الثلاثاء، 22 سبتمبر 2020

💥التشاؤم في شهر صَفر!

 

💥التشاؤم في شهر صَفر!
السؤال: شيخنا بعض الناس يتشائم ويتطير إذا دخل شهر صَفَر، فلا يقْدمُ على الزواج أو على ختان أولاده أو السفر وغير ذلك ، فما حكم الإسلام في هذا التشاؤم؟ بارك الله فيكم.
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
👈فالتشاؤم من شهر صفر كان مشهوراً عند أهل الجاهلية قبل الإسلام، ولا زالت بقاياه في بعض ممن يجهل الإسلام، أو ممن ضَعُفَ إيمانُه وتزعزع توكله على الله تعالى ، وقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بنفيه والنهي عنه، وذلك في كتاب الله تعالى ، وفيما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)} سورة يونس، وقوله تعالى: { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)} سورة التوبة ،وقوله تعالى :{ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)} سورة المجادلة، وغيرها من الآيات في هذا المعنى.
👈وأما ما جاء في الأحاديث الصحيحة والصريحة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في النهي عن التطير والتشاؤم في شهر صفر وفي غيره فكثيرة منها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه -عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامَة، ولا صَفَر)) متفق عليه، وقوله:((ولا طِيَرَة)) أي لا شؤم بالطير ونحوها، وكان ذلك يصد أهل الجاهلية عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع ولا دفع ضر،)) ولا هامَةَ(( وهي طير البومة كانوا يتشائمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، فيتوهم أنه أو أحد من أهله سيموت، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله، ((ولا صَفَر)) المراد به شهر صفر، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتشائمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل النبيّ - صلى الله عليه وسلم- ذلك، وفي الصحيحين من حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفَأْل، قالوا: وما الفَأْل؟ قال: الكلمة الطيبة)).
وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( لا يعدي شيء شيئاً ))، فقال أعرابي : يا رسول الله ! البعير أجرب الحشفة نُدبِنُه فيجرب الإبل كلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( فمن أجرب الأول ؟ لا عدوى ولا صفر ، خلق الله كل نفس فكتب حياتها ورزقها ومصائبها )) رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي والطحاوي في شرح معاني الآثار بإسناد صحيح ،وصححه الالباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
قال الإمام ابن رجب –رحمه الله- في شرح صحيح البخاري:( اختلفوا في معنى قوله : ((لا عدوى))، وأظهر ما قيل في ذلك : أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية، من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها، من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ((فمن أعدى الأول((، يشير إلى الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره ،فكذلك الثاني وما بعده) .
👈وقال الإمام النووي - رحمه الله – في شرحه على صحيح مسلم: (والتطير: التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمن تبركوا به ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم وتشائموا بها، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير بنفع ولا ضر...واعتقاد أنها تنفع أو تضر، إذ عملوا بمقتضاها مُعتقدين تأثيرها، فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثراً في الفعل والإيجاد).
والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية التي انتشرت – وللأسف الشديد – بين كثير من جُهّال المسلمين ، نتيجة جهلهم بالدين عموماً ، وضعف عقيدة التوحيد فيهم خصوصاً ، وسبب ذلك : الجهل ،ونقص التوحيد ، وضعف الإيمان ، وعدم انتشار الوعي الصحيح فيهم ، ومخالطة أهل البدع والضلال ، وقلة من يرشدهم ويبين لهم الطريق المستقيم ، وما يجب اعتقاده ، وما لا يجوز اعتقاده .
👈وأما من أنعم الله عليه بسلامة العقيدة ، وصحتها ، فإنه دائماً متوكِّل على الله تعالى ، معتمدٌ عليه ، موقنٌ بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن التشاؤم والطيرة ، واعتقاد النفع أو الضر في غير الله تعالى، ونحو ذلك كله من الشرك الذي هو من أشد الظلم ، قال تعالى في سورة لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
والتوكُّل على الله تعالى وإفراده بالخوف والرجاء وأنه تعالى هو القادر على جلب النفع ودفع الضرر، من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به ، وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى ، والخوف من غيره ،وعدم التوكل عليه والثقة به ،فكان صاحبها غرضاً لسهام الشر والبلاء ، فيتسرع نفوذها ؛ لأنّه لم يتدرع بالتوحيد والتوكل ، والنفس لابد أن تتطير ، ولكن المؤمن القوي الإيمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله تعالى، فإن من توكل على الله وحده كفاه من غيره ، قال تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) } سورة النحل.

👍والخلاصة :
أن التمسك بمثل هذا التشاؤم حرام وقادح في سلامة التوحيد، ويُعد إحياءً لسنن الجاهلية الأولى ، وابتعادا عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، وترك التشاؤم عموما من تمام التوحيد والتسليم المطلق لله تعالى ، وهو نعمة ربانية وراحة بدنية، وإيمان وثقة بقضاء الله تعالى وتقديره. والله تعالى اعلم
✍️د ضياء الدين عبدالله الصالح