاسي
وذكر الدكتور الخربوطلي(2) : (اشتهر بين أهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء، مثل جرجيس بن بختيشوع طبيب الخليفة العبّاسي أبي جعفر المنصور، وقد وثـق فيه الخليفـة وأكـرمه. ومن هـؤلاء جبـرائيل بن --------------------------------
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- د. يوسف القرضاوي، ص- 53.
(2) الإسلام وأهل الذمة- د. الخربوطلي، ص- 70.
بختيشوع طبيب هارون الرشيد، الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إليّ فليخاطب بها جبرائيل).
وأشاد أرثر ستانلي ترتون في كتابه أهل الذمة في الإسلام بتسامح المسلمين فقال: والكتّاب المسلمون كريمون في تقدير فضائل هؤلاء ممن هم على غير ملتهم، حتى ليسمون حنين بن اسحق برأس أطباء عصره.
وكان بختيشوع بن جبرائيل يضاهي الخليفة المتوكل في ملابسه وفي حسن الحال وكثرة المال وكمال المروءة ويباريه في الطيب والجواري والعبيد. واشتهر كثير من أهل الذمة في ميدان الآداب والفنون.
وقد بلغ إبراهيم بن هلال (وهو نصراني) أرفع المناصب في الدولة وأرقاها(1).
وهكذا، وفي ظل التعاليم السمحة التي تنزل بها الدين الحنيف وطبقها النبي وأصحابه وخلفاؤه من بعده، عاش أهل الذمة من النصارى في ديار المسلمين في وئام وسلام آمنين على أموالهم وأعراضهم أحرارا في ممارسة شعائرهم..
--------------------------
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- د. يوسف القرضاوي، ص- 55.
كما عاش اليهود الذين كانت تطاردهم أوربا ولا تريد أن تراهم على أرضها مطمئنيـن آمنين. مرة في كنف الدولة الإسلامية في إسبانيا، ومرة في كنف الدولة الإسلامية العثمانية.
(5)
حقوق الآخر في شريعة الإسلام
بعد أن استعرضنا العلاقات بين الدولة الإسلامية والآخر من اليهود والنصارى وأبناء الديانات الأخرى.. نجملها بما يلي:
1- حمايتهم من كل عدوان خارجي ومن أي ظلم داخلي..
• أما حمايتهم من كل عدوان خارجي. فقد انعقد عليه إجماع الأمة. ومن المواقف التنفيذية لهذا المبدأ الإسلامي موقف ابن تيمية حين طالب القائد التتري (قطلوشاه) الذي تغلب على الشام بإطلاق الأسرى.. وعندما وافق على إطلاق أسرى المسلمين دون أهل الذمة رفض ابن تيمية وقال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من اليهود والنصارى فهم أهل ذمتنا.
• قال النبي : (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة)(1).
--------------------------
(1) أبو داود والبيهقي.
• ومن أشهر الحوادث التاريخية في هذا الشأن قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر، حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين. وسافر القبطي إلى عاصمة الخلافة ليرفع للخليفة ظلامته. واستـدعى الخليفة عمر بن الخطاب عَمْراً وابنه.. وأعطى السوط لابن القبطي وقال له اضرب ابن الأكرمين. وقال لعمرو المقولة المشهورة التي بقيت خالدة على جبين الدهر: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).
• وحادثة أخرى عندما أخذ الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كنيسة يوحنا وأدخلها في المسجد الأموي، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكا النصارى إليه، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم، لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يُعوّضوا بما يرضيهم(1).
--------------------------
(1) فتوح البلدان، ص- (171-172).
2- حماية دمائهم وأبدانهم..
قال النبي : (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)(1). ولا يجوز إلحاق الأذى بأجسامهم ولو تأخروا أو امتنعوا عن أداء الواجبات المالية المقررة عليهم كالجـزية والخـراج. كتب علي رضي الله عنه لأحد ولاته على الخراج: إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفاً ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج فإنما أُمرنا أن نأخذ منهم العفو(2).
3- حماية أموالهم..
• جاء في عهد النبي لأهل نجران: (ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير).
--------------------------
(1) البخاري وأحمد.
