الخميس، 29 نوفمبر 2018

معاني الأمر في الكتاب والسنة












معاني الأمر      في الكتاب والسنة












الأمر في الكتاب والسنة ،  ليست في درجة واحدة !

1 - فهناك أوامر تفيد الوجوب : (  وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة ) . فالصلاة والزكاة هنا واجبتان.

2 - وهناك أوامر تفيد الإباحة : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) . (  فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه ) .

فهل الصيد بعد التحلل من الإحرام ، واجب لأنه أُمِرنا به ؟ وهل التجارة بعد صلاة الجمعة ، واجبة لأنها أُمِرنا بها ؟ أم أنّ الأمر هنا يفيد الإباحة ، وعدم الإثم ؟

3 - وهناك أوامر تفيد الإرشاد : (  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْل  ) .

فهل كتابة الدَين واجبة ، لأنها أُمِرنا بها ؟
الجواب : لا طبعاً ، بدليل أن الله تعالى ، قال بعدها : (  فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَه  ) .
فهنا الأمر يفيد الإرشاد .

4 - وهناك أوامر تفيد التأديب : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» !

لماذا لا يفيد الوجوب ؟ الجواب : لأن الغلام غير مكلّف .

5 - وهناك أوامر تفيد التخيير ، وفي نفس الوقت هي تهديد وتخويف ، وهو أمر اختيار بين شيئين لا يجمع بينهما ! :  (  وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ  فَلْيَكْفُر ) .

فهل الكفر هنا واجب ، لأن الله تعالى أمر به ؟ ! أم هو تهديد ، وتخويف ؟

6 - وهناك أوامر تفيد التمني ؛ حيث الخطاب يتضمن أمراً محبباً ، ويمتنع وقوعه لعدم الإمكانية ، أو يدخل في حيز المستحيل . لأن التمني من لوازم الإمتناع !

(  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِين ) .
فهل الكافرين يأمرون الله تعالى ، ويوجبون عليه أن يريهم المُضلّين ، ويحقق أمنياتهم ؟ ! أم أمرهم هنا يفيد التمني فقط ؟

7 - وهناك أوامر تفيد التحقير : الأمر للمخاطب للتقليل من شأنه . كقول الشاعر
دع المكارم لا ترحل لبغيتها        واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فهل يأمر الشاعر المُخاطَب بترك المكارم ، والقعود عن طلبها ، ويصفها بالغنى واليسار ؟
أم أنه يحتقره ، ويهينه ، ويقول له : لا تتعب نفسك ، فأنت لستَ مـن أهـل المكارم ، بل أنت مشغول فقط بالأكل والثياب الجميلة ، حالك حال المرأة ؟ !

8 - وهناك أوامر تفيد التسوية ، إذا كان المخاطب لا يكترث فيما إذا حصل الفعل أو عدمه : (  اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

فهنا لا يؤمرون بالصبر ، بل يُقال لهم : لا فرق بين صبركم ، وجزعكم ، فأنتم في كلا الحالتين تُعذّبون ؟ ! فالأمر هنا لا يفيد الوجوب .

9 - وهناك أوامر تفيد التهديد : (  ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون  ) .      (  لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُون ) . (  إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

فهل يأمر الله تعالى ، هنا النبيّ r ، بترك دعوة الكفّار إلى الإسلام ، ليأكلوا ويتمتّعوا ، ويشغلهم الأمل ، عن التفكر في عاقبتهم ؟ أم هذا تهديد لهم ؛ حيث إن هذا هو حالهم ، فسوف يواجهون عقاباً أليماً ، على كفرهم هذا ، وإهمالهم لمصيرهم ؟

وهل يأمر الله تعالى الملحدين – هنا – بعمل ما يشاؤون ، حسب أهوائهم ، ولا شيء عليهم ، أم هذا تهديد شديد لهم ؟
 
10 - وهناك أوامر تفيد الدعاء : (  رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار ) . (  رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار ) .

فهل العباد الصالحين يأمرون الله تعالى ، هنا ، ويوجبون عليه ، سبحانه ، أن يؤتيهم الحسنة ، في الدنيا والآخرة ، ويقيهم عذاب النار ، أم يتوسّلون ، ويدعونه ، تعالى أن يرحمهم ، بلطفه وكرمه ؟


11 - وهناك أوامر تفيد النصيحة والإرشاد ، إذا كان الخطاب موجّه من شخص أعلى منزلة ويتضمن معنى وعظي وإرشادي ، كخطاب الرسل إلى أتباعهم : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم ) .

