الخميس، 30 ديسمبر 2021

تأصيل شرعي لحكم الاحتفال بالأعياد الدنيوية

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :

أحاول اليوم دراسة مسألة حكم الاحتفال الدنيوي بيوم أو عيدٍ معين بشكل مختصر ، وهي الصورة التي يندرج تحتها الاحتفالات العامة عند كل الناس :
مثل تخصيص يوم للاحتفال بالوطن ، أو نحوه ..
كما يندرج تحتها من باب الأولى :
الاحتفالات والأعياد الدنيوية الخاصة بفرد معين أو أشخاص محددين ، وهي ليست عامة في المجتمع ..



مثل : أعياد الميلاد الشخصية ، وأعياد الزواج ، ونحوها ..

وأستطيع بدايةً أن ألخص أقوال المعترضين على جواز الاحتفال بمثل هذه الاحتفالات عموماً ، وباليوم الوطني خصوصاً أنها تدور حول (( 5 )) أوجه :

1 / التشبه المحرم بالكفار ..
2 / الابتداع في الدين ..
3 / زيادة عيد للمسلمين ..
4 / مزاحمة الأعياد الشرعية والشرائع الدينية بالأعياد الدنيوية ..
55 / الأخطاء التي تحصل فيه وبسببه ..

وسأناقش كل واحدة من هذه المآخذ باختصار ، مستعيناً بالله :

1 / التشبه المحرم بالكفار /
وقال أصحاب هذا المأخذ بأن هذا الاحتفالات والأعياد الدنيوية لم تكن موجودةً عند المسلمين السابقين ، وأنها مما انتقل إلينا من عادات الكفار ، ولهذا فهم يحرمونها لأنها من التشبه المحرم بهم .

وفي الحقيقة أن هذا المأخذ في نظري ضعيف ..
ذلك أنه من المتقرر في الشريعة أنه ليس (( كل )) تشبه دنيوي بالكفار محرم ، بل منه ما هو جائز ..
فالتشبه الدنيوي المحرم بالكفار هو ما يكون مشابهة لشيء من خصائص هؤلاء الكفار ، بحيث يكون علامةً عليهم ..
أما مجرد التشابه الدنيوي بحد ذاته فليس مقتضياً للتحريم ..

ومن المعلوم ان الاحتفالات الدنيوية مثل اليوم الوطني او عيد الوطن الذي يقام في دول العالم المختلفة بذكرى الاستقلال او توحيد البلاد او نحوها أنها ليس من خصائص الكفار ، فكل دول العالم – الإسلامية وغير الإسلامية – تقيمه تقريباً ، ولم يعد مرتبطاً بالدين عند أحد ، وبذلك تسقط علة التشبه المحرم ..

ولو اعترض معترض على ذلك بأنه حتى وإن كان قد أصبح الاحتفال بهذا اليوم معموﻻً به في دول العالم كلها ، لكنه قد (( بدأ )) عند الكفار ، فيبقى الحكم على أصله وهو التحريم ..

فالجواب على هذا أنه قد نص العلماء في المسائل الدنيوية التي تحرم لعلة (( مشابهة الكفار )) أنه اذا تغير فيها الحال ، ولم تعد من خصائصهم فإنها ترجع إلى حكم الجواز ، ولذلك أمثلة كثيرة …
فمن الأمثلة الواضحة له ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من النهي عن ركوب المَياثِر الحمر ، وهي قماش لين يوضع على الرحل للرجال ، ليكون جلوسهم ألين على الراحلة ، وكان كثيراً ما يصنع من الحرير ، وهو من مراكب العجم ..
قال أبو عبيد : (( الميثرة كَانَت من مراكب الْعَجم، أحسبها من حَرِير أَو ديباج، فجَاء النَّهْي عَنْهَا لذَلِك ))
ففيها سببان للنهي : الحرير ، والتشبه ..
فإذا لم تكن من حرير ، هل يجوز ركوبها وفيها تشبه بالكفار ؟؟
قال الحافظ العراقي في شرحه للحديث بعد أن ذكر عدة أقوال في سبب النهي : (( وقد يكون – يعني النهي – لمصلحة دينية، وهي ترك التشبه بعظماء الفرس ، لأنه كان شعارهم ذلك الوقت ، فلما لم يصر شعارا لهم ، وزال ذلك المعنى : زالت الكراهة ))
وتشبهها من المسائل القديمة مسألة حكم لبس
(( البُرْنُس )) وهو كل ثوب رأسه منه ، ملتصقٌ به ..
وكان هذا من لباس الرهبان – ولا يزال إلى اليوم يلبسه بعضهم –
قال ابن حجر : (( وقد كره بعض السلف لبس البرنس ، لأنه كان من لباس الرهبان ، وقد سئل مالك عنه فقال : لا بأس به .
قيل : فإنه من لبوس النصارى !
قال : كان يُلبس هاهنا ))
واستشكال هذا السائل يوضح لنا أصل المسألة بشكل واضح ، فالسائل لما أجابه الإمام مالك بأنه لا بأس به ، كأنه استحضر مسألة التشبه ، وأن هذا اللباس من لباس النصارى ، فكيف نشابههم والتشبه بالكفار محرم ؟؟
فأجابه الإمام :
إن مثل هذه المشابهة ليست محرمة ، لأن هذا اللباس – وإن كان يلبسه النصارى – فقد كان يلبسه العرب أيضاً ..
وبالتالي فهو ليس خاصاً بهم ، ولا إشكال في مشابهتهم فيه ..
ومما يؤكد قول مالك أن العرب والمسلمين قد لبسوه ، أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عد البرانس من منهيات الإحرام للمحرم .

