الأحد، 18 أكتوبر 2026

⚠️ من هم الخوارج؟ ماذا أخبرنا النبي ﷺ عنهم؟ قراءة في أبرز صفاتهم وأحاديث التحذير منهم

 

⚠️ من هم الخوارج؟ ماذا أخبرنا النبي ﷺ عنهم؟ قراءة في أبرز صفاتهم وأحاديث التحذير منهم

📌 مقدمة: حين لا تكون كثرة العبادة دليلًا على صحة المنهج!

ليس كلُّ من أكثر من العبادة أحسن فهم الدين، وليس كلُّ من رفع شعار القرآن والسنة كان بالضرورة مصيبًا في فهمهما، كما أن الانتساب إلى السلف أو رفع راية اتباعهم لا يعصم أحدًا من الخطأ والانحراف.

لقد حذَّر النبي ﷺ من طائفة تظهر عليها أمارات التدين، وتكثر من قراءة القرآن والعبادة، لكنها تنحرف في فهم النصوص، وتسيء تنزيلها على الواقع، حتى يبلغ بها الانحراف حدَّ استباحة دماء المسلمين.

إنهم الخوارج؛ الذين وردت في شأنهم أحاديث نبوية كثيرة، كشفت عن صفاتهم، وحذَّرت من غلوهم، وبيَّنت خطورة الاغترار بالمظاهر التعبدية إذا لم يصحبها فقه صحيح وفهم مستقيم.

والسؤال الذي يستحق التأمل:

ماذا أخبرنا النبي ﷺ عن الخوارج؟ وما أبرز صفاتهم؟ وهل يكفي رفع الشعارات الدينية وكثرة الاستشهاد بالنصوص لإثبات صحة المنهج؟


أولًا: 📖 يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم!

من أشهر الصفات التي وردت في الأحاديث النبوية بشأن الخوارج قول رسول الله ﷺ:

«يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ».

ورد هذا المعنى في أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.

وهذا وصف بالغ الدلالة؛ إذ يكشف أن مجرد تلاوة القرآن، وحفظ آياته، والاستشهاد بها في الخصومات، لا يكفي وحده لإثبات صحة الفهم وسلامة المنهج.

فالقرآن لم ينزل ليكون ألفاظًا تُتلى دون تدبر، ولا سلاحًا يُشهر في وجه المخالفين دون فقه، وإنما أنزله الله هدايةً للناس، وأمر بتدبره والعمل به والرجوع إلى الحق عند الاختلاف.

ومن أخطر صور الانحراف أن ينتقي المرء من النصوص ما يؤيد موقفه، ويغفل ما يقيّده أو يوضحه، ثم يتعامل مع فهمه الخاص وكأنه الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل النقاش.

فالخلل ليس في القرآن، وإنما فيمن يسيء فهمه، أو يقتطع نصوصه من سياقاتها، أو يوظفها لتبرير أحكام لا تدل عليها.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الحديث يصف طائفة مخصوصة وردت في شأنها نصوص أخرى، ولا يجوز اتخاذه ذريعة للحكم على كل مخالف بأنه من الخوارج لمجرد اختلافه معنا في مسألة أو اجتهاد.


ثانيًا: ⚖️ كثرة العبادة لا تمنع الانحراف!

من أعجب ما ورد في وصف الخوارج أن عبادتهم الظاهرة قد تبلغ حدًّا يجعل بعض الصحابة يستقلون عبادتهم إذا قارنوها بعبادتهم.

قال رسول الله ﷺ:

«يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ».

رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.

تأمل هذه الدلالة!

إننا أمام قوم لا يُعرف انحرافهم بمجرد قلة العبادة أو ترك الشعائر، بل قد يكون ظاهرهم في الصلاة والصيام والتلاوة شديدًا، ومع ذلك لا يمنعهم هذا من الوقوع في انحراف خطير في الفهم والسلوك.

وهذا من أهم الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من أحاديث الخوارج:

  • كثرة العبادة لا تجعل صاحبها معصومًا من الخطأ.

  • حفظ النصوص لا يعني بالضرورة إحسان فهمها.

  • المظهر الديني لا يغني عن العلم والفقه.

  • شدة الحماسة للدين لا تبرر الغلو أو الظلم أو الاعتداء على الآخرين.

وليس المقصود التقليل من شأن العبادة، حاشا لله، وإنما المقصود بيان أن العبادة الصحيحة لا تنفصل عن الفهم الصحيح، وأن التدين لا يُقاس بالمظاهر وحدها.

فقد يكون الإنسان شديد الحماسة للدين، لكنه يسيء فهمه، ويظن أنه ينصر الحق بينما هو يخطئ في فهمه وتطبيقه.


ثالثًا: 🚨 أحداثُ السنِّ وسفهُ الأحلام: خطر الحماسة بلا علم

قال رسول الله ﷺ في وصف الخوارج:

«يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ».

وجاء في الحديث أنهم يقولون من خير قول الناس، وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.

ولا ينبغي أن يُفهم وصف «حداثة الأسنان» على أنه ذمٌّ للشباب لمجرد صغر أعمارهم؛ فالعبرة بما اجتمع في الوصف من الاندفاع وسفه الرأي وضعف الفقه، لا بمجرد السن.

إن الخطر يظهر حين تجتمع الحماسة مع قلة العلم، ويُستبدل التثبت بالتسرع، ويُستبدل الحوار بإطلاق الأحكام، ويُعامل المخالف وكأنه عدو للدين لمجرد أنه لم يوافق رأيًا أو تفسيرًا معينًا.

والدين لا يُفهم بالصوت المرتفع، ولا بكثرة الشعارات، ولا بادعاء امتلاك الحقيقة وحدنا؛ وإنما يُفهم بالعلم، وجمع الأدلة، ومعرفة دلالات النصوص، والتمييز بين القطعي والاجتهادي.

فليس كل من قال كلامًا حسنًا أحسن تطبيقه، وليس كل من أكثر من الاستشهاد بالنصوص كان مصيبًا في الاستدلال بها.


رابعًا: 🪒 «سيماهم التحليق»… ما دلالة هذه العلامة؟

ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في وصف قوم من الخوارج:

«سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ».

وجاء الحديث ضمن روايات تصف قومًا يخرجون من جهة المشرق، ويقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

رواه البخاري، وجاءت أحاديث الخوارج بألفاظ متقاربة في مصادر أخرى.

وقد ذكر العلماء التحليق ضمن العلامات التي وردت في وصف تلك الطائفة. لكن فهم الحديث يقتضي التفريق بين ثبوت العلامة في النص، وبين محاولة تعيين كل من تنطبق عليه هذه الهيئة الظاهرة.

فليس كل من حلق رأسه من الخوارج، ولا يصح أن نجعل هيئة خارجية وحدها دليلًا قاطعًا على فساد الاعتقاد أو انطباق وصف شرعي مخصوص.

وماذا عن الأخبار المتعلقة بمحمد بن عبد الوهاب؟

تذكر بعض الكتب التي انتقدت الحركة الوهابية روايات عن إلزام بعض الداخلين فيها بحلق رؤوسهم، وتنقل أقوالًا منسوبة إلى علماء عارضوا الحركة وربطوا ذلك بحديث «سيماهم التحليق».

ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق أحمد زيني دحلان، في كتابه فتنة الوهابية، كما تُنقل أقوال منسوبة إلى علماء آخرين في نقد الحركة.

لكن الأمانة العلمية تقتضي مراجعة النصوص الأصلية، والتحقق من صحة النقول وسياقاتها، وعدم التعامل مع كل رواية تاريخية على أنها حقيقة ثابتة لمجرد ورودها في كتاب جدلي.

وحتى لو ثبتت ممارسة تاريخية معينة، فإن إثباتها لا يكفي وحده للحكم بأن جماعة معاصرة هي المقصودة بالحديث؛ بل لا بد من بحث مجموع الأدلة والصفات والمعتقدات والأفعال.

فالنقد القوي لا يحتاج إلى دليل ضعيف، والحق لا يحتاج إلى المبالغة في إثباته.


خامسًا: 🌍 أحاديث المشرق ونجد: هل تكفي الجغرافيا لتحديد الخوارج؟

ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:

«اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا».

قالوا: وفي نجدنا؟

فقال ﷺ:

«هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».

رواه البخاري، وروى الترمذي أحاديث في هذا المعنى بألفاظ متقاربة.

وقد بحث شراح الحديث في المراد بنجد والجهة المشار إليها، وذكروا تفسيرات متعددة، وربط بعضهم أحاديث المشرق بظهور الفتن والخوارج في مناطق شرقية من جزيرة العرب والعراق.

لكن لا بد من التفريق بين ثلاثة أمور:

1. الحديث النبوي الثابت.

وهذا يُقبل بثبوته، وتُحترم دلالته وفق قواعد فهم النصوص.

2. تفسير المكان المقصود بالحديث.

وهذا باب بحثه العلماء، وقد تختلف فيه الأنظار بحسب القرائن التاريخية والجغرافية وطرق الجمع بين الروايات.

3. تعيين حركة معاصرة أو شخص بعينه بوصفه المقصود بالحديث.

وهذا يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يثبت بمجرد الانتساب إلى منطقة جغرافية ورد ذكرها، أو بمجرد التشابه في بعض الصفات.

ومن هنا، فإن ربط ظهور الخوارج تاريخيًا بجهة معينة لا يجيز تعميم الذم على جميع أهلها، ولا يجعل كل حركة ظهرت فيها امتدادًا للخوارج بالضرورة.

أما نقد الحركات الدينية المعاصرة، ومنها الحركة الوهابية، فينبغي أن يقوم على دراسة أفكارها وممارساتها ومواقفها الموثقة، لا على الجغرافيا وحدها.

فالنص الشرعي لا يجوز أن يُحمَّل أكثر مما يدل عليه، مهما كانت النتيجة التي يرغب الكاتب في الوصول إليها.


سادسًا: 🩸 أخطر صفاتهم: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان

من أشد الأحاديث الواردة في وصف الخوارج قول رسول الله ﷺ:

«يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ».

رواه البخاري ضمن حديث في وصف هذه الطائفة.

وهذا من أخطر ما يكشف عن انحراف الخوارج؛ إذ تتحول الأحكام المتشددة والفهم المنحرف إلى ذريعة للاعتداء على المسلمين، بينما يُعامل الآخرون وفق معايير مختلفة.

إن من أعظم الانحرافات أن يتحول الخلاف إلى خصومة تُستباح فيها الحقوق، وأن يُجعل الحكم على إيمان الناس وسلامة عقائدهم وسيلة لإقصائهم أو الاعتداء عليهم.

