حذّرنا رسول الله ﷺ من التحريش والتكفير… ومحمد بن عبد الوهاب كفّر وقاتل مخالفيه باسم التوحيد!
قراءة نقدية في النصوص التكفيرية المنقولة عن محمد بن عبد الوهاب، والوقائع الدموية في تاريخ الدعوة النجدية.
من أعظم ما حذّر منه رسول الله ﷺ أن تتحول الخلافات بين المسلمين إلى عداوة وفرقة واقتتال، وأن يجد الشيطان طريقًا إلى قلوبهم، فيشغلهم بالتحريش والتنازع بدلًا من الاجتماع على الحق والرحمة والتعاون.
قال رسول الله ﷺ:
«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».
رواه مسلم (2812).
وقال ﷺ:
«والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».
رواه البخاري (1344)، ومسلم (2296).
تأملوا هذا التحذير النبوي!
فالنبي ﷺ يحذّر أمته من أسباب التنازع والتنافس والاقتتال، ويبيّن خطورة أن تتحول العلاقة بين المسلمين إلى صراع وعداوة.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول الدعوة إلى التوحيد من دعوة إلى عبادة الله وحده، إلى وسيلة لاتهام جماعات من المسلمين بالشرك، وتكفير المخالفين، ثم الدخول معهم في مواجهات مسلحة تُستباح فيها الدماء والأموال؟
وهل يكفي أن يرفع الإنسان شعار التوحيد حتى تكون جميع مواقفه وممارساته صحيحة؟
هذه أسئلة تفرض نفسها عند قراءة تاريخ الدعوة النجدية، وتأمل بعض النصوص المنقولة عن مؤسسها محمد بن عبد الوهاب، والوقائع التي صاحبت انتشارها السياسي والعسكري.
أولًا: هل كان علماء المسلمين قبل محمد بن عبد الوهاب يجهلون التوحيد؟!
من النصوص اللافتة التي نقلها محمد بن عبد الوهاب عن نفسه، ما جاء في رسالته المنشورة ضمن «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (ج1، ص32-33)، إذ قال:
«وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم واعتقدت أن ما عليه الناس هو الدين، فمكثت في ذلك سنين، ثم منَّ الله عليّ بمعرفة دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ، وعرفت أن الناس قد غيّروا دينهم بعد نبيهم، ولم يبقَ منهم على الدين إلا القليل».
ثم قال:
«وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي منَّ الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك».
وهنا لا بد من التوقف!
فالكلام لا يتحدث عن مجرد اكتشاف مسألة علمية غابت عنه، أو تصحيح خطأ فقهي وقع فيه بعض الناس، بل يتضمن تصويرًا واسعًا لحال المجتمع العلمي والديني الذي نشأ فيه، حتى إنه يقول عن مشايخه إن أحدًا منهم لم يعرف حقيقة الإسلام والتوحيد، بحسب تعبيره.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
أين علماء الأمة الذين حملوا العقيدة ودرّسوها، وأين أئمة المذاهب الأربعة وشروحهم لكتاب التوحيد، وأين تراث المسلمين في بيان معنى لا إله إلا الله ومحاربة الشرك؟
هل ظل المسلمون قرونًا لا يعرفون حقيقة التوحيد، حتى جاء محمد بن عبد الوهاب ليكتشف لهم الإسلام من جديد؟!
إن تصحيح الأخطاء العقدية واجب، لكن تحويل الاختلاف مع فهم جماعة معينة إلى اتهام تاريخ الأمة بالجهل بالتوحيد أمر آخر تمامًا.
فالتوحيد ليس اكتشافًا تاريخيًّا ظهر في القرن الثاني عشر الهجري، ولم تكن الأمة قبله خالية من العلماء الذين يعرفون الله ويعلّمون الناس حقيقة عبادته.
ثانيًا: من تكفير المشركين إلى تكفير من لم يكفّرهم!
ومن أخطر النصوص التي تستحق التأمل النص الظاهر في الصورة المرفقة، والمنسوب إلى محمد بن عبد الوهاب، وفيه تقرير لتكفير المشركين، ثم إدخال من لم يكفّرهم، أو شك في كفرهم، أو صحّح مذهبهم، في دائرة الحكم بالكفر.
وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكالات في هذا الخطاب.
فمن حيث الأصل، لا خلاف بين المسلمين في كفر الشرك بالله، ولا في وجوب البراءة من الشرك، لكن الإشكال يبدأ عندما تتوسع دائرة وصف الناس بالشرك، ثم يصبح عدم موافقة هذا التصنيف سببًا للحكم بالكفر على المخالف أيضًا!
وبذلك لا يقف الأمر عند تكفير من وُصف بالشرك، بل يمتد إلى تكفير من لم يوافق على تكفيره.
وهذا يفتح بابًا خطيرًا من التسلسل في التكفير، ويجعل الخلاف في فهم النصوص وتطبيق الأحكام مدخلًا لإخراج أعداد من المسلمين من دائرة الإسلام.
والسؤال هنا:
هل كل من توسّل بالنبي ﷺ، أو زار قبرًا، أو خالف في بعض مسائل التوسل والاستغاثة، يصبح مشركًا بالضرورة؟ وهل يجوز تكفير من خالفنا في الحكم على هذه الأفعال؟
إن الحكم على الأقوال والأفعال شيء، والحكم على الأشخاص بأعيانهم شيء آخر، ولهذا وضع علماء الإسلام ضوابط دقيقة للتكفير، ولم يجعلوا هذا الباب متروكًا للأهواء والانفعالات أو الخصومات المذهبية.
فمن الخطأ أن يتحول الخلاف في تفسير النصوص وتنزيلها إلى محكمة لتوزيع أحكام الكفر على المسلمين.
ثالثًا: كلمة حق أُريد بها باطل!
هذه ليست مجرد عبارة تاريخية، بل قاعدة مهمة في فهم الانحراف في توظيف النصوص الشرعية.
عندما رفع الخوارج شعارهم المشهور:
«لا حكم إلا لله».
لم يكن اعتراض الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أن الحكم لله؛ فهذا حق، وإنما أنكر توظيفهم لهذه الكلمة في غير موضعها، واتخاذها وسيلة للفرقة والخروج والاعتداء.
وقد ورد في صحيح مسلم (1066) قوله رضي الله عنه في الخوارج:
«كلمة حق أريد بها باطل».
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في وصف مسلكهم:
«إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين».
رواه البخاري (6933).
وهنا ينبغي أن نتعلم درسًا عظيمًا:
ليس كل من رفع شعار التوحيد قد أحسن فهمه، وليس كل من أكثر من الحديث عن الشرك قد أحسن تنزيل الأحكام على الناس، وليس كل من اتهم مخالفيه بالبدعة أو الضلال قد امتلك الحق في اتهامهم بالكفر.
فقد يكون الشعار صحيحًا، لكن الخلل في الفهم والتطبيق، وقد يُستعمل النص الشرعي في غير موضعه، فيتحول من وسيلة للهداية إلى ذريعة للفتنة والعدوان.
وهذا هو جوهر الإشكال: أن يتحول الدفاع عن أصل شرعي صحيح إلى وسيلة لتبرير ممارسات تخالف أصول العدل وحرمة الدماء.
رابعًا: من هدم القباب إلى قتال المخالفين… ماذا تقول المصادر التاريخية؟
عندما ننتقل من النصوص النظرية إلى الوقائع التاريخية، نجد صفحات تستحق الدراسة والمساءلة.
ففي كتاب «روضة الأفكار والأفهام» لابن غنام، وهو من المؤرخين المرتبطين بالدعوة النجدية، ترد أخبار عن هدم القباب على القبور، وما صاحب ذلك من مواجهات مع المعترضين.
كما تُنسب إلى ابن غنام رواية تتحدث عن قتال من أنكر تلك الأعمال، وسقوط قتلى وأخذ أموال.
وهنا يبرز السؤال:
هل مجرد بناء قبة على قبر يجعل المسلم مشركًا مستحقًّا للقتل؟ وبأي حق تتحول مسألة مختلف فيها إلى سبب للقتال واستباحة الدماء؟
حتى لو اعتقد شخص أن بناء القباب على القبور محرّم أو منكر، فإن تحريم الفعل لا يعني بالضرورة تكفير فاعله، فضلًا عن إباحة دمه وماله.