(2) الخراج- أبو يوسف، ص- (15-16).
• عندما تخاصم سيدنا علي رضي الله عنه وهو الخليفة مع رجل نصراني لدى القاضي شريح على درع. قال علي: الدرع درعي ولم أبـع ولم أهب.
وقال الخصم: الدرع درعي. فالتفت شريح إلى علي يسأله: هل لك من بيّنة؟ قال علي: ما لي بيّنـة. فحكم القاضي للنصراني بالدرع. ولم يمش النصراني خطوات حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين. اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين، فخرجت من بعيرك(1).
4- حماية أعراضهم..
إن الإسلام أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب، والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي والمودة والرحمة. وهذا يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها، وكيف لا يوادّ الرجل زوجته إذا كانت كتابية؟ وكيف لا يوادّ الولد جده وخاله وخالته إذا كانت أمه من أهل الكتاب؟
-------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير 8: (4 – 5).
5- التأمين عند العجز..
• في عقد الـذمة الـذي كتبه خالـد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق (كـانوا من النصارى): وجعلـتُ لهـم أيّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة مـن الآفـات، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله)(1).
• وكذلك قصة عمر بن الخطاب عندما أخذ بيد اليهودي الذي كان يسأل الناس، إلى بيت مال المسلمين، وأمر خازنه بأن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم وقال في ذلك: ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابا ثم نخذله عند الهرم)(2).
• ويمرّ الخليفة عمر بن الخطاب في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.
----------------------------
(1) الخراج – أبو يوسف، ص- 72 .
(2) الخراج لأبي يوسف، ص- 144.
6- حرية التدين.. لقوله تعالى: لا إكراه في الدين.
7- حرية العمل والكسب والتوظيف..
قال آدم ميتز: (ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب العمل، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارا وأصحاب ضياع وأطباء)(1).
-------------------------
(1) الحضارة الإسلامية - آدم ميتز 1: 86.
وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين النصارى أكثر من مرة، منهم نصر بن هارون سنة 369 هـ، وعيسى بن نسطورس سنة 380 هـ(1).
-------------------------
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- د. يوسف القرضاوي، ص-24.
(6)
المواطنة هي أساس العلاقة
بين المسلمين وغيرهم
والمواطنة هي مفاعلة بين الإنسان والمكان، توجب حقوقاً للوطن وحقوقاً للإنسان المنتمي إليه. ولقد عرفت المواطنة منذ تأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، التي أسست على هدي الوثيقة النبوية التأسيسية المعروفة باسم صحيفة المدينة، التي كتبت بين النبي محمد عليه السلام وبين من آمن به وهاجر معه من أهل مكة ومن أسلم من أهل المدينة من ناحية، وبين يهود المدينة ومشركيها، ينُص فيها على حقـوقهم وتفـرض فيهـا عليهم واجبات، والـواجبـات لا تُفرَض إلا على من كـان عضـواً في هذا المجتمع المدني الذي نظمته هذه الوثيقة النبوية، إن (صحيفة المدينة) نظمت العلاقة بين الحكومة الإسلامية الجديدة بقيادة الرسول ، وبين المواطنين يهوداً كان هؤلاء المواطنون أم مسلمين، وعليه فالمواطنة لا تعلّق لها بدين محدد.
وفي فترة الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام في أقطار الأرض، فإن الناس قد انقسموا تجاه الفتح إلى قسمين: قسم أسلم ودخل في الدين الجديد فكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وقسم بقي على دينه الأول الذي ارتضاه قبل أن يصل الإسلام إلى أرضه، وكان على المسلمين أن يجدوا وسيلة يحفظون بها لهؤلاء الذين ظلوا على دينهم أموالهم وأراضيهم ودور عبادتهم وحق التحاكم إلى شريعتهم في شؤونهم الخاصة، وحمايتهم من جور الجائرين وطغيان الطاغين إذا أتوا، وأن يقاتلوا مع هؤلاء، وأن يقاتلوا من دونهم عدو هؤلاء الباقين على دينهم إذا دهم ديارهم التي يتحيزون إليها.