هذان المثالان يوضحان أن فقه باب التشبه بالكفار يرجع إلى كونه علامةً عليهم ، فإذا زال ذلك ولم يكن علامةً وشعاراً لهم رجع حكمه إلى الجواز ..
ولهذا فهذا المأخذ غير صحيح في هذه المسألة ، ولا سبيل إلى القول بتحريم الاحتفالات والأعياد الدنيوية كاليوم الوطني لعلة مشابهة الكفار ..

2 / الابتداع في الدين /
وقال أصحاب هذا المأخذ أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته من بعده لم يحتفلوا بفتوحاتهم وانتصاراتهم وما حققته دولتهم ، ولا احتفلوا بأمور دنياهم – على الرغم من كونها أعظم مما يحتفل به الناس اليوم – وهذا يدل على أن هذا الاحتفال خطأ وبدعة ، فطالما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فليس في فعله خير ، وهو بدعة منكرة يجب اجتنابها ، فهو مما لم يكن عليه أمر القرون المفضلة ..

وفي نظري أن هذا أضعف المآخذ في هذه المسألة ..
ذلك أن الاحتفال الدنيوي – أياً كانت فكرته وسببه – ليس مما يدخل في البدعة أساساً ، إذ البدعة مختصةٌ بالعبادات ، ولا تدخل في أمور الدنيا – بكل تفاصيلها – طالما لم نقصد بها التقرب إلى الله ..
ويتفق الجميعُ – مؤيداً ومعارضاً – على أن هذا الاحتفال ليس عبادةً يُتقرب بها إلى الله ، وإنما هي من أبواب العادات الدنيوية لا أكثر ..
ومن يقول ببدعية مثل هذا الأمر الدنيوي سيضطر إلى تبديع وتحريم كل أمور الدنيا التي اعتادها الناس مما لم ترد به السنة ، وهذا خطأ كبير ..
وبالتالي فلا مجال هنا لتحريم هذا الاحتفال من خلال هذا المأخذ ..

3 / زيادة عيد للمسلمين :
وقال أصحاب هذا المأخذ أن العيد ((اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد )) ، وهو يشمل الأعياد الدينية والدنيوية ..
قالوا : وكلاهما – العيد الديني والدنيوي – محرم غير العيدين التي شرعها الإسلام ، ولا يجوز أن يتخذ المسلمون عيداً ، فهو مناقض لحديث : (( أبدلكم الله )) الذي قالوا إنه ينص على ترك المبدل به ..
وحديث الرجل الذي نذر في الجاهلية نذراً ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يوفي بنذره ، فأمره أن يوفي به إن لم يكن فيه وثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم ..
قالوا : وأعياد الجاهلية تلك كانت أعياداً دنيوية ، ورغم ذلك نهى الشارع عنها ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ((مع أن ذلك العيد إنما كان يكون – والله أعلم – سوقا يتبايعون فيها ويلعبون، كما قالت له الأنصار: ” يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية ” لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم ))
فاستدلوا بذلك على أن كل الأعياد – حتى الدنيوية منها – ما عدا عيدي المسلمين لا تجوز ..

