الاثنين، 4 مارس 2019

عدم صحة المسح على جوارب الخرق الخفيفة بالإجماع

عدم صحة المسح على جوارب الخرق الخفيفة بالإجماع
العلماء رحمهم الله تعالى اجمعوا على عدم جواز المسح على جورب الخرق الخفيفة التي تسمى الشراب في بعض البلاد .
💫 ولا يقصدون بالخفة الصفاء الذي يتبين به لون البشرة فقط
بل المقصود بالخفيف هو ما لا يمكن المشي به على الأرض منفردا دون الحاجة للبس حذاء سواء كان صافيا يبين لون البشرة أو لا يتبين منه لون البشرة.
فالزحاج يصف لون البشرة وقد يكون صفيقا ثخينا.
ومن الخرق ما يكون ليس ثخينا ولكن لا يصف لون البشرة.
💥والعلماء رحمهم الله تعالى ليسوا بمشرّعين للأحكام بل وظيفتهم التبليغ والنصح فقط .
لأن أحكام الشريعة لا تثبت إلا بدليل من القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو الإجماع أو القياس الصحيح على ما ورد في الكتاب والحديث الشريف .
↩️فإذا علمنا ذلك فلا بد من التنبيه على الأمور التالية:
الأمر الأول: *أن جورب الخرق لا يدعي أي عالم من العلماء المتقدمين رحمهم الله تعالى أو طلبة العلم المعاصرين أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على جورب الخرق، ولا فعل ذلك عليه الصلاة والسلام ،ولا فعله الصحابة رضي الله عنهم، لأن ذلك لم ينقل عنه وليس جورب الخرق هو اللباس المعهود الذي يمشون عليه في الأقدام في زمان نزول الوحي*.
الأمر الثاني: كان الصحابة رضي الله عنهم يمسحون على الخف المصنوع من الجلود وعلى الجورب *الثخين الكثيف* المصنوع من صوف الغنم أو شعر الماعز .
الأمر الثالث : أن الصحابة كانوا يمشون على الجورب المصنوع من الصوف والشعر منفردا دون الحاجة الى أن يلبسوا الحذاء كما يمشون على الخف تماما.
💡الأمر الرابع :أن جورب الخرق الذي يسمى في بعض البلاد، الشراب _بتشديد الراء _ لا يمكن المشي عليه منفردا دون حذاء في السفر والحضر بسبب رقته وخفته ، فهو يختلف عن الخف وعن الجوارب التي مسح عليها الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا يمشون عليها كما يمشون على الخفين .
💥 *فإذن جورب الخرق لم يردفيه الدليل الشرعي في النصوص ولا هو يشبه الخفاف ولا حتى يشبه الجوارب التي مسح عليها الصحابة رضي الله عنهم*، *وكذلك لا يمكن استخدامه في المشي منفردا في السفر والحضر كما تستخدم الخفين والجوارب الثخينة*
↩️ولذلك فلا يصح قياسه عليها لأنه قياس مع الفارق ، والقياس مع الفارق باطل بإجماع العلماء فلا يصح الاستدلال به .
💡فلو كان جورب الخرق مثل جوارب الصوف والشعر الثخينة التي يمسح عليه الصحابة رضي الله عنهم، أو كانت أولى منها في إمكان المشي بها منفردة في السفر والحضر لأمكن الاستدلال بالقياس عليها، أما والحال أنها ليست كذلك، بل لا يمكن المشي عليها منفردة في السفر والحضر لرقتها فلا يجوز ولا يصح المسح عليها .
💥ولذا اجمع العلماء رحمهم الله تعالى على عدم جواز المسح عليها.
نقل الإجماع على عدم جواز المسح على الجوارب الخفيفة:
💥قال الحافظ ابن القطان رحمه الله تعالى في كتاب الإقناع في مسائل الاجماع ١\٢٢٧: *وأجمع الجميع أن الجوربين اذا لم يكونا كثيفين لم يجز المسح عليهما*.انتهى
💥وقال الامام النووي رحمه الله تعالى في كتاب المجموع :
*أما ما لا يمكن متابعة المشي عليه لرقته فلا يجوز المسح عليه بلا خلاف*.
💥وقال الإمام الكاساني رحمه الله تعالى في كتاب بدائع الصنائع ١\١٠:وأما المسح على الجوربين ، فإن كانا مجلدين ، أو منعلين ، يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا وإن لم يكونا مجلدين ، ولا منعلين ، *فإن كانا رقيقين يشفان الماء ، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع*.
💥💥💥واعلم أن الحنفية والشافعية والمالكية لا يجيزون المسح على الخرق مطلقا ولو كانت صفيقة ثخينة، وإنما المسح على الخرق الثخينة من مفردات مذهب الحنابلة وأما الخفيفة فلا يصح بالإجماع .
🔺 نقل مذهب الحنابلة خاصة :
يقول صاحب نظم مفردات الحنابلة عندما ذكر ما انفرد به مذهبهم عن بقية المذاهب المتبوعة .