ولتحقيق ذلك أنشأ المسلمون عقد الذمة، وهذا العقد صُنع على مثال العهود النبوية التي أبرمها الرسول عليه الصلاة والسلام أو أمر بكتابتها لنصارى نجران ولأهل البحرين، وأضاف المسلمون إلى صيغ العهود النبوية ما اقتضته الأحوال الواقعية في كل بلد. وعليه فعقد الذمة لم تكن له صيغة واحدة، وكانت صيغه متعددة بحسب أحوال البلاد التي أبرم مع أهلها.
إن الأصل في هذه العقود على اختلافها أن المسلمين يلتزمون بحماية أهل البلاد الباقين على دينهم وحماية دور عبادتهم، كما يلتزمون بعدم التدخل في شؤون اختيار رؤسائهم الدينيين، إذ كان يرد في كل العقود نص على أن (لا يغيّر راهب من رهبانيته ولا أسقف من أسقفيته)، على أن يدفع هؤلاء فوق الخراج، الذي هو ضريبة الأرض الزراعية، مقابل الحماية العسكرية، مبلغاً من المال تراوح بين درهمين ودينارين، يؤديه مرة واحدة في السنة كل قادر على حمل السلاح، شرط أن يكون واجداً لهذا المال، فوق حاجته وحاجات أسرته، فإن كان شيخاً زمناً لا يقدر على القتال فلا جزية عليه، وإن كان فقيراً فلا جزية عليه، وإن كان راهباً أو قساً فلا جزية عليه، ولا جزية على امرأة ولا صبي لأن هؤلاء كلهم لا يقاتلون.
قبيلة الجراجمة، وهي قبيلة معروفة بالمنعة والشدة، تسكن مناطق جبلية تقع اليوم في تركيا، حاصرها المسلمون مدة، فنزل إليهم رؤساؤها، فعرض عليهم المسلمون أن يتركوا لهم مجالاً لدعوة أفراد القبيلة إلى الإسلام فوافق رؤوس القبيلة على حرية الدعوة الإسلامية، ولكنهم قالوا للمسلمين نحن لا نحب الروم ولا نطيقهم، فنكون لكم عوناً عليهم إذا قاتلتموهم، ونكون لكم عيوناً عليهم في سلمكم معهم، ودخلوا في ذمة المسلمين من دون جزية، على أن يكونوا عوناً لهم في الحرب وعيوناً لهم في السلم، وحافظ أهل هذه القبيلة على دينهم (النصرانية)، ونظير هذا ما حدث في أوروبا الشرقية عندما فتحها المسلمون العثمانيون.. فقد ساعد النصارى من أهل البلاد الجيش العثماني في فتح البلاد.. وعندما أراد السلطان أخذ الجزية منهم.. اعترض عليه العلماء، فأسقط عنهم الجزية.
القصد من ذكر هذه الأمثلة التأكيد على أن الجزية لم تكن لازمة أو محتمة في كل عقد ذمة، وأن لكل عقد ظروفه وحيثياته. إن التاريخ الصحيح لم يحفظ أي مثل نقض فيه المسلمون ذمتهم أو انتقصوا حقوق أهلها. إن المسلمين سموا الذمة ذمة الله ورسوله، ووصفوا عقدها في كتب الفقه كلها بأنه عقد مؤبد. لا يوجد في العقود الإسلامية عقد مؤبد إلا عقود الذمة، والغاية من هذا التأبيد حسب الإمام القرافي منع الحكام البغاة من المسلمين من نقض عهد الذميين والاعتداء عليهم.
ثم كانت الفترة الاستعمارية، ثم الصحوة الوطنية في مواجهة الاحتلال. ولقد نشأت دول حديثة نتيجة كفاح أبنائها، كفاح شارك فيه المسلمون وغير المسلمين سواء بسواء، ورووا جميعاً أرض بلادهم بدمائهم ليجعلوا حياة المستعمر فيها صعبة أو مستحيلة، وشاركوا كلهم في الحركات الوطنية التي قادت ذلك الكفاح، وعانوا معاً ظلم السجن والاضطهاد وقطع الأرزاق في سبيل تلك الأوطان التي أرادوا تحريرها من نير الاستعمار، فلما نجحوا في تحقيق ذلك اتخذوا وثائق لتنظيم حياتهم، سميت الدساتير، وجميع هذه الدساتير قامت على مبدأ أساسي إذا خلا منه دستور أو اختل تطبيقه سقط الدستور كله، ألا وهو مبدأ ما يعرف بالمساواة بين المواطنين.