وهذا المأخذ ينبغي تفكيكه إلى نقاط رئيسية ، حتى تتم مناقشته بشكل جيد :
( أ ) ما هو العيد الذي كان عند الأنصار في الجاهلية ؟؟
وما العيد الذي خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُذبح النذر عنده ؟؟
( ب ) هل في هذه الأحاديث نص قاطع يمنع الاحتفال بالأعياد الدنيوية ؟؟؟
( ج ) هل منع الإسلام حقاً كل عيد دنيوي جاهلي ؟؟

( أ ) فأما حديث (( قد ابدلكم الله خيرا منهما )) فالظاهر منه أنه كان يتكلم عن أعياد دينية ، ﻻ عن مجرد أيام دنيوية يحتفلون فيها ..
ولذلك ذكر عدد كبير من شراح الحديث كابن حجر وغيره ان هذين العيدين هما النيروز والمهرجان (( وهما من أعياد المجوس )) ..
ولما شرح العلماء حديث (( إن لكل قوم عيدا )) نصوا على أن المقصود به لكل أصحاب (( دين وطائفة دينية )) ، وبالتالي فأحاديث العيدين أحاديثٌ تتكلم عن أعياد دينية عبادية تميّز المسلمين عن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ، ولهذا أبدلهم الله بها أعياداً خيراً من أعياد الجاهلية التي كانوا يلعبون فيها ..

واذا عدنا بعد ذلك لحديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذره في الجاهلية أن يذبح إبلاً في بوانة ، فسأله صلى الله عليه وسلم (( هل كان فيها وثن من اوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم ؟؟ )) فلما قال له : ﻻ ، امره ان يوفي بنذره ..
لو عدنا إلى هذا الحديث لوجدناه صريحاً بمنع النذر عند هذا المكان في حال ما لو كان فيه ما يشتبه أن يقدح في الدين والإيمان ..
كأن يكون فيه وثن سابق يُعبد ، أو مكان يعظمه المشركون ، ويخصصونه لاحتفالاتهم في الجاهلية وأعيادهم الدينية ..
وإلا فلن يكون هناك معنى لخشيته عليه الصلاة والسلام من أن يكون في بوانة عيدٌ دنيوي للمشركين لا شبهة لما يقدح في الدين والإيمان ، ولم يرد في نص من النصوص أن مجرد لعب المشركين في مكان ما سبب كافٍ لمنع الذبح فيه لله تعالى .. !
ولهذا فقد حمل العلماء حديث النذر على هذا المعنى ، فقال ابن قدامة رحمه الله في تعليقه على الحديث : (( فإن كان بها شيء مما ذكرنا ، لم يجز النذر ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { هل كان بها وثن ، أو عيد من أعياد الجاهلية ؟ } .
وهذا يدل على أنه لو كان بها ذلك ، لمنعه من الوفاء بنذره
ولأن في هذا تعظيما لغير ما عظم الله ، يشبه تعظيم الكفار للأصنام ، فحرم ، كتعظيم الأصنام ))
وأشار ملا علي قاري إلى أن المعنى قد يرجع إلى منع التشبه المحرم بالكفار في مكان عيدهم الذي اختصوا به ..
وعلى المعنيين – التعظيم أو التشبه المحرم – لم يقل أحدٌ أن مجرد لعب أهل الجاهلية مانعٌ لأن يلعب المسلمون فيه ، لأن مجرد المشابهة في أمور الدنيا – دون محظور – جائزة ..
ولهذا المعنى صح أن امرأة أتت النبى -صلى الله عليه وسلم- فقالت : يا رسول الله إنى نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا (( مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية )) . قال : « لصنم ؟؟ ». قالت : لا. قال : « لوثن ؟؟ ». قالت : لا. قال : « أوفي بنذرك ».
فالمرأة هنا أخبرت أن هذا المكان الذي نذرت أن تذبح فيه هو مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية ، ورغم ذلك لما خلا المكان من المحذور أجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تذبح فيه ..
ولو كانت مجرد المشابهة الدنيوية للمشركين في المكان أو الزمان سبباً للتحريم – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – لما جاز لها ذلك ، ولمنعها النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح فيه ..