وهذه مسائل فقهية / أرجوزة وجيزة ألفية
أذكر فيها ما به قدانفرد/إمامنا في سلك أبيات تعد
*******
امسح على جوارب صفيقة/وعمة سنية حقيقة
انظر المنح الشافيات شرح المفردات ص160
قال الامام المرداوي في الانصاف:وَجَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ ، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا .انتهى
جاء في المغني لابن قدامة ١_١٨١: وقد سئل أحمد عن جورب الخرق ، يمسح عليه ؟ فكره الخرق .
↩️ولعل أحمد كرهها ; لأن الغالب عليها الخفة ، وأنها لا تثبت بأنفسها فإن كانت مثل جورب الصوف في الصفاقة والثبوت ، فلا فرق .انتهى
(والصفاقة هي الثخانة) .
وقال أيضا:وقد قال أحمد ، في موضع : *لا يجزئه المسح على الجورب حتى يكون جوربا صفيقا ، يقوم قائما في رجله لا ينكسر مثل الخفين ، إنما مسح القوم على الجوربين أنه كان عندهم بمنزلة الخف ، يقوم مقام الخف في رجل الرجل ، يذهب فيه الرجل ويجيء*.انتهى
↩️وهذا الوصف لا ينطبق على جورب الخرق فلا يمكن متابعة المشي فيها منفردة دون حذاء كما يمشي على الخف في السفر والحضر .
💥وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي رحمه الله تعالى في شرح العمدة ١_٢٥٣:
وَجَوْرَبُ الْخِرَقِ كَجَوْرَبِ الصُّوفِ إِذَا كَانَ صَفِيقًا حَيْثُ يُمْشَى فِي مِثْلِهِ عَادَةً، *وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَتَخَرَّقُ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُمْشَى فِيهِ عَادَةً*...ِ.انتهى
💥وقال أيضا في نفس الكتاب :
*وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إِمَّا لِضِيقِهِ أَوْ ثِقَلِهِ أَوْ تَكَسُّرِهِ بِالْمَشْيِ أَوْ تَعَذُّرِهِ كَرَقِيقِ الْخَرَقِ أَوِ اللُّبُودِ لَمْ يَجُزْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوص*ِ.انتهى
فتأمل كيف يجعل المشي على جورب الخرق متعذرا أي غير ممكن لرقتها،وهذا هو نفس حال الشراب المصنوع من الخرق فلا يمكن متابعة المشي فيه سفرا وحضرا لأنه رقيق يتخرق ولا يوقي الرجل كالخفين فلا يصح المسح عليه .
💥ما هي مسافة المشي بالجورب التي في عرف الحنابلة رحمهم الله تعالى؟
قال الامام المرداوي الحنبلي في الانصاف 1/ 180- 181(تنبيه ذكر المصنف هنا لجواز المسح شرطين ستر محل الفرض وثبوته بنفسه وثم شروط أخر :....ومنها إمكان المشي فيه مطلقا على الصحيح من المذهب اختاره القاضي وأبو الخطاب والمجد وجزم به الزركشي وغيره ................إلى أن قال:
تنبيه: قولي إمكان المشي فيه قال في الرعاية الكبرى يمكن المشي فيه قدر ما يتردد إليه المسافر في حاجته في وجه. وقيل ثلاثة أيام أو أقل )
فهل جوارب الخرق يمكن أن نمشي عليها منفردة كما يفعل المسافر في سفره على أي من القولين؟! .
فائدة: جاء في كتاب الكنى والاسماء للدولابي ( ج 1 ص 181 )
بسنده إلى الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَحْدَثَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ عَلَى *جَوْرَبَيْنِ مِنْ صُوفٍ* فَقُلْتُ : أَتَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ : إِنَّهُمَا خُفَّانِ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ صُوفٍ " . وهذا إسناد صحيح .
وساق البيهقي في السنن 1ـ273بسنده عن راشد بن نجيح قال: رأيت أنس بن مالك دخل الخلاء وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خز فمسح عليهما.
💥فتأمل في صفة الجوارب التي مسح عليها الصحابة رضي الله عنهم، وتأمل كم الفرق الشاسع بينها وبين جوارب الخرق التي لا نستطيع المشي عليها دون لبس حذاء يوقيها لشدة رقتها وضعفها.
ولا يصح الاعتذار بالمشقة لأنها كالمشقة في القيام لصلاة الفجر والطهارة أيام شدة البرد والصيام في شدة الحر، ونحوها مما هو في إمكان العبد لأن الله لم يكلفنا بما لا نستطيع ولله الحمد .
فليحرص المؤمن على اتباع الحق و أن يجتنب ما فيه فساد عبادته .والله الموفق .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