ولا يقتصر الدرس هنا على معرفة اسم طائفة تاريخية، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك خطورة الغلو حين يقترن بالتسرع في الأحكام وغياب الإنصاف.

ومع ذلك، لا يصح أن يُستدل بهذا الحديث على أن كل من اشتد في موقفه، أو خالف جماعة أخرى، أو أخطأ في مسألة عقدية، يدخل تلقائيًا في وصف الخوارج؛ فلكل حكم أدلته وشروطه، ولا بد من التمييز بين الخطأ والبدعة والغلو والتكفير وسفك الدماء.

كما أن أحاديث قتال الخوارج لا تمنح الأفراد والجماعات حق استهداف مخالفيهم أو تطبيق أحكام القتال من تلقاء أنفسهم.

فحفظ الدماء واجب، والأحكام الشرعية لا تُبنى على الهوى أو الخصومة، وإنما على العلم والعدل والضوابط المعتبرة.


سابعًا: ⚠️ ذو الخويصرة التميمي… بداية الاعتراض باسم العدل

ورد في الصحيحين خبر ذي الخويصرة التميمي، حين اعترض على قسمة النبي ﷺ، وقال له: «اعْدِلْ».

فرد عليه النبي ﷺ، وجاء في بعض روايات الحديث التحذير من قوم يخرجون من عقبه، يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وتكشف هذه القصة عن خطورة الاعتراض الذي يتخذ شعارًا صحيحًا في ظاهره، لكنه يقوم على سوء فهم أو اتهام بغير حق.

فالعدل أصل عظيم من أصول الإسلام، لكن مجرد رفع شعاره لا يجعل كل اتهام بالظلم صحيحًا، ولا يجيز لصاحبه أن يتجاوز العلم والإنصاف في أحكامه.

والعبرة ليست بأن يعترض الإنسان أو يناقش؛ فالنصيحة وبيان الخطأ لهما مكانتهما في الشرع، وإنما العبرة بأن يكون الاعتراض قائمًا على علم، وأن يكون الحكم مبنيًا على بينة، وألا يتحول سوء الظن إلى اتهام، أو الخلاف إلى استحلال للحقوق.

كما أن ورود ذي الخويصرة في هذا السياق لا يجيز الجزم بأن كل من انتسب إلى قبيلته أو اشترك معه في النسب أو بعض الصفات هو من الخوارج؛ فالأحكام تتعلق بالأدلة والصفات الثابتة، لا بمجرد الأنساب.


ثامنًا: 🔎 هل يجوز وصف الحركات المعاصرة بأنها من الخوارج؟

هذا السؤال يحتاج إلى علم وإنصاف، خصوصًا حين يتعلق بحركات دينية لها تاريخ طويل، ومواقف متعددة، وأتباع تختلف أفكارهم وممارساتهم.

لقد انتقد بعض العلماء والكتّاب الحركة الوهابية، وربطوا بينها وبين بعض أوصاف الخوارج، كما اتخذ آخرون مواقف مخالفة في تقييمها. لكن وجود هذا الخلاف لا يغني عن دراسة الأدلة التي يستند إليها كل طرف.

فإذا أراد الباحث نقد أي تيار معاصر، فعليه أن يحدد موضع النقد بدقة:

  • هل يتعلق الأمر بالتوسع في التكفير؟

  • أم بالغلو في التبديع والتصنيف؟

  • أم بطريقة التعامل مع المخالفين؟

  • أم بمواقف سياسية أو فقهية محددة؟

  • أم بممارسات تاريخية ثبتت بأدلة موثقة؟

ثم يعرض أقوال أصحاب التيار من مصادرهم، ويناقشها، ويميز بين ما هو ثابت وما هو منقول على وجه غير دقيق، وبين الخطأ الفردي والموقف المعتمد، وبين التشابه الجزئي والتطابق في الأصول.

ومن الخطأ أن تتحول كلمة «الخوارج» إلى مجرد لقب يُطلق على الخصم لإسقاطه، كما أنه من الخطأ إغلاق باب البحث والنقد لمجرد أن جماعة ما ترفع شعار السنة أو السلفية.

فلا الشعارات تمنح العصمة، ولا الخصومة تمنح صاحبها الحق في إطلاق الأحكام بلا دليل.

وإذا ثبت خطأ في قول أو ممارسة، فالأولى بيان ذلك الخطأ بالدليل، بدل الاكتفاء بإطلاق وصف عام قد لا يثبت على جميع من شملهم.


تاسعًا: 🧭 كيف نقرأ أحاديث الخوارج قراءة صحيحة؟

حتى لا تتحول أحاديث التحذير من الخوارج إلى مادة للخصومات والتصنيفات المتبادلة، لا بد من مراعاة أصول واضحة:

▪️ أولًا: التثبت من الرواية.

فليست جميع الألفاظ المنقولة في الكتب بدرجة واحدة من الثبوت، ولا يجوز التسوية بين الصحيح والضعيف دون تحقيق.

▪️ ثانيًا: فهم الحديث في سياقه.

ينبغي جمع الروايات ذات الصلة، والرجوع إلى شروح العلماء، وعدم بناء حكم واسع على لفظ منفرد مع إغفال بقية النصوص.

▪️ ثالثًا: التمييز بين الوصف والحكم.

فقد يخطئ شخص في صفة من الصفات أو يشترك مع طائفة في بعض الممارسات، لكن الحكم عليه يحتاج إلى النظر في حقيقة قوله وفعله وسياقه.

▪️ رابعًا: العدل مع المخالف.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالخصومة لا تبيح الظلم، والنقد لا يسقط واجب التثبت، والانتصار لرأي لا يبرر تحريف كلام المخالف أو تحميله ما لا يحتمل.

▪️ خامسًا: تقديم الدليل على الشعار.

فليس كل من رفع شعار اتباع السلف مصيبًا في كل ما يقول، وليس كل من انتقد جماعة دينية محقًا في جميع انتقاداته.

والميزان هو الدليل الصحيح والفهم السليم والعدل في تنزيل الأحكام.


✍️ خاتمة: لا تغترَّ بالمظاهر، ولا تجعل الخصومة ميزانًا للحقيقة

لقد كشفت الأحاديث النبوية عن صفات خطيرة للخوارج، من أبرزها الغلو، وسوء فهم النصوص، والاغترار بكثرة العبادة، والاعتداء على المسلمين.

وهي تحذيرات تستحق أن تُدرس بعناية، وأن تُفهم في ضوء مجموع الروايات وشروح العلماء، لا أن تُختزل في شعارات أو توظَّف لتصفية الخصومات.

كما أن دراسة الحركات الدينية المعاصرة ونقدها أمر مشروع من حيث الأصل، لكن الإنصاف يقتضي أن يُبنى النقد على الأقوال والأفعال الموثقة، وأن يُفرَّق بين النص النبوي وتفسيره، وبين التشابه في بعض الصفات وإثبات الانطباق الكامل.

فليس كل من رفع راية الدين مصيبًا، وليس كل من ادعى اتباع السنة قد أحسن فهمها، كما أن مجرد الاختلاف مع جماعة لا يجعلها من الخوارج.

إن الحق لا يُعرف بكثرة الشعارات، ولا بصخب الخصومات، وإنما يُعرف بالدليل، وصحة الفهم، والعدل في الحكم.

فلنحذر الغلو، ولنتمسك بالعلم والإنصاف، ولنجعل النصوص الشرعية ميزانًا نحاكم إليه أقوالنا ومواقفنا، لا أدوات نلوّح بها في وجه كل مخالف.

والله تعالى أعلم.

لماذا حذّر النبي ﷺ من الخوارج؟

 

⚠️ الخوارج في الأحاديث النبوية: صفاتهم، وعلاماتهم، وكيفية التمييز بين النص الشرعي والتنزيل المعاصر

📌 مقدمة: لماذا حذّر النبي ﷺ من الخوارج؟

لم يكن تحذير النبي ﷺ من الخوارج تحذيرًا من مجرد اختلاف في الرأي أو تباين في الاجتهاد؛ بل وردت في شأنهم أحاديث تصف انحرافًا خطيرًا يجمع بين الغلو في الدين، وسوء فهم النصوص، والاغترار بالمظاهر التعبدية، والاعتداء على المسلمين.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذه الأحاديث وفهمها في ضوء شروح العلماء، بعيدًا عن الانتقائية في الاستدلال، أو توظيف النصوص الشرعية لإصدار أحكام جاهزة على الأشخاص والجماعات.

فما أبرز الصفات التي وردت في السنة النبوية بشأن الخوارج؟ وما دلالة هذه الصفات؟ وكيف ينبغي التعامل مع محاولات إسقاطها على الحركات الدينية المعاصرة؟


أولًا: 📖 كثرة العبادة لا تكفي وحدها للحكم بصحة المنهج

من أبرز الأوصاف التي وردت في الأحاديث النبوية بشأن الخوارج أنهم يظهرون بمظهر شديد من العبادة، حتى إن بعض الصحابة قد يستقلّون عبادتهم إذا قورنت بعبادتهم.

قال رسول الله ﷺ:

«يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ».

رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.

وهذا الوصف يلفت النظر إلى حقيقة مهمة: ليست العبرة بكثرة العبادة في ظاهرها وحدها، وإنما بصحة الفهم، وسلامة الاعتقاد، والاستقامة على هدي الشريعة.

فالعبادة التي لا يصحبها فقه صحيح قد لا تمنع صاحبها من الوقوع في الغلو، كما أن كثرة التلاوة لا تعني بالضرورة أن صاحبها قد أحسن فهم القرآن والعمل بمقتضاه.

ولهذا لا يصح أن نجعل المظهر التعبدي وحده دليلًا على صحة المنهج، كما لا يصح أن نجعل مجرد الاختلاف مع شخص أو جماعة دليلًا على انحرافهم.


ثانيًا: 📚 يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم

من أشهر الأحاديث الواردة في وصف الخوارج قول النبي ﷺ:

«يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ».

رواه البخاري، وجاء معناه في روايات صحيحة أخرى.

ومعنى ذلك، كما شرحه العلماء، أن قراءتهم لا تبلغ القلوب على الوجه الذي يثمر الفقه والخشية والعمل الصحيح؛ فلا ينتفعون بالقرآن الانتفاع الذي ينبغي أن ينتفع به المؤمن.

وهنا ينبغي الوقوف عند دلالة الحديث: فالقرآن ليس مجرد ألفاظ تُتلى، ولا آيات تُستحضر في الخصومات، وإنما هو كتاب هداية يحتاج إلى فهم صحيح، وعلم، وإنصاف، واتباع للحق.