( ب ) وإذا افترضنا أن أعياد الجاهلية في تلك الأحاديث كانت كما ذكر شيخ الإسلام مجرد لعب (( فقط )) لا عبادة فيها – وهو ما لا دليل عليه – فهل أدلة الباب تنص على تحريمها ؟؟
في الواقع : لا نص صريحاً بهذا ..
فإنه لا يصح الاستدلال بمجرد استبدال العيدين على تحريم كل ما كان لعباً مثلها ، إذ ليس كل استبدال يتضمن ترك المبدل منه (( منعاً وتحريماً ))
فقد يتم الاستبدال بترك المستبدل به ، لكن تركه من باب التفضيل لا التحريم ..
ومن ذلك قوله تعالى (( .. أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .. )) ، فإن بني إسرائيل استبدلوا البقول بالمن والسلوى ، وإنما قصدوا بذلك الاستبدال تفضيلها عليها ، لا أنهم يمنعون الرجوع إليها .. !
وكذلك حديث العيدين ، غاية ما في (( لفظه )) أن الله أبدلهم عيدين أفضل من عيديهم السابقين ،
وليس في لفظه ولا معناه منعُ المسلمين من هذين العيدين الجاهليين ولا النهي عنهما ..
وحديث النذر غاية ما فيه أنه نهى أن يذبح في مكان عيدٍ اعتادوا الذبح فيه لصنم ، أو اعتاد أهل الجاهلية تعظيمه ..
وكل هذه المعاني – كما هو ظاهر – ليست دليلاً كافياً لمنع كل احتفال دنيوي معتاد ..

( ج ) وإذا كان تقعيد شيخ الإسلام رحمه الله صحيحاً في أن هذه الأعياد الجاهلية المتروكة كانت مجرد (( سوق يتبايعون فيها ويلعبون )) ..
فهل لم يكن هناك فعلاً أعياد جاهلية (( بهذا المعنى )) أبقاها الإسلام وأقر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عليها ؟؟

الجواب : لا .. بل كانت هناك أعيادٌ جاهلية بهذا المعنى ، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده ..
فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العرب على أسواق الجاهلية العظمى التي كانوا يقيمونها كل عام ..
فأسواق عكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز أمرها منتشر عند العرب في الجاهلية ، ومشاركتهم فيها ، وحرصهم عليها متيقنة فيهم ..
وعلى الرغم من كونها عيدا يعتاده الناس – مكاناً وزماناً – كل عام
(( شبهة العيد ))
وكونها من أعياد وأيام الكفار
(( شبهة التشبه ))
وعلى الرغم من وجود الشرك والعبادات المحرمة فيها في الجاهلية
(( شبهة ما فيها من منكرات ))

رغم كل ذلك فقد أقر الإسلام العرب على هذه الأسواق واﻻحتفاﻻت ، مع تطهيرها من الشرك وبقايا الجاهلية …
وبقيت هذه الأسواق لأكثر من مائة عام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل ان يهجرها الناس في القرن الثاني الهجري ..
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما ان عكاظ ومجنة وذا المجاز كانت أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام كرهوا التجارة مع النسك فيها فأنزل الله (( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم .. ))
قرأ ابن عباس (( في مواسم الحج )) ، وكذا كانت في مصحفه ، وهي قراءة شاذة تفسيرية ..
وبوّب البخاري رحمه الله على هذا الأثر فقال :
(( باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام ))

وعلق عليه ابن بطال رحمه الله فقال :
(( وفيه أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية ﻻ يمنع من فعل الطاعة فيها ))
وثبت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس حجهم في عام 9 للهجرة ، قصد الى سوق ذي المجاز – وهو سوق قريب من المشاعر يقصده الحجاج منذ الجاهلية – ليخبر الناس بمناسكهم ويبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
كما اشترى عمر الفاروق موﻻه ( أسلم ) من سوق ذي المجاز عام 111 للهجرة لما حج بالناس في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وصح أن سائلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما في آخر عمره عن سوق ذي المجاز :
هل يقصرون الصلاة فيه أم ﻻ ؟؟
وهم يمكثون فيه 15 او 200 ليلة ..الخ ..

واستمر الناس في الإسلام يقصدون هذه الأسواق للبيع والشراء وإنشاد الأشعار ، والآثار في بقاء هذه الأسواق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وهم خير القرون كثيرة ..
وإذا كان الإسلام لم يمنع الصحابة من إقامة هذه المناسبات والأعياد السنوية – رغم كل ما كان فيها في الجاهلية –
فغيرها يجوز من باب أولى ..

ولو كانت أعياد أهل المدينة في الجاهلية (( سوقاً ولعباً )) مثل هذه وتركها المسلمون ..
فلماذا أبقى النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأعياد والأسواق الجاهلية ،
وهي أعظم وأشد انتشارا وتأثيرا ؟؟!!!

وإذا لم يثبت النهي عن الأعياد الدنيوية ، ولم يصح أن أعياد الصحابة المتروكة كانت دنيوية صرفة ، وثبت عندنا بقاء ما يشبه هذه الأعياد الدنيوية في زمن النبوة وإقرارها ..
فلا شك حينئذٍ أن الحكم بتخطئتها بناء على هذه القواعد التي لم تثبت في الأعياد خطأ يحتاج إلى إعادة النظر ..