معنى النوازل والاجتهاد فيها؟!

معنى النوازل والاجتهاد فيها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد:
فإن العناية بأصول العلوم من أهم الطرق لإحياء الأمة في جميع المجالات؛ لأن الأمة محتاجة في نهضتها لجميع العلوم، والعنايةُ بأصول كلِّ علم هو حفظٌ له، وتجديد لحياة الأمة الدينية والدنيوية وتحقيق مصالحها.

وكذلك العناية بالنوازل والمسائل المستجدَّة، التي لها أثر على كيان الأمة العقدي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو السياسي، أو التربوي... إلخ.

ومَن تأمل تاريخ المسلمين، يجد أن لهم عنايةً فائقة بأصول العلوم، ولهم عناية فقهيَّة بالنوازل التي تَجِدُّ في حياة الأمة، وردها إلى تلك الأصول، وتختصُّ هذه الورقة[1]ببيان معنى النوازل وحقيقتها، وأوصافها، مع بيان حكم الاجتهاد فيها، وكيفية معالجة النازلة بالاجتهاد الفقهي.

معنى النازلة في اللغة:

النوازل جمع "نازلة"، والنازلة اسم فاعل من "نزل ينزل"، إذا حلَّ، ومن ذلك القنوت في النوازل[2].
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
وأما في الاصطلاح:

فقد شاع واشتهر عند الفقهاء إطلاق النازلة على المسألة الواقعة الجديدة التي تتطلَّب اجتهادًا، قال ابن عبدالبر: "باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة"[3].

وقال النووي: "وفيه اجتهادُ الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول"[4].

وقال ابن القيم: "وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهدون في النوازل"[5].

ويمكن أن يستنبط جملة من الأوصاف للنازلة، منها:

1- كونها واقعةً.

2- كونها جديدة.

3- كونها شديدة.

وقد استنبط بعض أهل العلم هذه الشروط من المعنى اللغوي للنازلة[6].

والذي يظهر لي أن الوصف الأول والثاني وصفان طبيعيان لمعنى النازلة؛ لأن المسألة التي تحتاج إلى اجتهاد شرعي في الغالب لا بد أن تكون قد وقعتْ[7]، وكانت من المسائل الجديدة، وهذا في جميع المسائل، ثم تختص النازلة بكونها شديدةً، بحيث تلتفت لها الأمة في مجموعها، وتستدعي موقفًا اجتهاديًّا شرعيًّا، ويترتب على ترك الاجتهاد فيها ضررٌ على المسلمين.

وهذا المعنى - وهو كونها تتَّصف بالشدة - وإن كان له أصل في اللغة، لكن الأقوى الاستدلال عليه بما ورد في بعض نصوص السيرة، وفيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت في النوازل[8]، كما ورد في كتب الحديث (القنوت في النوازل)[9]؛ أي: الشدائد.

وقد عرَّفها بعض أهل العلم بقوله: "ما استدعى حكمًا شرعيًّا من الوقائع المستجدَّة"[10]، أو يقال: هي الوقائع المستجدة الملحَّة.

وإذا انضاف إلى ذلك كونها شديدة؛ أي: متعلقة بأمور لها أهميتها في واقع الأمة، يستقيم لنا حينئذٍ التفريقُ بينها وبين عموم المسائل الجديدة؛ إذ ليس كل مسألة جديدة نازلة.

شمولية معنى النازلة:

يتَّجه بعض الباحثين إلى تقسيم النوازل إلى فقهية وغير فقهية، والفقهيةُ المتعلقةُ بالأحكام الشرعية العملية، وغيرُ الفقهية المتعلقة بالمسائل العقدية، كظهور الفِرَق والنحل والصور الحديثة للشرك، وبعض المسائل التربوية الحادثة، والاكتشافات العلمية المبتكرة، والمسائل اللغوية المعاصرة، كتسمية بعض المخترعات الحديثة[11].

وهذا تقسيمٌ حسن، وإن كان هذا كله يشمله اسمُ الفقه بالمعنى العام عند السلف كما هو معلوم، وعليه يمكن تسميتُه بفقه النوازل، ولا يدخل في ذلك ما يتعلَّق بعلوم العربية، إلا ما دخل في حكم شرعي.

أهمية الاجتهاد في النوازل:

الاجتهاد في النوازل من فروض الكفايات، ويتعيَّن على من يجد في نفسه قوةً على ذلك، وخاصة عند فقد من يستطيع النظر فيها.

ولا ريب أن الاجتهاد - سواء الاجتهاد بالمعنى العام، أو الاجتهاد الذي يتجزأ في بعض المسائل - هو من ضروريات إحياء الدين وتجديده، ولا تستغني عنه الأمة في كل عصر من العصور[12]، وعلى الباحث الذي لديه أهلية للاستنباط أن يستجمع ما يتعلَّق بالمسألة المبحوثة من الأدلة.

كيفية الاجتهاد في النازلة:

1- التصور الصحيح لها، ويكون ذلك بالخطوات التالية:

أ- تحديد موضع النزاع، وموضع البحث فيها وطبيعته، سواء كان فقهيًّا، أو تربويًّا، أو لغويًّا... إلخ[13].

ب- استقصاء الدراسات السابقة إن وجدت، سواء كانت في علوم الشريعة أم في غيرها من العلوم، وتحديث المعلومات حول النازلة.

ج- البحث عن ظروف النازلة وتاريخها، والظروف المحيطة بها.

د- الرجوع إلى أهل الاختصاص فيها ومشاورتهم[14].

2- تكييف النازلة، وذلك بردِّها إلى أصلها العلمي إن كانت ترجع إلى أصل، أو ردِّها إلى جملة أصول، أو بما يغلب عليها، أو اعتبارها مسألة لها حالة خاصة.

وكل ذلك يعرف إما بالنص، أو الإجماع، أو التخريج على نازلة متقدمة، أو فتوى إمام متقدم، أو قاعدة فقهية، وأما عموم المسائل المتعلقة بالعلوم الأخرى، فيعرف تكييفها باتِّباع مناهج البحث في تلك العلوم.

