تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية والأسماء والصفات
دراسة نقدية في أصل التقسيم، ودلالته الشرعية، وحدود الاستدلال به وآثاره في الخلاف العقدي
مقدمة
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن قضية تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، أصبحت من أكثر المسائل حضوراً في كتب العقيدة والدعوة المعاصرة، ولا سيما في التيار السلفي الحديث.
وليس الإشكال في مجرد استعمال ألفاظ اصطلاحية لتقريب العلوم وترتيب مسائلها؛ فالعلوم الإسلامية نفسها عرفت عبر تاريخها تقسيمات كثيرة لم ترد بألفاظها في القرآن والسنة، كعلم أصول الفقه، ومصطلح الحديث، وتقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وتقسيم مباحث الفقه إلى أبواب وفروع.
وإنما الإشكال الذي يستحق البحث هو:
هل تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة تقسيمٌ شرعيٌّ منصوص عليه، أم هو تقسيم اصطلاحي استقرائي؟
وإذا كان اصطلاحياً، فهل يجوز تحويله إلى ميزان حصري لتعريف التوحيد، أو إلى معيار للحكم على إيمان الأشخاص وشركهم، أو إلى أساس لتبديع المخالف وتكفيره؟
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين كثيراً ما اختلطا في الجدل:
صحة المعاني التي يتضمنها التقسيم شيء، وكون هذا التقسيم هو الصورة الشرعية الوحيدة للتوحيد شيء آخر.
وهذا التفريق هو المدخل الصحيح لفهم المسألة.
أولاً: التوحيد الذي جاءت به الرسل
جاءت الرسالات السماوية كلها بأصل جامع هو عبادة الله وحده ونفي الشريك عنه.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
وقال تعالى عن نوح عليه السلام:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59].
وقال هود عليه السلام:
﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 65].
وقال صالح عليه السلام:
﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 73].
وقال شعيب عليه السلام:
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 85].
وقال عيسى عليه السلام:
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: 51].
فالخطاب القرآني يجمع بين الربوبية والألوهية والعبادة في سياق واحد، ولا يقدم لنا في هذه المواضع منظومة اصطلاحية تقول: هذه مرحلة أولى من التوحيد، وتلك مرحلة ثانية، وتلك مرحلة ثالثة.
وهذا لا يعني أن المعاني التي يصنفها المتأخرون تحت هذه العناوين غير موجودة في القرآن؛ بل هي موجودة بكثرة، وإنما محل البحث هو طريقة جمعها وتصنيفها، وما يترتب على ذلك من أحكام.
ثانياً: ما المقصود بالتقسيم الثلاثي؟
يقصد القائلون بالتقسيم الثلاثي عادةً:
1. توحيد الربوبية
وهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير ونحو ذلك.
2. توحيد الألوهية
وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا يصرف العبد شيئاً من عبادته لغير الله.
3. توحيد الأسماء والصفات
وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ، من الأسماء والصفات على الوجه الذي يليق بالله تعالى.
وهذه المعاني في أصلها ليست محل نزاع بين المسلمين؛ فالقرآن يقرر أن الله هو الخالق والمالك والمدبر، وأنه المستحق للعبادة، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
بل إن أحد شروح هذا الاتجاه نفسه يصرح بأن التقسيم مسألة استقراء وتعبير، وأنه يمكن اختصار التقسيم إلى قسمين، كما يمكن من الناحية النظرية تقسيمه إلى أقسام أكثر.
وهذه الملاحظة بالذات مهمة جداً؛ لأنها تكشف أن القضية ليست بالضرورة في وجود المعاني، وإنما في طريقة تصنيفها.
ثالثاً: هل ورد التقسيم الثلاثي بهذا اللفظ في القرآن والسنة؟
لا توجد آية تقول:
«التوحيد ثلاثة أقسام: ربوبية وألوهية وأسماء وصفات».
ولا يوجد حديث صحيح عن النبي ﷺ يقرر هذه العبارة بهذه الصيغة باعتبارها تعريفاً اصطلاحياً للتوحيد.