4 / مزاحمة الأعياد الشرعية والشرائع الدينية بالأعياد الدنيوية /
قال أصحاب هذا المأخذ (( إن مزاحمة أعياد الإسلام – يعني بأعياد دنيوية أخرى – ينتج عنها من التهاون بالعيد المشروع ، واللامبالاة به ، ما يعني تضييع وخفوت شعائر الدين ))

وهذا المأخذ قائم على فكرة مزاحمة هذه الأعياد لشعائر الإسلام الثابتة فيه كالعيدين وغيرهما ، والتضييق على فكرة الأخوة الإسلامية والرابطة الإيمانية بمعاني الوطنية ونحوها ..
قالوا : وهذا ينتج عنه تهاون بهذه الشعائر المشروعة ، وتضييع لها ..

ويكفي في رد هذا المأخذ أن ننظر إلى الدول الإسلامية التي تحتفل بأعياد دنيوية مختلفة منذ سنين طويلة – وهي دول كثيرة – وما زال أهلها يعظمون الإسلام وشرائعه وأعياده ، وهي أعظم أعيادهم وأكثرها فرحاً وتفاعلاً عند عامة الناس فضلاً عن خاصتهم ..
والوطنية وما يشبهها شعور بالانتماء لبلد أو وطن معين ، وليس بالضرورة أن كل من كان عنده هذا الشعور ، أنه سيلغي عند الإنسان روابطه الإيمانية .. !
بل من الممكن أن يحتفظ بها جميعهاً سويةً ، إذ كل واحدة منها ترجع إلى جانب مختلف ..

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للصحابة : (( خياركم في الجاهلية ، خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))
فهو هنا حافظ على سيادة الجاهلية وخيريتها التي كانت عند العرب ، لكنه استثمرها في مجال الخير (( إذا فقهوا )) ..
ولم تكن تنميته لهذا الجانب (( خيرية الجاهلية )) على حساب خيرية الإيمان والعمل الصالح في الإسلام ، إذ هي في الحقيقة تنمّي بعضها وتقوي بعضها ..
وكذلك كل المشاعر الدنيوية المختلفة كالوطنية وغيرها ، هي – من حيث الأصل – لا تنافي المعاني الإيمانية والدينية ..
ولهذا فالحفاظ عليها وتنميتها في الخير ليس خطأً ..
وهي مما يدعم الروابط الإيمانية والدينية بشكل كبير ، إذا ما تم استثمارها بطريقة صحيحة ..

وبالتالي فليس صحيحاً أن (( كل )) احتفال دنيوي سيزاحم ويضايق الشرائع الدينية والشعائر الإسلامية ، بل إن هناك من لا تحصل عنده هذه الأضرار ..
فتعليق الحكم بحصول هذه الأضرار أولى من تعليقه بالفعل نفسه ،
كما سأوضحه في النقطة التالية ..

5 / الأخطاء التي تحصل فيه وبسببه /
قال أًصحاب هذا المأخذ : إن هذه الاحتفالات والأعياد الدنيوية كثيراً ما تؤدي إلى اعتداءات على الناس والممتلكات ، مع تصرفات غير مسؤولة ، وأخطاء وذنوب كبيرة ..
وقد يصاحبها أحياناً نفاق اجتماعي أو سياسي ..
وكل هذ الأمور السيئة توجب منع هذه الاحتفالات ..

وهذا الاعتراض ببعض ما فيها من أخطاء أو منكرات أو تعظيم يلزم من يقول به أن يبيح هذه الاحتفالات في حال عدم وجودها ، لأنها ليست ﻻزمة فيها ، ويمكن ان تحصل من دونها كما هو واقع في كثير من الدول الإسلامية وغير الإسلامية …
وإذا كان كذلك :
فالواجب على المعترض أن يدعو إلى الفعل الصحيح دون الخطأ الذي يراه ..
ﻻ أن يحرم الفعل كله .. !!

ومعظم دول العالم التي تحتفل بهذه الأعياد الدنيوية اليوم ليس لديها التعظيم المبالغ فيه الذي نشاهده عند العرب ، وليس لديها الهمجية في الاحتفال ، ولا الأخطاء التي نشاهدها أيضاً ..

لذا :
فمن الخطأ أن يحكم الإنسان حكماً شرعياً قاطعاً من خلال صورة واحدة ، وتصور واحد فقط .. !