ومن صور الانحراف في التعامل مع النصوص أن ينتقي المرء ما يؤيد موقفه، ويغفل ما يخالف هواه، أو يستدل بآية أو حديث دون جمع النصوص ذات الصلة، أو يجعل فهمه الخاص حاكمًا على كل من خالفه.

لكن من الضروري التنبيه إلى أن هذا الحديث لا يجيز لنا الحكم على كل من خالفنا بأنه من الخوارج؛ فالحكم على الأشخاص والجماعات يحتاج إلى معرفة معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم، وإقامة الدليل على ما يُنسب إليهم.


ثالثًا: ⚖️ الغلو في الدين وسوء فهم النصوص

قال رسول الله ﷺ في وصف قوم من الخوارج:

«يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ».

وجاء في الحديث وصفهم بأنهم يقولون من خير قول الناس، وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.

وتكشف هذه الأحاديث عن خطورة اجتماع الحماسة الدينية مع ضعف الفقه، والاندفاع في الأحكام، والتعامل مع النصوص بمعزل عن مقاصد الشريعة وقواعد الاستدلال.

فالخطأ ليس في التمسك بالقرآن والسنة، وإنما في الادعاء بأن المرء وحده يمثل الفهم الصحيح لهما، ثم اتخاذ هذا الادعاء ذريعة للتشدد في الحكم على الآخرين، أو إخراجهم من دائرة الإسلام بغير حق.

والمنهج الصحيح يقتضي أن تُوزن الأقوال والأفعال بالأدلة، وأن يُفرَّق بين الخطأ في الاجتهاد، والانحراف في المنهج، وبين النقد العلمي والتسرع في التكفير أو التبديع.


رابعًا: 🪒 ماذا يعني قوله ﷺ: «سيماهم التحليق»؟

ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ».

ثم قال في وصف علامتهم:

«سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ» أو قال: «التَّسْبِيدُ».

رواه البخاري.

والحديث ثابت، وقد تناول شراح الحديث معنى التحليق والتسبيد، وذكروا صلته بالهيئة التي عُرف بها بعض الخوارج.

لكن ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول: ثبوت الحديث في وصف طائفة من الخوارج.

الثاني: تعميم هذا الوصف على كل جماعة أو شخص يحلق رأسه، أو اتخاذه وحده دليلًا قاطعًا على أن جماعة معاصرة هي المقصودة بالحديث.

فليس كل من حلق رأسه من الخوارج، ولا يكفي تشابه هيئة ظاهرة لإثبات اتحاد المعتقد والمنهج.

أما ما يورده بعض الكتّاب من أخبار عن إلزام محمد بن عبد الوهاب أتباعه بحلق رؤوسهم، أو ما يُنسب إلى بعض علماء عصره من أقوال في هذا الشأن، فيحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من الألفاظ والسياق، قبل اعتماده دليلًا تاريخيًا.

ولا ينبغي أن تُبنى نتيجة عقدية كبيرة على رواية تاريخية لم يُتحقق من ثبوتها ودلالتها.


خامسًا: 🌍 أحاديث المشرق ونجد: ماذا تثبت، وماذا لا تثبت؟

ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:

«اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا».

قالوا: وفي نجدنا؟

فقال ﷺ:

«هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».

رواه البخاري، ورواه الترمذي بألفاظ متقاربة.

وقد بحث العلماء في المقصود بنجد والجهة المشار إليها في الحديث، وذكروا أقوالًا في تفسيرها، كما ربط بعض الشراح أحاديث المشرق بما ظهر في العراق من الفتن، ومنها خروج الخوارج.

ومن المهم هنا مراعاة ثلاثة أمور:

1. ثبوت الحديث لا يعني أن كل تفسير له يصبح قطعيًا.

فالحديث الصحيح شيء، وتعيين المكان المقصود على وجه التفصيل شيء آخر، وتحديد أشخاص أو حركات معاصرة بوصفها المقصودة به شيء ثالث يحتاج إلى دليل مستقل.

2. لا يجوز اختزال تاريخ منطقة كاملة في الفتن التي وقعت فيها.

فالأماكن تضم علماء وصالحين وعموم المسلمين، ولا يصح تعميم الذم على جميع أهل بلد أو إقليم بسبب أحداث تاريخية أو بسبب تفسير معين لحديث.

3. الربط بين الحديث وحركة معاصرة يحتاج إلى أدلة إضافية.

فلا يكفي أن يكون شخص ما من منطقة ورد ذكرها في الحديث، أو أن تتشابه بعض أفكاره مع أفكار طائفة تاريخية، حتى يصح الجزم بأنه المقصود بالنص النبوي.

وهذا لا يمنع دراسة الحركات الدينية ونقد أفكارها، ولكنه يمنع تحويل الاحتمال التاريخي إلى حقيقة شرعية قطعية دون برهان.


سادسًا: 🚨 أخطر صفاتهم: الاعتداء على المسلمين

من أشد الأوصاف التي وردت في أحاديث الخوارج قول النبي ﷺ:

«يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ».

رواه البخاري في حديث ذي الخويصرة وما جاء في وصف من يخرج من عقبه.

وهذا الوصف يكشف عن انحراف بالغ الخطورة: أن ينقلب التدين إلى وسيلة لتبرير الاعتداء على المسلمين، وأن تُستباح الحقوق والدماء نتيجة أحكام متشددة وفهم منحرف للنصوص.

ولا يجوز أن يتحول الخلاف المذهبي أو العقدي أو السياسي إلى ذريعة للظلم أو الاعتداء أو اتهام الناس في إيمانهم بغير حق.

كما أن النصوص التي ورد فيها الأمر بقتال الخوارج تُفهم ضمن أبوابها الشرعية والتاريخية، ولا يجوز تحويلها إلى تفويض للأفراد أو الجماعات في استهداف من يختلفون معهم.

فحفظ الدماء، وضبط الأحكام الشرعية، والرجوع إلى أهل العلم والجهات المختصة في القضايا العامة، أمور لا يصح تجاوزها تحت شعار الغيرة على الدين.


سابعًا: 🔎 هل يجوز تنزيل أحاديث الخوارج على الحركات المعاصرة؟

هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف والتحرير العلمي.

فالأحاديث النبوية في الخوارج ليست نصوصًا تاريخية عديمة الصلة بالواقع؛ بل تتضمن تحذيرًا من أنماط من الانحراف يمكن دراستها والاستفادة منها في فهم الأفكار والسلوكيات.

لكن تنزيل أوصافها على جماعة بعينها يحتاج إلى خطوات واضحة:

  • التحقق من النص: هل الحديث ثابت؟ وما اللفظ الصحيح الذي وردت به الرواية؟

  • فهم دلالته: كيف شرحه أهل العلم؟ وما الصفات التي يدل عليها فعلًا؟

  • التحقق من الواقع: هل ثبتت الصفة المنسوبة إلى الجماعة بأقوال موثقة أو ممارسات معلومة؟

  • التفريق بين التشابه والتطابق: قد تشترك اتجاهات مختلفة في بعض الصفات، دون أن تتطابق في جميع الأصول والمعتقدات.

  • تجنب الأحكام الجماعية المتسرعة: فالحكم على فكرة أو ممارسة معينة لا يساوي بالضرورة الحكم على كل منتسب إلى جماعة بعينها.

ومن هنا، فإن نقد أي تيار ديني معاصر ينبغي أن يقوم على أدلته وأقوال رموزه وممارساته الفعلية، لا على مجرد الألقاب أو الخصومات أو التشابهات الجزئية.


ثامنًا: 📌 ماذا عن نقد الوهابية أو غيرها من الاتجاهات الدينية؟

إذا أراد الكاتب نقد محمد بن عبد الوهاب أو الحركة الوهابية أو أي تيار ديني معاصر، فمن حقه أن يعرض المسائل التي يراها محل خلاف، وأن يناقش الأدلة، وأن يقارن بين الأقوال والمواقف.

لكن قوة النقد لا تأتي من إطلاق وصف «الخوارج» على الخصم ابتداءً، وإنما من بيان مواضع الخطأ بدقة، وتوثيق النصوص المنقولة، وفحص الاستدلالات، ثم ترك الحكم للقارئ بناءً على ما ثبت.

فمثلًا، إذا كان موضوع البحث هو التكفير، أو التوسع في التبديع، أو الموقف من المخالفين، أو بعض الممارسات السياسية والدينية، فالأفضل تخصيص كل مسألة ببحث مستقل، وعرض أقوال أصحابها من مصادرهم، ثم مناقشتها بالدليل.

أما جمع هذه المسائل كلها تحت حكم واحد، ثم تفسير كل حديث على أنه يتحدث عن جماعة محددة في العصر الحديث، فقد يضعف الحجة بدل أن يقويها.

إن النقد العلمي لا يحتاج إلى المبالغة؛ فالدليل الواضح أقوى من الاتهام العام، والنص الموثق أبلغ من العبارة الصاخبة.


✍️ خاتمة: العبرة بصحة الفهم والعمل، لا بالمظاهر والشعارات

تكشف الأحاديث النبوية الواردة في الخوارج عن خطورة الغلو في الدين، والاغترار بكثرة العبادة مع فساد الفهم، وتحويل النصوص الشرعية إلى وسيلة للحكم على المسلمين بغير حق، أو الاعتداء عليهم.

وهي أحاديث تستحق الدراسة المتأنية، وجمع طرقها، وفهم دلالاتها في ضوء شروح العلماء وسياقاتها التاريخية.

لكن الأمانة العلمية تقتضي ألا نخلط بين الحديث الصحيح وتفسيره، ولا بين تفسير محتمل وحكم قطعي، ولا بين نقد جماعة معاصرة وإثبات انطباق جميع أوصاف الخوارج عليها.

فالتمسك بالقرآن والسنة لا يكون بمجرد رفع الشعارات، كما أن نقد الانحراف لا يكون بمجرد إطلاق الألقاب؛ وإنما يكون العلم بالدليل، والفهم بالإنصاف، والحكم بالعدل.

والله تعالى أعلم.