كما أن الحديث المشهور في تعليم جبريل عليه السلام لأركان الإسلام والإيمان والإحسان لم يذكر هذا التقسيم.
لكن ينبغي هنا الاحتراز من مغالطة مهمة:
عدم ورود الاصطلاح بعينه لا يساوي تلقائياً كونه بدعة محرمة.
فلو جعلنا مجرد عدم ورود المصطلح في النص دليلاً على تحريمه، للزم من ذلك الحكم على كثير من المصطلحات العلمية الإسلامية بالبدعة، وهذا لا يستقيم.
فالفقهاء استعملوا اصطلاحات مثل: الفرض والواجب والمندوب والمكروه، وعلماء الحديث وضعوا مصطلحات كثيرة، وعلماء العربية قسموا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولم يكن المقصود من ذلك إضافة عبادة جديدة إلى الدين.
إذن:
الاستدلال بعدم ورود لفظ «التقسيم الثلاثي» وحده لا يكفي لإثبات بدعيته.
ولكنه يثبت أمراً مهماً، وهو أن التقسيم ليس نصاً شرعياً مستقلاً يجب على المسلم الإيمان به بصفته وحياً أو أصلاً منصوصاً عليه.
رابعاً: هل ابن تيمية هو أول من قسم التوحيد؟
هذه من أكثر النقاط التي تكررت في المواد التي جُمعت لهذا البحث، وهي تحتاج إلى تصحيح.
فالجزم بأن:
«ابن تيمية اخترع تقسيم التوحيد ولم يعرفه أحد قبله»
عبارة تحتاج إلى توثيق تاريخي دقيق.
فالمصادر المدافعة عن التقسيم نفسها ترفض حصر ظهوره في ابن تيمية، وتنص على أن علماء سبقوه إلى صور من هذا التصنيف. كما أن ابن تيمية نفسه لا يلتزم دائماً بالتقسيم الثلاثي وحده، بل يستعمل أيضاً تقسيم توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب.
وعليه، فإن الصياغة العلمية الأدق ليست:
«ابن تيمية اخترع التوحيد الثلاثي من العدم».
بل:
«انتشر هذا التصنيف وتبلورت صورته في المدرسة التي تأثرت بابن تيمية، ثم أصبح من أشهر طرائق عرض مسائل التوحيد في المؤلفات السلفية المتأخرة، مع وجود صور وتصنيفات سابقة أو مغايرة له.»
وهذه العبارة أقوى؛ لأنها قابلة للتوثيق ولا تعتمد على دعوى تاريخية يصعب إثباتها.
خامساً: هل الربوبية والألوهية شيئان متناقضان؟
هنا ينبغي التفريق بين الاعتبار الاصطلاحي وبين الاستعمال القرآني.
فالقرآن يستعمل لفظ «الرب» ولفظ «الإله» في سياقات متعددة، وقد يجتمعان في موضع واحد.
قال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3].
وقال:
﴿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: 98].
وقال:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: 65].
ففي الآية الأخيرة رُتبت العبادة على الربوبية:
«رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... فَاعْبُدْهُ».
وهذا يدل على شدة التلازم بين الأمرين في الخطاب القرآني.
ولهذا نجد أن بعض العلماء المعاصرين الذين ينتقدون الفصل الاصطلاحي بين الربوبية والألوهية يؤكدون أن القرآن والسنة يستعملان لفظي الرب والإله في سياقات متداخلة، وأن الربوبية والألوهية من حيث الدلالة العقدية متلازمان.
ومع ذلك، لا يلزم من هذا القول إنكار التمييز التعليمي بين معنى الخلق والتدبير من جهة، ومعنى العبادة من جهة أخرى؛ فالتمييز بين المعاني قد يكون صحيحاً ولو كانت المعاني مترابطة.
سادساً: هل كان مشركو العرب موحدين في الربوبية؟
هذه من أهم مسائل الخلاف.
يستدل القائلون بالتقسيم بقوله تعالى:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: 61].
وبقوله تعالى:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87].
وبقوله:
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31].