فليس كل من ارتكب محرّمًا أصبح كافرًا، وليس كل من وقع في بدعة خرج من الإسلام، ولا يجوز أن تتحول مسائل الخلاف الفقهي والعقدي إلى أحكام بالقتل تصدرها الجماعات والأفراد.
خامسًا: كربلاء سنة 1216هـ… حين امتد الصراع إلى دماء المسلمين!
من أبرز الوقائع التي لا يمكن تجاوزها عند دراسة التاريخ النجدي ما وقع في كربلاء سنة 1216هـ، عندما دخلتها قوات سعود بن عبد العزيز.
وقد تناول ابن بشر، أحد المؤرخين المرتبطين بالدعوة النجدية، هذه الواقعة في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد».
وتضمنت الروايات التاريخية أخبارًا عن هدم القبة المقامة على قبر الحسين رضي الله عنه، والاستيلاء على أموال وممتلكات، وسقوط أعداد كبيرة من القتلى.
كما تناول مؤرخون آخرون الواقعة، مع اختلاف الروايات في تفاصيلها وأعداد الضحايا.
وهنا لا بد من طرح الأسئلة التي لا يجوز الهروب منها:
هل كان جميع أهل كربلاء مشركين؟ وهل يجوز الحكم على مدينة بأكملها بالخروج من الإسلام بسبب بعض الممارسات التي يختلف العلماء في أحكامها وتفاصيلها؟
وهل هدم قبة أو إزالة مظهر يعتقد بعض الناس أنه منكر يبرر قتل السكان ونهب الأموال؟
إن أهل كربلاء لم يكونوا كتلة واحدة، ولا يجوز اختزال عقائد جميع سكان مدينة في وصف واحد، فضلًا عن أن الخلاف في بعض الممارسات الدينية لا يبيح الاعتداء على الأبرياء.
فالتوحيد لا يمنح أحدًا تفويضًا بقتل المسلمين، ولا تتحول حماية العقيدة إلى رخصة للظلم والعدوان.
سادسًا: الطائف والمدينة… هل كان الإصلاح يقتضي كل ذلك؟
ومن الوقائع التي تناولتها المصادر التاريخية أحداث الطائف سنة 1217هـ، وما صاحب دخول القوات النجدية إليها من قتل ونهب واعتداءات على السكان.
وقد أورد الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» أخبارًا عن تلك الأحداث، كما تناول أحمد زيني دحلان في كتابه «خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام» وقائع الصراع في الحجاز.
وتتحدث روايات تاريخية كذلك عن دخول المدينة المنورة، وما ارتبط بتلك المرحلة من تضييق على بعض الممارسات الدينية، والخلاف حول زيارة الحجرة النبوية والتوسل، وما تعرضت له بعض المظاهر الدينية من منع وإزالة.
ولا ينبغي أن نخلط بين جميع الروايات أو نجزم بكل تفاصيلها دون مراجعة مصادرها، لكن من حق الباحث أن يسأل عن طبيعة تلك الممارسات، وعن مدى موافقتها لأحكام الشريعة التي تقرر حرمة الدماء والأموال والأعراض.
فإذا كان الاختلاف في زيارة القبور والتوسل والبناء عليها خلافًا يُبحث بالدليل، فكيف يصبح سببًا للاقتتال وإهدار حرمة المسلمين؟
وهل كانت معالجة المخالفات الشرعية تستوجب الاعتداء على السكان، أم كان الواجب أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؟
قال الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
فأين الحكمة والموعظة الحسنة من كل اعتداء وقع على الأبرياء؟
سابعًا: النبي ﷺ حذّر من التكفير… فلماذا نتهاون في دماء المسلمين؟
قال رسول الله ﷺ:
«إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».
رواه البخاري ومسلم.
هذا وعيد نبوي شديد، يكشف خطورة التسرع في إطلاق أحكام التكفير، وأنها ليست ألفاظًا عابرة تُقال في الخصومات والمناظرات.