ومن خلال هذه المناقشة لمآخذ منع الاحتفال بالأعياد الدنيوية يتضح :
أن الأصل في حكم مثل هذه الاحتفالات والأعياد الدنيوية بكل صورها
– ومن ضمنها اليوم الوطني – الجواز ، وأنه لم يقم دليل صريح صحيح على منعها مطلقاً ..
فتبقى على أصل إباحتها ..

والله تعالى أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه

حكم تهنئة المسيحيين بأعيادهم!!

 تهنئة المسيحيين بأعيادهم!!

بقلم: عصام تليمة

كل عام يطرح نفس الموضوع، ويظل كل صاحب رأي على رأيه، لكن تزداد حدة الموضوع عندما يكون هناك انقسام طائفي في أي بلد، ويتناسى من كانوا بالأمس يهنئون المسيحيين سواء من بعض فصائل التيار الإسلامي الذي كان يفعلها، أو من تيارات أخرى لكنها اقتربت بحكم السياسة، وكانت تحرم ثم اقتربت من ذلك بعد ثورة يناير، ومنهم من بقي على رأيه بالمنع. وكنت قد نشرت تغريدة على تويتر، بينت أن هناك نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية يجيز ذلك، وسوف أتناول أولا الموقف الشرعي الذي أومن به، وتعلمته من أساتذتي، في قضية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، ثم أعرج بموقف ابن تيمية من القضية.

بداية نوضح أننا نتكلم هنا عن غير مسلم ليس محاربا لنا، ودولته بيننا وبينها عهد وميثاق، حتى لو كانت كنيسته ورؤسائها ضدنا، فهو كمسيحي موقفه مختلف، هذا ما نتكلم عنه، عن مواطن يعيش بيننا، أو عن مواطنين في بلادهم غير مسلمين نحن نقيم في بلدانهم، أو حملنا جنسية بلادهم، ما حكم تهنئتهم بأعيادهم؟

موقفنا من تهنئة غير المسلمين بأعيادهم:

هذه قضية اختلف فيها قديما، واختلف فيها حديثا، بين من يحرم ومن يجيز، وإن كنا مع الفريق الذي يجيز ذلك، وهذا لاعتبارات عدة:

1ـ أن الإسلام فرق بين فريقين من غير المسلمين، بين المحارب، وبين المسالم، فقال عن المسالم: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8، والبر: جماع لكل الخير، والقسط: أعلى درجات العدل. ومن البر: تهنئته بعيده، وفرحه، وتعزيته في أحزانه.

2ـ أجاز الإسلام للمسلم أن يتزوج بغير المسلم الكتابية، وهذه علاقة تقتضي علاقات أخرى في دائرة الأسرة، وقد قال القرآن الكريم عن هذه العلاقة: (لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) الروم: 21، فمطلوب مني: أن أود امرأتي غير المسلمة وأحبها، حتى لو عاشت معي إلى أن تموت غير مسلمة. وبناء على ذلك: فماذا سيفعل الزوج المسلم بزوجته يوم عيدها، وقد عادت من الكنيسة وصلت العيد، وعادت؟ هل مطلوب منها أن يقابلها بوجه عابس، مقطب الجبين، يلعن لها دينها الذي يقول: إن الله ثالث ثلاثة؟! هل من مقتضيات الرحمة والمودة في يوم عيدها أن يحرمها من فستان العيد؟ أو من (العيدية) المال الذي تنتظره كل زوجة في يوم العيد مثل الأطفال؟! أليس واجبا عليه النفقة في هذا اليوم وقبله وبعده؟ هل يأثم الزوج المسلم على مذهب من يحرم ذلك إذا قام بواجبه كزوج بشراء متطلبات العيد للزوجة في عيدها؟ أم أنه سيعتبر عيده كمسلم هو عيدها فقط؟! لو كان هذا الأمر مقصودا في الإسلام فهو إكراه على الدين، وقال تعالى: (لا إكراه في الدين) البقرة: 256.

3ـ وللزوجة أسرة من أبوين وإخوة، وهم أجداد أبنائك وأخوالهم وخالاتهم، من الزوجة غير المسلمة، فما المطلوب من أبنائك المسلمين، عندما يلقون أهل أمهم المسيحية يوم عيدهم؟ هل يقابلونهم باللعنات، أم بالتجاهل؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم للسيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكانت أمها مشركة، فقالت: يا رسول الله إن أمي تأتيني وهي راغبة (وهي على الشرك) أفأصلها؟ قال صلى الله عليه وسلم: صليها. وقال شراح الحديث: راغبة، أي راغبة عن الإسلام، وليست راغبة في الإسلام، وإلا فلن تسأله عن صلة أمها لو كانت ترغب في الإسلام، أم أن المسلم مطالب بمقاطعتهم في هذا اليوم؟!.

