منهج التحرير والإنصاف في دراسة المذاهب العقدية: الأشاعرة ومخالفوهم نموذجاً
يعاني الخطاب الدعوي والبحثي المعاصر في كثير من أطروحاته من أزمة منهحية حادة عند تناول المذاهب الإسلامية وتاريخها العلمي. ويتجلى هذا الخلل وضوحاً في التعاطي مع مذهب "الأشاعرة"، الذي يمثل السواد الأعظم من علماء الأمة عبر القرون في الفقه والتفسير والحديث وسائر العلوم. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لإرساء معالم "منهج الإنصاف والتحري" في نقد هذه المذاهب وتفكيك الاتهامات التي تُوجّه إليها بعيداً عن الغلو أو السطحية
أولاً: الضوابط المنهجية المفقودة في نقد الأشاعرة
إن أولى ركائز البحث العلمي الاستقصائي هي التوثيق من المصادر المعتمدة. ومن المآخذ البارزة على الخطاب المناوئ للأشاعرة قيام بعض الباحثين بنسبة أقوال وتهم عريضة إليهم دون الاستناد إلى نصوص صريحة من أمهات كتبهم، والاعتماد بدلاً من ذلك على ما يُنقل في كتب خصومهم، وهو مسلك يجافي الأمانة العلمية
ويرافق هذا العجز المنهجي تجاهلٌ تام للأدلة الشرعية؛ حيث يُصوّر الأشاعرة في تلك الأطروحات كمن يتبنى عقيدته بناءً على مجرد أبيات شعرية أو آراء مجردة (كالاتكاء على بيت الأخطل في مسألة الكلام النفسي)، مع إغفال تام للترسانة الضخمة من الأدلة القرآنية والحديثية والآثار السلفية التي يستدل بها علماء المذهب
أضف إلى ذلك غياب تحرير المصطلحات؛ كقصر مفهوم "أهل السنة والجماعة" في معناه الأخص على اختيارات الشيخين ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما فقط، وإخراج من سواهم
ثانياً: تفكيك الفِرى والشائعات
يقع كثير من المنتقدين في فخ الأحكام المرسلة التي تدحضها الحقائق والكتب؛ ومن ذلك رمي الأشاعرة بـالغلو في الإرجاء، وهي دعوى باطلة، إذ إن حقيقة معتقد المرجئة هو القول بأن "لا يضر مع الإيمان ذنب"، وهو قول لا تنطق به كتب الأشاعرة ولا يتدين به أحد منهم قط
وكذلك دعوى تكفيرهم لعلماء السلف أو من قال بالعلو، وهو محض اختلاق
ثالثاً: الموقف المنصف من ابن تيمية ونقده علمياً
عند دراسة التاريخ العلمي، نجد أن جمهور الأشاعرة وقضاة المذاهب الأربعة في عصر الشيخ ابن تيمية لم يحكموا بتكفيره أو زندقته، بل اعترفوا بمكانته وسعته العلمية ولقبوه بـ"شيخ الإسلام"، وإنما جرى الزجر والسجن بناءً على مسائل اجتهادية أنكروها عليه في الأصول والفروع (كالحلف بالطلاق ومنع شد الرحال)
ومع هذا الإنصاف للشيخ، فإن المنهج العلمي يقتضي بيان مواضع الخلل التي دخلت في بعض اختياراته نتيجة الاعتماد على روايات ضعيفة أو آثار إسرائيلية المصدر، ومنها:
مسألة حوادث لا أول لها: إنكاره لعبارة "ولا شيء معه" في الحديث الشريف وترجيحه لرواية "ولم يكن شيء قبله"
، مما أفضى به وبأتباعه إلى القول بـ"القدم النوعي للعرش"، وهو من البدع الاعتقادية . حديث الأوعال: إثبات الجهة المكانية بناءً على هذا الحديث، رغم ضعف سنده وانفراد سماك بن حرب به ونكارته
. أثر عكرمة: اعتماده عليه في إثبات لفظ "البعض" في ذات الله تعالى، وهو خلط بين صفات الذات وصفات الفعل
. مرسل الزهري: استشهاده به في مسألة سماع موسى لكلام الله، في حين أن إسناده يعود في الحقيقة إلى "كعب الأحبار" من مرويات أهل الكتاب الموهمة للصوت المادي الحسي
.
رابعاً: الأشاعرة والمذاهب الفقهية الأربعة
إن محاولة فصل الأشاعرة عن أئمة الفقه والسلوك مسلك يعوزه التحقيق التاريخي؛ فجمهور وفقهاء المالكية والشافعية هم أشاعرة، وجمهور الحنفية ماتريدية (وهم والأشاعرة شيء واحد في الأصول)
وحين نطالع نصوص كبار الأئمة، كالإمام أبي إسحاق الشيرازي الشافعي، نجد نصوصه صريحة في إثبات أشعريته وموافقته لمقررات المذهب في نفي الجسمية والملاصقة والاستقرار والرد على المشبهة
خامساً: وحدة معيار النقد في الجرح والتعديل
ختاماً، يجب ألا يُبنى تقييم المذاهب على عثرات أفرادها أو الروايات المنفردة؛ فالطعون الموجهة لأئمة الكلام كالفخر الرازي أو الآمدي مردود عليها؛ إذ إن كتاب "السر المكتوم" مختلق على الرازي
إن وحدة المعيار تقتضي أن ندرك بأن وجود جرح لبعض علماء الأشاعرة لا يقدح في مذهبهم إجمالاً، تماماً كما أن وجود تراجم لعلماء من الحنابلة دخلهم وهمٌ أو اتهام بالوضع أو التشبيه (مثل ابن بطة العكبري وزياداته المنكرة) لا يصح أن يكون مسوغاً للطعن في المذهب الحنبلي بأكمله