ومن هنا قرر علماء هذا الاتجاه أن المشركين كانوا يقرون بأصل من الربوبية، لكنهم لم يحققوا توحيد العبادة. وهذا الاستدلال موجود بوضوح في المصادر التي تدافع عن التقسيم.
غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن المشركين كانوا موحدين توحيداً كاملاً، أو أن القرآن أثنى على عقيدتهم في الربوبية.
فالقرآن نفسه قال:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].
كما ذم اتخاذ الشركاء، وقال:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: 62].
وقال:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100].
وقال:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
فالخلاف الحقيقي هنا ليس في كون بعض المشركين قد أقروا بأن الله هو الخالق، فهذا ثابت بالنصوص؛ وإنما في ما إذا كان يصح إطلاق «توحيد الربوبية» عليهم بإطلاق، وما المراد بهذا الاصطلاح تحديداً.
والأدق علمياً أن نقول:
كان عند بعض المشركين إقرار ببعض معاني الربوبية، مع بقاء الشرك في اعتقاداتهم وممارساتهم، ولا يصح تحويل هذا الإقرار الجزئي إلى وصف ديني بالـ«توحيد» بمعنى النجاة والإسلام.
وهذا التفصيل يزيل كثيراً من الالتباس.
سابعاً: القرآن لا يحصر شرك المشركين في العبادة وحدها
من أهم الاعتراضات التي ينبغي مناقشتها أن بعض الخطابات المعاصرة تصور المشركين وكأنهم كانوا يعتقدون اعتقاداً كاملاً أن الله وحده هو المتصرف في كل شيء، ثم لم يكن خطؤهم إلا أنهم صرفوا العبادة إلى غيره.
لكن القرآن يعرض صوراً أكثر تعقيداً.
قال تعالى:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100].
وقال:
﴿وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 94].
وقال:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165].
فالشرك في القرآن ليس مجرد فعل منفصل عن الاعتقاد، بل منظومة من التصورات والمواقف تجاه الله وغيره.
ولهذا فالصياغة التي تقول:
«المشركون موحدون في الربوبية مثل المسلمين تماماً»
صياغة تحتاج إلى تقييد شديد؛ لأن لفظ «التوحيد» في الاستعمال الشرعي أوسع من مجرد الاعتراف بأن الله خالق السماوات والأرض.
ثامناً: آية يوسف عليه السلام: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾
استُدل في عدد من المقالات التي جُمعت لهذا البحث بقوله تعالى:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 39-40].
والآية بالفعل مهمة؛ لأنها تجمع بين:
- الربوبية: «أرباب متفرقون»
- والوحدانية: «الله الواحد القهار»
- والعبادة: «ألا تعبدوا إلا إياه»
لكن لا يصح أن نجعل الآية وحدها دليلاً قاطعاً على إبطال كل اصطلاح لاحق؛ لأن الطرف الآخر يستطيع أن يقول إن تقسيمه لا ينكر هذا التلازم، وإنما يصف جوانب مختلفة من التوحيد.
والأقوى أن نستدل بالآية على أن الخطاب القرآني نفسه لا يعرض الربوبية والألوهية باعتبارهما عقيدتين متصارعتين أو حقيقتين منفصلتين، وإنما يجمعهما في بناء واحد من التوحيد.
تاسعاً: آية الميثاق: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾
ورد في بعض المقالات الاستدلال بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾ [الأعراف: 172].
وقيل: لو كان توحيد الربوبية غير كافٍ، فلماذا قال الله: «ألست بربكم» ولم يقل: «ألست بإلهكم»؟
هذا الاستدلال فيه دلالة على ارتباط الربوبية بالتوحيد الفطري، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الربوبية والألوهية مترادفان في كل سياق، ولا لإبطال كل تقسيم اصطلاحي.
فالآية تتحدث عن مقام مخصوص هو الإشهاد والميثاق، وليس من المنهج العلمي أن نحملها فوق ما تحتمل.
عاشراً: حديث سؤال القبر: «من ربك؟»
ورد في الحديث أن الميت يُسأل عن ربه ونبيه ودينه.
وهذا استدلال مهم من حيث بيان مركزية لفظ الرب في سؤال الاعتقاد.