12 - وهناك أوامر تفيد الإلتماس ، إذا كان الخطاب يتضمن أمراً إلى المتكلم المثيل والند ، والذي يتساوى معه في المنزلة والشأن : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا  ) .

فهل بعضهم ، هنا يوجبون على بعضهم ، ويفرضون عليهم ، أن يبعثوا أحدهم ليأتيهم بالطعام الزكي ، والتلطف ؛ حتى لا يشعر بهم أحد ، أم هو إلتماس منهم ؟

13 - وهناك أوامر تفيد التعجيز ، وذلك إذا استعملت الصيغة في مقام إظهار عجز مَن يرى أن في وسعه وطاقته أن يفعل أمراً ، وليس في مقدوره أن يفعله : (  وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ) .

14 - وهناك أوامر تفيد التسخير ، أي جعل الشيء مسخّراً منقاداً لأمر لا حيلة له فيه : (  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين ) .

فهل الأمر ، هنا يوجب عليهم أن يكونوا قردة خاسيئين باختيارهم ، أم فرض عليهم خارج إرادتهم .

15 - وهناك أوامر تفيد الإهانة ؛ وهي إظهار ما فيه تصغير المهان ، وقلة المبالاة به ، وذلك إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الإعتداد بشأن المأمور : (  قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ) .

فليس الغرض : الطلب ! أي : لا يُطلب منهم ، ولا يوجب عليهـم ، أن يكونـوا حجارة أو حديداً . بل هنا تظهر قدرة الله تعالى ، في إحياء الموتى مهما كانوا !
(  ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم ) .

16 – وهنـاك أوامر تفيد الدوام : (  اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم ) .
فالأمر المراد منه الدوام ، وهو بيان للمعونة المطلوبة ، فكأنه قال : كيف أعينكم ؟ فقالوا : اهدنا

 17 - وهناك أوامر تفيد الإعتبار ، أي : أخذ العبرة :     (  انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .

فليس معنى الأمر هنا : وجـوب النظـر إلـى الثمار . بل الأمر هنا بمعنى : أخذ العبرة بالنظر إليها [ نظر اعتبار واستبصار واستدلال على قدرة مقدّره ومدبره وناقله من حال إلى حال ] ([1]) .

18 - وهناك أوامر تفيد التلهف والتحسر : (  قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ) .
فهل الأمر هنا ، يفيد وجوب الموت ، وفرضه عليهم ؟ أم يفيد اللهفة والحسرة عليهم ؟
19 - وهناك أوامر تفيد التسليم ، حيث يكون اللفظ أمراً . والمعنى تسليم وتفويض بأن يصنع ما يشاء : (  فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ) .
أي : إصنع ما أنت صانع .   
(  ثُمَّ اقْضُوا إِلَي ) . أي : إعملوا ما أنتم عاملون .
فهل المسلمون هنا ، يأمرون فرعون ، ويوجبون ويفرضون عليه القضاء ؟

وهل نوح – عليه السلام – هنا يوجب عليهم المضي فيما أرادوا ، أم يتحدّاهم ؟

20 - وهناك أوامر تفيد الخبر :              (  فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون ) .

فهل الأمر هنا ، يوجب الضحك عليهم قليلاً ، ويفرض عليهم أن يبكوا كثيرا ؟ أم الأمر هنا يفيد الخبر ، عن ما سيؤل إليه حالهم ؟

إلى غيرها من المعاني .

فليس صحيحاً أن يقال : كل أمر يفيد الوجوب . إلّا مع تكملته ، وهي : ما لم تكن هناك قرينة ( أي : دلالة ) تصرفه عن الوجوب !

وهذه الأمور يعرفها العلماء والأئمة ، وليس كل مَن هبّ ودبّ !



([1]) تفسير الكشاف للزمخشري ( 2 / 52 ) .

حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة





حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة
( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِين ) سورة آل عمران ، آية : 31 .
عن عبد الله ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم) ويقول -رضي الله عنه-: (كنت أعلم إذا انصرفوا في ذلك إذا سمعته) رواه البخاري . ورواه الإمام أحمد وأبو داود .
وفي رواية للبخاري ( 806 ) ومسلم ( 583 ) عن ابن عباس قال : ( كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير ) .
فممن ذهب إلى رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة : الطبري وابن حزم وشيخ الإسلام وغيرهم .
1 - قال ابن حزم رحمه الله : " ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة حسن " انتهى من "المحلى" (3 /180)
2 - ونقل البهوتي في "كشاف القناع" (1/366) عن شيخ الإسلام ابن تيمية استحباب الجهر : " ( قال الشيخ [أي ابن تيمية] : ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صـلاة " .
3 - قال الشيخ ابن باز : السنة رفع الصوت بالأذكار كلها بعد الصلوات، بعد الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم) ويقول -رضي الله عنه-: (كنت أعلم إذا انصرفوا في ذلك إذا سمعته) يعني يسمع صوت الذاكرين بعد السلام فيعلم أنهم انصرفوا . . . فالمقصود أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع الصوت بالذكر وهكذا الصحابة بعد السلام، ولهذا سمعه الصحابة ونقلوا ذكره -صلى الله عليه وسلم- سمعوه يقول إذا سلَّم: (أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، وسمعوه يقول: لا إله إلا الله يعني إذا انصرف إلى الناس وأعطاهم وجهه يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد). أخبر الصحابة عن النبي بهذا -عليه الصلاة والسلام- ثوبان أخبر عن بعض هذا، وابن الزبير عن بعض هذا، والمغيرة ابن شعبة كذلك، كلهم أخبروا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمعونه يأتي بهذه الأذكار، وهكذا التسبيح يشرع بعد كل صلاة من الخمس أن يقول سبحان الله والحمد لله
والله أكبر -ثلاثاً وثلاثين مرة- سبحان الله والحمد لله والله أكبر يكررها ثلاثاً وثلاثين مرة. النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن من فعل ذلك وختمها بكلمة التوحيد يغفر له، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (من سبح الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) هذا فضلٌ عظيم . . . إذاً كونه بصوت عالٍ جماعة غير مشروع سماحة الشيخ؟ ج/ مشروع لكن وسط يسمعه من حولهم يسمعه من خارج المسجد أنهم سلموا ما فيه شيء متكلف، صوتاً عادياً مسموع
4 - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو، عضو، نائب الرئيس، الرئيس
عبدالله بن قعود، عبدالله بن غديان، عبدالرزاق عفيفي، عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س1: ماحكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة
ج1: يشرع رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المكتوبة، لما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام)
وأنه قال أيضا (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته)
ولو وجد أناس يقضون الصلاة سواء كانوا أفرادا أوجماعات وذلك في جميع الصلوات الخمس المفروضة ) .
5 - صالح بن عبد الله الفوزان حفظه الله
ما قولك في الجهر بالدعاء والذكر مطلقًا، وبعد الصلاة خاصة‏؟‏ وهل يكون الدعاء والذكر جهرًا أم سرًّا أم بينهما‏؟‏ . . .
وأما الذكر بعد الصلاة؛ فإنه من السنة الجهر به، حسبما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن الصحابة كانوا يجهرون بالذكر بعد الصلاة؛ بالتهليل والاستغفار بعد السلام ‏(‏الاستغفار ثلاثًا‏)‏، ثم‏:‏ ‏(‏اللهم إنك أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام‏)‏، ‏(‏لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر هذه الأذكار الواردة؛ يجهر بها ) .
6 - وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن حكم المسألة فأجاب :
" الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة ، دل عليها ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته ) . ورواه الإمام أحمد وأبو داود . وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قضى الصلاة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..) الحديث . ولا يُسمع القول إلا إذا جهر به القائل .
