الجمعة، 4 سبتمبر 2026

حين يصبح صحيح البخاري سلاحًا لإغلاق باب التفكير!

 

حين يصبح صحيح البخاري سلاحًا لإغلاق باب التفكير!

خبر الواحد، وأحاديث السحر، والتصوير، والحضارة الأوروبية… قراءة نقدية في المنهج المدخلي

هناك مشكلة منهجية لا يمكن تجاهلها في الخطاب المدخلي المعاصر: التعامل مع النصوص الشرعية بطريقة تختزل العلم في صحة الإسناد، وتختزل الفقه في ظاهر الرواية، وتختزل التدين في كثرة التحذير والتحريم.

فإذا قلت لهم: هذا الحديث صحيح، قالوا: انتهى النقاش!

وإذا سألت عن دلالته، قالوا: أترد السنة؟

وإذا ناقشت طريقة الاستدلال، اتُّهمت بأنك تطعن في الحديث!

وإذا فرّقت بين القطعي والظني، وبين صحة السند وقطعية الدلالة، قيل لك: هذه طريقة أهل الكلام!

وهكذا تتحول قضية علمية دقيقة إلى معركة اتهامات، ويصبح السؤال عن كيفية فهم النص وكأنه اعتراض على النص نفسه.

وهنا مكمن الخلل.


أولًا: هل كل حديث صحيح = يقين قطعي؟

هذه من أولى القواعد التي يجب أن تُضبط.

فالحديث الصحيح عند المحدثين شيء، ودرجة إفادته للعلم واليقين عند الأصوليين شيء آخر.

وليس معنى هذا إسقاط السنة، ولا رد أحاديث الآحاد، ولا فتح الباب لكل أحد ليختار من السنة ما يشاء.

بل يعني ببساطة أن علوم الشريعة نفسها فرّقت بين:

المتواتر والآحاد، والقطعي والظني، وثبوت النص ودلالته.

لكن الخطاب المدخلي كثيرًا ما يتعامل مع هذه المستويات وكأنها شيء واحد.

فتصبح عبارة:

«رواه البخاري»

وكأنها تعني:

«ثبتت كل تفاصيل المسألة قطعًا، وانتهى الاجتهاد، وحُرم النقاش».

وهذا ليس هو المنهج العلمي الذي عرفه علماء الأمة.

فصحيح البخاري كتاب عظيم المكانة، لكن الإمام البخاري لم يقل إن كل ما في كتابه قرآنٌ آخر!

والعلماء الذين عظّموا الصحيحين لم يتخلوا بسبب ذلك عن أصول الفقه، ولا عن الجمع بين الأدلة، ولا عن دراسة الدلالة، ولا عن النظر في التعارض الظاهري بين النصوص.


ثانيًا: «الحديث صحيح» لا تعني «فهمي للحديث معصوم»

وهذه النقطة أخطر.

قد يصح الحديث، ثم يختلف العلماء في:

معناه، ودلالته، وعمومه وخصوصه، وإطلاقه وتقييده، وناسخه ومنسوخه، وكيفية الجمع بينه وبين غيره من النصوص.

فالسؤال الحقيقي ليس دائمًا:

هل الحديث صحيح؟

بل قد يكون السؤال:

ماذا يعني الحديث؟

وهل فهمه بهذا الشكل هو الفهم الوحيد الممكن؟

وهل يعارض نصًا آخر أم يمكن الجمع بينهما؟

وهل الحكم الوارد فيه عام أم متعلق بسبب معين؟

وهل العلة التي فهمها بعض العلماء من النص موجودة في الصورة الجديدة أم لا؟

هذه أسئلة الفقه.

ومن يقتل هذه الأسئلة باسم «اتباع الحديث» لا يزيد السنة قوة، بل يضيّق مساحة الفقه الإسلامي.


ثالثًا: أحاديث السحر… أين ذهب «فقه الجمع بين النصوص»؟

خذوا قضية أحاديث سحر النبي ﷺ.

هذه الأحاديث موجودة في أصح كتب الحديث، وقد قبلها جمهور أهل الحديث من حيث الرواية.

لكنها أثارت منذ القديم نقاشًا علميًا حول كيفية فهمها والجمع بينها وبين ما تقرره النصوص من عصمة النبي ﷺ في التبليغ.

وهنا كان ينبغي أن نرى الفقه والأصول:

كيف فهم العلماء هذه الروايات؟

ما الذي وقع؟

ما الذي لم يقع؟

هل يمكن أن يؤثر السحر في الأمور البشرية العادية دون أن يمس الوحي والتبليغ؟

كيف تُفهم الرواية في ضوء القرآن؟

كيف جمع العلماء بين الأدلة؟

هذه هي الأسئلة العلمية.

لكن المشكلة حين يتحول النقاش إلى شعار:

«الحديث في البخاري، إذن لا تسأل!»

هذا ليس دفاعًا عن السنة.

بل هو إلغاء للمنهج الذي نشأت من خلاله علوم السنة نفسها.

فإذا كان وجود الحديث في كتاب صحيح يمنع البحث في دلالته، فلماذا ألّف العلماء شروح الحديث؟

ولماذا اختلفوا في فهم النصوص؟

ولماذا نشأت علوم الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ومشكل الحديث، ومختلف الحديث؟

إن السنة لا تحتاج إلى إغلاق باب العقل أمامها.

السنة تحتاج إلى فقه.


رابعًا: من «الحديث» إلى «التصوير»… حين يصبح الاحتياط دينًا عامًا

وانظر إلى قضية التصوير.

وردت نصوص شديدة في الصور والتماثيل، ولها سياقاتها وأحكامها المعروفة في الفقه الإسلامي.

لكن بعض الخطابات المتشددة أخذت هذه النصوص ووسّعت دائرة المنع حتى أصبحت الصورة الحديثة والتصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية كلها تقريبًا موضع ريبة وتحريم.

ثم لا يكفي ذلك!

بل قد يصبح التصوير معيارًا للولاء للسنة!

فتجد إنسانًا قد يكون أمينًا أو عالمًا أو نافعًا للناس، لكن يُحاكم دينيًا بسبب صورة!

هنا يجب أن نسأل:

هل أصبح المقصود من الشريعة مطاردة الصور، أم تحقيق مقاصدها؟

وما الفرق بين تمثال يُعظّم ويُعبد، وبين صورة شخصية؟

وما الفرق بين صناعة تمثال يقصد به التعظيم، وبين صورة توثيقية؟

وما الفرق بين الفن الهادف وبين وسيلة تستخدم في محرم؟

هذه ليست أسئلة «عقلانيين» يريدون هدم السنة.

هذه أسئلة فقهاء.


خامسًا: لماذا تتحول بعض الجزئيات عند الخطاب المدخلي إلى قضايا مصيرية؟

وهنا نصل إلى لب المشكلة.

لماذا نجد طاقة هائلة في الخطاب المدخلي في مسائل مثل:

التصوير، والغناء، واللباس، وبعض الجزئيات الفقهية، وموقف المسلم من بعض المخالفين…

بينما يقل الحضور بنفس القوة في قضايا:

العدل، والفساد، والاستبداد، والفقر، والتعليم، والبحث العلمي، والتنمية، والنهضة، وإصلاح مؤسسات المجتمع؟

هل الدين جاء ليخبرنا فقط:

ماذا نصور؟

وماذا نلبس؟

وماذا نسمع؟

وماذا نقول؟

أم جاء كذلك ليصنع إنسانًا عادلًا، وأمةً عالمة، ومجتمعًا أمينًا، وحضارةً قوية؟

هذه ليست دعوة لإسقاط الأحكام الشرعية.

بل دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات.

فليس كل حرام في درجة واحدة، وليس كل مستحب في درجة واحدة، وليس كل خلاف فقهي يستحق أن يتحول إلى معركة عقائدية.


سادسًا: الحضارة الأوروبية ليست «كتلة كفر» نرميها كلها في سلة واحدة

ومن أكثر مظاهر الخلل وضوحًا: النظرة إلى الحضارة الغربية.

هناك فرق بين:

نقد الفكر الغربي

وبين:

رفض كل ما أنتجته الحضارة الغربية.

يمكن أن نرفض فلسفة مادية أو تصورًا أخلاقيًا معينًا، وفي الوقت نفسه نستفيد من:

الطب، والهندسة، والعلوم الطبيعية، والجامعات، والمختبرات، ومناهج البحث، والتقنيات الحديثة، والإدارة، والتنظيم.

فهل العلم يصبح حرامًا لأنه تطور في أوروبا؟

هل الهاتف حرام لأنه لم يصنعه السلف؟

هل الطباعة محرمة لأنها لم تكن موجودة في القرن الأول؟

هل الطب الحديث مخالف للإسلام لأنه لم يكن موجودًا في المدينة؟

بالطبع لا.

العبرة ليست بجنسية الفكرة، وإنما بحقيقتها ومضمونها ومآلاتها.

والحضارة الإسلامية نفسها لم تُبنَ على رفض علوم الأمم الأخرى.

بل ترجمت، ودرست، وناقشت، ونقدت، وأضافت، وأبدعت.

وهذا هو الفرق بين حضارة واثقة من نفسها، وحضارة تخشى أن تتعلم من غيرها.


سابعًا: المشكلة ليست في «الغرب»… بل في العقلية التي لا تعرف إلا الرفض

العقلية التي ترى كل جديد خطرًا، وكل وافد بدعة، وكل فن فتنة، وكل صورة محرمة، وكل اختلاف ضلالًا، ستجد نفسها في النهاية عاجزة عن صناعة الحضارة.

لأن الحضارة تحتاج إلى:

سؤال.

وتحتاج إلى:

تجربة.

وتحتاج إلى:

بحث.

وتحتاج إلى:

نقد.

وتحتاج إلى:

إبداع.

أما إذا تربى الإنسان على أن كل جديد يجب أن يُفتش أولًا عن «شبهة تحريمه»، فسوف يتحول الدين في وعيه من قوة دافعة للعمران إلى حاجز نفسي أمام كل جديد.

وهذا ظلم للإسلام قبل أن يكون ظلمًا للحضارة.


ثامنًا: المدخلية لا تعاني من «كثرة السنة»… بل من ضيق طريقة توظيفها

وهنا يجب أن يكون النقد دقيقًا.

المشكلة ليست في التمسك بالسنة.

ولا في تعظيم الحديث.

ولا في دراسة الأسانيد.

ولا في محبة السلف.

كل ذلك من صميم التراث الإسلامي.

المشكلة في اختزال السنة في انتقاء مجموعة من المسائل والاشتغال بها وكأنها تختصر الدين كله.

السنة ليست فقط:

ماذا نقول في الصورة؟

وماذا نقول في الغناء؟

وماذا نقول في اللباس؟

وماذا نقول في المخالف؟

السنة أيضًا:

العدل، والرحمة، والأمانة، والعلم، والإحسان، ورفع الظلم، وحفظ الحقوق، وإصلاح المجتمع، وبناء الإنسان.

فإذا أصبحت السنة حاضرة في تفاصيل المظهر وغائبة عن جوهر الأخلاق والعدل، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل:

أيُّ سنة نريد أن نحيي؟


تاسعًا: أخطر ما في هذا الخطاب أنه يجعل «المخالفة الفقهية» تهمة دينية

من أخطر نتائج هذا المنهج أن مسائل الاجتهاد تتحول إلى اختبارات للسنة والبدعة.

فتجد المسألة التي اختلف فيها العلماء قرونًا تُعرض على الناس وكأن لها جوابًا واحدًا فقط.

ثم يُقال:

من خالف هذا القول خالف السنة!

ومن هنا تضيق دائرة الإسلام في وعي الناس.

والواقع أن الفقه الإسلامي أوسع بكثير من ذلك.

لقد اختلف الأئمة في مسائل لا تحصى، ولم يكن اختلافهم يعني أن أحدهم قرر هدم السنة.

بل كان الاختلاف جزءًا من ثراء الفقه.

ولهذا فإن تحويل كل خلاف فقهي إلى معركة «سنة وبدعة» هو في الحقيقة إفقار للتراث الفقهي الإسلامي.


عاشرًا: السؤال الذي يجب أن يُطرح على الخطاب المدخلي

إذا كانت مهمتكم هي حماية السنة، فالسؤال:

أين أثر هذه السنة في بناء الإنسان؟

إذا كنتم تحاربون البدع، فالسؤال:

هل حاربتم الظلم والفساد والجهل بالقدر نفسه؟

إذا كنتم تدافعون عن السلف، فالسؤال:

أين مشروع العلم والعمران والاجتهاد الذي صنع به أسلافكم حضارة؟

إذا كنتم ترفضون التأثر بالغرب، فالسؤال:

لماذا لا تأخذون منه أدوات القوة العلمية والتنظيمية التي لا تخالف الإسلام؟

وإذا كان همكم هو «اتباع الدليل»، فالسؤال الأهم:

هل اتباع الدليل يعني مجرد نقل النص، أم فهمه وجمعه وترتيب دلالاته ووضعه في موضعه الصحيح؟


الخاتمة: الإسلام أكبر من قائمة المحظورات

نحن لا نحتاج إلى إسلام جديد.

بل نحتاج إلى فهم أوسع للإسلام الذي عرفه العلماء عبر القرون.

إسلام لا يضع الحديث في مواجهة العقل.

ولا يضع السنة في مواجهة القرآن.

ولا يضع الفقه في مواجهة الحضارة.

ولا يجعل كل جديد عدوًا.

ولا يحول كل خلاف فقهي إلى معركة عقائدية.

ولا يجعل التدين مجرد مراقبة للناس في صورهم وملابسهم وأذواقهم.

الإسلام الذي نحتاجه هو الإسلام الذي يبني الإنسان قبل أن يراقبه، ويعلّم قبل أن يحرّم، ويعمر قبل أن يخوّف، ويقيم العدل قبل أن ينشغل بالهوامش.

فليست المشكلة أنكم تستشهدون بالحديث.

المشكلة حين يصبح الاستشهاد بالحديث وسيلة لإغلاق باب الفقه.

وليست المشكلة أنكم تحاربون المحرمات.

المشكلة حين تصبح المحرمات الصغيرة أكبر من قضايا الأمة الكبرى.

وليست المشكلة أنكم تتمسكون بالسلف.

المشكلة حين يُستدعى السلف لتبرير الجمود، بينما يُنسى الجانب الذي صنع منهم علماء ومفكرين وبناة حضارة.

وليست المشكلة أنكم ترفضون بعض مظاهر الحضارة الغربية.

المشكلة حين ترفضون معها العلم والتنظيم والتجربة والإنجاز لمجرد أنها جاءت من خارج بيئتكم.