لكن أيضاً لا يصح بناء نتيجة أكبر من النص.
فالسؤال عن «الرب» لا يعني بالضرورة أن لفظ «الإله» لا يمكن أن يستعمل في مقام آخر، كما أن اختلاف ألفاظ الأسئلة في السنة لا يعني أن كل لفظ يستوعب جميع تفاصيل المعنى في كل سياق.
والنتيجة الأدق:
السنة تجعل الإقرار بالله رباً من أعظم أصول الاعتقاد، لكنها لا تقدم لنا في حديث سؤال القبر نظرية اصطلاحية في تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام.
حادي عشر: هل يجوز تقسيم التوحيد اصطلاحياً؟
هنا نصل إلى لب المسألة.
إذا كان المقصود بالتقسيم:
ترتيب موضوعات العقيدة، وتسهيل تعليمها، وتصنيف النصوص المتعلقة بالخلق والتدبير والعبادة والأسماء والصفات
فهذا من حيث الأصل يدخل في باب الاصطلاحات العلمية.
بل إن علماء هذا الاتجاه أنفسهم يقررون أن التقسيم اصطلاحي استقرائي، وأن التوحيد يمكن اختصاره إلى قسمين، ويمكن من حيث النظر العلمي تفصيله إلى أكثر من ذلك.
وعليه فلا يصح أن نقول:
«كل تقسيم للتوحيد بدعة ضلالة لمجرد أنه لم يرد بلفظه في النص».
لكن إذا انتقلنا من الاصطلاح التعليمي إلى القول:
«هذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل حصراً، ومن لم يفهمه بهذه الصيغة فهو ناقص التوحيد أو مشرك»
فهنا تبدأ قضية أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.
ثاني عشر: هل يمكن أن تكون التقسيمات متعددة؟
نعم.
وهذا أمر مهم للغاية.
فإذا أمكن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وأمكن عند بعض العلماء تقسيمه إلى قسمين، فهذا يدل على أن التقسيم نفسه ليس جزءاً من حقيقة التوحيد، وإنما هو طريقة في ترتيب المعاني.
وهذا ليس خاصاً بالتوحيد.
فعلماء الحديث مثلاً قسموا الحديث باعتبارات متعددة:
- من حيث القبول والرد.
- من حيث عدد الرواة.
- من حيث الاتصال والانقطاع.
- من حيث الشهرة وغيرها.
ولا يعني اختلاف التقسيمات أن الحديث نفسه تغير.
وعلماء الفقه قسموا الأحكام إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبار.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الصحيح ليس:
«هل التوحيد ثلاثة أم واحد؟»
بل:
«ما الذي نريد أن نثبته بهذا التقسيم، وما الأحكام التي نريد أن نبنيها عليه؟»
ثالث عشر: «إذا كان التقسيم اصطلاحياً، فلماذا يُنكر الاصطلاح في غيره؟»
هذه الفكرة التي ظهرت في إحدى المواد التي أرسلها صاحب البحث تستحق أن تتحول إلى قاعدة منهجية.
فإذا قيل:
«التقسيم الثلاثي مجرد اصطلاح استقرائي».
فالجواب:
حسناً؛ إذن لا بد أن نفرق بين الاصطلاح وبين الحكم الشرعي.
فالاصطلاح لا يصبح وحياً لمجرد أنه نافع في التعليم.
ولا يصبح المخالف له كافراً لمجرد أنه لم يستعمله.
ولا يصبح إنكار الاصطلاح إنكاراً للدين.
ومن هنا تظهر قاعدة مهمة:
لا مشاحة في الاصطلاح ما دام منضبطاً، لكن المشاحة كل المشاحة في تحويل الاصطلاح إلى عقيدة ملزمة لم يأت النص بإلزام الناس بصيغتها.
وهذه القاعدة يمكن أن تكون من أقوى نتائج البحث.
رابع عشر: أين يقع الخلاف الحقيقي؟
يمكن تلخيص الخلاف في ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أصل المعاني
الله هو الخالق والمالك والمدبر، وهو المستحق للعبادة، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى.