وقال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94].
فإذا كان القرآن يأمر بالتثبت حتى في حال المواجهة والقتال، فكيف يجوز التوسع في تكفير المسلمين بسبب خلافات في مسائل التوسل والزيارة وبعض الممارسات الدينية؟
إن التكفير حكم شرعي بالغ الخطورة، ولا يجوز أن يُترك للأهواء أو الانتماءات أو الخصومات.
وقد قرر علماء أهل السنة ضرورة التفريق بين الحكم على القول أو الفعل، والحكم على الشخص المعيّن، ومراعاة الشروط والموانع قبل تنزيل أحكام التكفير عليه.
فالخطأ في فهم مسألة لا يساوي الكفر، والوقوع في البدعة لا يعني بالضرورة الخروج من الإسلام، ومخالفة اجتهاد جماعة لا تجعل المسلم عدوًّا للتوحيد.
ثامنًا: هل الوهابية هي الإسلام وأهل السنة وحدهم؟!
من الأخطاء الكبيرة اختزال الإسلام وأهل السنة والجماعة في دعوة واحدة أو مدرسة واحدة، وكأن تاريخ الأمة وعلماءها ومذاهبها لم يكونوا على الإسلام قبل ظهور هذه الدعوة.
فأهل السنة والجماعة أوسع من أن يُختزلوا في اتجاه معاصر، وتراث المسلمين أرحب من أن يُحصر في فهم جماعة بعينها.
لقد عرف المسلمون المذاهب الفقهية الأربعة، وعرفوا مدارس متعددة في العقيدة، وامتد تاريخهم العلمي قرونًا، وكان بينهم اختلاف في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن كل اختلاف سببًا لإخراج المخالف من الإسلام.
ومن حق أي جماعة أن تدعو إلى ما تراه حقًّا، وأن تناقش مخالفيها بالأدلة، لكن ليس من حقها احتكار الإسلام، أو إلغاء تاريخ الأمة، أو جعل فهمها الخاص معيارًا وحيدًا للإيمان والتوحيد.
وليس كل من انتسب إلى السلفية صار ممثلًا وحيدًا للسلف، كما أن رفع شعار السنة لا يعصم صاحبه من الخطأ والظلم وسوء الفهم.
الخلاصة: التوحيد لا يُنصر بتكفير المسلمين وسفك دمائهم!
لسنا ضد الدعوة إلى التوحيد، ولا ضد محاربة الشرك، ولا ضد تصحيح الأخطاء والممارسات المخالفة للشرع.
ولكننا ضد أن تتحول هذه المبادئ العظيمة إلى شعارات تُستعمل لتكفير المسلمين، وضد أن يصبح الاختلاف في مسائل الاعتقاد والاجتهاد ذريعة للعداوة والاقتتال، وضد أن تُستباح الدماء والأموال باسم حماية العقيدة.
إن النبي ﷺ الذي جاءنا بالتوحيد هو نفسه الذي حذّرنا من التحريش بين المسلمين، وشدد في حرمة دمائهم، ونهانا عن التسرع في تكفير بعضنا بعضًا.
فكيف نأخذ نصوص التوحيد ونغفل نصوص الرحمة والعدل وحرمة الدماء؟
وكيف ندّعي اتباع السنة، ثم نتساهل في مخالفة تحذيرات صاحب السنة ﷺ؟
إن التوحيد ليس ملكًا لجماعة، ولا صكًّا يمنح صاحبه حق إخراج الناس من الإسلام، ولا مبررًا للقتل والعدوان.
ومن أراد أن ينصر التوحيد فليكن أول الناس التزامًا بالعدل، ومن أراد أن يدافع عن السنة فليكن أول الناس اتباعًا لهدي النبي ﷺ، ومن أراد إصلاح الأمة فليبدأ بصيانة دماء المسلمين وأعراضهم وحقوقهم.
فليس من الانتصار للتوحيد أن نُكفّر المسلمين، وليس من نصرة السنة أن نخالف صاحبها في حرمة الدماء، وليس من الإصلاح أن نمزّق الأمة باسم جمعها على العقيدة!