3- تطبيق الحكم عليها تحقيقًا لمقصد الشارع، وتحصيلاً للمصالح، ودرءًا للمفاسد، في الحال والمآل، وذكر الأدلة على ذلك[15]، وهذا كما سلف بيانه في علوم الشريعة، وفيما سواها، اتباع مناهج البحث في كل علم بخصوصه، مع بيان حكم الشرع، والكشف عن مقاصده، من خلال الدراسات في المجالات العلمية والتقنية والاجتماعية، وغيرها من القضايا المهمة للمجتمع.

حــكـم صــبـــغ الشـــعــر؟!

حكم صبغ الشعر
المقدمة:
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أمّا بعد:
فإنَّ الشريعة الإسلامية، قد جاءت للمحافظة على الضروريات الخمس التي لا غنى للناس عنها، ولا تستقيم الحياة بدونها، وكذلك راعت الحاجيات والتحسينات، التي ترفع عن الناس المشقة والحرج، وتوسع عليهم في شؤون حياتهم، ومما راعته الشريعة، أن أباحت للناس التزين والتجمل من أجل أن يظهروا في أحسن صورة وأجمل هيئة. قال تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 31- 32].

ومن مظاهر التزين والتجمل عند كلٍّ من الرجل والمرأة، تزيين الشَّعر وصبغه بالألوان، التي تزيد في جمال الشَّعر وجمال صاحبه، فقد جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان له شَعرٌ فليُكرمه»(1). وحديث: «إن الله جميلٌ يحب الجمال»(2). ومن الجمال صبغ الشعر.

وفي هذا البحث المتواضع، والذي هو بعنوان: (حكم صبغ الشَّعر) سأذكر فيه ما يلي:

1. تعريف صبغ الشَّعر.

2. أسباب صبغ الشَّعر.

3. حكم صبغ الشَّعر، ويشمل:

أ: حكم صبغ الشَّعر بغير السَّواد.

ب: حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد.

4. ضوابط صبغ الشَّعر.

وأسأل الله أن يعييني في هذا البحث، وأن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع، ويجعله في ميزان حسناتي، إنه أكرم من سئل.

تعريف صبغ الشَّعر:

أ‌. تعريف الصبغ في اللغة.

الصَّبغ في اللغة: هو التغيير. قال ابن الجزري: "وأصلُ الصَّبغ: التغيِيرُ"(3).وقال ابن منظور: "وصَبَغَ الثوبَ والشَّيْبَ ونحوَهما: يَصْبَغُه ويَصْبُغُه ويَصْبِغُه... والصِّبْغُ والصِّباغُ والصِّبْغةُ: ما يُصْبَغُ به وتُلَوَّنُ به الثياب... والصَّبْغُ في كلام العرب: التَّغْيِيرُ، ومنه صُبِغَ الثوبُ، إذا غُيِّرَ لَونُه وأُزِيلَ عن حاله إلى حالِ سَوادٍ، أَو حُمْرةٍ، أَو صُفْرةٍ"(4). وقال الرازي: "الصِّبْغُ والصَّبْغُ والصِّبْغَةُ: ما يصبغ به، وجمع الصّبغ: أصْباغٌ"(5).

وقد استعمل أهل اللغة لفظ الخضاب، للدلالة على تغيير اللون في الشَّعر. قال ابن منظور: "الخِضابُ: ما يُخْضَبُ به مِن حِنَّاءٍ وكَتَمٍ، وخَضَبَ الشيءَ يَخْضِبُه خَضْباً وخَضَّبَه: غيَّر لوْنَه بحُمْرَةٍ، أَو صُفْرةٍ، أَو غيرِهما"(6).

ب‌. تعريف الصبغ في الاصطلاح الشرعي.

استعمل الفقهاء لفظ الصبغ، كما استعملوا لفظ الخضاب للدلالة على تغيير لون الشَّعر، فما معنى صبغ الشَّعر وخضاب الشَّعر؟

1. صبغ الشَّعر: هو تغييره وتلوينه بمادةٍ ملونة، حيث يغيَّر اللون الأبيض إلى اللون الأسود، أو الأحمر، أو غير ذلك.

2. خضاب الشَّعر: هو تغيير لون الشيب في اللحية والرأس، إلى الأحمر والأصفر(7).

أسباب صبغ الشَّعر:

هنالك سببان لصبغ الشَّعر، وهما:

السبب الأول: بياض الشَّعر:

البياض في الشَّعر نوعان: طبيعي، وهو الشيب، وغير طبيعي، وهو البياض المرضي، فما هو الشيب؟ وما هو البياض المرضي؟

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

النوع الأول: الشيب.

قال ابن منظور: "شَابَ يَشِيبُ شَيْباً ومَشِيباً وشَيبةً وهو أَشْيَبُ على غيرِ قياسٍ... والمَشِيبُ: دُخُولُ الرَّجُلِ في حَدِّ الشَّيْبِ"(8).

والشيب لا يظهر في محله دفعةً واحدة، وإنما يظهر بالتدريج فتشيب بعض الشَّعرات، ويسمى الشَّمَط ثم يَعُمُّ، ويسمى الثغامة، فهذه هي مراحل الشيب.