لماذا كانت حكمة الإسلام إذن من حله الزواج بالمسيحية واليهودية، ويكون لأبنائك أخوال غير مسلمين، إذا كانت العلاقة ستكون علاقة قطيعة؟!

4ـ مجموع الأدلة والنصوص التى أمرت بالاحسان إلى غير المسلمين المسالمين في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، تشكل مبدأ كليا عاما لا يصح تخصيصه، أو تقييده بنص جزئي خاص، فضلا عن أن يخصص بقول لأحد العلماء قديما أو حديثا.

5ـ لا بد من إخراج المسألة من دائرة العقيدة التي يحكم فيها بالكفر والإيمان، فالصواب أنها من مسائل الفروع التى يحكم فيها بالحل أو الحرمة، وهي مسائل يجرى فيها الخلاف وأنه معتبر، ولا يجوز فيها الإنكار على من تبنى رأيا منها.

6ـ لو كانت تهنئتنا لهم بأعيادهم يعتبر نوعا من الرضا بعقيدتهم لكانت تهنئتهم لنا فى أعيادنا رضا منهم بعقيدتنا، ومعنى ذلك: أنهم صاروا مسلمين؟!!

7ـ قوة وحجية الاجتهاد الجماعى اليوم أهم وأولى من أقوال الفقهاء بصفتهم الفردية، وقد أصدرت هيئات علمية فتاوى تجيز التهنئة بأعياد غير المسلمين في الغرب وغيره، مثل: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وغيره.

موقف ابن تيمية:

أما ما ذكره ابن تيمية فقد أشار إليه الشيخ عبد الله بن بيه، ونقله عنه الدكتور خالد حنفي إشارة، وبحثت عنه فوجدته كالتالي: 

قال المرداوي الحنبلي: (وفى تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان. وأطلقهما فى (الهداية)، و(المذهب)، و(مسبوك الذهب)، و (المستوعب)، و(الخلاصة)، و(الكافى)، و(المغنى)، و(الشرح)، و(المحرر)، و(النظم)، و(شرح ابن منجى)؛ إحداهما، يحرم. وهو المذهب. صححه فى (التصحيح). وجزم به فى (الوجيز). وقدمه فى (الفروع). والرواية الثانية، لا يحرم، فيكره. وقدمه فى (الرعايتين)، و (الحاويين)، فى باب الجنائز، ولم يذكر رواية التحريم. وذكر فى (الرعايتين)، و(الحاويين) رواية بعدم الكراهة، فيباح. وجزم به ابن عبدوس فى (تذكرته). وعنه، يجوز لمصلحة راجحة، كرجاء إسلام. اختاره الشيخ تقى الدين) انظر: الإنصاف للمرداوي (4/234). ونقله غيره من الحنابلة عن ابن تيمية كذلك. وفي عبارة: (وعيادتهم) قال العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود: والعيادة نظير المعايدة. انظر: الفتاوى لابن محمود ص: 551.

وقال ابن تيمية: (لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا. واحتج بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) الفرقان: 72، قال: الشعانين وأعيادهم، فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره، نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم). انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص: 201. فنرى كلام ابن تيمية هنا عن شهود الأعياد، ودخول الكنائس، فليركز من يقرأ جيدا.

تأملات وتحليلات في موقف ابن تيمية والفقهاء:

وقد تبين من الأمر عدة أمور مهمة يجب التفكير فيها بإنصاف وحيدة، من خلال كلام ابن تيمية، والردود على كلامي عنه، ومن النقول التي ينقلها البعض في موضوع تهنئة غير المسلمين، ما يلي:

أولا: لم يرد نص صحيح صريح في جواز أو تحريم التهنئة للمسيحي بعيده. فكلا الطرفين يتسشهد بنصوص عامة، تقترب أو تبتعد عن الموضوع، كل بقدر قوة تنظيره وتدليله للموضوع، ومدى استيعابه للنصوص، وإسقاطها على الوقائع.

ثانيا: أن كثيرا منهم ليس ملما بفقه ابن تيمية، بل راحوا يعتمدون على جوجل، وربما على الموسوعة الشاملة، دون اطلاع كامل على تراث الرجل، وفهم خلفيات الفقه، والتباساته، فراح بعضهم يناظر وكأن من ينقل عن ابن تيمية وابن القيم جهلاء، وهم فقط العلماء به.