والخلاصة:

السنة ليست شعارًا يُرفع لإسكات السؤال، والحديث الصحيح ليس رخصة لإلغاء الفقه، والسلف ليسوا ذريعة لإيقاف الاجتهاد، والدين ليس قائمة طويلة من المحظورات.

إنما الدين علمٌ وفقهٌ وعدلٌ وأخلاقٌ وعمران.

ومن أراد أن يدافع عن السنة حقًا، فليُظهر لنا كيف تبني السنة أمةً عالمة، عادلة، قوية، راقية، وقادرة على صناعة الحضارة.

فذلك أليق برسالة الإسلام من أن نبقى أسرى لمعركة لا تنتهي حول صورةٍ أو نشيدٍ أو جزئيةٍ فقهية، بينما تتراجع الأمة في ميادين العلم والعدل والعمران.

ليس كل حديث صحيح يفيد اليقين!

 

ليس كل حديث صحيح يفيد اليقين!

خبر الواحد، وأحاديث السحر، والتصوير… وهل يجوز أن نجعل بعض الروايات معيارًا للحكم على الحضارة والفنون؟

من أكثر القضايا التي تحتاج إلى تحريرٍ علمي في الخطاب الديني المعاصر: الخلط بين صحة الحديث وبين قطعية دلالته وثبوت معناه.

فليس كل ما صح إسناده يكون بالضرورة قطعي الثبوت كالمتواتر، وليس كل حديث صحيح يُفهم بمعزل عن القرآن، ومجموع السنة، وقواعد أصول الفقه، وفهم العلماء، وسائر الأدلة الشرعية.

وهنا تبدأ المشكلة حين يُقال للناس:

«هذا حديث صحيح، إذن لا مجال للنقاش!»

وكأن كلمة «صحيح» تعني أن الحديث أصبح قرآنًا من حيث درجة الثبوت، أو أن كل ما فهمه أحدهم من الحديث أصبح حكمًا نهائيًا لا يحتمل النظر والمناقشة.

وهذا تبسيطٌ شديد لمسألة من أدق مسائل علوم الحديث وأصول الفقه.


أولًا: صحة الإسناد لا تعني دائمًا قطعية الثبوت

علماء الأصول فرّقوا بين الخبر المتواتر وبين خبر الواحد، كما فرّقوا بين القطعي والظني، وبين صحة الرواية وبين دلالتها.

فالحديث قد يكون صحيح الإسناد، ومع ذلك يكون من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد عند جمهور الأصوليين لا تُساوى في درجة القطع بالقرآن أو الحديث المتواتر.

وهذا لا يعني إسقاط أحاديث الآحاد أو رد السنة!

وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة جدًا.

القول بأن خبر الواحد قد يكون ظني الثبوت لا يعني القول بأنه غير معتبر.

بل أخبار الآحاد لها مكانتها في الشريعة، ويعمل بها في الأحكام عند جمهور العلماء وفق ضوابطها.

لكن الخطأ هو أن ننقلها من دائرة الظن الراجح والحجة الشرعية إلى دائرة اليقين القطعي الذي لا يحتمل البحث، ثم نبني على ذلك نتائج عقدية أو تصورات كبرى عن الإسلام والكون والإنسان.

فليس كل حديث صحيح = قرآنًا.

وليس كل رواية صحيحة = حقيقة قطعية لا تحتمل النظر في دلالتها أو سياقها أو كيفية فهمها.


ثانيًا: وماذا عن أحاديث السحر؟

من أشهر الأمثلة التي تكشف أهمية هذه القضية: الأحاديث الواردة في قصة سحر النبي ﷺ.

فقد وردت في كتب الحديث روايات صحيحة الإسناد في هذا الباب، ومنها ما هو في الصحيحين.

لكن السؤال العلمي ليس مجرد:

«هل الحديث موجود في صحيح البخاري؟»

بل هناك أسئلة أخرى:

  • ما درجة ثبوته؟
  • هل هو متواتر أم آحاد؟
  • ما دلالته؟
  • كيف يفهم مع القرآن؟
  • ما الذي وقع على وجه التحديد؟
  • وهل يتعارض مع عصمة النبي ﷺ؟
  • وما الذي قاله العلماء في تفسيره؟

وهنا ظهر خلاف بين العلماء في فهم هذه الروايات وآثارها.

فبعض العلماء قبلها على ظاهرها مع تفسيرٍ يراعي عصمة النبي ﷺ، وبعضهم ناقش بعض دلالاتها أو تأولها، وبعض العلماء المتقدمين والمتأخرين توقفوا عند الإشكالات التي تثيرها.

وهذا يدل على حقيقة مهمة:

وجود الحديث في كتاب صحيح لا يعني أن باب الفهم والاجتهاد قد أُغلق.

بل قد يكون الحديث صحيحًا، ثم يقع الخلاف في دلالته وكيفية الجمع بينه وبين الأدلة الأخرى.

والعجيب أن بعض الخطابات المعاصرة تتعامل مع مثل هذه المسائل وكأن مجرد ذكر «البخاري» ينهي كل نقاش.

وهذا ليس منهج البحث العلمي.

فالإمام البخاري إمام جليل، وكتابه من أصح كتب الحديث، لكن الاستدلال بالحديث يحتاج إلى فقه الحديث، لا إلى مجرد رفع اسم الكتاب في وجه المخالف.


ثالثًا: القرآن لا يُفهم بمعزل عن القرآن!

وهذه قاعدة تبدو بسيطة، لكنها في غاية الأهمية:

النصوص الشرعية لا تُقرأ منفردة، وإنما تُفهم في ضوء مجموع النصوص.

فإذا وجدنا رواية ظاهرها إشكال، فلا يجوز أن نتعامل معها وكأنها النص الوحيد الموجود في الإسلام.

بل نجمع:

القرآن + السنة + أصول الشريعة + اللغة + السياق + أقوال العلماء + قواعد الجمع والترجيح.

وهذا هو الفقه الحقيقي.

أما أن نأخذ رواية واحدة، ثم نبني عليها تصورًا كاملًا عن النبي ﷺ أو المرأة أو الفن أو الحضارة أو المجتمع، فهذه ليست طريقة علمية في التعامل مع النصوص.


رابعًا: قضية التصوير… كيف تحولت المسألة إلى معركة حضارية؟

ومن الأمثلة اللافتة أيضًا: التصوير.

فالنصوص الواردة في التصوير والتماثيل شغلت العلماء قديمًا وحديثًا، وكان لها سياقها التاريخي والديني المعروف، خاصة ما يتعلق بعبادة الصور والتماثيل وتعظيمها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحكام المتعلقة بالصور والتماثيل إلى موقف شامل من كل أشكال الفن البصري والتصوير الحديث دون تفصيل.

فالتصوير الفوتوغرافي مثلًا ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في زمن النبي ﷺ بهذه الصورة التقنية المعروفة اليوم.

ولهذا كان طبيعيًا أن يقع بين العلماء بحث واجتهاد في تكييف التصوير الفوتوغرافي: هل يدخل في معنى التصوير المنهي عنه في النصوص على وجهه، أم أن له حكمًا مختلفًا باعتبار حقيقته وطبيعته؟

وهنا تظهر أهمية الفقه.

فالفقه ليس أن نقول:

«الصورة صورة، إذن كل تصوير حرام!»

بل نسأل:

ما الصورة التي ورد النهي عنها؟

ما علة النهي؟

هل النهي متعلق بذات صناعة الصورة؟

أم بما ارتبط بها من مضاهاة خلق الله أو التعظيم أو العبادة؟

وما الفرق بين التمثال والصورة؟

وما الفرق بين الصورة التي تُعبد وتُعظم، وبين صورةٍ تحفظ ذكرى أو توثق حدثًا أو تستخدم في التعليم والطب والإعلام؟

هذه الأسئلة ليست خروجًا على الدين.

بل هي عين الفقه.


خامسًا: عندما يتحول الخلاف الفقهي إلى رفض للفن كله

المشكلة ليست في أن يختلف العلماء في حكم جزئي.

فالاختلاف الفقهي قديم، وهو أمر معروف في التراث الإسلامي.

لكن المشكلة عندما يتحول الخلاف في بعض صور الفن إلى تصور يقول:

كل فن فساد، وكل جمال فتنة، وكل تصوير محرم، وكل موسيقى حرام، وكل مظاهر الجمال الوافدة من خارج البيئة الإسلامية خطر على الدين.

هنا لم نعد أمام حكم فقهي جزئي.

بل أمام رؤية شاملة للإنسان والحياة والحضارة.

والإسلام لا يطلب من المسلم أن يكره الجمال.

بل القرآن نفسه يقرر:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾

فالزينة والجمال ليسا عدوين للدين.

المشكلة تكون عندما يتحول الجمال إلى إسفاف، أو الفن إلى فساد، أو الصورة إلى وسيلة محرمة، أو الثقافة إلى أداة لهدم القيم.

أما أن نجعل الفن في ذاته جريمة، فهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وليست مجرد مسألة ذوقية.


سادسًا: وماذا عن الحضارة الأوروبية؟

وهنا نصل إلى قضية أكبر.

لقد حققت الحضارة الأوروبية الحديثة إنجازات هائلة في مجالات العلوم والطب والهندسة والفلسفة والتنظيم والتعليم والصناعة والفنون.

وهذا لا يعني أن الحضارة الأوروبية خالية من الأخطاء، ولا يعني قبول كل ما فيها.

ففيها جوانب فلسفية وأخلاقية وسياسية يمكن نقدها، كما أن تاريخها شهد استعمارًا وحروبًا ومآسي كثيرة.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين نقد بعض أفكار الحضارة الغربية وبين رفض كل ما أنتجته.

فهل الطب الأوروبي حرام لأنه أوروبي؟

وهل الهندسة حرام لأنها تطورت في الغرب؟

وهل الطباعة والتقنيات الحديثة محرمة لأنها لم تكن موجودة عند السلف؟

وهل تنظيم الجامعات ومناهج البحث العلمي يصبح مخالفًا للإسلام لمجرد أنه تطور في بيئة غير إسلامية؟

بالطبع لا.

المعيار ليس:

«من أين جاءت الفكرة؟»

بل:

«هل تتوافق مع الحق والقيم والمصلحة أم تتعارض معها؟»

وهذا فرق جوهري.


سابعًا: الحضارة ليست عقيدة واحدة

من الأخطاء الكبيرة أن نتعامل مع الحضارة وكأنها حزمة واحدة:

إما أن تقبلها كلها، أو ترفضها كلها.

وهذا غير صحيح.

يمكن للمسلم أن يأخذ من أي حضارة:

العلم النافع، والتقنية، والتنظيم، والخبرة، ووسائل التعليم، ومناهج البحث، والتجارب الإدارية الناجحة

ويرفض في الوقت نفسه:

ما يخالف عقيدته أو قيمه أو أحكام دينه.

وهذا ليس تناقضًا.

بل هو منطق الحضارة نفسها.

فالحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها لم تكن حضارة مغلقة؛ بل استفادت من علوم الأمم السابقة، وترجمت الكتب، وناقشت الفلسفات، وطورت العلوم، ثم أنتجت معرفة جديدة.

لم يكن المسلمون الأوائل يرون أن العلم يصبح حرامًا لمجرد أن أصله خارج الجزيرة العربية.


ثامنًا: المشكلة في «فقه المنع» عندما يصبح هو الأصل

المشكلة التي ينبغي أن نتوقف عندها ليست في تحريم شيء ثبت تحريمه.

فالحرام حرام، ولا يجوز أن نحلل ما حرمه الله.

لكن المشكلة حين يصبح السؤال الدائم:

«أين التحريم؟»

ويصبح الأصل في الحياة هو البحث عن الممنوعات، بدل السؤال عن:

ما الذي ينفع الإنسان؟

ما الذي يبني المجتمع؟

ما الذي يرفع مستوى التعليم؟

ما الذي يطور العلم؟

ما الذي يحفظ الأخلاق؟

ما الذي يحقق العدل؟

ما الذي يخدم الأمة؟

فالإسلام ليس كتابًا في قائمة الممنوعات.

الإسلام منهج حياة.

وفيه عبادات، وأخلاق، وعدل، وعمران، وعلم، وأسرة، واقتصاد، وسياسة شرعية، وتكافل، وإصلاح، وعمارة للأرض.


تاسعًا: لا تجعلوا الفروع الصغيرة هي صورة الإسلام كلها

حين يختزل الخطاب الديني الإسلام في:

حكم الصورة، وحكم الغناء، وحكم بعض أنواع اللباس، وحكم بعض الجزئيات الفقهية...

ثم لا يكاد يتحدث بالقدر نفسه عن:

العدل، والأمانة، والفساد، والفقر، والجهل، والتعليم، والبحث العلمي، وحقوق الناس، وإصلاح المجتمع، ومحاربة الظلم...

فهنا يجب أن نسأل:

هل اختلت عندنا موازين الأولويات؟

ليس معنى ذلك أن الأحكام الجزئية غير مهمة.

لكن ليس من الحكمة أن تتحول الجزئيات إلى المعركة الكبرى التي يُختزل فيها الدين كله.


الخلاصة

إن احترام السنة لا يعني إلغاء العقل.

وتعظيم صحيح البخاري لا يعني أن نمنع الفقه والاجتهاد.

وقبول خبر الواحد لا يعني جعله في درجة القرآن من حيث القطع.

والحديث الصحيح لا يعني أن كل فهم له يصبح قطعيًا.

والاختلاف في تفسير أحاديث السحر لا يعني الطعن في السنة.

والبحث في حكم التصوير لا يعني محاربة الدين.

والاستفادة من الحضارة الأوروبية لا تعني الذوبان فيها.

والإعجاب بالعلم والتقدم لا يعني التخلي عن الإسلام.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الدين من منظومة هداية واسعة إلى مجموعة من المعارك الجزئية، وعندما يصبح التشدد في الممنوعات أهم من بناء الإنسان.

نحن بحاجة إلى خطاب ديني يعيد ترتيب الأسئلة:

ليس فقط: ماذا نحرم؟

بل أيضًا:

ماذا نبني؟

ليس فقط: ما الذي لم يفعله السلف؟

بل:

ما الذي يحقق مقاصد الشريعة ومصالح الناس؟

ليس فقط: هل هذا الشيء جاء من الشرق أم الغرب؟

بل:

هل هو حق أم باطل؟ نافع أم ضار؟ موافق للقيم أم مخالف لها؟

وهنا يظهر الفرق بين دينٍ يُفهم بفقهٍ واسع، وبين خطابٍ يختزل الإسلام في دائرة ضيقة من المحظورات والخصومات.

الإسلام لا يخاف من العلم، ولا من الجمال، ولا من السؤال، ولا من البحث.

وإنما الذي يخشاه هو أن نتوقف عن التفكير باسم الدين.