وقد اختار الجهر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة من السلف والخلف ، لحديثي ابن عباس ، والمغيرة رضي الله عنهم . والجهر عام في كل ذكر مشروع بعد الصلاة سواء كان تهليلا ، أو تسبيحا ، أو تكبيرا ، أو تحميدا لعموم حديث ابن عباس ، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم التفريق بين التهليل وغيره بل جاء في حديث ابن عباس أنهم يعرفون انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير ، وبهذا يُعرف الرد على من قال لا جهر في التسبيح والتحميد والتكبير .
وأما من قال : إن الجهر بذلك بدعة ، فقد أخطأ فكيف يكون الشيء المعهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بدعة ؟! قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله : ( ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وتقريره ، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد تعليمهم إياه ، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم ، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم ) .
وأما احتجاج منكر الجهر بقوله تعالى : ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ) .
فنقول له : إن الذي أمر أن يذكر ربه في نفسه تضرعا وخيفة هو الذي كان يجهر بالذكر خلف المكتوبة ، فهل هذا المحتج أعلم بمراد الله من رسوله ، أو يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم المراد ولكن خالفه ، ثم إن الآية في ذكر أول النهار وآخره ( بالغدو والآصال ) وليست في الذكر المشروع خلف الصلوات ، وقد حمل ابن كثير في تفسيره الجهر على الجهر البليغ . وأما احتجاج منكر الجهر أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس أربعوا على أنفسكم ...) الحديث .
فإن الذي قال : ( أيها الناس أربعوا على أنفسكم ) هو الذي كان يجهر بالذكر خلف الصلوات المكتوبة ، فهذا له محل ، وذاك له محل ، وتمام المتابعة أن تستعمل النصوص كل منها في محله .
ثم إن السياق في قوله : ( أربعوا على أنفسكم ) يدل على أنهم كانوا يرفعون رفعا بليغا يشق عليهم ويتكلفونه ، ولهذا قال : ( أربعوا على أنفسكم ) . أي : ارفقوا بها ولا تجهدوها ، وليس في الجهر بالذكر بعد الصلاة مشقة ولا إجهاد .
أما من قال : إن في ذلك تشويشا .
فيقال له : إن أردت أنه يشوش على من لم يكن له عادة بذلك ، فإن المؤمن إذا تبين له أن هذا هو السنة زال عنه التشويش ، وإن أردت أنه يشوش على المصلين ، فإن المصلين إن لم يكن فيهم مسبوق يقضي ما فاته فلن يشوش عليهم رفع الصوت كما هو الواقع ، لأنهم مشتركون فيه ، وإن كان فيهم مسبوق يقضي ،فإن كان قريبا منك بحيث تشوش عليه فلا تجهر الجهر الذي يشوش عليه لئلا تلبس عليه صلاته ، وإن كان بعيدا منك فلن يحصل عليه تشوش بجهرك .
وبما ذكرنا يتبين أن السنة رفع الصوت بالذكر خلف الصلوات المكتوبة ، وأنه لا معارض لذلك لا بنص صحيح ولا بنظر صريح " انتهى .
وقال أيضا : " لأن الأصوات إذا اختلطت تداخل بعضها في بعض فارتفع التشويش ، كما تشاهد الآن في يوم الجمعة الناس يقرأون كلهم القرآن يجهرون به ويأتي المصلي ويصلي ولا يحدث له تشويش ".
وقال رحمه الله : " فالمهم أن القول الراجح : أنه يسن الذكر أدبار الصلوات على الوجه المشروع ، وأنه يسن الجهر به أيضا - أعني رفع الصوت - ولا يكون رفعا مزعجا فإن هذا لا ينبغي ، ولهذا لما رفع الناس أصواتهم بالذكر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في قفولهم من خيبر قال : ( أيها الناس ، أربعوا على أنفسكم ) ، فالمقصود بالرفع ، الرفع الذي لا يكون فيه مشقة وإزعاج " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (13/247، 261) ) .
7 - وقال الشيخ محمد بن صالح المنجد :
قد تبين مما ذكرنا أن الأمر فيه سعة ، وأن الخلاف في المسألة قديم ، ولعل الراجح هو ما ذكره الشيخ ( يقصد الشيخ ابن عثيمين ) رحمه الله من رفع الصوت ، لكن يكون رفعا من غير إزعاج .
وأما من أشرت إليهم من العوام وكبار السن ، فإنه سيعتادون ذلك بعد مدة ، وقد يكون من المناسب قراءة كلام الشيخ عليهم ، ليعلموا السنة ، ويرغبوا في تطبيقها .
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى .
والله أعلم .
إبن تيمية وابن حزم والطبري وابن باز والعثيمين وسليمان بن سحمان ومحمد بن صالح المنجد وعبدالله بن قعود وعبدالله بن غديان وعبدالرزاق عفيفي وصالح الفوزان . . . وغيرهم كلهم يقولون : رفع الصوت بالذكر بعد الصلوات المفروضة ( الصبح ، الظهر ، العصر ، المغرب ، العشاء ) : سنة .
فهل هؤلاء كلهم مبتدعة مخالفون للسنة ؟