أهم صفات الخوارج استنادًا إلى الأحاديث الشريفة الواردة فيهم

 أهم صفات الخوارج استنادًا إلى الأحاديث الشريفة الواردة فيهم

يخرجون من جهة المشرق :
وما المشرق إلا نجد لصريح الحديث فيها ” اللهم بارك لنا فى شامنا , اللهم بارك لنا فى يماننا , قالوا : ونجدنا , قال : اللهم بارك لنا فى شامنا , اللهم بارك لنا فى يماننا , قالوا : ونجدنا , قال : هناك الزلازل والفتن , وبها , ـ أو قال : ومنها ـ يخرج قرن الشيطان “
أخرجه الترمزى فى سننه ج 5 ص 689 فى كتاب : المناقب .
وفى رواية للترمزى ” قرنا الشيطان ” بصيغة التثنية .
قال بعض العلماء : المراد من قرنا الشيطان : مسيلمة الكذاب , ومحمد بن عبد الوهاب وقد أشار النبي الكريم بيده نحو جهة المشرق مؤكدًا على نجد ، وقد خرج الوهابية منها ؛ بل ودَعوا الناس للهجرة إليهم ، وإن نفوا ذلك اليوم .
وأخرج الإمام أحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم أشار بيده نحو المشرق فقال : ” الفتنة هاهنا حيث يطلع قرن الشيطان ” ففى المشرق تسعة أعشار الشر كما روى فى البخارى عن رسول الله eفمنه وبالأخص من نجد كان ظهور مسيلمة الكذاب , وكان أيضًا ظهور محمد بن عبد الوهاب النجدى التميمى .
وكذلك ذو الخويصرة التميمى رأس الخوارج الذى أشار إليه الرسول e فى الحديث ” عن أبى سعيد الخدرى قال : بينما رسول الله يقسم قسما ـ قال بن عباس : كانت غنائم هوازن يوم حنين ـ إذ جاءه رجل من تميم مقلص الثياب ذو شيماء , بين عينيه اثر السجود فقال : أعدل يا رسول الله , فقال صلى الله عليه وسلم : ” يوشك أن يأتى قوم مثل هذا يحسنون القيل ويسيئون الفعل هم شرار الخلق والخليقة “
ثم وصف صلى الله عليه وسلم صلتهم بالقرآن فقال : ” يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه فى شئ يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم , يحسبونه لهم وهو عليهم “
ثم كشف النقاب صلى الله عليه وسلم عن عبادتهم المغشوشة فقال : ” ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشئ , ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ “
ثم أزاح النبى صلى الله عليه وسلم عن أهدافهم فقال ” يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية “
ثم أعطانا وصفًا مجسمًا لسيماهم فقال ” محلقين رؤوسهم وشواربهم إلى أنصاف سوقهم “
ثم ذكر النبى صلى الله عليه وسلم علامتهم المميزة فقال : ” يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان “
ثم طالبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقاتلهم فقال : ” فمن لقيهم فليقاتلهم فمن قتلهم فله أفضل الأجر ومن قتلوه فله الشهادة “
رواه البخارى فى كتاب : بدء الخلق , باب : علامات النبوة وأخرجه الإمام أحمد فى مسنده ص 310 حديث رقم ( 4679 ) .
فهذا الرجل ذو الخويصرة التميمى من قبيلة تميم وهى أصل محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية الذين يعملون إلى الآن ساعين إلى تمزيق الأمة الإسلامية متخفين فى ثوب الدين , وفى زى الإسلام , وهذا الفكر لم ينتشر إلا بسبب الجهل وتأييد الملوك والأمراء .
يسيئون الأعمال :
وقال صلى الله عليه وسلم : ” يَْأتِي فِي آخِِر الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدََثاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلاِم يَقُوُلون مِنْ خَيْر قوْل الْبَريَّةِ يَمْرُُقون مِنَ الإِسْلاِم َ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يُجَاوزُ ِإيمانُهُمْ حَنَاجرَهُم َفَأيْنَمَا َلقِيتُمُوهُمْ َفاْقتُُلوهُمْ َفِإنَّ َقتَْلهُمْ َأجْرٌ لِمَنْ َقتََلهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “.رواه البخاري .
وقالصلى الله عليه وسلم : ” يَخْرُجُ مِنْ ُأمَّتِي قَوْمٌ يُسِيُئون الأَعْمَال يقرأون الُْقرْآن لا يُجَاوزُ حَنَاجرَهمْ” قَال يَزِيدُ لا َأعَْلمُ ِإلا قَال ” يَحْقِرُ َأحَدَكُمْ عَمََلهُ مِنْ عَمَلِهمْ يَقتُُلون َأهْل الإِسْلاِم َفِإذا خَرَجُوا َفاْقتُُلوهُمْ ُثمَّ إذا خَرَجُوا َفاْقتُُلوهُمْ ُثمَّ ِإذا خَرَجُوا َفاْقتُُلوهُمْ َفطوبَى لِمَنْ َقتََلهُمْ وَطوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُُ كلَّمَا طَلعَ مِنْهُمْ قَرن عِشْرِينَ مَرًَّة َأوْ َأكَْثرَ وََأنَا َقطعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَل ” َفرَدَّدَ َذلِكَ رَسُوُل اللَّهِ أسْمَعُ رواه أحمد .
وعن ابي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرؤون القران لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ”
رواه البخاري في صحيحه – كتاب فضائل القرآن الباب رقم (36) وهو باب اثم من رآى بقرة القرآن… حديث رقم 5058 .
سيماهم التحليق :
عَنْ َأِبي سَعِيدٍ اْلخُدْ ِريِّ رَضِي اللَّه عَنْه عَن النَِّبيِّ قَال يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَل الْمَشِْرق ويقرأون الُْقرْآن لا يُجَاوزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُُقون مِنَ الدِّين َ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ُثمَّ لا يَعُودُو َن فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ ِإَلى ُفوقِهِ قِيل مَا سِيمَاهُمْ قَا ل سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ َأوْ قَال التَّسِْبيد
رواه البخارى وروى الحديث بألفاظ متقاربة أيضًا النسائي وابن ماجه وأبو داود وأحمد
وزاد عند مسلم “ يَخْرُجُون فِي فُرَْقةٍ مِنَ النَّاس ” .
وفى رواية ” يخرج أناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق “
وهذا الحديث جاء بروايات كثيرة بعضها في صحيح البخاري وبعضها في غيره , ففي قوله ” سيماهم التحليق ” تصريح بهذه الطائفة لأنهم كانوا يأمرون كل من اتبعهم أن يحلق رأسه ولم يكن هذا الوصف لأحد من طوائف الخوارج والمبتدعة الذين كانوا قبل زمن هؤلاء .
بينما أثبت العلماء المعاصرون لنشأة الوهابية ؛ كمفتي الشافعية بمكة المكرمة الشيخ حمد زيني دحلان أن الشيخ محمد ابن عبدالوهاب كان يأمر من يدخل في طاعته بحلق شعره لينشأ بشعر جديد لم يشرك فيه، واتفق مرة أن امرأة أقامت عليه الحجة فقالت له : حيث إنك تأمر المرأة بحلق رأسها ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته لأن شعر المرأة زينتها وشعر لحية الرجل زينته فلم يجد لها جوابا !
بن زيني دحلان، فتنة الوهابية، ص 19 , البرهان أن السلفية الوهابية خوارج الزمان , لمحمد يوسف بلال , أيها القرنيون هلا فقهتم للإما عز الدين ماضى أبى العزائم .
وكان مفتي زبيد السيد عبدالرحمن الأهدل يقول : لاحاجة إلى التأليف في الرد على الوهابية بل يكفي في الرد عليهم قوله ” سيماهم التحليق “ فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم أحمد بن زيني دحلان
فتنة الوهابية، ص 19
ومما كان منهم أنهم يمنعون الناس من طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم مع أن أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلملأمته كثيرة متواترة وأكثر شفاعته لأهل الكبائر من أمته وكانوا يمنعون من قراءة دلائل الخيرات المشتملة على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذكرها كثير من أوصافه الكاملة ويقولون أن ذلك شرك ويمنعون من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلمعلى المنابر بعد الأذان .
يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان :
عَثَ عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ بذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلابٍ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ قَالُوا يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا قَالَ إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ “مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلا تَأْمَنُونِي” فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَمَنَعَهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ “إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمٌ يقرأون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ “( رواه البخاري .) .
الوهابية واتخاذ الدين ساترا :
فهؤلاء القوم كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم يتخذون الدين ساترًا وراء أطماعهم وأهدافهم السياسية وغير ذلك من الأهداف والأطماع فهم يظهرون للمسلمين أنهم هم أهل السنة والجماعة وما هم كذلك فما يسمع منهم مسكين إلا ويكون منضمًا إليهم ظنًا من هذا المسكين أنه على الحق , فيبثون سمومهم إلى كل من يتبعهم من جهال المسلمين الذين لا يعلمون شيئًا عن حقيقة هؤلاء القوم الضالين المضلين , وتراهم يتخذون الشعارات الكاذبة التى يضحكون بها على المسلمين لاستمالة قلوبهم تجاههم وتجاه فكرهم كـ ” أهل السنة ، السلفية ، الاسلام هو الحل ” وغير ذلك من الألقاب والشعارات التى هدفها مادى وسياسى , وليس دينى , ولكن فى الحقيقة أن هؤلاء القوم شعارهم الحقيقى هو ” خالف تعرف , وفرق تسود “

كيف فهم فلاسفة الإسلام السياسة؟ هل تصلح السياسة بلا أخلاق؟

 



كيف فهم فلاسفة الإسلام السياسة؟ هل تصلح السياسة بلا أخلاق؟

من الفارابي وابن سينا إلى مسكويه والراغب الأصفهاني وابن خلدون… رحلة في الفكر السياسي الإسلامي، من تهذيب النفس إلى قيام الدول.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 هل السياسة مجرد صراع على السلطة؟

هل تنحصر في إدارة الحكم، وتدبير المصالح، والسيطرة على المجتمع؟ أم أنها أوسع من ذلك، فتبدأ من تهذيب الإنسان لنفسه، وتمتد إلى أخلاق الحاكم، وعدالة الدولة، وفهم طبيعة المجتمع وقوانين قيام الدول وسقوطها؟

هذه الأسئلة لم تكن غائبة عن مفكري الحضارة الإسلامية؛ فقد تناول السياسةَ الفقهاءُ والأصوليون والمتكلمون، كما اهتم بها الفلاسفة والحكماء، كلٌّ من زاويته ومنهجه.

فمنهم من بحث في الدولة الفاضلة وغاياتها، ومنهم من ربط السياسة بالأخلاق وإصلاح النفس، ومنهم من درس العلاقة بين الدين والسلطة، ومنهم من تجاوز التنظير للمجتمع المثالي إلى تحليل الواقع الاجتماعي والتاريخي.