🎵 هل حرَّم الإسلام الغناء والموسيقى؟

 

🎵 هل حرَّم الإسلام الغناء والموسيقى؟

بين فقه الدليل... ونزعة التحريم

من أكثر القضايا التي كثر فيها التشدد والجدال: الغناء والموسيقى والفنون.

فمن الناس من جعل الغناء كله حرامًا، والموسيقى كلها حرامًا، والفن كله موضع ريبة، وكأن الإسلام جاء ليخاصم الجمال، ويحارب الفرح، ويضيّق على الإنسان في كل وسيلة من وسائل الترويح عن النفس.

وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل بهدوء:

هل هذا هو حكم الإسلام فعلًا؟ أم أنه حكمٌ أوسع من الأدلة التي استند إليها أصحابه؟


🟥 الإسلام لا يحارب الفطرة

لقد جاء الإسلام لهداية الإنسان، لا لإلغاء إنسانيته.

والإنسان يحب الجمال، ويأنس بالصوت الحسن، ويحتاج إلى الترويح عن نفسه بعد التعب، ويحب الشعر والإنشاد والفنون.

والقاعدة التي قررها الفقهاء في كثير من أبواب المعاملات والعادات أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على التحريم.

ولهذا لا يكفي أن نستقبح شيئًا بطبعنا، أو لا نعتاده في بيئتنا، ثم نقول:

هذا حرام في الإسلام!

فالتحريم حكم شرعي، والحكم الشرعي يحتاج إلى دليل معتبر.


🟥 الغناء ليس شيئًا واحدًا

وهذه هي النقطة التي يغفل عنها كثيرون.

فالغناء ليس نوعًا واحدًا حتى يقال:

الغناء حرام كله.

فالكلام الذي يُغنى به قد يكون فاحشًا، يدعو إلى الرذيلة والانحلال، فهذا مرفوض لما فيه من مضمون محرم.

وقد يكون الغناء ممزوجًا بالخمر والفجور والعري والإثارة المحرمة، فهذا مرفوض أيضًا بسبب ما اقترن به من محرمات.

وقد يكون كلامًا شريفًا، يدعو إلى الفضيلة، أو يعبر عن مشاعر إنسانية مباحة، أو يحث على الشجاعة، أو يصف جمالًا، أو يعبر عن الحنين، أو يذكر بالله ويوقظ المشاعر الإيمانية.

فهل يستوي كل ذلك في الحكم؟

ليس من الفقه أن نسوي بين الأشياء المختلفة لمجرد اشتراكها في اسم واحد.


🟥 ابن حزم... أين الدليل على التحريم المطلق؟

وهنا يأتي موقف فقهي مهم يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

فقد ناقش الإمام ابن حزم الظاهري الأحاديث التي استُدل بها على تحريم الغناء والمعازف، وذهب إلى أن شيئًا من الأحاديث الواردة في الباب لا يثبت عنده على الوجه الذي يصلح لإثبات التحريم العام.

وكانت حجته الأساسية واضحة:

لا يجوز أن نحرم شيئًا من أفعال الناس إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة.

وهذا لا يعني أن ابن حزم أباح كل صورة من صور اللهو والغناء بلا قيد.

بل ميّز بين الغناء في ذاته، وبين ما يقترن به من محرمات.

وهذا التفريق مهم جدًا.

فإذا كان الغناء يتضمن كلامًا فاحشًا، أو يدعو إلى المعصية، أو يصاحبه شرب الخمر والفجور، فهو محرم بما فيه أو بما يصاحبه من محرمات.

أما أن ننتقل من تحريم تلك الصور إلى القول:

كل صوت حسن، وكل لحن، وكل موسيقى، وكل غناء حرام!

فهنا نحتاج إلى دليل يساوي في قوته حجم هذا التعميم.


🟥 "لهو الحديث" ليس نصًا في تحريم كل غناء

ومن أشهر ما يستدل به بعضهم قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾

لكن الآية نفسها تذكر العلة:

﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾

فالمذموم هنا ليس مجرد وجود لهو أو صوت أو ترفيه، وإنما استعماله في الإضلال عن سبيل الله واتخاذ آيات الله هزوًا.

ولو اشترى إنسان كتابًا أو استخدم وسيلة مباحة ليضل بها الناس عن الحق، فإن المشكلة ليست في الكتاب أو الوسيلة من حيث ذاتها، وإنما في الغرض المحرم الذي استُعملت فيه.

وهذه قاعدة ينبغي ألا نغفل عنها.


🟥 الغناء كلام... والكلام منه حسن ومنه قبيح

وهذا المعنى عبّر عنه علماء كبار بكلمات متقاربة.

فإذا كان الكلام حسنًا، فحسنه لا يتحول إلى قبح لمجرد أنه أُلقي بصوت جميل.

وإذا كان الكلام فاحشًا، فلا يصبح مباحًا لمجرد وجود اللحن.

ولهذا يمكن أن نقول ببساطة:

الغناء كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، وما يصاحبه من محرمات يأخذ حكمها.

فأغنية تدعو إلى الخمر ليست كأغنية تدعو إلى الفضيلة.

وأغنية تثير الغرائز ليست كإنشاد يعبّر عن الحنين أو الشوق.

وأغنية تمجد الظلم ليست كقصيدة تحرض على مقاومة الظلم.

فكيف نجعل الحكم واحدًا على الجميع؟


🟥 حتى عمر رضي الله عنه لم يجعل كل إنشاد مذمومًا

ومن الأخبار التي ذكرها بعض أهل العلم ما يتعلق برجل كان ينشد شعرًا في المسجد، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء إليه ليستوثق من الأمر.

فلما سمع ما ينشده الرجل من كلام يحاسب فيه نفسه ويذكرها بالله، لم يمنعه، بل استحسن معناه.

والعبرة هنا ليست بإثبات حكم فقهي من رواية واحدة دون بحث في سندها ودلالتها، وإنما في المبدأ الذي يظهر في التعامل مع الإنشاد: النظر في مضمونه ومقصده، لا إطلاق حكم واحد على كل صوت وشعر.


🟥 الغناء الشريف يمكن أن يخدم القيم

تخيل قصيدة في الحرية.

أو نشيدًا يحث على العلم.

أو إنشادًا يوقظ مشاعر الإيمان.

أو شعرًا يذكر الإنسان بفناء الدنيا.

أو كلمات تواسي المكلوم.

أو عملًا فنيًا يزرع في الإنسان حب الخير والجمال.

هل يعقل أن نجمع كل ذلك في سلة واحدة ونقول:

حرام!

إن الفن يمكن أن يكون أداة للبناء كما يمكن أن يكون أداة للهدم.

والسؤال الصحيح ليس:

هل هذا فن؟

وإنما:

ماذا يقول هذا الفن؟ وإلى ماذا يدعو؟ وما أثره في الإنسان؟


🟥 المشكلة في البيئة الفنية... لا في اسم الفن وحده

نعم، لا يمكن إنكار أن كثيرًا من البيئات الفنية عبر العصور والبلدان ارتبطت أحيانًا بالمجون والخمر والفحش والاستغلال.

وهذا أمر ينبغي إنكاره.

لكن هل يصح أن نقول:

بعض الفنانين فاسدون، إذن الفن حرام؟

لو صح هذا المنطق لقلنا:

بعض الصحفيين كاذبون، إذن الصحافة حرام!

وبعض رجال الدين فاسدون، إذن الدين باطل!

وبعض التجار يغشون، إذن التجارة محرمة!

وهذا استدلال فاسد.

فساد بعض المشتغلين بمجال ما لا يعني فساد المجال كله.


🟥 لا تجعلوا عاداتكم المحلية دينًا

وهذه من أخطر المشكلات.

فقد ينشأ الإنسان في بيئة معينة لا تسمع نوعًا من الموسيقى، ولا تعرف لونًا من الفنون، فيتصور أن ما لم تألفه بيئته حرام شرعًا.

وهنا يجب التفريق بين:

ما لا أحبه أنا،

و

ما حرمه الله.

فليس كل ما نستقبحه بطباعنا حرامًا.

وليس كل ما ألفناه حلالًا.

الميزان هو الدليل الشرعي، لا العادة الشخصية.


🟥 لا إفراط... ولا تفريط

والإنصاف يقتضي أن نقول أيضًا:

الدفاع عن إباحة بعض صور الغناء لا يعني إباحة كل ما يسمى فنًا.

فالفحش محرم.

والعري محرم.

والدعوة إلى الخمر والزنا والمعصية محرمة.

والإثارة الجنسية المحرمة محرمة.

والفن الذي يهدم الإنسان ويزين له الرذيلة ليس فنًا نافعًا لمجرد أنه يحمل اسم الفن.

لكن في المقابل:

ليس من الإسلام أن نضع كل الغناء والموسيقى والفنون في خانة واحدة، ثم نحكم عليها كلها بالتحريم دون تفصيل.


🟥 الإسلام لا يخاف من الجمال

إن الإسلام دين جاء بالحق والجمال والرحمة.

والقرآن نفسه يخاطب الفطرة، ويوقظ الحس، ويعرض صور الكون والإنسان والحياة بأسلوب يأسر القلب والعقل.

والجمال في التصور الإسلامي ليس عدوًا للدين.

بل المشكلة حين يتحول الجمال إلى وثن، أو الفن إلى وسيلة للفساد، أو المتعة إلى عبودية للشهوة.

أما أن نتصور أن المسلم يجب أن يعيش دائمًا عابس الوجه، يرفض كل ترويح، ويشتبه في كل صوت جميل، ويجعل التحريم هو الإجابة الأولى لكل شيء جديد...

فهذا ليس بالضرورة هو الورع، وقد يكون أحيانًا نتيجة تضييق ما وسّع الله فيه.


🟥 المشكلة ليست في الغناء وحده... بل في منهج التفكير

وهنا نصل إلى القضية الأهم.

إن معركة الغناء والموسيقى تكشف مشكلة أوسع في الخطاب الديني:

هل نملك الجرأة على التفريق بين النص الصحيح والنص الضعيف؟

هل نميز بين القطعي والظني؟

هل نعرف الفرق بين الحكم على الفعل والحكم على السياق؟

هل نعرف أن الخلاف الفقهي لا يعني أن أحد الطرفين يكره السنة والآخر يحبها؟

هل نعرف أن الأئمة اختلفوا في مسائل كثيرة دون أن يكفر بعضهم بعضًا أو يبدع بعضهم بعضًا؟

هذه هي الثقافة الفقهية التي نحتاج إليها.


🟥 كلمة أخيرة

أنا لا أدعو إلى الانفلات.

ولا أدعو إلى أن يصبح الفن بابًا لتدمير الأخلاق.

ولا أرى أن كل ما يقدم تحت اسم الموسيقى أو الغناء مباح.

بل أقول:

دعونا نزن الأشياء بميزان الشريعة، لا بميزان العادات والانطباعات.

دعونا نحرم ما حرمه الله بدليل.

ونبيح ما أباحه الله بدليل.

ونفرق بين الفن الراقي والفن الهابط.

وبين الترويح المباح والمجون المحرم.

وبين الجمال الذي يرفع الإنسان، والشهوة التي تستعبده.

لا تجعلوا الإسلام في مواجهة مع كل جمال.

ولا تجعلوا الورع مرادفًا للتحريم.

ولا تجعلوا كل اختلاف فقهي معركة على الدين.

فالإسلام أوسع من ذلك.

والشريعة أعمق من ذلك.

والفقه ليس أن تعرف كيف تقول:

"حرام!"

في كل مرة...

بل الفقه الحقيقي أن تعرف:

متى يكون الشيء حرامًا، ولماذا يكون حرامًا، ومتى يكون مباحًا، وأين تقف حدود الله.

🎵 ليس كل ما يُغنّى حرامًا...

كما أن ليس كل ما يُغنّى مباحًا.

والميزان ليس ذوق الواعظ...

بل الدليل الشرعي والفهم الصحيح له.

التطرف في التحريم نزعة غير إسلامية

 الغناء

خبر الواحد وقيمته ـ ابن حزم يناقش ما ورد في تحريم الغناء من أخبار ـ الترويح عن النفس بالمباحات ـ نماذج للغناء الشريف ـ فساد أغلب البيئات الفنية ـ التطرف في التحريم نزعة غير إسلامية.

محمد صاحب الرسالة الخاتمة أحب البشر إلينا وأجلهم نعما لدينا!.وإذا حسبت أقدار الناس، وفق جهادهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، فمحمد أصدقهم قيلا وأهداهم سبيلا وأقدرهم ـ بالخلق الجميل، والصبر الطويل ـ على إبراز الحقيقة وحمايتها وتفتيح الجفون المغلقة على سناها..

لقد أنصف الوحي الإلهي كله، وصانه مما عراه خلال القرون الأولى، وعرفنا بالله الأحد الصمد، وخط لنا سبيل رضاه في وجه سلطات شرسة وكهانات خرقة وجماهير وتوارث الخبال.

ولم يزل يصابر الليالي ويكافح الطغاة حتى بلغ رسالة الهدى والخير، فله في أعناقنا صنائع المعروف لا ننساها له أبدا، وإن جهل الجاهلون وجحد الجاحدون...

إن نبوة محمد تلقى في هذا العصر تحديا نلقاه بالازراء تشارك فيه الصهيونية والصليبية والشيوعية يحاولون جميعا غمط حقه وبخس تراثه! ولكننا ننظر الى ما تقدم هذه النحل للدنيا من عوج وشر وما يقدمه محمد للدنيا ـ في كتابه وسنته ـ من استقامة وخير، ونعلم أن المستقبل لنا، وأن يوم الإسلام قادم «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

والمهم أن نعرف رسالتنا بصدق، وأن نطبقها على أنفسنا بوفاء، وأن نبلغها الى الناس سماوية لا يعلق بها من أكدار الأرض قذى ينفر منها أصحاب الفطر السليمة...

نحن نعلم أن الأنبياء كلهم مبلغون عن الله، ولا نعجب عندما نقرأ قوله تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله..» وقوله: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم...».

فللرسول علينا حق السمع والطاعة ونحن ندرس سيرته لننهج نهجه ونقتفي أثره ونقتدي به فيما فعل وترك.

ولا خلاف بين المسلمين في أن محمدا أسوتهم الحسنة وإمامهم الأول والصورة العملية الوسيمة لما في القرآن الكريم من هدى ونور.

وعندما نقرر مصادر الأحكام فالإجماع منعقد على أن الأصلين الأولين هما الكتاب والسنة... والكتاب لا ترقى إليه شبهة فهو متواتر حرفا حرفا، ونحن نؤمن به جملة وتفصيلا..