أما الشَّمَط: فهو "بياضُ الرأسِ يُخالِطُ سَوادَهُ"(9). وقال الرازي: "الشَّمَطُ (بفتحتين) بياض شَعر الرأس يُخالط سواده والرجل أشْمَطُ"(10). وأما الثَّغَامة. فقد عرَّفها الزمخشري، فقال: "هي شجرةُ بيضاء الورق، ليس في الأرض ورقةٌ إلا خضراء غير الثَّغَامة"(11). وكما أنها بيضاء الورق، فهي كذلك بيضاء الثّمر والزهر، كأنها الثلج، ويشبَّه بها الشيب، إذا عمَّ جميع شَعر الرأس واللحية(12).

النوع الثاني: البياض المرضي.

قد يحصل البياض المرضي في الشَّعر بسبب الأمراض التي تصيب الإنسان. قال ابن القيم: "البياض نوعان: أحدهما طبيعي وهو الشيب، والثاني خارج عن الطبيعة، وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات كما يعرض للنبات عند الجفاف"(13).

السبب الثاني من أسباب صبغ الشَّعر: وجود الرَّغبة في تغيير لون الشَّعر الطبيعي:

تقدم أنَّ من أسباب صبغ الشَّعر: بياض الشَّعر، والذي هو نوعان: طبيعي، وهو الشيب، وغير طبيعي، وهو البياض المرضي، وكذلك فمن أسباب صبغ الشَّعر، وجود الرَّغبة في تغيير لون الشَّعر الطبيعي، وذلك من لونه المعتاد إلى لونٍ آخر، لسببٍ من الأسباب التي يراها صاحبها، ومن هذه الأسباب ما ذكره النووي في المجموع، أن البعض يرى أن كمال جماله يتحقق بتغيير الشَّعر الأسود إلى الأشقر، والبعض قد يرغب في بياض الشَّعر، لأجل الرئاسة والتعظيم والمهابة.(14)

حكم صبغ الشَّعر، ويشمل:

1. حكم صبغ الشَّعر بغير السَّواد.

اتفق الفقهاء على جواز صبغ الشَّعر وتحويله إلى الصفرة أو الحمرة، سواء كان الصبغ بالحناء أو الكتم، أو الزعفران، أو غير ذلك.

في الفقه الحنفي:

جاء في الفتاوى الهندية: "اتّفق الْمشايخ -رحمهم اللّه تعالى- أنّ الخضاب في حقّ الرّجال بالحمرة سنّةٌ، وأنّه من سيماء المسلمين وعلاماتهم"(15)وقال الحصكفي الحنفي: "يستحب للرجل خضاب شَعره ولحيته"(16).

في الفقه المالكي:

جاء في الذّخيرة: "اتّفقوا على جواز تغيير الشّيب بالصّفرة والحنّاء والكتم(17)، وإنّما اختلفوا في الأفضل هل التّرك أو الفعل؟ والقولان لمالكٍ"(18). وقال ابن عبد البر: "ولم يختلف العلماء في جواز الصبغ بالحناء والكتم وما أشبههما"(19).

في الفقه الشافعي:

جاء في المجموع: "يسن خضاب الشيب بصفرةٍ، أو حُمرةٍ، اتفق عليه أصحابنا، وممن صرَّح به الصيمري، والبغوى، وآخرون"(20).

في الفقه الحنبلي:

جاء في المغني: "ويستحب خضاب الشيب بغير السَّواد. قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به"(21). وقال البهوتي: "ويسنّ خضابه (أي الشَّعر)"(22). بل نُقل عن أحمد: أنه قال: يجب صبغ الشَّعر، ولو مرة واحدة.(23)

الأدلة على جواز صبغ الشَّعر:

من الأدلة على جواز صبغ الشَّعر: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله.

أمَّا قوله عليه الصلاة والسلام في جواز صبغ الشَّعر:

1. حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»(24).

2. حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: أُتِي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثَّغامة بياضاً. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا هذا بشيءٍ واجتنبوا السَّواد»(25).

3. حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيِّروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود»(26).

4. حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مشيخةٍ من الأنصار بِيضٌ لِحَاهم. فقال: «يا معشر الأنصار، حَمِّّروا وصَفِّروا وخالفوا أهل الكتاب»(27).

وأمَّا فعله عليه الصَّلاة والسَّلام في صبغه شَعره:

1. حديث ابن موهب أنَّ أم سلمة -رضي الله عنها-: «أرته شَعر النبي -صلى الله عليه وسلم- أحمر»(28). ومعنى (أحمر): أي مصبوغاً يُضرب إلى الحمرة.(29)

2. حديث أبي رمثة قال: أتيت أنا وأبي النبي -صلى الله عليه وسلم-:«وكان قد لطَّخ لحيته بالحناء»(30).

3. حديث عبيد بن جريج، أنه سأل ابن عمر، قال رأيتك تصفر لحيتك بالورس؟ فقال ابن عمر: أمَّا تصفيري لحيتي، فإني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:«يصفِّر لحيته»(31).

حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد:

هذه المسألة، وهي حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد، قد اتفق الفقهاء في موضعين منها، واختلفوا في موضعٍ واحد، وإليك بيان مواضع الاتفاق، وبيان موضع الاختلاف بين الفقهاء في ذلك:

مواضع اتفاق الفقهاء في حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد:

1. اتفق الفقهاء على جواز استعمال الصبغ بالسَّواد في الجهاد. جاء في الفتاوى الهندية: "وأمّا الخضاب بالسَّواد فمن فعل ذلك من الغزاة، ليكون أهيب في عين العدوّ، فهو محمودٌ منه، اتّفق عليه المشايخ رحمهم اللّه تعالى"(32). وقد نفى السرخسي خلاف العلماء في جواز الصبغ بالسَّواد للمجاهد، فقال: "ولا خلاف أنه لا بأس للغازي أن يختضب في دار الحرب، ليكون أهيب في عين قرنه"(33). وقد بيّن النفراوي المالكي، أن الصبغ بالسَّواد للمجاهد لا حرج فيه، بل يؤجر صاحبه عليه، فقال: "أمّا لو كان الصّباغ لغرضٍ شرعيٍّ، كإرهاب العدوّ مثلًا، فلا حرج فيه بل يؤجر عليه"(34). وبمثل هذا القول قال العدوي المالكي(35). وقال الشرواني الشافعي: "وهو (أي صبغ الشَّعر) بالسَّواد حرامٌ، إلا لمجاهدٍ في الكفار، فلا بأس به"(36). وفي فقه العبادات للشافعية قوله: "أما للجهاد فإنه يجوز التخضيب بالسَّواد بل يطلب من الرجل المجاهد لإرهاب العدو، قياساً على عدم إنكاره -صلى الله عليه وسلم- فعل أبي دجانة -رضي الله عنه- في غزوة أحد، لما تناول السيف من يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحقه وراح يتبختر بين الصفوف، قال له -صلى الله عليه وسلم-: «إن هذه مشية يبغضها الله تعالى، إلاّ في هذا الموضع»(37)"(38). وقال الحافظ ابن حجر: "ويُستثنى من ذلك (أي من النهي عن الصبغ بالسَّواد) المجاهد اتفاقاً"(39).

والعِلَّة في جواز صبغ الشَّعر بالسَّواد للمجاهد، هي إرهاب العدو، وذلك بإظهار الشباب والقوة. جاء في حاشيتا قليوبي وعميرة: "وكذا بالسَّواد (أي منع صبغ الشَّعر بالسَّواد) إلّا لحية الرّجل المحارب، لإرهاب العدوّ"(40). وقال زكريا الأنصاري: "إلاّ للمجاهد في الكفّار (أي صبغ الشَّعر بالسَّواد) فلا بأس به، إرهابًا للعدوّ بإظهار الشّباب والقوّة"(41).

2. اتفق الفقهاء على عدم جواز استعمال الصبغ بالسَّواد للتلبيس والخداع، كأَن يفعله الرجل تدليساً عندما يريد الزواج، فَيُوهِم المرأة التي يريد الزواج بها أنه لا يزال شاباً، وكذلك تفعله المرأة عند الزواج تدليساً، فهذا متفقٌ على مَنعِهِ وذمِّه عند الفقهاء. جاء في الفتاوى الهندية: "ومن فعل ذلك (الخضاب بالسَّواد) ليزيّن نفسه للنّساء، وليحبّب نفسه إليهنّ، فذلك مكروهٌ، وعليه عامّة المشايخ(42). أي مشايخ الحنفية. وقال النفراوي المالكي: "وأمّا لو كان(الصبغ بالسَّواد) لغرور مشترٍ لعبدٍ، أو مريد نكاح امرأةٍ، فلا شكّ في حرمته"(43). وقال الرحيباني الحنبلي: "وكُرِه تغييره، أي الشيب بسواد في غير حرب، وحَرُمَ للتدليس"(44). وقال البهوتي الحنبلي: "فإن حصل به، أي بالخضاب بسوادٍ تدليسٌ في بيعٍ، أو نكاحٍ، حَرُم، لحديث: «من غشّنا فليس منّا»(45)"(46). وقال ابن القيم: "الخضاب بالسَّواد المنهي عنه خضاب التدليس، كخضاب شَعر الجارية والمرأة الكبيرة تَغُرُّ الزوج والسيد بذلك، وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك، فإنّه من الغش والخداع"(47). وقال المباركفوري: "الخضب به (بالسَّواد) لغرض التلبيس والخداع... هو حرام بالاتفاق"(48).

موضع اختلاف الفقهاء في حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد.

اختلف الفقهاء، في حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد لغير المجاهد، ولغير التدليس والخداع، على أربعة أقوال، كالتالي:

القول الأول: كراهة صبغ الشَّعر بالسَّواد، إلا للمجاهد، وبهذا القول قالتالحنفية، والمالكية، والشافية في غير المعتمد عنهم، والحنابلة. قال ابن عابدين الحنفي: "ويكره بالسَّواد"(49). وقال ابن عبد البر المالكي: "وأما قول مالك في الصبغ بالسَّواد أن غيره من الصبغ أحب إليه، فهو كذلك؛ لأنه قد كره الصبغ بالسَّواد أهل العلم"(50). و قال العدوي المالكي: "ويكره صباغ الشَّعر الأبيض وما في معناه من الشّقرة بالسَّواد من غير تحريمٍ"(51). وقال القيرواني المالكي: "ويكره صباغ الشَّعر بالسَّواد من غير تحريم"(52).