وهذه معانٍ قرآنية ثابتة.
الدرجة الثانية: طريقة التصنيف
هل تجمع هذه المعاني تحت عنوان واحد، أم تقسم إلى قسمين، أم ثلاثة، أم أكثر؟
وهذه في أصلها مسألة تصنيفية اصطلاحية.
الدرجة الثالثة: الأحكام المترتبة على التصنيف
هل إنكار التقسيم نفسه كفر؟
هل من لم يستعمله يكون مشركاً؟
هل من خالف في تفسير أحد أقسامه يخرج من الإسلام؟
هنا يصبح الأمر أخطر بكثير؛ لأن الأحكام العقدية الكبرى لا تثبت بمجرد اصطلاح تصنيفي، وإنما تحتاج إلى أدلة مستقلة.
وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن يكون واضحاً في أي نقاش علمي حول المسألة.
خامس عشر: التوحيد ليس «ثلاثة توحيدات» مستقلة
من الأخطاء في عرض المسألة أن يوحي التعبير الشعبي بأن المسلم أمام ثلاث وحدات مستقلة:
- توحيد الربوبية.
- توحيد الألوهية.
- توحيد الأسماء والصفات.
ثم يتعامل معها وكأنها ثلاثة إيمانات منفصلة.
وهذا ليس هو المقصود حتى عند بعض المدافعين عن التقسيم؛ فمصادرهم نفسها تقول إن هذه الأقسام معناها واحد، وأن التقسيم تعبير واستقراء.
إذن ينبغي تجنب التعبير:
«ثلاثة توحيدات»
والأدق:
«ثلاثة اعتبارات أو مجالات في مسائل التوحيد».
فالخالق واحد، والمعبود بحق واحد، ورب العالمين واحد، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى.
والقرآن يقول:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].
سادس عشر: ماذا عن توحيد الأسماء والصفات؟
هنا يجب أن يكون البحث أكثر حذراً.
فمجرد إدخال الأسماء والصفات في باب التوحيد لا إشكال فيه؛ فالقرآن مليء بإثبات أسماء الله وصفاته.
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].
وقال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
وهذا يجمع بين الإثبات والتنزيه في آية واحدة.
ولذلك فإن مناقشة تقسيم الأسماء والصفات ينبغي ألا تتحول إلى تعميم بأن كل من أثبت الصفات وقع في التشبيه أو التجسيم؛ فهذه دعوى تحتاج إلى تفصيل في كل صفة وفي كل مذهب وفي كل عبارة.
والبحث العلمي الرصين يفرق بين:
- إثبات الصفة.
- تفسير الصفة.
- القول بالكيفية.
- التشبيه.
- التجسيم.
ولا يجوز جمع هذه الأمور كلها في حكم واحد دون تفصيل.
سابع عشر: هل تقسيم التوحيد يساوي عقيدة الخوارج؟
ورد في بعض المقالات المرسلة وصف القائلين بالتقسيم بأنهم «خوارج» أو «مجسمة» أو نحو ذلك.
وهذه الصياغة لا أنصح بإدخالها في البحث العلمي؛ لأنها تضعف البحث بدلاً من تقويته.
فقد يكون العالم مخطئاً في مسألة عقدية أو منهجية، ولا يلزم من ذلك أن يوصف بالخوارج.
كما أن الحكم على قول بأنه مجسم أو مشبه يحتاج إلى بيان دقيق لمضمون القول، لا إلى مجرد نسبة صاحبه إلى مدرسة معينة.
والبحث الذي يريد أن يكون مرجعاً ينبغي أن يقول:
«نناقش القول والدليل والنتيجة، ولا نحاكم الأشخاص بالألقاب.»
وهذا أقرب إلى الإنصاف وأبعد عن التعصب.
ثامن عشر: التوسل والاستغاثة ليستا نتيجة لازمة لمجرد التقسيم
كثير من المقالات التي جُمعت لهذا البحث انتقلت مباشرة من تقسيم التوحيد إلى قضية التوسل والاستغاثة.
وهذا يحتاج إلى فصل منهجي.