وما بلغ من السنة درجة اليقين فسبيله سبيل القرآن الكريم لا يزيغ عنه إلا هالك! ومن علم على وجه اليقين أن رسول الله أصدر أمرا ثم قرر رفضه فقد انسلخ عن الملة، لا خلاف في هذا.

وإذ وقع لغط حول حديث ما فمداره: هل قال الرسول هذا؟ أم لم يقله..! فالكلام في صحة النسبة وفي ضمانات هذه الصحة لا في جواز التقدم بين يدي الله ورسوله، أو أخذ ما يعجب وترك ما لا يعجب..!!.وقد قرأت البحث  الذي كتبه الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي في أسلوب التعامل مع السنة(*) فوجدته أوفى على الغاية وجمع أنفس ما يقال في هذه القضية، والحق أن الشيخ يوسف من العلماء الذين يظهرون بقلة في تاريخنا ولهم رسوخ في الفقه والأثر، وبصر بالنص الإلهي وواقع الحياة، بل هو في ميدانه إمام من الثقات العدول، والدعاة الأمناء..

وأنا أطمع في أن أضيف الى جهده أشياء ليست استداركا عليه، وإنما هي إضافات توضح مواقف جمهرة المسلمين من السنة الشريفة، عندما يتركون حديثا من الأحاديث لملحظ آخر من ملاحظ الشريعة رأوه أجدر بالترجيح..

وقبل أن أشرح ما عندي أحب أن أقول: إنني مع الجماعة الكبرى أستظل بلوائها وانتظم في صفوفها وأكره الشذوذ وأرفض الخروج على ما ارتضاه جمهور الأمة..

إنني أعرف العداوات الرهيبة التي تواجهها أمتنا في هذه السنوات العجاف، وأريد أن تبقى جبهتنا متحدة لصون بيضتنا وكبت عدوانا.

لقد تخرجت في الأزهر من نصف قرن، ومكثت في الدراسة بضع عشرة سنة لم أعرف خلالها إلا أن حديث الآحاد يفيد الظن العلمي، وأنه دليل على الحكم الشرعي ما لم يكن هناك دليل أقوى منه، والدليل الأقوى قد يؤخذ من دلالات القرآن القريبة والبعيدة، أو من السنة المتواترة، أو من عمل أهل المدينة...

والقول بأن حديث الآحاد يفيد اليقين كما يفيده المتواتر ضرب من المجازفة المرفوضة عقلا ونقلا ومن هنا فقد ألفنا قبول أحكام شتى تخالف المتبادر من بعض المرويات الصحيحة.

كنت وأنا أدرس الفقه على المذهب الحنفي أسمع المالكيين يقولون: من أفطر في رمضان ناسيا فعليه القضاء، أو يقولون: الشك ينقض الوضوء، وهذا يخالف أحكاما مقررة عندنا تعتمد على أحاديث صحيحة..

وكنا لا نقرأ حرفا وراء الإمام في الصلوات الخمس، أو نترك البسملة أحيانا لما استقر عندنا من مرويات، على حين كان الشافعيون يصرون على تلاوة الفاتحة ويرون البسملة جزءا منها..

ولم نكن نشعر بغضاضة من هذا الاختلاف، وإذا ثار جدل علمي ركد بعد قليل غير مخلف غضبا ولا أسفا..

وفي المذهب الحنفي يعرف الفرض بأنه ما ثبت بدليل قطعي، أما الواجب ـ وهو دون الفرض ـ فما ثبت بدليل ظني، ويعني ذلك أن حديث الآحاد لا يثبت به فرض، كما أنه لا يقع به تحريم، بل يفيد الكراهية وحسب...

وعندما توغلنا في دراسة القرآن الكريم وجدنا المفسرين المحققين يجنحون الى ذلك المنهج. يقول صاحب المنار: «التفرقة بين ما ثبت بنص القرآن من الأحكام، وما ثبت بروايات الآحاد وأقيسة الفقهاء ضرورية، فإن من يجحد ما جاء في القرآن الكريم بحكم بكفره، ومن يجحد غيره ينظر في عذره! فما من إمام مجتهد إلا وقد قال أقوالا مخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة لأسباب يعذر بها، وتبعه الناس على ذلك..

ولا يعد أحد ذلك عليهم خروجا من ادين حتى من لا عذر له في التقليد..».ثم نقل صاحب المنار عن ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين قوله: «الربا نوعان جلي وخفي، فالجلي حرم لما فيه م الضرر العظيم والخفي حرم لأنه ذريعة الى الجلي...».

ويرى ابن القيم أن ربا الفضل المعروف في حديث الأصناف الستة إنما حرم من باب سد الذرائع، والواقع أن ربا الفضل لا يكاد يوجد في الحياة العملية! فما معنى أن تبيع جراما من ذهب بجرام من ذهب مثلا بمثل، هاء وهاء؟.

المقصود إغلاق الباب من بعيد على ربا النسيئة... والحق أن الحديث المتفق عليه في تحريم التفاضل والإرجاء بين الأصناف الستة لا يفهم إلا في ضوء بيان ابن القيم..

إن العقائد والأركان والمعالم الرئيسة لديننا تؤخذ مما نقل بالتواتر، أو مما استفاضت شهرته من الصحاح أما الأحكام الفرعية فلا بأس عند تقريرها من النظر في أحاديث الآحاد، وقد بذل علماؤنا جهدا مقدورا مشكورا في ضبطها،إنهم لم يهدروا نقل عدل ضابط، بل أعطوه ما يستحق من اهتمام بيد أننا في ميدان الشهادة لا نحمي دماء الناس وأعراضهم وأموالهم بشهادة رجل واحد مهما كانت جلالته، إننا نطب شاهدين أو أربعا في الإثبات، ودين الله أهم من دنيا الناس!.

ذلك، وهناك قضايا لا يجوز فيها التساهل لخـطورتها، وقد شعرت بالغيظ والحرج وأنا أقرأ أن يهوديا وغدا سحر النبي عليه الصلاة والسلام وأعجزه عن مباشرة نسائه مدة قدرها ابن حجر بستة شهور! أكذلك تنال القمم؟.

قالوا: كما يستطيع سفيه أن يقذفه بحجر أو كما يستطيع مجرم أن يصيبه بجرح! وهذا اعتذار مرفوض، فإن السحر تسلط على الإرادة والفكر وهذا مستحيل، لاسيما والوسيلة تسلط أرواح شريرة، أو بعض الجن.. على الجهاز العصبي للإنسان، فيوقعه في اضطراب وحيرة...

وقد سرني ان الشيخ محمد عبده رفض هذا الحديث، وساءني أن الرجل الضخم اتهم في دينه لهذا الموقف المعظم لقدر الرسول!!.

وسمعت الشيخ محمد أحمد عثمان رحمه الله ـ وكان وكيلا للجمعية الشرعية في مصر ـ يقول: إن في سند حديث السحر مقالا، فقلت له: لست من علماء هذا الفن! وكل ما لاحظت على السند أنه يجعل نزول المعوذتين في المدينة، وهما في «علوم القرآن» وعند كتاب المصاحف نزلتا بمكة...

إنني أطيل النظر في كتب السنة، معتقد أن بها كنوزا ثمينة من تراث النبوة، واستهدى فطرتي في تجنب الضعيف وقبول الصحيح، وهي  فطرة صقلتها التلاوة الدائمة لكتاب الله، والحب الصادق لهذا الوحي المبارك، والدراسة الحسنة لمناهج الفقهاء الأربعة الكبار ومن يليهم من أهل الذكر وقادة الفكر.!.

ومن هنا ابتعدت عن أحاديث تركها أبو حنيفة ومالك وغيرهما، وإن رواها المشتغلون بجمع الأحاديث.لقد تركها الأئمة بتلطف وأدب، وأمامي الآن تفسير المنار لقوله تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» يقول الشيخ رشيد: لم نر في الأحاديث الصحيحة ما هو أقرب الى كلام الصوفية منه الى كلام الله عز وجل الا حديث «من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب...»!!.

وقد انفرد به البخاري وفي سنده ما في متنه غرابة! قال الحافظ ابن رجب: هذا الحديث تفرد البخاري بإخراجه دون بقية أصحاب الكتب.

الى أن قال: وهو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة عن خالد ابن مخلد، وليس في مسند أحمد، مع أن خالدا هذا تكلم فيه الإمام أحمد وغيره وقالوا: له مناكير! ثم قال: وقد روى من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال! وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب اختلاف أئمة الجرح والتعديل في خالد، ومنه تصريح جماعة بروايته للمناكير وفي الميزان للذهبي: يكتب حديث ولا يحتج به! الخ...

قال الشيخ رشيد: وأما الغرابة في متن هذا الحديث فهو قوله تعالى ـ والحديث قدسي ـ ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به.. الخ الذي استدلوا به على الحلول والاتحاد وقد أوله العلماء، وبينت أمثل تأويل له عند الكلام على حب الله تعالى...

والإنصاف يقضي علي بأن أوكد مكانة صحيح البخاري فهو بلا ريب أدق كتب السنة، ومن الإنصاف كذلك توكيد احتواء كتب السنة على آلاف الأحاديث المقبولة، بذل الأسلاف في تدوينها جهودا مضية، ولا تتم الإفادة منها إلا بتعاون الفقهاء، والمحدثين جميعا على ضبط معانيها ومغازيها.

والمأساة التي نعاني منها، ونخشى بلاءها على الصحوة الإسلامية تجئ من قبل قوم يسمون أنفسهم «الأخوة أهل الحديث» نلحظ عليهم عيوبا ثلاثة:

اكتراثهم بالمرويات الواهية، وبناء العلالى فوقها.

ثم سوء فهمهم للصحاح وتعصبهم لما يفهمون من أخطاء.

ثم عجزهم عن إدراك الحكمة القرآنية، ووقوفهم بعيدا عن محاور القرآن وغاياته...

وقد نستطرد في الشكوى فنقول: إن من هؤلاء من يرفع خسيسته بالطعن في الأئمة الكبار، ومن يواري سوأته باللجاجة في تكبير أحكام محدودة أ» تجسيم خلاف تافه...

ولأكن صريحا في توضيح ما أخافه. منذ أيام وقف بين الإسلاميين في الجزائر من يصيح بأعلى صوته:

إن المرأة في الإسلام خلقت لكي تلد الرجال! لا عمل لها إلا هذا..

وهذه الصيحة تنطلق والغزو الثقافي الديني والشيوعي يعد المرأة بالعلم والكرامة واستكمال الشخصية والمشاركة في إصلاح الأرض وغزو الفضاء! قلت للإسلاميين وأنا كاسف البال: قفوا هذا المجون قبل أن ترتد الجزائر وتستولي عليها فرنسا مرة أخرى..

هذا المتحدث المسكين باسم الإسلام لا يعرف إلا حديثا مكذوبا أن المرأة لا ترى رجلا ولا يراها رجل وأنها خلقت ليفترشها فحل وحسب!.وهذا متحدث إسلامي آخر يرى أن خروج الرسول في «بدر» يدل على جواز أن تكون الحرب في الإسلام هجومية! بل يدل على أن الإسلام قام بالسيف!.

يقع هذا الفهم والمسلمون لا يقدرون على التقاط أنفاسهم من وطأة الهجوم عليهم!! لا يصنعون سنانا ولا يقدمون برهانا.. ولا أمضي في هذه الشكاة فالأمر يطول...

من حق المهتمين بالأحاديث الضعيفة أن يذكروها بعيدا عن دائرة العقائد والأحكام التشريعية.

فإن الدماء والأموال والأعراض أ:بر من أن تتداول فيها شائعات علمية.

وكذلك أصول التربية، وتقاليد المجتمع، والشعائر التي يشخص اليها الرأي العام، وتعد منارات على حقائق الإسلام وأهدافه في الحياة...

يمكن الاكتراث بالأحاديث الضعيفة في قضايا هامشية أو حيث تكون زيادة تنبيه الى ما قررته الأدلة المحترمة فيك تاب الله وسنة رسوله...

وهذا هو منهج علمائنا من قديم، ولكن طوائف من العوام، أو من ذوي الأغراض حادوا عن هذا المنهج فرأينا أشياء تهتاج لها جماهير ما كان السلف الأول يأبه لها!!.

وتم ذلك على حساب حقائق الإسلام الكبرى في مجال العقيدة والشريعة، ومجال الإدارة والاقتصاد والسياسة!.

بل أستطيع القول بأنه تم على حساب الأخلاق والتزكية التي بعث بها صاحب الرسالة العظمى..

ومن الدهماء من يهتم بقضية رفع اليدين قبل الركوع وبعده أكثر مما يهتم بتوفير الخشوع والقنوت بين يدي الله سبحانه وتعالى، وخلاف الفقهاء في هذه القضية معروف..

والبعد الذي لاحظناه عن منهج السلف يرجع الى انتشار الأحاديث الضعيفة، ويرجع قبل ذلك الى انتشار مقولة لم يكن لها رواج بين الفقهاء القدامى، وهي أن حديث الآحاد يفيد اليقين العلمي الذي يفيده المتواتر!!

إن الحديث الصحيح له وزنه، والعمل به في فروع الشريعة له مساغ وقبول، وتركه لأدلة أقوى منه أمر مقرر مأنوس بين فقهائنا، أما الزعم بأنه يفيد اليقين كالأخبار المتواترة فهي مجازفة مرفوضة...

وقد قال لي أحد المتمسكين بأن خبر الواحد يفيد اليقين: إن المدرس ـ وهو رجل واحد ـ يؤتمن على التعليم، وأن السفير ـ وهو رجل واحد ـ يؤتمن على أخبار دولته، وأن الصحافي في الحديث الذي ينقله يؤتمن على ما يذكره... الخ.

قلت: إن العنعنات التي تنقل بها المرويات ليست مثل ما ذكرت من وقائع!.

وإذا فرضنا جدلا أنها مثلها من كل وجه فإن اليقين لا يستفاد من هذه الوقائع، فإن المدرس قد يخطئ فيصحح نفسه أو يصحح له غيره! والسفير ترقبه دولته وقد تراجعه فيما بلغ، وكذلك الأحاديث الصحافية، إن ما يحفها من قرائن النشر والإقرار أو الرد يجعل الثقة بها أقرب.

ونحن مع تحرى عالة الشاهد لا نكتفي بشاهد واحد، وربما طلبنا أربعة شهداء حتى نطمئن الى صدق الخبر.

والشاهدان أو الأربعة ينشئون ظنا راجحا، ولا ينشئون يقينا ثابتا، بيد أن حماية المجتمع لا تتم إلا بهذا الأسلوب، أسلوب قبول الظن الراجح! وهو ما قامت عليه الشرائع والقوانين في دنيا الناس...

وذلك كله غير بناء العقائد في النفوس، وإقامة الأمم عليها، إن العقائد أساسها اليقين الخالص الذي لا يتحمل أثارة من شك..