وعندما نتأمل هذه الجهود، نكتشف أن السياسة في التراث الفكري الإسلامي لم تكن مجرد حرفة للحكم، بل كانت سؤالًا عن الإنسان، والفضيلة، والسلطة، والمجتمع، والمصير الذي تنتهي إليه الدول.

فكيف فهمها هؤلاء الحكماء؟ وهل يمكن أن تكون السياسة ناجحة حقًّا إذا انفصلت عن الأخلاق؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🏛️ أولًا: الفارابي… هل تكفي القوة لبناء الدولة الفاضلة؟

يُعدّ أبو نصر الفارابي (ت 339هـ) من أبرز الفلاسفة المسلمين الذين اهتموا بالفكر السياسي، حتى لُقّب عند الفلاسفة بـ«المعلّم الثاني»، بعد أرسطو الذي عُرف بـ«المعلّم الأول».

ومن أشهر كتبه في هذا المجال كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة»، الذي تناول فيه طبيعة المجتمع المنظم، وخصائص القيادة، وعلاقة نظام المدينة بالسعادة الإنسانية.

ولم ينظر الفارابي إلى الدولة باعتبارها مجرد جهاز للسلطة، ولا إلى الحاكم بوصفه شخصًا يمتلك القدرة على إصدار الأوامر وإخضاع الناس؛ بل بحث في الغاية التي ينبغي أن تنتظم حولها حياة المجتمع.

فالمدينة الفاضلة عنده ليست مجرد مدينة قوية أو غنية، وإنما مجتمع يتعاون أفراده على بلوغ السعادة الحقيقية، ويؤدي كل جزء منه وظيفته في إطار نظام يوجّه الإنسان نحو غاية أسمى.

وهنا تظهر أهمية السؤال الأخلاقي في الفكر السياسي:

ما قيمة الدولة إذا امتلكت القوة، لكنها عجزت عن تحقيق الخير للإنسان؟ وما جدوى السلطة إذا تحولت من وسيلة لتنظيم الحياة إلى غاية تخدم نفسها؟

إن أهمية الفارابي تكمن في أنه جعل البحث في السياسة متصلًا بالبحث في السعادة والفضيلة، لا بمجرد وسائل السيطرة والحكم.

وقد تأثر الفارابي بالفلسفة اليونانية، ولا سيما أفلاطون وأرسطو، لكنه أسهم في تطوير التفكير السياسي في بيئة الحضارة الإسلامية، وأصبح أحد أبرز الأسماء التي يُرجع إليها في دراسة الفلسفة السياسية عند المسلمين.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🧠 ثانيًا: ابن سينا… السياسة تبدأ من حسن التدبير

أما أبو علي ابن سينا (ت 428هـ)، فقد تناول قضايا السياسة والتدبير في سياق مشروعه الفلسفي، وإن لم يفرد لها كتابًا مستقلًا واسعًا على غرار ما نجده عند الفارابي.

ومن المعاني التي يمكن استخلاصها من تصوره للتدبير أن السياسة لا ينبغي حصرها في شؤون الملوك وأصحاب السلطان؛ فالإنسان يحتاج إليها في مختلف جوانب حياته.

فثمة سياسة للنفس، وتدبير للمال والنفقات، ورعاية للأسرة، وتربية للأبناء، وتنظيم للعلاقات بين الناس.

وهذا يفتح أمامنا أفقًا أوسع لفهم السياسة؛ إذ لا تبدأ المسؤولية السياسية والاجتماعية عند أبواب القصور، ولا تنتهي عند مؤسسات الدولة، بل تظهر في كل موضع يحتاج إلى تدبير وحكمة وتحمل للمسؤولية.

فالإنسان الذي لا يحسن تنظيم شؤونه، ولا يقدّر عواقب أفعاله، ولا يوازن بين رغباته وواجباته، يواجه صعوبة في إدارة شؤون الآخرين.

لكن هذا لا يعني أن صلاح الفرد وحده يكفي لإقامة دولة عادلة؛ فالدولة تحتاج كذلك إلى مؤسسات وقوانين ومحاسبة وكفاءة في الإدارة.

إن حسن التدبير فضيلة على مستوى الفرد، وضرورة على مستوى الأسرة والمجتمع والدولة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

⚖️ ثالثًا: ابن رشد… حين تلتقي الفلسفة بالشريعة

يبرز أبو الوليد ابن رشد الحفيد (ت 595هـ) بوصفه واحدًا من أهم المفكرين الذين جمعوا بين الفلسفة والفقه والقضاء.

وتكمن أهمية تجربته في أنه لم يكن فيلسوفًا منعزلًا عن العلوم الشرعية، بل كان فقيهًا وقاضيًا إلى جانب اشتغاله بالفلسفة، وهو ما يمنح تجربته مكانة خاصة عند دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة.

وقد عُرف ابن رشد بدفاعه عن النظر العقلي، وببحثه في العلاقة بين الفلسفة والشريعة، كما يظهر في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال».

ومن المهم هنا ألا نختزل الفلاسفة المسلمين في موقف واحد؛ فالفارابي وابن سينا وابن رشد اختلفوا في مناهجهم وطرائق تناولهم للقضايا الفلسفية والسياسية، كما تفاوتت صلاتهم بالعلوم الشرعية.

فالفلسفة السياسية ذات المنطلق العقلي ليست بالضرورة نقيضًا للشريعة، كما أن الانتساب إلى الثقافة الإسلامية لا يعني أن جميع المفكرين ينطلقون من المقدمات نفسها أو يصلون إلى النتائج ذاتها.

وهذه نقطة أساسية لفهم تاريخ الفكر الإسلامي: لقد عرف هذا التاريخ تنوعًا في المناهج، وتفاعلًا بين العلوم، ونقاشًا حول العقل والدين والأخلاق، ولم يكن مجرد صوت واحد يكرر الأفكار نفسها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🌿 رابعًا: مسكويه… الدين والملك، وأين تقف الأخلاق؟

إذا كان الفارابي قد اهتم بالمدينة الفاضلة، فإن مسكويه، أحد أبرز أعلام فلسفة الأخلاق في التراث الإسلامي، يلفت انتباهنا إلى جانب آخر من السياسة: العلاقة بين السلطة والقيم التي تحكم حياة الإنسان.

ومن أشهر كتبه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، الذي بحث فيه في الفضائل والرذائل وسبل تهذيب النفس.

وفي حديثه عن الدين والملك، يقول:

«والدين هو وضع إلهي يسوق الناس باختيارهم إلى السعادة القصوى، والملك هو حارس هذا الوضع الإلهي حافظ على الناس ما أخذوا به».

ثم ينقل العبارة المشهورة المنسوبة إلى أزدشير:

«إن الدين والملك أخوان توأمان، لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فالدين أسٌّ والملك حارس».

تعكس هذه العبارات تصورًا يرى أن السلطة لا ينبغي أن تكون قوة مجردة من الغايات الأخلاقية، وأن الحكم يحتاج إلى مرجعية قيمية تحدد ما ينبغي حمايته والسعي إلى تحقيقه.

لكن المسألة لا تقف عند وجود خطاب أخلاقي يردده الحاكم؛ فالتحدي الحقيقي هو أن تنعكس القيم على سلوكه وقراراته، وأن تكون العدالة والإنصاف وحفظ الحقوق حاضرة في ممارسة السلطة.

فقد يكثر المسؤول من الحديث عن الدين والأخلاق، ثم تأتي أفعاله مناقضة لما يقول. وقد يرفع شعارات الفضيلة، لكنه يجعل مصلحته الشخصية فوق المصلحة العامة.

ولهذا لا يكفي أن يعلن الحاكم انتماءه إلى منظومة أخلاقية، بل ينبغي أن يُنظر في أثرها على قراراته ومعاملته للناس.

فالفرق كبير بين سلطة تتخذ الأخلاق شعارًا، وسلطة تجعل العدل والمسؤولية والمحاسبة جزءًا من عملها.

وهنا يتجدد السؤال: هل تكون السياسة أخلاقية بمجرد أن تتحدث عن الفضيلة، أم لا بد أن تُختبر الفضيلة في واقع الحكم؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🪞 خامسًا: الراغب الأصفهاني… أصلح نفسك قبل أن تتصدر لإصلاح الناس!

من أعمق ما وصل إلينا في هذا الباب ما قرره الراغب الأصفهاني، صاحب كتاب «المفردات في غريب القرآن»، وكتاب «الذريعة إلى مكارم الشريعة».

فقد جعل للسياسة قسمين، فقال:

«والسياسة ضربان: أحدهما: سياسة الإنسان نفسه وبدنه وما يختص به. والثاني: سياسة غيره من ذويه وأهل بلده».

ثم قرر قاعدة بالغة الدلالة:

«ولا يصلح لسياسة غيره مَن لا يصلح لسياسة نفسه».

هذه العبارة تستحق التأمل؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال: مَن الذي يملك حق توجيه الناس؟ إلى سؤال أعمق: ما الذي يؤهل الإنسان لتوجيه الآخرين وتحمل المسؤولية عن شؤونهم؟

إن الراغب الأصفهاني لا يجعل الرغبة في القيادة دليلًا على أهلية القائد، ولا يرى أن تصدر الإنسان للناس يعفيه من واجب إصلاح نفسه.

بل يستدل بقوله تعالى:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

وقوله سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

ويستحضر في هذا السياق الحكمة المشهورة:

«تفقّهوا قبل أن تُسوَّدوا».

أي تعلّموا وتفقّهوا قبل أن تتصدروا للسيادة والقيادة؛ لأن المسؤولية تحتاج إلى علم وفهم وحكمة، لا إلى مجرد الحماسة أو الرغبة في التقدم.

ويمكن أن نرى أثر هذه القاعدة في كل مجالات الحياة:

▪️ في الأسرة، حين يطالب الأبناء بالانضباط ولا يلتزم المسؤول عن تربيتهم بما يطالبهم به.

▪️ في الدعوة، حين يدعو الإنسان إلى الفضيلة ثم يتساهل في تطبيقها على نفسه.

▪️ في الإدارة، حين يطالب المسؤول موظفيه بالنزاهة، بينما يتعامل هو مع المال العام أو حقوق الآخرين بغير أمانة.

▪️ في السياسة، حين يرفع الحاكم شعار المصلحة العامة، ثم يجعل بقاءه في السلطة غايته الأولى.