إن الناس في أوطاننا تراضوا على ذلك وعاشوا في إطار المساواة سنين طويلة حتى جاءت الصحوة الإسلامية، وأخذت تغزو المنابر والمراكز والساحات والجامعات، فقال خطباؤها إن مطلبهم الرئيس تحكيم الشريعة في حياتهم والعودة إلى قانونها في تنظيم شؤونهم، وعندئذ أظهر بعض غير المسلمين خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى انتقاص حق المساواة.
ولقد أظهر بعض المسلمين الجهلة بالدين وبتاريخ التعايش والمساواة بين المسلمين وغيرهم في ظل الإسلام، تأييداً لحرمان غير المسلمين من حق المساواة، ويقولون إن الصحوة الإسلامية ضد المسيحيين في بلادنا وضد اليهود المواطنين، وضد غير المسلمين بوجه عام، إن عقد الذمة بريء من الإساءة لغير المسلمين، وأن علماء الإسلام الذين قاموا للمنافحة عن الإسلام وعن المساواة بين مواطني الدولة الواحدة، قالوا إن الذمة عقد أبرمه قوم مع قوم، وليست وضعاً دائماً، وأن العقد يخضع في شروطه الأصلية وفي استثناءاته لما أراده الطرفان عند إبرامه، وإن كل عقد يرد عليه أمران: الانقضاء والانتهاء، فالانقضاء إما بانقضاء أسبابه وإما بانقضاء أطرافه، وأما الإنهاء فبإرادتنا بوضع نهاية لهذا العقد. إن عقد الذمة لا يختلف عن أي عقد في هذين الخصيصتين.
وأن الذمة التي هي عقد لا وضع، قد انتهى عقدها بزوال الدولة الإسلامية على يد الاستعمار، وأن الدول الحديثة التي قامت بعد التحرير ليست وارثة للدولة الإسلامية حتى ينتقل إليها عقد الذمة، بل هي كيانات جديدة نشأت على أسس وأصول جديدة.
إن الذين قبلوا في بداية الفتح الإسلامي بعقد الذمة على أن يدفعوا جزية، دراهم معدودة في مقابل حمايتهم وضمان أمنهم، هم الآن غير موجودين، إن الموجودين اليوم بيننا من غير المسلمين قوم قاتلوا معنا عدونا ورووا بدمائهم شجرة استقلالنا، وهم اليوم جنود وضباط في جيوشنا، فكيف نقول لهم أنتم لستم مكلّفين بالقتال؟ ومن ثم كيف نفرّق بيننا وبينهم على أساس الحماية وهي محور عقد الذمة وعموده الفقري وهم يعملون معنا في جيوشنا؟
وخلص الدكتور العوّا إلى أن عقد الذمة انقضى وأنه غير موجود، وقال إن العودة إلى شريعة الإسلام لا تعني عودة عقود الذمة، لأن عقد الذمة كأي عقد آخر يقتضي إرادة حرة من الطرفين المتعاقدين، فإذا لم تكن هذه الإرادة موجودة فلا عقد، وإذن فليس هناك ذمة في الدولة الإسلامية، وإنما هناك وجود في الوطن نسميه (مواطنة)، ترتب حقوقاً وواجبات يتساوى فيها الجميع(1).
----------------------------
(1) الذمة عقد وليست وضعاً – محمد سليم العوا.
(7)
حقوق الأقليات العرقية والدينية
وهذه الأقليات موجودة في كل المجتمعات.. تقلّ أو تكثر بناء على ظروف المجتمع السياسية أو التاريخية.. فدولة مثل تركيا (على سبيل المثال).. ورثت عددا كبيرا من الأقليات هي بقايا الدولة العثمانية التي كانت تضم أصنافا متعددة من الشعوب..