وعلى أية حال فإن الإسلام تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقلي، ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر واحد، أ» تخمين فكر..

ثم يجيء دور التشريع في تحديد مسار الأمة العام، ومسالك الأفراد الخاصة، وعندنا في هذا من النصوص ما هو قطعي الثبوت والدلالة، وما هو ظني الثبوت والدلالة، وما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة، وما هو ظني الثبوت قطعي الدلالة!.

واستفادة الأحكام من مصادرها لها علم خاص بها ولها رجال ثقات وعلى العامة أن تسمع وتطيع.

وقد رأيت في هذه الأيام من يسمى نفسه أمير جماعة، والجهد الذي يتصبب له عرقا وهو يقوم به، هو إشاعة النقاب بين النساء، أو إشاعة الجلباب بين الرجال، أو تحريم الذهب على النساء والرجال جميعا، أو ترك شعر اللحية ينمو فلا يؤخذ منه شيء حتى لقاء الله!!!.

أهذه غايات تتكون لها جماعات؟ والغريب أن الأحاديث الواهية والخلافات الفرعية لها حظوظ متناقضة أو طوالع سعد ونحس!! فلست تدري لماذا عشت هذه؟ ولماذا ماتت تلك..؟.

في مصر تحتفل العامة بلية النصف من شعبان وليست لهذه الليلة القيمة التي تعطيها هذا الشأن الرفيع، وفي حديث مع أحد الأخوة من علماء الخليج قال: إن للأحاديث الموضوعة والواهية سوقا رائجة عندكم! قلت: للأسف وعندكم كذلك!.

قال: نحن نتحرى الأحاديث التي نصدر وفقها أحكامنا! فضحكت وأنا أرد عليه بإجابة سريعة:

أظن الأحاديث التي وردت في ليلة النصف أقوى من الأحاديث التي وردت في تحريم الغناء!.

أجاب مستنكرا: هذا غير صحيح! إن تحريم الغناء وآلاته ثابت في السنة النبوية...

قلت له: تعال نقرأ سويا ما قاله ابن حزم في ذلك الموضوع، ثم انظر ما تفعل...

قال ابن حزم: «وبيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير حلال كله ومن كسر شيئا من ذلك ضمنه، إلا أن يكون صورة مصورة ـ تمثالا مجسما ـ فلا ضمان على كاسرها، وتضمين المعتدي على هذه الأشياء واجب، لأنها مال من مال مالكها».

قال: «وكذلك يجوز بيع المغنيات ـ من الجواري ـ وابتياعهن! وأساس الجواز في كل ما ذكرنا قوله تعالى: «خلق لكم ما في الأرض جميعا»(44) وقوله: «وأحل الله البيع»(45)، وقوله: «وقد فصل لكم ما حرم عليكم»(46) ـ يعني أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأنه لا تحريم إلا بنص، وقد فصل الله ما حرم في كتابه وعلى لسان نبيه، ولم يأت نص بتحريم شيء مما ذكره من البيوع السابقة» ثم ذكر ابن حزم أن أبا حنيفة يوجب الضمان على من كسر شيئا من آلات اللهو التي سماها آنفا!

قال: «واحتج المانعون بآثار لا تصح، أو يصح بعضها ولا حجة لهم فيها.. منها عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها» قال ابن حزم وهو يناقش سند هذا الحديث: «فيه من الرواة» ليث وهو ضعيف، وسعيد بن أبي رزين، وهو مجهول لا يدري من هو؟ عن أخيه؟ وما أدراك ما عن أخيه! هو ما يعرف وقد سمى فكيف أخوه الذي لم يسم؟.

وعن علي بن أبي طالب قال رسول الله: إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء...

منهن «واتخذوا القينات والمعازف، فليتوقعوا عند ذلك ريحا حمراء ومسخا وخسفا».

قال  ابن حزم في رواة هذا الحديث: لاحق بن الحسين وضرار بن علي والمحمصي مجهولون. وفرج ابن فضالة متروك...

وعن معاوية قال: «نهى رسول الله عن تسع، وأنا أنهاكم عنهن الآن، فذكر فيهن الغناء والنوح» قال ابن حزم: في رواته محمد بن المهاجر ضعيف، وكيسان مجهول!.

وروى أبو داود بسنده عن شيخ(!) عن ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «إن الغناء ينبت النفاق في القلب»!.

يقول ابن حزم: الرواية عن شيخ عجب جدا! من هذا الشيخ؟.

وعن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف، والقينات يخسف الله بهم الأرض».

قال ابن حزم وهو يناقش السند: معاوية بن صالح ضعيف، وليس فيه أن الوعيد المذكور إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر، والديانة لا تؤخذ بالظن.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: «من جلس الى قينة فسمع منها صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة» والآنك هو الرصاص المذاب.

قال ابن حزم: هذا حديث موضوع فضيحة، ما عرف قط  عن طريق أنس!!.

وعن مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله: «من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه»..

قال ابن حزم: مكحول لم يلق عائشة، وهاشم وعمر الراويان مجاهيل!

وهناك حيث لا ندري له طريقا وهو «نهي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن صوتين ملعونين صوت نائحة وصوت مغنية» وسنده لا شيء!.

وعن أبي أمامة سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، وثمنهن حرام». وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله وهو «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا»(47)، والذي نفسي بيده ما رفع رجل قط عقيرته بغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان على صدره وظهره حتى يسكت» وقد نظر ابن حزم في الرواة فوجدهم بين ضعيف ومتروك ومجهول..

ولعل أهم ما ورد في هذا الباب ما رواه البخاري معلقا عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف».

ومعلقات البخاري يؤخذبها، لأنها في الغالب متصلة الأسانيد، لكن ابن حزم يقول: إن السند هنا منقطع، لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد راوي الحديث...

نقول: ولعل البخاري يقصد أجزاء الصورة كلها، أعني جملة الحفل الذي يضم الخمر والغناء والفسوق، وهذا محرم بإجماع المسلمين..

قال ابن حزم عن تحريم الغناء: «لا يصح في هذا الباب شيء أبدا، وكل ما ورد فيه موضوع، والله لو أسند جميعه أو واحد منه عن طريق الثقات الى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ترددنا في الأخذ به.

ثم نظر ابن حزم في الآية الكريمة: «ومن الناس من يشتري لهوا لحديث ليضل عن سبيل الله..»

فنفى أن تكون في الغناء وقال: إنه نصفها يشرح المراد منها، فإن من يريد الإضلال عن سبيل الله واتخاذها هزوا كافر بإجماع المسلمين.

قال: ولو أن امرءا اشترى مصحفا ليضل عن سبيل الله لكان كافرا..!

إن الله ما ذم قط من روح عن نفسه بشيء من اللهو ليعينه على الكثير من الجد، وإنما الأعمال بالبينات ولا حرج على مسلم أن ينظر في بستان متنزها، أو يتنقل هنا وهناك  متفرجا ليريح طبعه المكدود..

والحق أن الغناء كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح! هناك أغان آثمة، تلقى في ليال ظالمة مظلمة وإن كثرت فيها الأضواء، لا تسمع فيها إلا صراخ الغرائز أو فحيح الرغبات الحرام..

وهناك أغان سليمة الأداء شريفة المعنى  قد تكون عاطفية وقد تكون دينية وقد تكون عسكرية تتجاوب النفوس معها، وتمضي مع ألحانها الى أهداف عالية...

كنت مع رفقة طيبة نتغدى في فندق محافظ بحي «الهرم» ووصل الى أسماعنا صوت جذب انتباهي، وألقيت إليه زمامي، كأنه صوت ناصح حزين يقاوم المجون والاسترخاء..

وأخذت أتبين الألفاظ التي تصدر من مسجل موضوع بإحدى الزوايا، فإذا هي للبوصيري أو بتعبير أدق تشطير لأبيات من البردة، كان البوصيري والشاعر الآخر يدوران فيها حول البيت المشهور في وصف الرسول الكريم:

كأنه ـ وهو فرد ـ من جلالته

في عسكر حين تلقاه وهو حشم!

لم تكن هناك ألحان مصاحبة تثير المشاعر، كان صوت المبتهل الشادي مزيحا من إيمان وحب جعلاني أطوي العصور القهقهري، وأمثل في حضرة صاحب الرسالة، وهو في مجلسه الروحي يوجه ويربي، ويخلق الجيل الذي سينشئ حضارة أرقى وأتقى، ويلقي بذور الإنسانية الجديدة التي ستنقذ العالم من جبروت الرومان والفرس...

كان فردا يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد ولكن الأشعة المنبثقة من أركانه تجعل الأبصار تنحسر عنه، وتعجل الأباطرة والقياصرة يجثون عند قدميه..!

إن الغناء الرقيق المتواضع الذي سمعته لا يزال يؤثر في نفسي كلما استحضرت جرسه، بعد ما صار ذكرى..

قال الإمام الشاطبي في الجزء الأول من كتابه «الاعتصام»: إن قوما أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن لنا إماما إذا فرغ من صلاته تغنى!!.

فقال عمر: من هو؟ فذكروا له الرجل، فقال: قوموا بنا إليه، فإنا إن وجهنا إليه ـ من يحضره ـ يظننا تجسسنا عليه أمره.

وقام عمر مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما نظر الى عمر قام إليه واستقبله قائلا: يا أمير المؤمنين ما حاجتك؟ وما جاء بك؟.

إذا كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك فأحق من عظمناه خليفة رسول الله!. فقال له عمر ويحك بلغني عنك أمر ساءني! فقال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أتتمجن في عبادتك ـ من المجانة والاتضاع ـ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي!.

قال عمر: قلها، فإن كانت كلاما حسنا، قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه... فأنشد الرجل هذه الأبيات:

وفؤاد كلما عاتبته

في مدى الهجران يبغي تعبي!

لا أراه الدهر إلا لاهيا

في تماديه، فقد برح بي

يا قرين السوء ما هذا الصبا؟

فنى العمر كذا في اللعب!

وشبابي بان عني فمضى

قبل أن أقضي مني أربي

ما أرجى بعده إلا الفنا

ضيق الشيب علي مطلبي

ويح نفسي لا أراها أبدا

في جميل، لا ولا في أدب

نفسي لا كنت ولا كان الهوى!

راقبي المولى، وخافي، وارهبي!

فقال عمر رضي الله عنه مرددا البيت الأخير:

نفسي لا كنت، ولا كان الهوى!

راقبي  المولى وخافي، وارهبي!

ثم قال عمر: على هذا فليغن من غنى...!.

أول: ولنا في أمير المؤمنين أسوة حسن! كل إنشاد يبعث على السمو والجد والاستقامة فهو غناء حسن، وما أحسب أحد يرى نفسه أتقى لله من عمر! أو يتنزه مما أقره ودعا إليه.

وعندما اسمع قول شوقي

ويا رب هل تغني عن العبد حجة؟

وفي العمر ما فيه من الهفوات!

أتذكر فضل الله في جعل الحج توبة كاملة! لكن صوت المغنية الضارعة يحرك أشجان الأخطاء القديمة، كما يحرك الآمال في عفو اله، وهذا كله لون من العبودية المطلوبة لله سبحانه.

وكما ينشد المرء الخلاص من ماض مرهق.. ينطلق الشعر والغناء الى استنقاذ الأمة الإسلامية من حاضر مؤسف، مع مناجاة صادقة لرسول عليه الصلاة والسلام..

شعوبك في شرق البلاد وغربها

كأصحاب كهف في عميق سبات!

بأيمانهم نوران ذكر وسنة!!

فما بالهم في حالك الظلمات؟

يقول الدكتور عبادة: إن أبا حامد الغزالي ـ اقتداء بالشافعي ـ يرى أن الشعر كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن سماع الغناء منه ما هو مباح ومنه ما هو مستحب، وما هو واجب وما هو مكروه، وما هو حرام!! ثم يصنف الغناء الى سبعة أقسام:

1 ـ إلهاب الشوق الى زيارة الأماكن المقدسة، وابتعاث المسلمين في الأقطار البعيدة كي يشدوا الرحال الى الحرمين وذلك يبدو في قصيدة شوقي:

الى عرفات الله يا خير زائر

عليك سلام الله في عرفات!

2 ـ إثارة الحمية للقتال، والدفاع عن العقائد والأوطان. وأغلب الشعوب تضع لبنيها نشيدا قوميا يتغنون به جماعات..

وخير نموذج لهذا النوع من الغناء ما جمعه ابو تمام في ديوان الحماسة!

وليت أمتنا تحسن الغناء بمعاني القوة المنبثة في قصائده..

3 ـ وصف المعارك والمبارزات وثبات الرجال في الساعات الحرجة..

4 ـ الرثاء المحرك للأحزان النبيلة! والذي يعيد للنفس الفهم الصحيح لطبيعة الحياة الدنيا، وهذا الرثاء قد يكون بكاء سلبيا متفجعا مثل قول متمم ابن نويرة يرثى أخاه مالكا:

يقول: أتبكي كل قبر رأيته؟

لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

فقلت له: إن الشجا يبعث الشجا!

فدعني، فهذا كله قبر مالك!

وقد يكون رثاء مفعما بتمجيد الفضائل والالتفاف حولها وذلك كقول دريد ابن الصمة:

تقول: ألا تبكى أخاك؟ وقد أرى

مكان البكا لكن بنيت على الصبر!

فقلت: أعبد الله أبكي أم الذي

له الحدث الأعلى قتيل بني بكر؟

أبى القتل إلا آل صمّة إنهم

أبوا غيره والقدر يجري الى القدر!

5 ـ وصف ساعات الرضا والسرور، احتفاء بها واستبقاء لآثارها.

6 ـ الغزل الشريف، وشرح عواطف المحبين وارتقاب جميع الشمل.

وربما كان للأمم والأفراد في هذا الميدان هبوط وهزل، لكن هناك مشاعر جديرة بكل إعزاز مثل:

حننت الى «ريا» ونفسك باعدت

مزارك من ريا وشعباكما معا

فما حسن أن تأتي الأمر طائعا

وتجزع أن داعى الصبابة أسمعا

قفا ودا نجدا ومن حل  بالحمى

وقل لنجد عندنا أن يودعا

بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا

وما أحسن المصطاف والمتربعا!

وليست عشيات الحمى برواجع

إليك، ولكن خل عينيك تدمعا

بكت عيني اليسرى فلم زجرتها

عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

وأذكر ايام الحمى ثم أنثني

على كبدي من خشية أن تصدعا

كأنا خلقنا للنوى وكأنما

حرام على الأيام أن نتجمعا

7 ـ وصف الأمجاد الإلهية، ما يليق بذي الجلال والإكرام من تحميد وإعظام.