ولا يعني هذا أن الإنسان يجب أن يبلغ الكمال الأخلاقي قبل أن يتحمل أي مسؤولية، فهذا غير ممكن للبشر؛ وإنما المقصود أن يكون واعيًا بواجباته، مجاهدًا لنقائصه، مستعدًا لمراجعة نفسه، وألا يجعل سلطته أو مكانته وسيلة لإعفاء نفسه من المعايير التي يطالب بها غيره.

فمن أخطر صور الفساد أن يتحول الوعظ إلى أداة لمحاسبة الآخرين، بينما يصبح صاحب الوعظ نفسه استثناءً من كل محاسبة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🏛️ سادسًا: ابن خلدون… لماذا تقوم الدول، ولماذا تسقط؟

مع عبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ)، صاحب «المقدمة»، ننتقل إلى مستوى آخر من التفكير السياسي.

فبدل الاكتفاء برسم صورة للدولة المثالية أو بيان الصفات الأخلاقية المطلوبة في الحاكم، اتجه ابن خلدون إلى دراسة المجتمعات كما هي، ومحاولة اكتشاف العوامل التي تفسر قيام الدول وقوتها وضعفها.

وقد ارتبط اسمه بتحليل «العصبية» و«العمران»، وببحث العلاقة بين نمط الحياة والتماسك الاجتماعي والسلطة والدين.

🔸 1. العصبية وحدها لا تفسر كل شيء

لاحظ ابن خلدون أن الروابط التي تجمع أفراد الجماعة تمنحهم قدرة على التعاون والدفاع عن مصالحهم، وأن التنافس الداخلي قد يضعف هذه القدرة حتى لو امتلكت الجماعة العدد والقوة.

ورأى أن الدعوة الدينية تستطيع أن تعزز العصبية، حين توحّد الوجهة وتخفف التنافس والتحاسد بين أفراد الجماعة.

ويقول:

«إن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق».

فحين تتعدد الأهداف وتتنازع المصالح، قد تتبدد قوة الجماعة في الصراع الداخلي. أما حين تجتمع على غاية مشتركة، فإن قدرتها على التعاون والثبات تزداد.

واستشهد ابن خلدون بما وقع في الفتوحات الإسلامية، كما تناول تجارب دول أخرى، ومنها المرابطون والموحدون، في بيان أثر الدعوة الدينية في تقوية التماسك وتوحيد الجهود.

ولا يعني هذا أن الدين وحده يفسر كل انتصار سياسي أو عسكري، وإنما هو عامل ضمن عوامل متعددة درسها ابن خلدون لفهم الاجتماع البشري.

🔸 2. الدين والأخلاق والمصلحة العامة

يبرز في تحليل ابن خلدون أن فهم السياسة يحتاج إلى تجاوز الشعارات والنوايا المعلنة، والنظر في الروابط الفعلية التي تجمع الناس، وفي المصالح التي تحركهم، وفي قدرتهم على العمل المشترك.

وهنا يلتقي التحليل الاجتماعي مع السؤال الأخلاقي، وإن اختلف المجالان.

فالأخلاق تبحث في ما ينبغي أن يفعله الإنسان، بينما يحاول التحليل الاجتماعي تفسير ما يحدث فعلًا، وما العوامل التي تؤثر في سلوك الجماعات والدول.

ولا يغني أحدهما عن الآخر؛ فمعرفة أسباب القوة لا تكفي وحدها للحكم على عدالة استخدامها، كما أن الدعوة إلى الفضيلة لا تكفي وحدها لفهم أسباب نجاح الدول أو إخفاقها.

🔸 3. من المدينة الفاضلة إلى قوانين العمران

ثمة فرق مهم بين اهتمام الفارابي بالمدينة الفاضلة واهتمام ابن خلدون بقوانين العمران.

فالفارابي يركز على الغايات التي ينبغي أن يسعى إليها المجتمع المنظم، وعلى علاقة القيادة بالسعادة والفضيلة.

أما ابن خلدون فيركز على تفسير نشأة الدول، وقوة العصبية، وتأثير الترف والتحولات الاجتماعية في مصائر الجماعات السياسية.

وبذلك تتكامل زاويتان مختلفتان: زاوية تسأل عن الدولة التي ينبغي أن تكون، وزاوية تسأل عن الدولة كما تنشأ وتتطور في الواقع.

ولهذا يُعد ابن خلدون من أبرز رواد التفكير الاجتماعي والتاريخي، وقد احتلت نظريته في العمران مكانة بارزة في تاريخ دراسة المجتمع والسياسة.

فلا يكفي أن نعرف ما الذي يجعل الدولة عادلة في المثال؛ بل نحتاج أيضًا إلى فهم ما الذي يجعلها قوية، وما الذي يهدد تماسكها، وكيف يمكن أن تفقد أسباب بقائها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

💡 سابعًا: هل تصلح السياسة بلا أخلاق؟

بعد هذه الرحلة بين الفلاسفة والحكماء، نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: هل تصلح السياسة بلا أخلاق؟

ينبغي أولًا التمييز بين أمرين: القدرة على الوصول إلى السلطة، والقدرة على استخدامها استخدامًا عادلًا ومسؤولًا.

فقد ينجح شخص في الوصول إلى الحكم بوسائل متعددة، وقد تتمكن دولة من فرض نفوذها بالقوة، لكن النجاح في السيطرة لا يعني بالضرورة النجاح في تحقيق العدل أو حفظ الحقوق أو خدمة المجتمع.

السياسة تحتاج إلى المعرفة وحسن التدبير وفهم المصالح والقدرة على تقدير العواقب. لكنها، إذا انفصلت عن الأخلاق، قد تتحول إلى مجرد مهارة في إدارة النفوذ، مهما كانت نتائجها على الناس.

وفي المقابل، فإن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لبناء دولة ناجحة؛ إذ لا بد من الكفاءة، والقوانين الواضحة، والمؤسسات الفاعلة، والمحاسبة، وفهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

ومن هنا، لا ينبغي أن نضع الأخلاق والكفاءة في مواجهة بعضهما، بل أن ندرك أن الحكم الرشيد يحتاج إليهما معًا.

فالسياسي الذي يفتقر إلى الكفاءة قد يسيء التدبير رغم حسن نيته، والسياسي الذي يمتلك المهارة لكنه يفتقر إلى النزاهة قد يوظف قدرته لخدمة مصالحه على حساب الناس.

ولهذا يمكن أن نلخص المسألة في أربع قواعد:

🔹 الأخلاق تحدد الغايات التي ينبغي أن تسعى إليها السلطة.

🔹 العلم والكفاءة يساعدان على اختيار الوسائل المناسبة لتحقيق تلك الغايات.

🔹 القوانين والمؤسسات والمحاسبة تمنع تحويل السلطة إلى امتياز شخصي لا يخضع للمراجعة.

🔹 فهم المجتمع وتاريخه ومصالحه يساعد على تجنب القرارات التي تبدو جذابة في الشعارات، لكنها تفضي إلى نتائج ضارة في الواقع.

وهذه المعاني، وإن اختلفت طرائق التعبير عنها بين المفكرين، تساعدنا على فهم أبعاد متعددة من التراث السياسي والفكري الذي تركوه.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✍️ خاتمة: السياسة أخلاقٌ تحكمها الحكمة، لا شعارات تُخفي المصالح

لقد نظر فلاسفة الإسلام وحكماؤه إلى السياسة من زوايا متنوعة؛ فالفارابي بحث في المدينة الفاضلة والسعادة، وابن سينا وسّع معنى التدبير ليشمل حياة الإنسان وشؤونه، وابن رشد مثّل نموذجًا لاجتماع الفقه والفلسفة، ومسكويه ربط الحكم بالقيم، والراغب الأصفهاني جعل إصلاح النفس أساسًا مهمًّا لإصلاح الآخرين، أما ابن خلدون فدرس قوانين العمران والعصبية وقيام الدول وسقوطها.

ولم يكن هؤلاء متفقين في كل آرائهم ومناهجهم، لكن تنوعهم يكشف عن ثراء الأسئلة التي شغلت الفكر الإسلامي، وعن أن السياسة لم تكن عندهم مجرد صراع على السلطة، بل موضوعًا يتصل بالأخلاق والعقل والدين والاجتماع الإنساني.

والدرس الأهم الذي نستخلصه اليوم هو أن السياسة لا تُقاس فقط بقدرة صاحبها على الوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به، وإنما تُقاس أيضًا بما يحققه من عدل، وما يحفظه من حقوق، وما يتركه من أثر في حياة الناس.

فالسلطة بلا أخلاق قد تتحول إلى استبداد، والأخلاق بلا علم وحكمة قد تعجز عن إصلاح الواقع، والسياسة الرشيدة هي التي تجمع بين القيم والكفاءة، وبين عدالة الغايات وحسن التدبير.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في كل نقاش عن الحكم والسياسة:

ليس فقط: مَن يحكم؟ بل أيضًا: كيف يحكم؟ ولأي غاية؟ وبأي قدر من العدل والمسؤولية؟


⚖️ السياسة الشرعية ليست هوى الحاكم: كيف رسم الفقهاء حدود السلطة والعدل؟

 

⚖️ السياسة الشرعية ليست هوى الحاكم: كيف رسم الفقهاء حدود السلطة والعدل؟

📌 بين مراعاة المصالح، والالتزام بأحكام الشريعة، وخطر استبداد السلطة

هل تعني السياسة الشرعية أن للحاكم أن يفعل ما يشاء متى ادّعى تحقيق المصلحة؟

وهل كل إجراء لم يرد فيه نصٌّ تفصيلي يُعدّ مخالفًا للشريعة؟

أم أن الفقه الإسلامي يفتح باب الاجتهاد في تدبير شؤون الناس، مع إبقاء السلطة مقيدةً بالعدل والقواعد الشرعية؟

هذه أسئلة ناقشها فقهاء المسلمين في أبواب السياسة الشرعية والتعزير والقضاء والمصالح، وتكشف كتبهم عن قضية بالغة الأهمية: أن تدبير شؤون الأمة يحتاج إلى اجتهاد يراعي المصالح، لكنه لا يمنح الحاكم تفويضًا مطلقًا لتجاوز أحكام الشريعة أو انتهاك حقوق الناس.


أولًا: هل اتفق الفقهاء على مفهوم واحد للسياسة الشرعية؟

تحدث فقهاء المذاهب المختلفة عن السياسة في مواضع متعددة من كتبهم، ولا سيما عند بحث التعزير، وهو التأديب والعقوبة التي لا تُحدَّد بمقدار مقدر في النص الشرعي.

لكنهم لم يتفقوا على جميع تفاصيل هذا الباب؛ فمنهم من وسّع مجال الاجتهاد في تقدير المصالح والتدابير، ومنهم من شدّد في منع تجاوز الحدود التي تقررها الشريعة.