فمسألة:
- التوسل،
- الاستغاثة،
- طلب الدعاء،
- الشفاعة،
- النداء،
كل واحدة منها تحتاج إلى بحث مستقل في ألفاظها وقصد المتكلم بها وصورتها ودليلها.
ولا يصح أن يقال:
«كل من قال بالتقسيم الثلاثي يلزمه أن يكفر كل متوسل».
كما لا يصح العكس.
فقد يكون الخلاف في أصل التقسيم، وقد يكون الخلاف في تطبيق مفهوم العبادة، وقد يكون الخلاف في بعض صور التوسل، وكل واحدة قضية مستقلة.
ولهذا ينبغي في الكتاب أن يكون بحث تقسيم التوحيد مستقلاً، ثم يأتي بعده بحث خاص في «مفهوم العبادة والشرك والتوسل».
تاسع عشر: هل ترتب على بعض صور التقسيم خلاف عقدي ومنهجي؟
نعم، وهذه نقطة جديرة بالدراسة.
فالتقسيم في ذاته قد يكون مجرد وسيلة تعليمية، لكن بعض التطبيقات التاريخية والحديثة تجاوزت الجانب التعليمي إلى استعماله في تفسير الشرك، وتحديد مناط العبادة، والحكم على بعض الأفعال بأنها شرك أكبر.
وهنا يصبح السؤال:
هل الدليل على الحكم هو النص الشرعي نفسه، أم مجرد إدخال الفعل تحت أحد أقسام التوحيد؟
فإذا قيل:
«هذا الفعل شرك لأنه يناقض توحيد الألوهية»
فلا بد من خطوة أخرى:
ما الدليل على أن هذا الفعل عبادة لغير الله؟
ثم:
ما الدليل على أن فاعله قصد العبادة؟
ثم:
ما الدليل على أن هذه الصورة بعينها داخلة في الشرك الأكبر المخرج من الملة؟
وهذه أسئلة أصولية لا يجوز اختصارها في مجرد التصنيف.
عشرون: لا بد من التفريق بين «الشرك» و«مجرد المخالفة في الاصطلاح»
القرآن جعل الشرك من أعظم الذنوب:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
لكن الحكم بالشرك ليس مرادفاً للحكم على شخص بمجرد أنه لم يستخدم مصطلحاً معيناً.
فالمسلم قد لا يعرف شيئاً اسمه:
«توحيد الربوبية».
ومع ذلك يؤمن بأن الله خالقه وربه، وأنه وحده المستحق للعبادة، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى.
فهل يتصور عقلاً أو شرعاً أن يكون جاهلاً بالمصطلح فيكون بذلك مشركاً؟
لا.
وهذا يثبت أن:
حقيقة التوحيد سابقة على اصطلاحات العلماء في تقسيمها.
واحد وعشرون: ما الذي يمكن قبوله من التقسيم؟
بعد هذه المناقشة يمكن الوصول إلى موقف أكثر توازناً:
أولاً
يجوز من حيث الأصل تصنيف مسائل التوحيد لتسهيل التعليم والبحث، ما دام التصنيف لا يخالف نصوص الشرع.
ثانياً
لا يجوز جعل التصنيف الاصطلاحي وحياً أو نصاً شرعياً لم يرد به نص.
ثالثاً
لا يصح القول إن المسلمين لم يعرفوا التوحيد قبل ظهور هذا المصطلح.
رابعاً
لا يصح جعل مجرد عدم استعمال التقسيم الثلاثي سبباً لتبديع الشخص أو تكفيره.
خامساً
لا بد من التمييز بين المعاني الشرعية الثابتة وبين الأسماء الاصطلاحية التي وضعها العلماء لتصنيف تلك المعاني.
سادساً
لا بد من بحث كل مسألة من مسائل الشرك والتكفير بدليلها الخاص، ولا يكفي إدخالها تحت عنوان «توحيد الألوهية».
اثنان وعشرون: مناقشة العبارة الشهيرة «المشركون موحدون في الربوبية»
هذه العبارة من أكثر العبارات إثارة للجدل، وهي تحتاج إلى تحرير.