وارتفاع المغنين الى مستوى المعاني التي يترنمون بها أمر صعب! ونجاح الأغنية يعود بعد شرف المعنى الى حسن الأداء وجودة اللحن، وتجميع الأنغام التي تخدم في النفس البشرية ما يحقق الاستشارة المنشودة!

وقد استمعت الى بيت شوقي:

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة يدق!

وشعرت بأن المغني فشل فشلا ذريعا في تلحينه، كان ينبغي أن يتعاون النغم والأداء على إبراز صوت المطارق التي تهوى على الأبواب الموصدة، وجؤار المجاهدين وهم يهاجمون

السجون التي قبعت داخلها الجماهير المستعبدة، وعزائم الشهداء وهم يجودون بأنفسهم فداء للحق، وأنين الجرحى، وعناد المكابرين... إن حشودا من الأصوات المزمجرة، والجيوش الملتحمة كان يجب أن تبرز خلال تلحين القصيد وعند غناء هذا البيت ذاته.. لكن الملحن المغني ليس رجل هذه الملحمة...!

والواقع ان البيئة الفنية ـ كما تترامى إلينا أنباؤها ـ تعيش في أرض الغرائز وتحسن الطبل والزمر وهي تحدو العواطف الرخيصة، وما احسبها تنهض الى  هدف عال.

أذلك سر تحريم بعض الوعاظ للغناء؟ ربما، إنه ليس لدين نص يحظره! وإن أولى الغيرة ينظرون الى سيرة المشتغلين بالغناء والموسيقى ثم يرفضون هذا النمط من السلوك، ويستنكرون ما يلابسه وما يصاحبه من آلات، وجو عابث..

لكن الإنصاف يفرض علنيا غير ذلك.

من حملة الأقلام من عاش ذيلا لحكام الجور، يتلون كالحرباء في خدمتهم، ويصبح ويمسي وهو يخادع الجماهير عن حقوقها وحرياتها. فهل هذا البغاء الصحفي يجعل الصحافة باطلا؟ كلا!.

ومن رجال الدين نفسه من يحيا بلا دين! بل ربما كان عائقا عن الدين كما قال جل وعلا في وصف بعض الكهان: «إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله..»(48).

فهل ذلك يعني ن الدين باطل؟ كلا!.

وهناك فنانون لا يساوون قلامة ظفر! وهناك أيضا من صليت معهم في جماعات عامة ومن رأيتهم في قوافل الحجاج والعمار يؤدون المناسك بأدب وتقوى!.

وأكر أني عندما كنت مدرسا بمكة المكرمة، جلست سأمان في بيتي يوما أعاني من بعض المتاعب فقلت: أتسلى عن همومي بشيء، وفتحت الراديو وسرني أن كانت به أغنية أحبها.

وما كدت أمضي مع الأبيات والألحان حتى طرق الباب طالب أشرف على رسالته!.

وخيل ألي أني استطيع السماع مع وجوده ولكنه أقسم علي أن أغلق الراديو!.

ورأيت إكراما له أن ألبي رغبته، وأكملت وحدي بعض كلمات الأغنية:

أين مما يدعي ظلاما يا رفيق الليل أينا؟

إن نور الله في قلبي! وهذا ما أراه!

وصاح الطالب: ما هذا؟ قلت له: كل يغني في الأنام بليلاه،  إنني أعني شيئا آخر.!

قال: أما تعلم أن الغناء حرام كله؟ قلت له: ما أعلم هذا…!

ثم أقبلت عليه بجد أقول له: إن الإسلام ليس دينا إقليميا لكم وحدكم، إن لكم فقها بدويا ضيق النطاق! وعندما تضعونه مع الإسلام في كفة واحدة، وتقولون: هذه الصفقة لا ينفصل أحدها عن الآخر، فستطيش كفة الإسلام وينصرف الناس عنه.

وهذا ظلم كبير لرسالات الله وهداياته!!.

قال: كيف؟ قلت له: تستطيعون إعلان حرب شعواء على الغناء الوضيع، وستجدون من يؤيدكم من أهل الأرض! أما الزعم بأن الإسلام حرب على الفن كله خيره وشره فلا!.

إن أهل القارات لهم غناء يجتمعون عليه، فميزوا الخبيث من الطيب ثم دعوا لهم ما يستحبون.

وكتبت الأستاذة المهدية «مريم جميلة»(49) فصلا عن الإسلام والفنون في كتابها «الإسلام في النظرية والتطبيق» وذكرت أن الأوروبيين يحترمون احتراما بالغا «بتهوفن» و«باخ» في الموسيقى و«فردي» و«واجنر» في الأوبرا و«شكسبير» في المسرح.. الخ. ويلقبونهم بالسادة العظام، ويعتبرون تكريس الحياة لأي فرع من هذه الفنون الجميلة من أشرف المقاصد وأكثرها جدا!!.

قالت: وإذ عرفت موهبة شخص ما بالتفوق افني ـ وغالبا ما يقع ذلك بعد سنوات من رحيله ـ حسب في زمرة العظماء الخالدين! ويحقق الروائيون التقليدين خلودهم الفني عندما تطبع كتبهم مرات ومرت وتمتدح على أنها أعمال أدبية عظيمة يلزم كل طالب في المدارس أن يدرسها.

ويخلد مؤلفو الموسيقى السمفونية، والأوبرا باداء إنتاجهم مرارا وتكرارا في قاعات الاحتفالات العظمى في المدن الكبرى كما يكرم أعظم المغنين والعازفين بتسجيل أعمالهم على الأشرطة والاسطوانات.

قلت لنفسي: ما المنهاج الإسلامي الذي أقدمه لهذه الأوساط؟ هل أطلب إليهم الغاء الفنون الجميلة جملة وتفصيلا؟.

علام أعتمد في هذا الطلب؟ على جملة من الأحاديث الواهية والموضوعة لا وزن لها في مجال التمحيص العلمي؟.

إنني عندما أفعل ذلك أكون كأبي العلاء المعري الذي قال لكل إنسان:

غدوت مريض الدين والعقل والحجى

لتعرف أنباء الأمور الصحائح؟

فلما التقى الناس به واستمعوا إليه رأوه نباتيا يعرض الأمور الصحيحة عنده على أنها ترك أكل اللحم!.

إنني أطلب من الأوربيين وغيرهم ترك التجسيد والتعديد لإصلاح عقائدهم فهل أضع عائقا أمام هذا الإصلاح الخطير بدعوتهم الى ترك الغناء والموسيقى؟ فما يكون موقفي من قوله تعالى في كتابه المصون «قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون»(50).

أستطيع أن أحرم نحت التماثيل، أستطيع أن أحرم كل صورة عارية، أستطيع أن أحرم الرقص مفردا ومزدوجا، إن هذه فنون رديئة وليست فنونا جميلة...

أستطيع أن أبرز الضوابط الإسلامية لسلوك الأفراد مهما كانوا عباقرة، فالعبقري في أي علم أو فن يجب أن يستشعر نعماء الله عنده، وأن يكون أتقى لله وأحفظ لحدوده، وأرعى لحقوقه من الآخرين..

والمصادر الوثيقة لتحدي ما نفعل وما نترك وما نأمر وما ننهى، هي كتاب الله وسنة رسوله، لا الشائعات الطائرة في ميدان العلم الديني!.قرأت السطور التالية(51) عن تعلق الأوروبيين بالفنون الجميلة ثم ضربت كفا بكف من شدة العجب للضلال المبين الذي استولى على أفئدة هؤلاء الذاهلين، وهاكم ما كتب نقلا عن كتاب «الثقافة الإسلامية» للأستاذ محمد مرمادوك بكثال قال: «لا شك أن بعضكم يذكر البحث الذي أوردته الصحف البريطانية من سنوات، كان السؤال: لنفرض أن تمثالا يونانية شهيرا جميلا فريدا في نوعته، وهو من أجل ذلك لا يعوض، كان في غرفة واحدة مع طفل حي، ثم اندلعت النيران في الغرفة، ولم يكن في الإمكان إلا إنقاذ واحد من الإثنين إما التمثال وإما الطفل(!) فأيهما يجب إنقاذه؟.

إن كثرة عظمى من الذين أجابوا على هذا السؤال في رسائلهم الى الصحيفة من الرجال ذوي الثقافة والمكانة المرموقة قالوا ـ حسب ما أذكر ـ أنه يجب إنقاذ التمثال وترك الطفل يهلك(!).

وكانت حجتهم في ذلك: أن ملايين الأطفال يولدون يوميا على حين أن هذا التمثال لا يمكن تعويضه، فإنه عمل فني عظيم من تراث اليونان».

أرأيت كفرا أقبح من هذا الكفر؟ وإهانة للإنسانية أبشع من هذه الإهانة؟.

حجر يستنقذ وطفل رقيق وديع يترك حطبا للنار؟.

المثير في هذه القضية أن مصورا يرسم على الورق منظر الشروق أو الغروب بمهارة تحاكي الأصل أو تومئ إليه يعد فنانا جديرا بالإشادة والتقدير! أما صاحب الأصل نفسه، أما  فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، فهو ينسى أو يجحد، ولا توجه اليه عبارة ثناء!!.

عندما يجيء فنان حجر فيطبع عليه صورة إنسان، يكون رجلا عظيما..

وتبلغ عظمته القمة عندما يقترب في نحته من قسمات الإنسان الأصيل وتعابير وجهه..

أما خالق الإنسان نفسه ومبدع الحياة في خلاياه ومجرى الدم في العروق، وبارئ الحس في الأعصاب، ومودع الذكاء في المخ، ومطلق هذا البشر العجيب ليملأ الدنيا حراكا وإنتاجا. هذا الخالق الماجد لا تذكره الحضارات الضالة بكلمة تقدير وإعزاز.

إن الوثنيات اليونانية والرومانية انتقلت الى الحضارة الأوروبية، وليست النصرانية إلا قشرة مزورة ملصقة على وجه كفور يرفضها وينأى عنها.

أما الحضارة الإسلامية فشأو آخر، إنها ترمق عظمة اله قبل كل شيء، وانظر الى أبي حامد الغزالي يتحدث عن الجمال وفنونه فيقول(52):

إن الفن محاكاة للجمال الذي أبدعه الله في آفاق العالم، أو هو تشبيه للصنعة بالخلقة وما من شيء بلغه أهل الصناعات بجهدهم إلا وله مثال في الخلقة التي اخترعها الصانع الأعلى! فمنه تعلم الصانعون، وبه اقتدوا!.

ويقول: كل جمال في العالم تدركه العقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدئ العالم الى منقرضه ومن ذروة الثريا الى سفوح الثرى، فهو ذرة من خزائن قدرته سبحانه.

***وأنقل هنا سؤالا وجوابا يتصلان بموضوع البحث، حتى لا تبقى هنالك أثارة من شك أو شبهة...

– من موقف الإسلام من مظاهر الحضارة الحديثة، السينما والمسرح والموسيقى والفنون جميعها، كالرسم والنحت والتصوير؟.

الحضارة الحديثة نتاج تقدم علمي باهر، وصل إليه الإنسان بعد قرون من ابحث المضني والتجارب الغالية! ولم يكن عجبا أن يستغل الإنسان كشوفه لاسرار الكون وقواه الخفية في ترقية نفسه وترقية معايشه، بل إن لك أقرب الى الحكمة من استغلال هذه الكشوف في تدمير الحضارة نفسها وتيسير الانتحار الجماعي على الناس!.

وأحسب أن التقدم الصناعي العام وفر للجماهير متعا ما كان يحصل عليها الملوك الأقدمون! الاطعمة أنعم، والاشربة صنوف، والملابس تفضل الحرير نسجا ولونا ورقة، وأدوات النقل أغنت عن الخيل والبغال والحمير، والقيان التي كانت تغنى في مقاصير الامراء انتقل صوتها الى الأكواخ، ونام على لحنها العمال والفلاحون، والمرء في المشرق يكلم صاحبه في المغرب بثمن ميسور، وربما بلغ الناس من الرفاهة درجة أعلى، وملكوا  غدا أنصبة أكثر..!.

ومع هذا كله فالأعصاب مشدودة، والاطماع طاغية، والبكاء على القليل المنشود يفسد السعادة بالكثير الموجود، وتحاسد الأفراد والاقطار أشعل البغضاء هنا وهناك!

وقيل في وصف العالم: أن عضلاته أكبر من فكره، ولو أنصفوا لقالوا: إنه عالم يذكر نفسه، وينسى ربه، ويجحد حقه، ويمارى في لقائه، ويظن أن هذه الدنيا كل شيء، فلا امتداد لوجود آخر، ولا حياة إلا هنا...!!.

وأنا رجل مسلم أحب الحياة وأبتهج بطيباتها! إن الله استضافني في كونه وأطعمني خيره فمن السفاهة أن أرفض الكرم المبذول، ومن السفاهة كذلك أن أضن بشكر المنعم!.

إن الله تبارك اسمه يعطي الفضل ولا يطلب إلا الاعتراف بالجميل، فهل هذا ثمن فادح؟؟.

يبدو أن ناسا كثيرين يعز عليهم دفع هذا الثمن «وقليل من عبادي الشكور»(**).

عى ذلك الأساس أنظر الى ما قدمته الحضارات قديمها وحديثها! إنه ـ كما علمني الإسلام ـ لي وليس لغيري، أليس يقول الله: «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا»(***)؟.

ومن ثم فالأصل في الأشياء الاباحة، ولا تحريم إلا بنص قاطع، والواقع أن نفرا من سوداويي المزاج أولعوا بالتحريم ومنهجهم في الحكم على الأشياء يخالف منهج نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والأديرة رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم».

وقد أشاعت المدين الحديثة «الراديو والتلفزيون» وغيرهما من الأجهزة الناقلة للثقافة والملاهي على سواء، ومعروف أن هذه الأجهزة أدوات غير مسئولة عما يصدر عنها، وإن المسئولية تقع على المؤلفين والمغنين والمخرجين، ففي استطاعتهم أن يقدموا النافع ويحجبوا الضار..!.

لقد كان من المستطاع أن نتوسل بهذه الأجهزة لاشاعة اللغة السليمة وتذوق الآداب الرفيعة وحماية الأخلاق ودعم التقاليد الفاضلة، بل كان من الممكن أن ندرب الألوف على اتقان حرف نحن محتاجون إليها، وأن نرفع مستوى الأداء لاشغال كثيرة، فإن البطالة السافرة والمقنعة تفتك لدينا بأعمار الناس.

كان من الممكن أن نحارب عادات ضارة موروثة أو مستوردة انتشرت بيننا ووقفت مسيرتنا، إن وسائل الاعلام لو أحسنا استغلالها تصنع الكثير، ولكن ذلك لا تستطيعه إلا أمة تحس أن لها رسالة في الحياة، أما الأمة  الذنب فقد سقط عنها التكليف لأن غيرها يشدها.