وهذا الاختلاف لا يعني أن فريقًا أراد العدل وآخر أراد الظلم، بل يعكس اختلافًا في فهم الأدلة، وتقدير المصالح، وتحديد ما يجوز للإمام أو القاضي أن يفعله لتحقيق المقاصد الشرعية.

ومن هنا، لا يصح أن نختزل السياسة الشرعية في أحد طرفين:

  • طرفٍ يجمّد الاجتهاد، ويظن أن كل إجراء جديد يحتاج إلى نص خاص باسمه وصورته.

  • وطرفٍ يجعل دعوى المصلحة مبررًا لتجاوز النصوص، أو الاعتداء على الحقوق، أو إطلاق يد السلطة بلا ضوابط.

فالاجتهاد مطلوب، لكن المصلحة ليست كلمة سحرية تُسقط أحكام الشريعة.


ثانيًا: المصلحة المرسلة ليست حكرًا على مذهب واحد

اشتهر الإمام مالك بن أنس بالاستدلال بالمصلحة المرسلة، وهي من المسائل المهمة في أصول الفقه، لكن تصوير الأمر على أن سائر المذاهب لا تراعي المصالح ليس دقيقًا.

وقد ناقش الإمام شهاب الدين القرافي المالكي هذه القضية في كتابه «تنقيح الفصول»، وذكر أن النظر في المناسبات والمصالح حاضر في اجتهادات فقهاء المذاهب، وإن اختلفت مناهجهم في التأصيل والتعبير عنه.

ومعنى ذلك أن الخلاف بين المذاهب لا ينحصر في قبول المصلحة أو رفضها، بل يتصل كذلك بشروط اعتبارها، ومدى استقلالها في الاستدلال، وعلاقتها بالنصوص والقواعد الشرعية.

وقد عرف الفقه الإسلامي اجتهادات كثيرة راعت مصالح الأمة في أمور لم ترد فيها صورة تفصيلية سابقة، ومن أمثلتها:

  • جمع القرآن الكريم في مصحف جامع.

  • تنظيم الدواوين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

  • اتخاذ التأريخ الهجري.

  • جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه الناس على المصحف الإمام دفعًا للاختلاف.

  • إنشاء المؤسسات والإجراءات اللازمة لتنظيم شؤون الدولة والقضاء والمال.

وهذه الأمثلة لا تعني أن كل إجراء جديد مشروع لمجرد أنه جديد، وإنما تدل على أن تدبير شؤون الأمة لا يتوقف عند صور تاريخية ثابتة، ما دام الاجتهاد منضبطًا بالأدلة والقواعد والمقاصد الشرعية.

فالعبرة ليست بمجرد حداثة الإجراء أو قِدَمه، بل بمشروعيته، وعدالته، ومآلاته، ومدى تحقيقه للمصلحة المعتبرة.


ثالثًا: إمام الحرمين الجويني والتحذير من التوسع غير المنضبط في العقوبات

من أبرز ما يعرضه المقال موقف إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي، كما نقله محقق كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم»، الدكتور عبد العظيم الديب.

فقد انتقد الجويني اتجاهًا يبرر تجاوز العقوبات الشرعية بحجة أن الناس تغيروا، وأن وسائل الردع القديمة لم تعد كافية، وأن استقامة المجتمع تقتضي تغليظ العقوبات إلى ما وراء الحدود المقررة.

وكان اعتراضه الأساسي أن جعل تقديرات العقول ومخاوف الحكام أساسًا لتجاوز الشريعة قد يؤدي إلى إهدار الضوابط الشرعية، وفتح الباب أمام عقوبات لا يحدّها معيار ثابت.

ومما نُقل عنه في نقد هذا المسلك:

«فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة».

والمقصود من هذا التحذير أن تقدير المصلحة لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء أحكام الشريعة أو استبدالها بأهواء أصحاب السلطة.

لكن من المهم أيضًا ألا ننسب إلى الجويني إنكار كل اجتهاد سياسي، أو نجعل موقفه ممثلًا لكل تفاصيل المذهب الشافعي؛ فالمسألة تتعلق بحدود السياسة والتعزير، وبكيفية فهم الأدلة والمصالح.

كما أن نسبة بعض الأقوال الشديدة إلى الإمام مالك في هذا الباب، ومنها القول بجواز قتل ثلث الأمة لإصلاح ثلثيها، محل اعتراض عند عدد من علماء المالكية، كما يورد المقال في حواشيه. ولذلك لا يصح تقديم هذه النسبة على أنها قول ثابت متفق على صحته عن الإمام مالك.

والخلاصة أن الاحتياط في الدماء والعقوبات ليس تعطيلًا للسياسة الشرعية، بل هو من أهم الضوابط التي تمنع تحولها إلى أداة للبطش.


رابعًا: السياسة الشرعية عند الحنفية بين التعزير وتدبير المصالح

تحدث فقهاء الحنفية عن السياسة في مواضع متعددة، وظهر جانب مهم من استعمال المصطلح في أبواب التعزير والعقوبات.

ومن أبرز من جمع أقوالهم وناقشها العلامة ابن عابدين في كتابه «رد المحتار على الدر المختار».

وينقل ابن عابدين عن فقهاء مذهبه تعريفات تميز بين السياسة العادلة التي تردع الفساد وتوصل إلى الحق، والسياسة الظالمة التي تحرمها الشريعة.

ومن المعاني التي أوردها في هذا السياق أن السياسة العادلة تدفع المظالم، وتردع أهل الفساد، وتوصل إلى المقاصد الشرعية، أما الظلم فلا يصبح مشروعًا لمجرد صدوره عن الحاكم أو تسميته سياسة.

وهنا ينبغي الانتباه إلى مسألة مهمة: ليست كل العقوبات التعزيرية سياسةً بالمعنى الواسع، كما أن السياسة الشرعية لا تنحصر في العقوبات.

فإدارة القضاء، وتنظيم المال العام، وحماية الحقوق، وإقامة المؤسسات، وإدارة العلاقات العامة، كلها من المجالات التي تحتاج إلى اجتهاد وتدبير، بحسب موضوعها وأدلتها.

ولذلك فإن فهم السياسة الشرعية من خلال العقوبات وحدها يضيّق مفهومًا أوسع يتصل بتدبير شؤون الناس وتحقيق مصالحهم.


خامسًا: ابن عقيل وابن القيم… السياسة الشرعية أوسع من مجرد النص على كل إجراء

من أهم النصوص التي يستند إليها المقال ما نقله ابن القيم في كتابه «الطرق الحكمية» عن الفقيه الحنبلي أبي الوفاء ابن عقيل.

وقد عرّف ابن عقيل السياسة بأنها:

«السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي».

ثم أوضح أن هذا التعريف صحيح إذا كان المقصود أن الإجراء لا يخالف ما جاء به الشرع، أما اشتراط ورود نص خاص بكل إجراء وصورة، فليس هو المعنى الصحيح.

وهذا التفريق جوهري؛ لأن كثيرًا من شؤون الحياة تتغير صورها ووسائلها، ولا يمكن أن يُطلب نص تفصيلي مستقل لكل نظام إداري أو إجراء تنظيمي مستحدث.

لكن عدم وجود نص خاص لا يعني الإباحة المطلقة؛ إذ لا بد من مراعاة النصوص العامة، والقواعد الشرعية، والحقوق، والعدل، والمصالح المعتبرة.

وقد شرح ابن القيم هذا المعنى في «الطرق الحكمية» و«إعلام الموقعين»، وبيّن خطورة طرفين متقابلين:

الطرف الأول: الجمود الذي يعطل المصالح والحقوق.

فقد يُضيّق بعض الناس دائرة الاجتهاد حتى يجعلوا الشريعة عاجزة عن معالجة الوقائع المتجددة، ويمنعوا وسائل صحيحة لتحقيق العدل؛ لا لأن الشريعة تمنعها، بل لأن فهمهم لبعض أحكامها لا يتسع لها.

والطرف الثاني: الانفلات الذي يبرر الظلم باسم المصلحة.

فقد يتجاوز بعض أصحاب السلطة النصوص والضوابط، ويجعلون ما يرونه مناسبًا لأغراضهم حكمًا مشروعًا، ولو أدى إلى انتهاك الحقوق أو الإضرار بالناس.

وكلا المسلكين يخطئ في فهم العلاقة بين الشريعة والسياسة، وإن اختلفت صورة الخطأ وآثاره.


سادسًا: قاعدة ابن القيم الكبرى… السياسة العادلة جزء من الشريعة

يقرر ابن القيم في «الطرق الحكمية» معنى بالغ الأهمية، فيقول:

«فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه».

وهذه العبارة تلخص جوهر المسألة.

فإذا كان الإجراء السياسي يحقق العدل، ويرد الحقوق، ويمنع الظلم، ويلتزم بأحكام الشريعة وقواعدها، فلا يصح رفضه لمجرد أنه لم يرد باسمه أو بصورته التفصيلية في نص سابق.

وفي المقابل، لا يصح أن يُسمى الإجراء سياسةً شرعية إذا كان قائمًا على الظلم، أو الاعتداء على الحقوق، أو مخالفة الأحكام القطعية، أو اتخاذ المصلحة ذريعة لتحقيق الأهواء.

ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل ورد هذا الإجراء بعينه في كتب المتقدمين؟

بل ينبغي أن نسأل:

  • هل يحقق مصلحة حقيقية معتبرة؟

  • هل يتعارض مع نص شرعي أو قاعدة ثابتة؟

  • هل يحقق العدل أم يفتح باب الظلم؟

  • هل تتناسب وسيلته مع غايته؟

  • هل توجد وسيلة أقل ضررًا تحقق المقصود؟

  • هل روعيت آثاره في الناس والمجتمع؟

هذه الأسئلة تجعل الاجتهاد السياسي مسؤولية علمية وأخلاقية، لا مجرد صلاحية إدارية يمارسها صاحب السلطة بلا رقابة أو محاسبة.


سابعًا: هل كل ما فعله الخلفاء والصحابة يصبح حكمًا ثابتًا لكل زمان؟

استدل العلماء بأعمال عدد من الصحابة والخلفاء الراشدين على أهمية مراعاة المصالح في تدبير شؤون الأمة، ومن ذلك جمع القرآن، وتنظيم الدواوين، واتخاذ التاريخ الهجري، وجمع الناس على المصحف الإمام.