ودولة مثل باكستان انفصلت عن الهند فضمت إليها جميع المسلمين بأعراقهم المختلفة..
أما في الدول العربية فلا تكاد تجد منطقة إلا وفيها أعراقا وأقليات متعددة.. وهذه الحالة ليست قاصرة على العالم الإسلامي إنما تشمل جميع دول العالم تقريبا.. وهذه الدول المتعددة الأعراق عندما تكون في أوج قوتها العقائدية أو المادية.. لا تكاد تسمع فيها صوتا نشازا يسبب مشكلة..
ففي أمريكا (على سبيل المثال) عشرات الأقليات.. مستسلمة جميعا لقوة وجبروت الدولة.. وعندما تضعف هذه الدولة لأي سبب من الأسباب ستطل هذه الأقليات برأسها.. كما فعلت في الإمبراطورية السوفياتية عندما ضعفت..
وفي روسيا اليوم أكثر من ثمانين أقلية عرقية ودينية تنتظر الفرصة المناسبة لتثور في وجه الجبروت الروسي.. كما فعل الشيشان وكما سيفعل غيرهم.
وبقدر الحرية التي تمنح لهذه الأقليات.. والاعتراف بهم.. وإعطائهم كافة حقوقهم الفطرية التي قررها الله لبنى البشر.. وعدم التمييز بينهم وبين غيرهم.. والمساواة بين الجميع أمام القانون.. وتكافؤ الفرص.. بقدر تأمين ذلك يكون اطمئنان هذه الأقليات إلى عدالة دولتهم.. عندها تهدأ خواطرهم ويفدون أوطانهم بأنفسهم وأموالهم..
الأقليات الدينية
والإسلام أعظم العقائد التي عالجت هذه القضية. فالحرية التي أعطاها للأقليات الدينية لا حدود لها تتلخص في عبارة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)..
الأقليات العرقية
أما الأقليات العرقية فلم يمنعهم الإسلام حقا.. ولم يفرق بينهم وبين أقوام آخرين.. وعالج المسألة لإبعادها عن بعدها العصبي الجاهلي.. بترفق شديد لا يكاد يحسّ به المخاطب.. قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا(1). والتعارف لا يتم دون الاعتراف المتبادل بالخصوصيات القومية والثقافية، ويستلزم التعايش بين الجميع والبحث عن القواسم المشتركة، ولا يسمح بالتمييز العنصري والتفاخر بين الشعوب والقوميات والقبائل.
سأل وائلة بن الأسقع فقال: يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا، ولكن أن ينصر الرجل قومه على الظلم(2).
أما الأحزاب القومية في بلاد المسلمين.. ترفض الأقليات العرقية مـن حيث المبـدأ.. وفي كتبهم دعوة صريحة إلى قبول الأقليات بالتنازل عن حقوقهم لصالح العنصر الغالب.. أو ليهاجروا.. وهو ظلم للإنسان.. جرّ مصائب لا حصر لها.. وما الخلافات والشرور والحروب في أكثر من قطر إسلامي إلا من نتائج هذا التصور العنصري.
-------------------------
(1) الحجرات- 13.
(2) محمد عبد الجبار - الحياة 15/1/1996م.
ولا بأس أن يتذكر القارئ المذابح بين البنغاليين والبهاريين، وبين الفلسطينيين والأردنيين، وبين العرب والأكراد، وبين العرب والفرس، وبين الفرس والأتراك، وبين الأكراد والأتراك، وبين السنغاليين والموريتانيين، وغيرها كثير ليدرك كم دفعت هذه الأمة ثمنا غاليا لانحرافاتها.
الأقليات الإسلامية في البلدان الأخرى
أما بالنسبة للأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية.. وهـي أقليـات تتراوح أعدادها بين عدة آلاف وبين عدة ملايين. الأقليات الإسلامية تقرب من نصف عدد المسلمين في العالم.. ولهذا فإن وضع سياسات واضحة لهذه الأقليات أمر ضروري يجنبها هذا الصراع الدموي الذي غالباً ما يكون على حساب المسلمين.. والذي يحول بين الأكثرية غير المسلمة وبين الإسلام. فقد تحول الأمر بين الفريقين إلى عداء قومي.. لقد رفع المسلمون في معظم الأقطار التي يتواجدون فيها راية الانفصال والاستقلال.. وإذا كان ذلك مستحيلاً من الناحية الواقعية فمعنى ذلك أن مسلسل الدماء سيستمر في النزيف إلى ما لا نهاية..