قد يفهم من ذلك أني أحارب الغناء والموسيقى والترويح عن النفس.. لا، ولكني ألحظ أن الأمة العربية والإسلامية تريد أن تعمل قليلا وتغني كيرا، والاستجمام حق المرهقين لا حق القاعدين!.

أما الغناء فكلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، ومن غنى أو استمع الى غناء شريف المعنى طيب اللحن فلا حرج عليه! وما نحارب إلا غناء هابط المعنى واللحن...

لم يرد حديث صحيح في تحريم الغناء على الاطلاق، وقد احتج  البعض بقوله تعالى «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا، أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها..»(****).

ولعمري أن من يشتري جد الحديث او لهوه للأسباب المذكورة في الآية جدير بسوء العقاب، أما من يريح أعصابه المكدودة بصوت حسن ولحن جميل فلا علاقة للآية به، وكما يقول ابن حزم: لو اشترى مصحفا للاضلال فهو مجرم...

ويبدو أن اقتران الغناء ببعض المحرمات من خمر وفحش. وما يشاع عن البيئة الفنية من تحل، هو الذي جعل عددا من العلماء يحرمه، والى هذه الجملة من الرذائل يشير حديث البخاري الى من يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف..

بيد أنه ليس من الضروري أن تجتمع هذه العناصر كلها عند سماع أغنية.. وعلى أية حال فإذا كان الغناء مقرونا بتلك المحرمات فهو مرفوض، أما إذا برئ منها فلا شيء فيه.

والموسيقى كالغناء وقد رأيت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح صوت أبي موسى الأشعري ـ وكان  حلوا وقد سمع يتغنى بالقرآن ـ فقال له: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود! ولو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك.

وقد سمع رسول الله صوت الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى، ونفر من سماعها؟.

على أن الألحان تختلف في تأثيرها وصداها النفسي، فإذا كان هناك مجال لاعتراض فعلى الأصوات الخنثة والألحان الطرية المائعة..

ونعود الى ما بدأنا به موضوعنا وهو أن أمتنا بحاجة الى الكثير من الجد والقليل من اللهو، ولو رزقنا بفنانين ذوي شرف ومقدرة لأمكن تحويل الفنون الى عوامل للبناء لا للهدم، ولإثارة المشاعر النبيلة لا اهاجة الغرائز الدنيا..

أما الصور فيجب أن نرق بين نوعين: المجسم الذي يصنعه المثالون الآن لأغراض شتى! والرسوم التي توضع على المسطحات من أوراق وأقمشة وغير ذلك.

والتصوير سواء كان شمسيا أو قلميا هو جزء من الطب والأمن والعلوم الكونية والحيوية والتاريخ والشئون الاجتماعية الكثيرة، والأصل فيه الإباحة  لحديث مسلم «إلا رقما في ثوب» والحديث رزين سئل ابن عباس عن أجرة كتابة المصحف، فقال: «لا بأس إنما هم مصورون، وأنهم إنما يأكلون من عمل أيديهم».

ولم يقل أحد أن صورة الوجه في المرآة محرمة، ولا يقول أحد أن أثباتها بطريقة أو بأخرى تحول المباح الى محرم..

ولا يحرم من هذا النوع إلا ما حمل طابعا دينيا لعقائد يرفضها الإسلام كصور بوذا، أو ابراهما، أو صلبان النصارى، أو أي شعار ديني يخالف التوحيد..

كما يحرم أي تصوير يخل بالآداب، ويحرك الغرائز الى المعصية..

أما التماثيل المجسمة إن النصوص الواردة تتظاهر على رفضها ما لم تكن ألاعيب للصبية أو عرائس هزلية كحلوى المناسبات المختلفة، فإن أحدا لا يفكر في توقيرها أو عبادتها..

لقد رأيت بعيني من يعبدون هذه الأصنام في جنوب آسيا، ورأيت في مصر من يحيي بخشوع تمثالا لعبد الناصر!! وذلك أثناء نقله من مكان الى مكان..!!.

وأعرف ان هناك من رجال الفتوى من يحرم التصوير كله سواء كان مجسما أو كان رسما على ورق، وأخشى أن يكون سوق النصوص مقطوعة عن ملابساتها سببا في ضياع الدين والدنيا معا!.

🟥 السلفية المدخلية أصبح المختلف في الفروع فقهية أخطر من الظالم !

 

🟥 حين تتحول زكاة الفطر والمولد إلى معركة كبرى!

نقد اختلال الأولويات في الخطاب المدخلي

هناك مشكلة حقيقية لا يمكن تجاهلها في الخطاب الإسلامي المعاصر، ولا سيما في بعض التيارات السلفية المدخلية، وهي اختلال ترتيب الأولويات.

والمشكلة ليست أن يتحدث المسلم عن زكاة الفطر، أو يبحث حكم الاحتفال بالمولد النبوي، أو يناقش مسائل الفقه والخلاف بين العلماء.

فهذه مسائل لها مكانها، والبحث العلمي فيها مشروع.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المسائل هي مركز الهمّ الإسلامي، بينما تتحول القضايا الكبرى إلى هامش لا يكاد يُذكر.

وكأن الأمة لا ينقصها إلا أن تحسم معركة:

هل زكاة الفطر تُخرج طعامًا أم قيمة؟

وكأن مصير الإسلام والمسلمين متوقف على:

هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أم جائز؟

وكأننا أمام معركة بدر الكبرى!


🟥 معركة على زكاة الفطر... وأين المعارك الكبرى؟

من المدهش أن ترى بعض الخطابات الإسلامية تستنفر طاقتها، وتستخدم أشد العبارات، وتفتح أبواب التبديع والتخطئة والتشنيع بسبب مسألة زكاة الفطر: طعامًا أم قيمة.

ثم تنظر إلى القضايا الكبرى التي تعصف بالأمة، فلا تجد الحماس نفسه.

أين الحديث عن العدل؟

أين الحديث عن الاستبداد؟

أين الحديث عن الفساد ونهب المال العام؟

أين الحديث عن كرامة الإنسان وحريته؟

أين الحديث عن الفقر والجهل والتخلف؟

أين الحديث عن التعليم والبحث العلمي وبناء المؤسسات؟

أين الحديث عن استقلال القرار السياسي ومصالح الأمة؟

أين الحديث عن أسباب تخلف المسلمين، وأسباب سقوط حضارتهم، وكيف يمكن أن يستعيدوا قدرتهم على صناعة المستقبل؟

هل كانت مشكلة الأمة الكبرى يومًا في أن بعض المسلمين أخرجوا زكاة الفطر نقودًا؟


🟥 والمولد النبوي... معركة لا تنتهي!

ثم تأتي قضية المولد النبوي.

فتجد بعض الخطابات تتعامل معها وكأنها أم القضايا الإسلامية، وكأن الاحتفال بذكرى مولد رسول الله ﷺ هو الخطر الأكبر الذي يهدد العقيدة، بينما هناك قضايا مصيرية تمر أمام أعيننا ولا تجد عشر هذا الاهتمام.

يُكتب المقال تلو المقال.

وتُسجّل الخطب والمحاضرات.

وتُشن الحملات.

ويُتهم المخالف بالبدعة.

وتُستخرج النصوص.

وتُستدعى أقوال العلماء.

ثم يصبح السؤال:

هل يجوز أن يفرح المسلم بمولد النبي ﷺ؟

حسنًا، ناقش المسألة علميًا.

لكن بعد أن تنتهي من هذه المسألة:

ماذا صنعت لقضية العدل؟

ماذا قدمت للعلم؟

ماذا قدمت للفقراء؟

ماذا قدمت لبناء الإنسان؟

ماذا قدمت لمقاومة الفساد؟

ماذا قدمت لإصلاح التعليم؟

ماذا قدمت لنهضة الأمة؟

هنا ينبغي أن نتوقف طويلًا.


🟥 المشكلة ليست في زكاة الفطر ولا في المولد

ولكي يكون الكلام منصفًا:

نحن لا نقول إن زكاة الفطر مسألة تافهة.

وليست قضية المولد قضية بلا قيمة.

ولا نقول إن المسلم لا ينبغي أن يتعلم أحكام عباداته.

بل نقول شيئًا أبسط وأعمق:

ليست كل مسألة مهمة بالدرجة نفسها، وليست كل معركة فقهية جديرة بأن تحتل المساحة نفسها من وعي الأمة.

يمكنك أن تبحث في حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا.

ويمكنك أن تناقش حكم المولد.

لكن لا تجعل هذه القضايا ميزان الولاء والبراء، ومعيار السنة والبدعة، ومقياس صلاح الناس وفسادهم.

فهنا يبدأ الخلل.


🟥 حين يصبح المختلف في الفروع أخطر من الظالم

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

قد تجد شخصًا يبالغ في الإنكار على مسلم لأنه أخرج زكاة الفطر مالًا، أو لأنه احتفل بالمولد، بينما لا نجد منه الغضب نفسه تجاه الظلم والفساد والاستبداد.

يستطيع أن يكتب عشرات الصفحات في:

"زكاة الفطر طعام لا نقود!"

لكنه قد لا يكتب صفحة واحدة عن:

"أموال الأمة ليست ملكًا للحاكم."

ويستطيع أن يخوض معركة طويلة حول:

"المولد بدعة!"

لكن أين المعركة ضد:

الفساد؟

أين المعركة ضد:

الظلم؟

أين المعركة ضد:

إذلال الإنسان؟

أين المعركة من أجل:

الحرية والعدل والكرامة؟

هنا يصبح السؤال مشروعًا:

هل اختلت البوصلة؟


🟥 المستبد يحب هذا النوع من المعارك!

وهذه من أخطر النقاط.

فالسلطة المستبدة لا تخاف كثيرًا من مجتمع منشغل بالخلافات الفقهية الصغيرة، ولا تقلق كثيرًا من عشرات المناظرات حول مسائل لا تمس بنيان الظلم.

بل قد يكون من مصلحتها أن يبقى الناس مشغولين ببعضهم:

هذا مبتدع!

وهذا مخالف للسنة!

وهذا قبوري!

وهذا حزبي!

وهذا يخرج زكاة الفطر نقودًا!

وهذا يحتفل بالمولد!

وهكذا تستمر المعركة...

والظلم في مكانه.

والفساد في مكانه.

والفقر في مكانه.

والجهل في مكانه.

والتخلف في مكانه.

وهنا ندرك أن المشكلة ليست في وجود الخلاف الفقهي، وإنما في أن يصبح الخلاف الفقهي ستارًا يحجب القضايا التي تحتاج الأمة إلى مواجهتها.


🟥 يا شباب الصحوة... لا تجعلوا الإسلام كله في "قالوا وقلنا"

يا شباب الصحوة الإسلامية...

إن الإسلام أكبر من أن تختزلوه في معركة لا تنتهي حول فرع فقهي.

وأكبر من أن يتحول إلى قائمة طويلة من:

هذا بدعة...
وهذا ضلال...
وهذا مخالف للسنة...
وهذا لا يجوز...

الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاق وعدل ورحمة وعمران ومسؤولية.

والنبي ﷺ لم يأتِ ليجعل الأمة أمةً تتنازع إلى الأبد حول الجزئيات، وإنما جاء ليخرج الإنسان من الظلم إلى العدل، ومن الجهل إلى العلم، ومن الاستعباد إلى الكرامة، ومن الفوضى إلى العمران.


🟥 لا نريد صحوةً تحفظ الفروع وتنسى المقاصد

نحن بحاجة إلى صحوة تعرف مراتب الأحكام ومقاصد الشريعة وأولويات الأمة.

صحوة تعرف أن:

العقيدة مهمة، والعدل مهم.

العبادة مهمة، وحقوق الناس مهمة.

السنة مهمة، ورفع الظلم مهم.

الفقه مهم، والعلم مهم.

زكاة الفطر مهمة، لكن محاربة الفقر أهم في حياة الأمة من تحويل مقدار إخراجها إلى معركة تلتهم الخطاب كله.

والحديث عن المولد مشروع لمن أراد أن يبحث فيه، لكن لا يجوز أن يصبح المولد القضية التي تختزل فيها معركة الإسلام كلها.


🟥 لا تجعلوا من الخلاف الفقهي حربًا دينية

إن أئمة الإسلام اختلفوا في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقي بعضهم يحترم بعضًا، ويعرف لكل مجتهد قدره.

أما أن يتحول الخلاف في مسألة اجتهادية إلى حرب على الأشخاص، وتصنيف للناس، وتبديع للمخالف، وإسقاط له، فهذه ليست قوة في المنهج.

هذه علامة على ضيق الأفق.

والأخطر من ذلك أن ينشأ جيل يعرف عشرات المسائل الخلافية، لكنه لا يعرف شيئًا عن:

فقه الأولويات.

ولا عن:

مقاصد الشريعة.

ولا عن:

سنن النهوض والسقوط.

ولا عن:

أسباب تخلف المسلمين.

ولا عن:

كيف تبنى الدولة العادلة؟

ولا عن:

كيف يصنع المسلمون العلم والاقتصاد والمؤسسات والحضارة؟


🟥 ليست المشكلة أن تتحدث عن التفاصيل... بل أن تنسى الأصل

فليخرج من شاء زكاة الفطر طعامًا.

وليخرجها من شاء مالًا وفق اجتهاد من يقلده.

وليناقش من شاء حكم المولد.

وليعارضه من شاء.

ولكن لا تجعلوا هذه القضايا أكبر من حجمها.

فالأمة التي تعرف كل تفاصيل الخلاف حول زكاة الفطر، ولا تعرف لماذا تأخرت عن الأمم في العلم والتقنية والاقتصاد، أمة تحتاج إلى مراجعة أولوياتها.

والأمة التي تستطيع أن تخوض معركة لا تنتهي حول المولد، ثم تعجز عن إنتاج مشروع حضاري، تحتاج إلى أن تسأل نفسها:

أين ذهبت طاقتنا؟


🟥 المعركة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير

إن المعركة الحقيقية ليست أن ينتصر رأي فقهي على رأي فقهي.

وليست أن يهزم فريقٌ فريقًا في مناظرة حول المولد.

المعركة الحقيقية هي:

كيف نعيد للإنسان المسلم كرامته؟

كيف نقيم العدل؟

كيف نحارب الفساد؟

كيف نحرر العقل من الجهل والخرافة؟

كيف نبني تعليمًا قويًا؟

كيف نصنع اقتصادًا منتجًا؟

كيف نستعيد دور الأمة الحضاري؟

كيف نفهم أسباب سقوطنا بدل أن نبقى أسرى لتمجيد الماضي؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تحتل مركز الوعي.