إذا كان المقصود:
أن بعض المشركين أقروا بأن الله هو الخالق في بعض النصوص القرآنية.
فهذا صحيح.
أما إذا كان المقصود:
أنهم كانوا موحدين توحيداً صحيحاً كاملاً في الربوبية، وأنهم كانوا يعتقدون انفراد الله بكل معاني التصرف والنفع والضر.
فهذه عبارة تحتاج إلى تفصيل، ولا يصح إطلاقها على جميع المشركين.
فالقرآن نفسه وصفهم بالشرك، وذكر صوراً من اعتقاداتهم في الشركاء والآلهة.
ومن هنا فالأدق أن نقول:
أقر المشركون ببعض وجوه ربوبية الله، ولم يكن هذا الإقرار وحده توحيداً منجياً؛ لأن اعتقادهم كان مشوباً بالشرك والانحراف.
وهذه العبارة تجمع بين النصوص بدلاً من أن تجعل بعضها في مواجهة بعض.
ثلاثة وعشرون: هل التوحيد ينقسم أم لا؟
إذا كان السؤال:
هل ذات التوحيد ثلاثة أجزاء مستقلة؟
فالجواب: لا.
التوحيد في حقيقته هو:
إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والكمال والأسماء والصفات.
أما إذا كان السؤال:
هل يجوز للعلماء أن يصنفوا مسائل التوحيد إلى أبواب؟
فالجواب: نعم، من حيث الأصل، إذا كان التصنيف وسيلة علمية منضبطة.
وهنا يظهر أن كثيراً من النزاع يمكن حله بتحديد معنى كلمة «تقسيم».
أربعة وعشرون: السؤال المنهجي الأهم
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون محور النقاش ليس:
هل التقسيم ثلاثة؟
بل:
ما حجية هذا التقسيم؟ وما حدوده؟ وما الذي يجوز أن يبنى عليه؟
فإذا قيل:
«هو تقسيم استقرائي اصطلاحي».
قلنا:
حسناً، إذن هو أداة لفهم النصوص، وليس نصاً مستقلاً من نصوص العقيدة.
وإذا قيل:
«بل هو من أصول التوحيد التي يجب على المسلم معرفتها».
قلنا:
فأين النص الذي أوجب على المسلمين اعتقاد هذه الصيغة بعينها؟
وإذا قيل:
«المعاني موجودة في القرآن».
قلنا:
لا نزاع في وجود المعاني؛ وإنما السؤال في إلزام الناس بهذا التصنيف وفي الأحكام التي تترتب عليه.
وهنا يكون النقاش قد انتقل من الجدال حول الأسماء إلى تحقيق الدليل.
خمسة وعشرون: ماذا عن البدعة الحسنة والسيئة؟
السؤال الذي تكرر في المواد السابقة:
«إذا كان تقسيم التوحيد محدثاً، فهل هو بدعة حسنة أم بدعة سيئة؟»
ليس أفضل مدخل للبحث؛ لأن الطرف الآخر يستطيع ببساطة أن يجيب:
«هو ليس بدعة شرعية، وإنما اصطلاح علمي.»
والأقوى أن يقال:
إذا كان اصطلاحاً علمياً، فلا يصح جعله أصلاً شرعياً مستقلاً، ولا معياراً لإيمان الأشخاص وكفرهم.
أما مسألة تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة فهي بحث أصولي مستقل، ولها اصطلاحات متعددة عند العلماء، ولا ينبغي خلطها هنا قبل تحرير معنى البدعة نفسه.
ستة وعشرون: النتيجة العلمية
بعد جمع النصوص ومناقشة الاعتراضات، يمكن الوصول إلى النتائج الآتية:
1. التوحيد أصل الدين الذي جاءت به الرسل جميعاً.
2. القرآن والسنة يثبتان معاني الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، لكنهما لا يقدمان التقسيم الثلاثي بوصفه صيغة وحيدة واجبة الاعتقاد.
3. استعمال تقسيم اصطلاحي لتصنيف مسائل التوحيد لا يكون بمجرده بدعة محرمة؛ فالاصطلاحات العلمية بابها أوسع من العبادات المحضة.