ولقد ساهمت بعض الحركات الإسلامية.. وبعض القيادات الفكرية الإسلامية.. التي لم تفرق بين المسلمين الذين يملكون الغالبية في بلدانهم.. وبين الأقليات الإسلامية.. في هذه المأساة.. وسنجد في العديد من الكتب الإسلامية دعوة هذه الأقليات إلى الانفصال والاستقلال.. وهي مساهمة مجانية بالفتنة..
الأصل أن هذه الأقليات المسلمة ينبغي أن تتحول إلى نماذج رائعة في الجوانب الإنسانية والأخلاقية والدعوية والعلمية.. يراها غير المسلم فيحب الإسلام ويقع في قلبه ويقبل عليه.. كما أقبلت من قبل شعوب بكاملها اعتنقت الإسلام بلا إكراه أو إرهاب..
لو فعلت الأقليات المسلمة ذلك.. لوفرت على نفسها دماء المسلمين تراق جهلاً وبلا سبب.. ولتحولت هذه الأقليات من رجال يبحثون عن السلاح ويعيشون في الغابات.. إلى رجال فكر وعلم ودعوة وأخلاق يحببون الآخرين بدينهم.
ومن ناحية أخرى.. فإن لهذه الأقليات دور أصيل في دعم العمل الإسلامي في العالم.. فالكل يبحث هذه الأيام عن فرقاء (لوبي) لدى الآخرين.. وما أعظم أن يكون للمسلمين مثل هذا اللوبي في أنحاء العالم.. يعمل لخدمة وطنه الذي يعيش فيه، ويحب مواطنيه. كما يعمل لخدمة الإسلام ويحب المسلمين في كل مكان سواء بسواء.
والخلاصة
يتضح من ذلك أن الإسلام، ديناً وحضارة، قد أرسى تصوراً راقياً للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وأنه وجب عدم الخلط بين الجماعة باعتبارها انتماء دينياً وعقدياً تعطي لكل إنسان الحق في الاعتقاد وفي مجادلة العقائد الأخرى، وبين الجماعة باعتبارها انتماء سياسياً وإطاراً حضارياً يوفر للجميع حقوقاً متساوية أمام القانون.
وقد كانت التجربة الحضارة الإسلامية خير شاهد على التسـامح الـذي ميّز وضعية غير المسلمين داخل الجماعة الإسلامية، سواء بالمعنى الأول أو المعنى الثاني(1).
---------------------------
(1) العلاقة بين جماعة المسلمين وغير المسلمين – د. محمد اليتيم.
(8)
والخـلاصــة
فإن الإسلام جاء بأسمى التشريعات التي رفعت من قيمة الإنسان بغض النظر عن دينه أو معتقده أو لونه أو أرضه أو لغته.. ولم تعرف البشرية في الماضي والحاضر، ولن تعرف في المستقبل نظاما على هذا المستوى من الاعتراف بالكرامة الإنسانية.
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على أمم العالم لرأينا التعصب المذموم، والحقد المدفون والعنصرية البغيضة يوجه مشاعر وأفعال هؤلاء الأقوام..
• لقد عاشت المدنية الإسلامية عشرات القرون، وامتدت ساحتها على عدة قارات، واستظل بظلها عشرات الشعوب بمئات الأجناس والألوان واللغات والأديان.. عاشوا جميعا يهتفون من أعماقهم بوحدة الجنس البشري وبكرامة الإنسان.. حتى قال مؤرخو الغرب: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب.
• واليوم تسيطر على العالم مدنية الغرب الرأسمالية ، وجميع دول العالم تدور في فلك هذه المدنية، فماذا فعلت؟ لم تقدم سوى الشعارات البراقة، والمواثيق الخادعة، والهيئات التي ليس لها من الإنسانية غير اسمها.. أما إذا نظرت إلى فعلها فلا ترى سوى: تكريس الانقسام، وتأييد الطغيان، وتسويغ القهر والظلم والحرمان.