وقد علَّل النفراوي المالكي، سبب كراهة الصبغ بالسَّواد دون غيره، فقال: "وإنّما كره الصّباغ بالسَّواد دون غيره؛ لأنّ فيه صرف لونٍ إلى لونٍ مع ذهاب الأوّل بخلاف نحو الحنّاء، فإنّ الأوّل لم يذهب جملةً وإنّما تغيّر فلا يتلبّس الشّيب على أحدٍ باحمراره أو اصفراره"(53). وقال النووي الشافعي: "اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسَّواد، ثم قال الغزالي في الإحياء، والبغوى في التهذيب، وآخرون من الأصحاب، هو مكروه، وظاهر عباراتهم: أنه كراهة تنـزيه"(54). وقال ابن قدامة الحنبلي: "ويكره الخضاب بالسَّواد. قيل لأبي عبد الله: تكره الخضاب بالسَّواد؟ قال: إي والله"(55).

ومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول، على كراهة صبغ الشَّعر بالسَّواد، ما يلي:

1. حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: أُتِي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثَّغامة بياضاً فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السَّواد»(56).

فقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: «واجتنبوا السَّواد». يدل على النهي عن صبغ الشعر بالسواد، والنهي يقتضي التحريم إلا إذا صرفه صارف شرعي من النهي إلى الكراهة، كما هو مقرر في مواضعه في أصول الفقه.

2. حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسَّواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة»(57).

هذا الحديث قد ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، وقال: "ثم نقول على تقدير الصحة: يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون رائحة الجنة، لفعلٍ يصدر منهم أو اعتقاد، لا لعلَّة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهم"(58).

قلت: أمَّا كون هذا الحديث من الموضوعات، فقول غير مسلَّم لابن الجوزي، إذ قد بيَّن ابن حجر، درجة هذا الحديث، فقال: "وإسناده قويّ، إلا أنه اختُلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه الرفع"(59)

وأمَّا من حيث دلالة هذا الحديث، فقول ابن الجوزي محتَمِلٌ للصحة، وموافقٌ لأقول الفقهاء، في كراهة صبغ الشَّعر بالسَّواد، وليس التحريم.

3. ومن أدلة من ذهب إلى كراهة صبغ الشعر، ما في صبغ الشَّعر بالسَّواد من التدليس والإيهام، أنّ صاحبه باقٍ على حاله من الشباب، فقد يحصل الغرر بذلك، كما تقدم.(60)

القول الثاني: في حكم صبغ الشعر بالسواد، وهو: الحرمة، إلا للمجاهد، وبهذا القول قالت الشافعية في الأصحّ عنهم، والحنابلة في قولٍ لهم. قال الماوردي الشافعي: "محظور بالسَّواد إلا أن يكون في جهاد العدو"(61). وقد ذكر الإمام النووي، خلاف الشافعية، في حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد، لغير المجاهد، ثم بيَّن أن الصحيح في المذهب هو التحريم، فقال: "والصحيح بل الصواب أنه (أي الصبغ بالسَّواد) حرام"(62). قال زكريا الأنصاري: "يحرم الخضاب بالسَّواد"(63). وفي فقه العبادات للشافعية، أن الصبغ بالسَّواد حرام، سواء كان للرجال أو النساء، فقد جاء فيه: "أما التخضيب بالسَّواد فهو حرام، سواء فيه الرجال والنساء"(64).

قال في كتاب الزبد للشافعية:

وحرَّموا خضاب شَعر بِسَواد *** لرجلٍ وامرأةٍ لا للجهاد(65).

وقال المرداوي الحنبلي: "قال في المستوعب، والغنية، والتلخيص: يكره بسواد في غير حرب ولا يحرم، فظاهر كلام أبي المعالي: يحرم. قاله في الفروع، وقال: وهو متَّجه"(66).

ومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول، على حرمة صبغ الشَّعر بالسَّواد، أنَّ النهي الوارد في حديث جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله لأبي قحافة: «واجتنبوا السَّواد». يدل على تحريم صبغ الشَّعر بالسَّواد.

القول الثالث: في حكم صبغ الشعر بالسواد، هو: الجواز، ما لم ينطو الصبغ على التدليس والتغرير، وبهذا القول قال أبو يوسف ومحمد ابن سيرين، وإسحاق ابن راهويه. قال أبو يوسف، مبيِّناً علة جواز صبغ الشَّعر بالسَّواد، وأنه للتزين، فقال: "كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها"(67). وقال ابن سيرين: "لا أعلم بخضاب السَّواد بأساً، إلا أن يَغُرّ به امرأة"(68). وبمثل قول أبي يوسف، قال إسحاق ابن راهويه.(69)

وقد اختار هذا القول ابن أبي عاصم في كتابه الخضاب(70)، واختاره الشيخ: خليل السبيعي في بحثه: صبغ اللحية بالسَّواد بين المانعين والمجيزين، عرض ونقد على منهج المحدثين(71)، ومبارك الدعيلج في رسالته: الشَّعر في الفقه الإسلامي.(72)

ومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول، على جواز صبغ الشَّعر بالسَّواد، ما لم ينطو على التدليس والخداع، ما يلي:

1. حديث عبد الحميد بن صيفي عن أبيه عن جده صهيب الخير، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السَّواد، أرغب لنسائكم فيكم وأهيب لكم في صدور عدوِّكم»(73).