4. نسبة التقسيم الثلاثي إلى ابن تيمية باعتباره أول من عرف مطلقاً أي تقسيم للتوحيد تحتاج إلى تدقيق تاريخي، ولا ينبغي إطلاقها بلا توثيق.
5. ابن تيمية نفسه استخدم أكثر من طريقة في تصنيف التوحيد، مما يدل على أن التصنيف عنده ليس بالضرورة صورة وحيدة لا تقبل غيرها.
6. إقرار المشركين بأن الله خالق السماوات والأرض ثابت في القرآن، لكن لا يصح أن يفهم منه أنهم كانوا موحدين توحيداً كاملاً أو أن عقيدتهم كانت كعقيدة المسلمين.
7. العلاقة بين الربوبية والألوهية في القرآن علاقة تلازم وترابط شديد، ولا يصح تصويرهما كحقيقتين متناقضتين أو منفصلتين تمام الانفصال.
8. لا يصح جعل عدم استعمال المسلم للتقسيم الثلاثي دليلاً على كفره أو شركه.
9. لا بد من التفريق بين نقد التقسيم بوصفه اصطلاحاً وبين نقد بعض التطبيقات العقدية التي بنيت عليه.
10. الحكم على قول أو فعل بأنه شرك أكبر لا يصح أن يبنى على مجرد تصنيف اصطلاحي، بل يحتاج إلى دليل شرعي وتحرير لمناط العبادة والشرك والقصد والاعتقاد.
11. وصف المخالفين بأوصاف مثل «الخوارج» أو «المجسمة» لمجرد اختلافهم في هذه المسألة ليس من المنهج العلمي، بل ينبغي مناقشة الأقوال والأدلة.
12. الأقوى في نقد التقسيم ليس القول: «لم يرد لفظه في القرآن إذن هو بدعة»، وإنما السؤال عن حجية التقسيم وحدوده والأحكام التي ترتب عليه.
خاتمة
ليس التوحيد ثلاث آلهة، ولا ثلاثة توحيدات مستقلة، وإنما هو توحيد الله الواحد الأحد.
قال تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
أما تقسيم مسائل التوحيد إلى أبواب، فهو من عمل العلماء في ترتيب العلم وتقريب مسائله، وقد تختلف التقسيمات باختلاف الاعتبارات.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن نقول:
ليس كل تقسيم للتوحيد بدعة لمجرد أنه تقسيم، وليس كل اصطلاح علمي وحياً يجب على المسلمين اعتقاده بصيغته.
والسؤال الأهم ليس:
«هل قسمتَ التوحيد إلى ثلاثة؟»
وإنما:
«ما دليلك على هذا التقسيم؟ وما حدوده؟ وهل هو مجرد وسيلة تعليمية، أم جعلته أصلاً شرعياً وميزاناً للحكم على إيمان المسلمين؟»
فإن كان وسيلة تعليمية لضبط مسائل ثابتة في الكتاب والسنة، فليُنظر في صحة التصنيف ودقته.
أما إن تحوّل الاصطلاح إلى ميزان للإيمان والكفر، أو إلى ذريعة لتبديع المخالف وتضليله وتكفيره، فهنا يجب أن يتوقف البحث عند الدليل؛ لأن الدماء والأعراض والعقائد لا تُبنى على مجرد اصطلاحات وتصنيفات.
والتوحيد الذي دعا إليه الأنبياء هو أن يُعرف الله حق معرفته، ويُعبد وحده، ويُعتقد كماله وتنزهه عن النقائص، ويُفرد بما يختص به سبحانه، لا أن تتحول طريقة مدرسية في تصنيف هذه المعاني إلى دين جديد يُطالب المسلم باعتقاده بصيغة لم يجعلها الله ورسوله شرطاً للإسلام.
فالخلاف الحقيقي ليس في جواز ترتيب مسائل التوحيد، وإنما في تحويل ترتيب اصطلاحي إلى معيار شرعي حصري للحكم على الناس.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبنى عليها الحوار العلمي الهادئ في هذه المسألة.