• إن الحروب الطاحنة الطويلة بين انجلترا وفرنسا، وبين فرنسا وألمانية، إنما كانت لتغليب جنس على جنس ولغة على لغة ومصالح استعمارية على مصالح أخرى، والحروب العالمية الأولى والثانية والتي تلتها التي ذاقت البشرية ويلاتها إنما كانت في سبيل الشيطان الذي أوحى لسدنة معبده بأن الأقوام يتفاضلون وأن الجنس الآري فوق الجميع.
• والغزوات الخسيسة التي حاكتها ونفذتها دول أوربا في حملات صليبية متتابعة تريد استذلال العالم الإسلامي واحتلال أرضه وقتل شعوبه إنما كانت تحت شعار: (اقتلوهم جميعاً كباراً وصغاراً فالله لا يريد لهذا الجنس الملعون أن يعيش).
• والمؤامرات التي دبرتها الدول الغربية لتقسيم الدولة الإسلامية العثمانية والتي نتج عنها سقوط الدولة الإسلامية مزعا بأفواه الطامعين.. وذاقت هذه الدويلات من مرارة التجزئة والاستغلال والتمييز العنصري ما يذهل الإنسانية الكريمة.
• من أجل تثبيت دعائم الشيوعية في روسيا ذبح ستالين ثلاثين مليونا من البشر أكثرهم من المسلمين. وفي يوغسلافيا الحديثة العهد بالوجود، بنت وجودها على مذبحة كبرى سقط فيها حوالي مليوني مسلم. وفي الجزائر أكثر من مليون ونصف المليون مسلم سقطوا باسم الكنيسة. في إسبانيا الأوربية قتلوا جميع المسلمين فيما عرف بمحاكم التفتيش.. وحتى العظام التي في القبور نبشوها وحرّقوها.
• في الحبشة بدأت مذابح المسلمين منذ ثلاثين سنة ولم تتوقف بعد.
• في فلسطين.. ما زال شعبها مشردا مبعدا عن أرضه ووطنه.. في مؤامرة مزدوجة صليبية يهودية ترعاها دول العالم المتحضر لسحق الشعب المسلم.
• في السودان.. ما زال الغرب من أيام كتشنر يتآمر على السودان.. واستمرت المؤامرة منذ عام 1920م وحتى اليوم.
فصلوا جنوبه.. وما زالت المؤامرة مستمرة في شرقه وغربه في محاولة لتقسيم وتفتيت هذه الدولة.
• وفي الصومال.. يعلن منغستوهيلي مريم قائد الانقلاب في أثيوبيا.. أن من أعظم إنجازاته أنه أنهى دولة اسمها الصومال.
ولو تتبعنا جميع دول العالم بدون استثناء لوجدنا مأساة سببها العنصرية الجنسية أو اللغوية أو القومية أو الدينية..
وحتى الدول النصرانية ذاقت من مرارة الكأس التي سقتها للآخرين، فاضطهاد اليهود في الغرب الصليبي فترة من الزمن، واضطهاد البروتستانت في الدول الكاثوليكية.. واضطهاد الكاثوليك في الدول البروتستانتية.. كل ذلك شاهد على فساد الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه هذه الدول.. المصلح الديني النصراني لوثر يقول لأتباعه: (من استطاع منكم فليقتل، فليخنق، فليذبح، سرا أو علانية، اقتلوا واخنقوا واذبحوا، ما طاب لكم، من هؤلاء الفلاحين الثائرين)(1).
يذكر بريفولت: أن تقدير المؤرخين للناس الذين قتلتهم المسيحية في أوربا يتراوح بين سبعة ملايين كحد أدنى وخمسة عشر مليونا كحد أعلى(2). إن فظاعة هذا العدد تتضح لنا عندما نذكر أن عدد سكان أوربا آنذاك كان جزءا ضئيلا فقط من سكانها اليوم.