ثالثا: بعضهم راحوا يكذبون النقول، ويدافعون عن ابن تيمية، مما يعني أهمية الأمر بالنسبة لهم: أهمية ابن تيمية أكثر من النص، ولو ثبت لهم أن ابن تيمية قال ما نقل عنه بيقين، ستراهم يقولون لك بعد ذلك: ابن تيمية ليس حجة! وهو كلام صحيح، لكن متى يستدعى ابن تيمية بنصوصه، ومتى يترك كلامه؟ وما موقع ابن تيمية بنصوصه من نصوص الشرع؟ وما موقعه من غيره من الفقهاء الكبار، وما موقعه من مذهبه أصلا مذهب الإمام أحمد؟!!

رابعا: تظل النقول عن العلماء وجهة نظر وفقه مبنية على أمور مهمة مقدرة في وقتها، فقد بناها من بناها على أنها تعني الرضا باعتقاده، أو المشاركة، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودا وانتفاء، فعلة الحكم: الرضا بعقيدة المسيحي، وقد انتفت العلة، فهل يظل الحكم بالمنع مع انتفاء العلة؟!! هذا هو الواجب نقاشه.

خامسا: أراد البعض أن يصرف كلام ابن تيمية وغيره ممن يجيز، أنه قصد بذلك المناسبات الاجتماعية عند غير المسلم، مثل: الزواج، والولادة، والعودة من السفر، وعيادة المريض فقط، وسأنزل معهم للنقاش عند هذا الأمر، وهل هذه أمور اجتماعية لا علاقة لها بدين المسيحي؟! إن الزواج الذي أجاز الفقهاء أن تهنئه به، بالنسبة لك كمسلم زواج غير شرعي، والزواج عند المسيحيين سر كنسي، وأمر لاهوتي، ولا يتم إلا في الكنائس، وبصيغة دينية بحتة.

والولادة، التي أجاز الفقهاء تهنئتهم به، المولود بعد ولادته، يعمد في الكنيسة، ويدق له الصليب على يده، بتفاصيل معلومة للجميع. والسفر الذي يهنأ المسيحي بالعودة منه، قد يكون منه سفر ديني، كأن يقدس، بأن يسافر للقدس، ويحج حج المسيحيين، فكيف ستهنئه بعودته من سفر هو جزء من دينه، أو كان في زيارة لدير لمريم العذراء، وهو أمر يخالف دينك، والتعزية بالموت، جائزة عند عدد من الفقهاء، والموت كذلك له مراسم دينية، فليس مطلوبا منك الحضور، مطلوب منك التعزية، فمراسم التعميد للطفل، ومراسم الحج الديني للمسافر، ومراسم الموت ليس لنا حضورها، وكذلك العيد كقداس، لكن ما يتبع ذلك من أمور اجتماعية منفصلة تماما عن الاعتقاد، فهي مجال النقاش، وهو ما أجازه عدد من الفقهاء، لانفصالها في مخيالهم الفقهي. فكل عيد في كل الديانات فيه شق ديني، وفيه شق اجتماعي، حتى أعياد المسلمين، الشق الديني فقط فيه هو صلاة العيد، والشق الآخر من حيث التهنئة وإدخال السرور على الناس، هو شق اجتماعي، وهو ما علينا أن نفهمه ونفرق فيه بين ما يعتقده غير المسلم، وبين ما نشترك معه فيه من أمور إنسانية واجتماعية تنفصل تماما عن اعتقاده، وموقفنا من هذا الاعتقاد.

سادسا: هناك من يجمدون على كلام الفقهاء دون التأمل في خلفياته، وخلفية القول عندهم أنهم تكلموا عن شهود الأعياد، وهو حضور القداس في الكنيسة، وهو أمر ديني كما أشرت، لكن مشاركة المسيحي بالتهنئة هو أمر اجتماعي من العادات، وليس أمرا دينيا يخص دينه، فهو عندما تقول له: كل سنة وأنت طيب، أو أي صيغة تهنئة من باب عادات الناس، فهي لا تدخل في باب الرضا الديني، أو القناعة الدينية بدينه. وبعض خلفيات من فرقوا أو منعوا، بعضهم فقهاء نشأت نظرتهم نتيجة ممارسات لغير مسلمين في زمانهم، جعلت العلاقة متوترة، وهذه تحتاج لدراسة منفصلة عن نظرة الفقهاء لغير المسلمين، وفقه المواطنة، ولماذا كانت بهذا الشكل، وهل هي الأصل في العلاقة، أم أنها أمر طارئ لظرف طارئ؟!