🟥 كلمة أخيرة

نحن لا نطلب من أحد أن يترك الفقه.

ولا نطلب منه أن يتوقف عن دراسة السنة.

ولا نطلب منه أن يحتفل بالمولد أو أن يترك الاحتفال به.

نحن نطلب شيئًا واحدًا: أن يعرف حجم كل قضية.

فليس من الحكمة أن تجعل مسألة فقهية فرعية بحجم قضية العدل.

وليس من الفقه أن تجعل خلافًا اجتهاديًا حول المولد أكبر من قضية الظلم.

وليس من السنة أن تنشغل بمخالفك أكثر مما تنشغل بأمراض أمتك.

فإذا كان كل ما يشغل خطابك هو: زكاة الفطر طعامًا أم نقدًا، والمولد بدعة أم سنة، فأنت قد تكون ربحت معركة فقهية صغيرة... لكنك خسرت معركة الوعي الكبرى.

وهنا تحديدًا ينبغي أن يُراجع الخطاب المدخلي نفسه:

هل نجح في ترتيب أولويات الأمة؟

أم أنه استنزف جزءًا كبيرًا من طاقة الصحوة في معارك جانبية، بينما بقيت القضايا الكبرى تنتظر من يضعها في مقدمة الاهتمام؟

إن الأمة لا تحتاج إلى من يزيد عدد المعارك بينها.

بل تحتاج إلى من يعرف أي المعارك تستحق أن تُخاض.

فليست البطولة أن تنتصر في كل خلاف...

البطولة أن تعرف أي خلاف يستحق أن تخوضه أصلًا.

رسالة إلى شباب الصحوة الإسلامية: أعيدوا ترتيب الأولويات

 

🟥 حين تضيع القضايا الكبرى وسط الخلافات الصغرى

رسالة إلى شباب الصحوة الإسلامية: أعيدوا ترتيب الأولويات

قلبي مع شباب الصحوة الإسلامية؛ أولئك الذين عملوا كثيرًا من أجل الإسلام، وما زال يُنتظر منهم أن يعملوا أكثر، وأن يحملوا الرسالة بوعيٍ أعمق، وفقهٍ أوسع، ونظرٍ أبعد.

لقد حملوا همَّ الأمة، ووقفوا في ميادين صعبة، وقدموا تضحيات كبيرة في مواجهة الاحتلال والظلم والعدوان، في أفغانستان والجزائر وفلسطين وغيرها.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا أمامنا دائمًا هو:

هل تحرير الأرض هو نهاية الطريق؟ أم أنه جزء من مشروع إسلامي وحضاري أكبر؟

إن تحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي هدف عظيم، ولا يمكن الاستهانة به، لكنه ليس كل ما نعمل له.

فنحن لا نريد مجرد دولة تحمل اسم الإسلام، ولا مجرد انتصار سياسي عابر، ولا تبديل راية بأخرى.

نحن نريد مشروعًا يعيد للإنسان كرامته، وللعدل مكانه، وللحرية معناها، وللوحي حضوره في الحياة، وللحضارة صلتها بالله وهدايته.


🟥 ليست القضية أن ننتصر فقط... بل أن نعرف لماذا ننتصر

إن الإسلام لم يأتِ ليصنع قومية جديدة، ولا ليقيم مجدًا لشعب على حساب شعب، وإنما جاء برسالة تتجاوز حدود العرق واللغة والجغرافيا.

فالغاية ليست أن تكون الدولة عربية فحسب، ولا أن تكون إسلامية في الاسم والشعار، وإنما أن تكون عادلة في جوهرها، راشدة في نظامها، حافظة لكرامة الإنسان وحقوقه.

ولهذا كانت الرسالة التي عبّر عنها أحد المسلمين في صدر الإسلام أمام الفرس بالقول إنهم جاءوا لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد، تعبيرًا عن جوهر عظيم:

تحرير الإنسان قبل كل شيء.

تحريره من الاستبداد، ومن الاستعباد، ومن الظلم، ومن الخوف، ومن كل سلطة تجعل الإنسان تابعًا لإنسان مثله.


🟥 أخطر ما يهدد الصحوة: اختلال ترتيب الأولويات

إنني أنظر باهتمام شديد إلى الجو الفكري الذي يسود ميدان الصحوة الإسلامية، وأتابع مدَّه وجزره، وخيره وشره، وصوابه وخطئه.

وأعتقد أن الصحوة كلما اقتربت من الحق، واتسع أفقها، وأحسنت ترتيب أولوياتها، كانت أقرب إلى تحقيق رسالتها.

لكن المشكلة تظهر عندما تتراجع القضايا الكبرى في الوعي، وتتضخم القضايا الجزئية حتى تصبح هي معيار التدين كله.

عندها قد يتحول الدين في أذهان بعض الشباب من مشروع هداية وإصلاح وعدل وكرامة إلى مجموعة من المسائل المتفرقة التي يخاصم بعضهم بعضًا حولها.

هل لمس المرأة ينقض الوضوء؟

هل قراءة الإمام تكفي عن المأموم؟

هل البسملة جهرًا أم سرًا؟

هل هذه المسألة سنة أم واجبة؟

وكلها مسائل لها قيمتها العلمية، ولا يجوز السخرية منها أو إلغاؤها.

لكن السؤال الأهم: هل أخذت هذه المسائل حجمها الطبيعي، أم ابتلعت القضايا الكبرى؟


🟥 المستبد لا يخاف كثيرًا من خلافٍ لا يمسه

إن السلطات المستبدة، قديمًا وحديثًا، لا يزعجها كثيرًا أن ينشغل الناس بخلافات علمية لا تمس بنيان الاستبداد.

لا مشكلة عند المستبد أن تختلف الجماهير طويلًا حول مسألة فقهية جزئية.

لكن عندما يبدأ السؤال الحقيقي:

هل السلطة لخدمة الإنسان أم لإخضاعه؟

هل المال العام ملكٌ للأمة أم غنيمةٌ لفئة؟

هل الناس يولدون أحرارًا أم يُراد لهم أن يعيشوا تحت الخوف والقهر؟

أين العدل؟ وأين الشورى؟ وأين حرية الإنسان وكرامته؟

هنا تبدأ الأسئلة التي تغيّر الواقع فعلًا.

ولهذا فإن النهضة التي لا تعرف أسباب هزائمها السابقة قد تعيد إنتاج الهزيمة نفسها بأشكال جديدة.


🟥 لا يمكن أن نبني نهضة ونحن نجهل أسباب سقوطنا

لو كانت أنظمة الحكم أكثر عدلًا، وكانت الحرية أوسع، وكانت المؤسسات أكثر قوة، وكان الإنسان أكثر كرامة، لكان من الصعب أن تجد قوى الاستعمار الطريق ممهدًا إلى بلادنا.

إن الاستعمار لا يدخل أرضًا من فراغ؛ وإنما يجد في كثير من الأحيان أبوابًا داخلية فتحتها عوامل الضعف والاستبداد والتمزق والتخلف.

ولهذا فإن مشروع النهضة الإسلامية لا ينبغي أن يكتفي بمقاومة المحتل، بل عليه أن يسأل أيضًا:

لماذا أصبحنا قابلين للاحتلال أصلًا؟

وما الذي جعل أمتنا تفقد قوتها؟

وكيف نستعيد قدرتنا على إنتاج العلم، وبناء المؤسسات، وتحقيق العدل، وصيانة الحرية، وتربية الإنسان؟


🟥 وماذا عن الفن والثقافة؟

وهنا تظهر قضية أخرى.

لقد أدى بعض الخطاب المتشدد إلى تقديم الإسلام أحيانًا بصورة توحي بأن الدين في حرب مع كل فن، وكل جمال، وكل تعبير إنساني.

وهذا اختزال شديد.

المشكلة ليست في وجود الفن من حيث هو فن، وإنما في المضمون والقيمة والأثر.

يمكن للمجتمع أن يرفض الابتذال والانحلال، دون أن يجعل من الإسلام عدوًا للجمال والإبداع.

يمكن أن نقول:

نريد فنًا راقيًا، لا فنًا يفسد الإنسان.

نريد ثقافة تبني الوعي، لا ثقافة تهدم القيم.

نريد إبداعًا يخدم الإنسان، لا إبداعًا يحوله إلى سلعة.

وهكذا يصبح الخطاب الإسلامي أكثر قدرة على الإقناع، بدل أن يترك الساحة لخصومه ليقدموا الإسلام باعتباره خصمًا للفن والحياة والجمال.


🟥 أخطر من التعصب المذهبي: الاجتهاد الصبياني

أنا لا أدعو إلى التعصب المذهبي، ولا أرى التقليد المذهبي فضيلة في ذاته.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاجتهاد المنضبط وبين أن يقرأ شاب بعض الأحاديث، ثم يتصور أنه أصبح قادرًا على إسقاط جهود أئمة كبار عاشوا عمرًا في الفقه والحديث والأصول.

لقد أنتج هذا الفهم أحيانًا مشكلات مؤلمة.

فيقال:

الإمام مالك أخطأ لأنه لم يفعل كذا!

وأبو حنيفة خالف السنة لأنه لم يأخذ بهذه المسألة!

والشافعي لم يبلغ الحديث الفلاني!

وأحمد خالف الدليل في المسألة الفلانية!

وكأن أئمة الإسلام كانوا عاجزين عن فهم النصوص، بينما جاء متأخر لم يدرس أصول الفقه دراسة كافية ليكتشف ما غاب عنهم!

وهذا ليس تجديدًا في الفقه؛ بل قد يكون أحيانًا جهلًا بفقه الاختلاف.

فالخلاف بين الأئمة لم يكن لأن أحدهم يحب السنة والآخر يكرهها، وإنما لأنهم اختلفوا في ثبوت الدليل، أو فهمه، أو دلالته، أو الجمع بين النصوص، أو قواعد الترجيح.

ومن هنا فإن التقليد المنضبط أقل خطرًا من اجتهادٍ غير مؤهل يتوهم صاحبه أنه يملك أدوات العلماء.


🟥 لا تحاربوا المذاهب... حاربوا الجمود والتعصب

إن المذاهب الفقهية ليست أديانًا متعددة، وإنما هي مدارس علمية داخل دائرة الإسلام.

وفيها اجتهادات عظيمة، ومناهج دقيقة، وتراث فقهي ضخم.

والمشكلة ليست في وجود المذهب، وإنما في أن يتحول إلى تعصب يمنع قبول الحق.

كما أن المشكلة ليست في ترك التقليد، وإنما في أن يتحول ترك التقليد إلى فوضى فقهية، يختار فيها كل شخص ما يعجبه من الأقوال، أو يستخرج حكمًا من حديث واحد دون معرفة بمجموع الأدلة وقواعد الاستنباط.

إن الأمة تحتاج إلى فقهٍ يجمع بين النص والعقل، وبين أصالة السلف وخبرة الخلف، وبين احترام التراث والقدرة على التعامل مع الواقع.


🟥 نحن بحاجة إلى إعادة بناء الوعي الإسلامي

لقد كان علماء المدارس الإسلامية الكبرى، وفي مقدمتها الأزهر في مراحل ازدهاره، أكثر قدرة على استيعاب تنوع العلوم الإسلامية؛ فكان العالم يدرس الفقه وأصوله، والتفسير والحديث، والعقيدة، ويعرف مذاهب العلماء وأوجه الخلاف بينهم.

أما عندما يتراجع العلم، ويتصدر غير المتخصصين، يصبح المجال مفتوحًا لكل من يقرأ كتابًا أو عدة كتب ثم يتصور أنه امتلك مفاتيح الإسلام كلها.

ومن هنا تنتشر أحيانًا:

سطحية في الفقه،
وتضييق في العقيدة،
وسوء فهم للخلاف،
وتشدد في الجزئيات،
وتقصير في القضايا الكبرى.

وهذا كله يحتاج إلى علاج علمي هادئ، لا إلى صراخ جديد يضيف خلافًا إلى الخلاف.


🟥 رسالة أخيرة إلى شباب الصحوة

يا شباب الصحوة الإسلامية...

لا تتخلوا عن حماسكم، بل زيدوه علمًا.

ولا تتخلوا عن غيرتكم على الإسلام، بل زيدوها فقهًا.

ولا تتركوا قضايا الأمة الكبرى من أجل أن تغرقوا في معارك صغيرة.

اعرفوا أصول دينكم، وافهموا مقاصده، واحترموا علماءه، وتعلموا فقه الاختلاف، ولا تجعلوا من المسائل الاجتهادية معارك إيمان وكفر وسنة وبدعة.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيد من التنازع حول الهوامش بقدر حاجتها إلى رجال يعرفون أين يقع مركز الدائرة.

نحتاج إلى من يدافع عن العدل كما يدافع عن العقيدة.

ويدافع عن الحرية والكرامة كما يدافع عن الأحكام.

ويهتم ببناء الإنسان كما يهتم ببناء الدولة.

ويقرأ التاريخ لا ليبكي على أمجاد الماضي، وإنما ليفهم كيف قامت الحضارة، ولماذا سقطت، وكيف يمكن أن تنهض من جديد.

إن الإسلام الذي نحمله ليس مجموعة مسائل متناثرة، وإنما منهاج حياة ورسالة للإنسان.

ولهذا فإنني مع القافلة الكبرى للإسلام؛ تلك القافلة التي تعاقب فيها العلماء والمصلحون، وتعلم فيها اللاحق من السابق، واجتهد فيها كل جيل بما يناسب زمانه، دون أن يقطع صلته بجذوره.

ولعل من أجمل ما يلخص هذا المعنى قول الله تعالى:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ۚ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

فالنهضة لا تبدأ بكثرة الصراخ...
بل تبدأ بصحة الوعي.

ولا تبدأ بتكثير الخصوم...
بل بحسن ترتيب الأولويات.

ولا تبدأ بإلغاء تراث الأمة...
بل بفهمه، ونقده، والبناء عليه.

إن أكبر خدمة نقدمها للإسلام اليوم أن نعيد للقضايا الكبرى مكانتها في وعي المسلمين.


✦ الخلاصة

حين تصبح المسائل الصغيرة أكبر من قضايا العدل والحرية والكرامة، يختل ميزان الوعي.

وحين يعرف المسلم ما هو ثانوي وما هو أساسي، وما هو قطعي وما هو اجتهادي، وما هو خلاف تنوع وما هو خلاف تضاد، يبدأ الفقه الحقيقي.

تلك هي الصحوة التي نحتاجها:
صحوةٌ لا تطفئ الحماس، بل تهذبه.
ولا تلغي التراث، بل تفهمه.
ولا تهرب من النص، بل تحسن فهمه.
ولا تنشغل بالهوامش، وتنسى قضايا الأمة الكبرى.