كان هؤلاء القتلة يجدون تبريرا لأعمالهم مما جاء في التوراة: (اهدموا معابدهم، واقذفوا أعمدتها إلى النار، وأحرقوا جميع صورها، وأحرقوا جميع من فيها من رجال ونساء وأطفال).
هذه هي مدنية الآخرين في السابق واللاحق. ومع ذلك يطاردون المسلمين ويتهمونهم بالتعصب الديني.. وإذا حاول قوم من المسلمين تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادهم..
-----------------------------
(1) الأيديولوجية الانقلابية - نديم البيطار، ص- 710 .
(2) الإسلام والنصرانية - الشيخ محمد عبده.
رفعوا عقيرتهم يستصرخون الضمير البشري ليحول دون إرهاب المسلمين.. ويصدقهم في دعواهم تلك نفر من جهلة المسلمين.. فيرددون مقولة الأعداء إن الشريعة ما عادت تصلح للحياة في هذه العهود.
إن على المسلمين أن يعوا سمو دينهم، ويفقهوا رفعة حضارتهم، ولا ينخدعوا بمغالطات الأعداء وافترءات المتربصين بالإسلام والمسلمين في كل فج عميق.
يجب أن يرى العالم اليوم نموذجاً رائعاً من التسامح والعدل والحرية في التعامل مع الآخر في بلاد المسلمين، كما رأى من قبل في حضارة الإسلام الخالدة، كما يجب أن لا يعطي المسلمون أعداءهم فرصة تشويه دينهم، بممارسات خاطئة تجاه من خالفهم في الدين والعقيدة والرأي، فيخالفون بذلك روح الإسلام وسمو رسالته.
وإذا كان الغرب اليوم هو صاحب الحضارة الغالبة، فعليه أن يتعامل مع المسلمين بنفس روح التسامح واحترام الآخر، كما تعاملت الحضارة الإسلامية في السابق مع المخالفين لها.. وعلى الأقليات المسلمة في العالم أن تندمج في مجتمعاتها وتقدم لها النموذج الرائع للإسلام والمسلمين.

-----------------------
(1) علاقة المسلم بغير المسلم – د. جمال بدوي، ص- 39.
-----------------------
(1) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين- محمد الغزالي، ص- 49.
------------------------
(1) عمر بن الخطاب وأصول علم السياسة والإدارة الحديثة - سليمان الطحاوي، ص- 384.
(2) صرّح المرشد العام (السابق) حسن الهضيبي أنه لا يرى بأسا من تشكيل حزب شيوعي. (التربية السياسية عند الإخوان، ص- 357).

------------------------
(1) البقرة- 213. 
(2) الحجرات- 13.
(3) الروم- 22.





مراجع البحث
1- المسلم والآخر – د. عماد الدين خليل.
2- الإسلام وأهل الذمة – د. الخربوطلي.
3- غير المسلمين في المجتمع الإسلامي – د. يوسف القرضاوي.
4- الإسلام والآخر – د. محمد عمارة.
5- الإسلام والنصرانية – الشيخ محمد عبده.
6- الأيديولوجية الانقلابية – نديم البيطار.
7- قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام – د. توفيق الطويل.
8- الخراج – أبو يوسف.
9- البداية والنهاية – ابن كثير.
10- الدعوة إلى الإسلام – توماس أرنولد.
11- الوثائق السياسية – محمد حميد الله.
12- زاد المعاد – ابن القيم.
13- التحديات السياسية التي تواجه الحركات الإسلامية– مصطفى محمد الطحان.
14- رسائل الإمام حسن البنا.
15- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين – محمد الغزالي.
16- علاقة المسلم بغير المسلم- جمال بدوي.
17- الإسلام وحقوق الإنسان – د. القطب محمد طبيلة.
18- عمر بن الخطاب وأصول علم السياسة والإدارة الحديثة- سليمان الطحاوي.
19- التربية السياسية عند الإخوان.
20- سيرة ابن هشام.
21- دراسة في السيرة – عماد الدين خليل.
22- حضارة العرب - غوستاف لوبون.
23- حضارة المسلمين- آدم ميتز.
24- صورة الإسلام في التراث الغربي- هوبرت هير كومر.