2. أنه قد روي عن كثيرٍ من الصحابة والتابعين، أنهم كانوا يخضبون بالسَّواد. قال ابن القيم: "صَحّ عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنهما كانا يخضبان بالسَّواد. ذكر ذلك عنهما ابن جرير في تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص. وحكاه عن جماعة من التابعين، منهم: عمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب. وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلاّم"(74).

القول الرابع: في حكم صبغ الشعر بالسواد، هو: الجواز للمرأة بإذن زوجها، وبهذا القول قالت الشافعية في قولٍ لهم غير المعتمد عنهم، فقالوا: يحرم صبغ الشَّعر بالسَّواد على غير المرأة المتزوجة، وأما المتزوجة، فإن أذن الزوج، فوجهان: الجواز، والتحريم، وإن لم يأذن لها فالتحريم. ذكره النووي في المجموع(75). قال الرملي: "يجوز للمرأة ذلك (صبغ الشَّعر بالسَّواد) بإذن زوجها أو سيِّدها؛ لانَّ له غرضاً في تزيُّنها به"(76).

القول الخامس: في حكم صبغ الشعر بالسواد، هو: الجواز للمرأة دون الرجل. فقد بيّن الحافظ ابن حجر، أنَّ من العلماء من أجاز صبغ الشَّعر بالسَّواد للمرأة دون الرجل، فقال: "ومنهم (أي من العلماء) من فَرَّق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه (أي الصبغ بالسواد) لها دون الرجل، واختاره الحليمي"(77). وبمثل هذا القول، قال القاري في مرقاة المفاتيح.(78)

القول الراجح في حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد، لغير المجاهد، ولغير التدليس والخداع:

الذي يظهر في حكم صبغ الشَّعر بالسَّواد، لغير المجاهد، ولغير التدليس والخداع، هو الجواز مع الكراهة دون تحريم؛ لأن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «واجتنبوا السَّواد». يدل على النهي عن الصبغ بالسَّواد، وأقلُّ درجات النهي: الكراهة، وعليها يُحمل الحديث.

ويحمل فعل الصحابة في صبغهم بالسواد على وجود سبب للصبغ كالجهاد، ولا إشكال في هذا لجوازه كما تقدم، أو يحمل فعلهم على عدم وصول الحديث إليهم أو تأويله. فقد نقل ابن القيم، عن الشافعي، وهو يتحدث عن أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال: "وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهادٍ، وورعٍ وعقلٍ، وأمرٍ استُدرِكَ به علم، وآراؤهم لنا أحمَدُ وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا"(79).

وهذا القول بالجواز مع الكراهة، هو قول أكثر أهل العلم. قال علي القاري: "ذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضاب بالسَّواد"(80). وجعله ابن عبد البر قولَ أهل العلم(81)، وبه جزم ابن قدامة(82)، وشيخ الإسلام ابن تيمية(83)، وابن قيم الجوزية.(84)

الضوابط الشرعية في صبغ الشَّعر:

من الضوابط الشرعية التي لا بد من مراعاتها في صبغ الشَّعر ما يلي:

1. أن لا يكون صبغ الشَّعر بالسَّواد، إلا للمجاهد.

أما غير المجاهد، فقد تقدم بيان أقوال الفقهاء في ذلك، وبيان القول الراجح، وهو الجواز مع الكراهة دون تحريم.

2. أن لا يؤدي صبغ الشَّعر إلى تشويه جمال الخِلقة.

المقصود من صبغ الشَّعر، هو التزين والتجمل، أما إذا كان الصبغ سيؤدي إلى التشويه الخلقي، فهو ممنوع، وذلك كتغيير ألوان الشَّعر المعهودة، إلى ألوانٍ غير معهودة بصبغٍ يدوم، فيكون بذلك قد شوه خِلقته. قال ابن العربي: "إن الله خلق الصور فأحسنها، ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها ويبطل حكمته فيها، فهو جديرٌ بالإبعاد والطَّرد؛ لأنه أتى ممنوعاً"(85).

3. أن لا ينطوي صبغ الشَّعر على تدليسٍ وخداع.

4. قد تقدم اتفاق الفقهاء وبيان أقوالهم على منع صبغ الشعر، إن انطوى على التدليس والغرر أن يكون الصبغ طاهراً.

من ضوابط صبغ الشعر، أن تكون المادة التي يصبغ بها الشَّعر طاهرة، ولا تكون نجسة، إذ الصبغ بالنجس حرام.

جاء في كتب الشافعية، ما نصه: "أمّا الخضاب، وصبغ نحو الشَّعر، والنّقش، وتطريف نحو الأصابع، وتحمير الوجه، وتجعيد الشَّعر، فحرامٌ بالنّجس مطلقًا"(86).

5. أن لا يترتب على الصَّبغ ضرر.

من ضوابط صبغ الشعر، أن لا يترتب عليه ضرر، وذلك لحديث ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرر ولا ضِرار»(87).

والله تعالى أعلم, والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم... منقول