لكن الاستدلال بهذه الوقائع لا يعني أن كل إجراء تاريخي يصبح حكمًا عامًا ثابتًا لا يتغير، ولا أن كل رواية تُنقل عن أحد الصحابة تثبت بمجرد اشتهارها.

بل ينبغي التمييز بين أمور ثلاثة:

1. ثبوت الواقعة: هل ثبتت الرواية بإسناد معتبر؟

2. دلالة الواقعة: ما الحكم الذي تدل عليه؟ وهل كان الإجراء خاصًا بظروف معينة أم مبنيًا على قاعدة عامة؟

3. مجال تطبيقها: هل تتكرر المصلحة نفسها في زماننا، أم تغيرت الظروف والوسائل والآثار؟

ويُظهر المقال نفسه أهمية هذا التمييز عند مناقشة قصة نصر بن حجاج، إذ يورد اعتراضات تتعلق بأسانيدها، وينتهي إلى أن القصة لم تثبت عند مؤلفه بسند تقوم به الحجة.

وهذا مثال على ضرورة التحقق من الأخبار قبل بناء الأحكام عليها، لا سيما عندما تتعلق بأفعال الحكام أو العقوبات أو حقوق الأفراد.

فلا يصح أن نجعل كل واقعة تاريخية قاعدة شرعية عامة، كما لا يصح أن نهمل ما ثبت من اجتهادات الصحابة في مراعاة مصالح الأمة.


ثامنًا: السياسة الشرعية تتغير وسائلها… لكن العدل ليس أمرًا متغيرًا بالأهواء

يقرر ابن القيم أن بعض التدابير السياسية التي اتخذها السابقون كانت مرتبطة بظروف زمانها ومكانها ومصالحها، وليست جميعها أحكامًا تفصيلية عامة يجب أن تتكرر بالصورة نفسها في كل عصر.

وهذا يفتح بابًا مهمًّا للاجتهاد في الوسائل والإجراءات التي تتغير بتغير الأحوال.

فأنظمة الإدارة، ووسائل حفظ الأموال، وطرق توثيق الحقوق، وآليات الرقابة، وتنظيم المؤسسات، كلها قابلة للتطوير ما دامت محكومة بالضوابط الشرعية.

لكن ينبغي الحذر من تحويل هذه الفكرة إلى ذريعة لإسقاط الأحكام الثابتة أو إباحة الظلم باسم التطور.

فليس كل قديم واجب البقاء بصورته التاريخية، وليس كل جديد مشروعًا لمجرد أنه يحقق منفعة يراها بعض الناس.

الذي يتغير هو الاجتهاد في الوسائل والتدابير والمصالح المتجددة، أما ادعاء المصلحة فلا يبيح تجاوز الأحكام الشرعية الثابتة.

وهنا تظهر أهمية العلم بالواقع، ومعرفة مقاصد الشريعة، وفهم النصوص، وتقدير النتائج، والتفريق بين الوسائل المتغيرة والمبادئ الحاكمة.


تاسعًا: السياسة الشرعية ليست عقوبات فقط… بل عدل في الحكم والإدارة والمال

لا ينبغي أن نحصر السياسة الشرعية في باب التعزير أو صلاحيات الحاكم في العقوبات.

فقد أفرد العلماء مؤلفات واسعة لقضايا الحكم والإدارة والقضاء والمال العام، مثل:

  • «الأحكام السلطانية» للماوردي.

  • «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى الفراء.

  • «غياث الأمم في التياث الظلم» لإمام الحرمين الجويني.

  • «السياسة الشرعية» لابن تيمية.

  • «الطرق الحكمية» لابن القيم.

  • «تبصرة الحكام» لابن فرحون.

  • «معين الحكام» للطرابلسي.

  • «الخراج» لأبي يوسف.

  • «الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلام.

وتدل هذه المؤلفات على أن الفقهاء تناولوا شؤون الحكم من زوايا متعددة، ولم يجعلوا السياسة مجرد وسيلة لمعاقبة المخالفين أو ضبط المجتمع بالقوة.

بل تناولوا مسؤولية الولاة، والقضاء، والأموال، والحقوق، وتنظيم المصالح العامة، وعلاقة أهل العلم بأصحاب السلطة.

وهذا كله يؤكد أن السياسة الشرعية باب واسع، وأن تقييمها لا يكون بالنظر إلى قوة الدولة أو شدة العقوبات وحدهما، بل بمدى إقامة العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة المصالح العامة.


عاشرًا: ما العلاقة بين الفقيه والحاكم؟

توقف الإمام أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» عند العلاقة بين الفقه والسياسة، وبيّن أن انتظام شؤون الدنيا يعين على انتظام شؤون الدين، وأن الناس يحتاجون إلى من يفصل الخصومات وينظم العلاقات ويحفظ النظام العام.

لكن هذه العلاقة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تبعية مطلقة للعلماء للحكام، أو أن الحاكم يملك تحويل رغباته إلى أحكام شرعية.

فالفقيه مسؤول عن بيان الحكم بحسب ما يظهر له من الأدلة، والحاكم مسؤول عن تدبير شؤون الناس وإقامة العدل، وكلٌّ منهما مطالب بأداء الأمانة التي تحملها.

وإذا صار العلم مجرد أداة لتبرير كل قرار سياسي، فقد العلم استقلاله في بيان الحق. وإذا تحولت السلطة إلى قوة لا تقبل النصيحة ولا تقيم وزنًا للحقوق، اختل مقصد الحكم الذي تقوم عليه السياسة العادلة.

ومن هنا، فإن العلاقة الصحيحة بين العلم والسلطة تقوم على النصيحة، والبيان، والمسؤولية، والتعاون على العدل، لا على تسويغ الظلم أو تعطيل الاجتهاد.


الخلاصة: لا جمود يعطّل مصالح الناس، ولا سلطة تتخذ المصلحة ذريعة للظلم

تكشف لنا مناقشات الفقهاء في السياسة الشرعية عن حقيقة مهمة: أن الاجتهاد في شؤون الأمة ضرورة، لكن هذه الضرورة لا تعني إطلاق يد الحاكم، كما أن الالتزام بالشريعة لا يعني تجميد وسائل تدبير الحياة عند صور تاريخية واحدة.

وقد أسهم القرافي وابن عابدين وابن عقيل وابن القيم وغيرهم في بيان جوانب من هذه القضية، مع اختلاف مناهجهم وتفاصيل اجتهاداتهم.

والميزان الذي ينبغي أن نحتكم إليه هو الجمع بين النصوص الشرعية، والقواعد المعتبرة، وتحقيق المصالح الحقيقية، ومنع الظلم والفساد.

فلا يجوز أن نرفض كل اجتهاد جديد بحجة أنه لم يرد بصورته في كتب المتقدمين، ولا أن نقبل كل قرار سياسي بحجة أن الحاكم أدرى بالمصلحة.

فالسلطة ليست مصدرًا مستقلًا لتحديد الحلال والحرام، والمصلحة ليست مبررًا لتجاوز الشريعة، والعدل ليس شعارًا يرفعه الحاكم، بل غاية يجب أن تظهر في أحكامه وقراراته وآثارها على الناس.

وهذه هي الفكرة التي تستحق أن تبقى حاضرة في كل نقاش عن السياسة الشرعية: أن الشريعة لا تُختزل في الجمود على صور الماضي، ولا يجوز أن تتحول إلى غطاء لقرارات الظالمين؛ بل المقصود هو إقامة العدل، وحفظ الحقوق، ورعاية مصالح الناس في ضوء أحكامها ومقاصدها.

والله أعلم.

كيف تناول القرآن قضايا الحكم والسلطة وتدبير شؤون الناس؟

 

غياب لفظ «السياسة» عن القرآن لا يعني غياب مضمونها

كيف تناول القرآن قضايا الحكم والسلطة وتدبير شؤون الناس؟

من الأسئلة التي تستحق التأمل والبحث: هل غياب لفظ «السياسة» عن القرآن الكريم يعني أن الإسلام لا يعالج قضايا الحكم والسلطة وتدبير شؤون المجتمع؟ وهل يصح أن نربط حضور المفاهيم في الدين بوجود المصطلحات التي نعبّر بها عنها اليوم؟

للإجابة عن ذلك، ينبغي أن نميّز بين اللفظ ومعناه، وبين المصطلح ومضمونه، وبين المبادئ الشرعية والتطبيقات السياسية التي قد تصيب وقد تخطئ.

ولنبدأ من اللغة، ثم ننتقل إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، وننظر بعد ذلك في استعمال هذا اللفظ في التراث الإسلامي.


أولًا: ما السياسة في اللغة والاصطلاح؟

السياسة في اللغة مصدر الفعل «ساس يسوس سياسةً»، ويُقال: ساس الدابة أو الفرس، إذا قام على أمرها ورعاها وتعهّدها بما يصلحها.

ومن هذا المعنى جاء استعمال السياسة في شؤون البشر؛ إذ يُقال: ساس الرعية سياسةً، أي تولّى تدبير شؤونها، وأمرها ونهاها، وقام على مصالحها.

وجاء في تاج العروس، في مادة «سوس»، ما يفيد أن السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه.

أما في الاصطلاح، فتدور تعريفات السياسة حول إدارة شؤون المجتمع، وتنظيم السلطة، وتدبير المصالح العامة، والتعامل مع الخلافات والصراعات المتعلقة بالحكم والشأن العام.

وبناءً على ذلك، يمكن تعريف السياسة بأنها:

تدبير شؤون المجتمع، وتنظيم السلطة، واتخاذ القرارات المتعلقة بالمصلحة العامة، وما يتصل بذلك من حكم وإدارة وعلاقات بين الحاكم والمحكوم.

وهذا التعريف يجعل السياسة أوسع من مجرد الوصول إلى السلطة؛ فهي تشمل أيضًا كيفية ممارستها، والغايات التي تسعى إليها، والوسائل التي تعتمدها.

ومن هنا يأتي السؤال: إذا لم يرد لفظ «السياسة» في القرآن الكريم، فهل يعني ذلك أن هذه المعاني غائبة عنه؟

ثانيًا: هل عدم ورود لفظ «السياسة» في القرآن يعني غيابها عن الإسلام؟

لفظ «السياسة» نفسه لم يرد في القرآن الكريم، لكن ينبغي ألّا نخلط بين غياب اللفظ وغياب المعنى.

فليس كل مفهوم معتبر في العلوم الإسلامية قد ورد اسمه الاصطلاحي في القرآن.

فلفظ «العقيدة»، مثلًا، ليس هو التعبير الذي جمع القرآن تحته جميع مسائل الإيمان، ومع ذلك فإن أصول الاعتقاد حاضرة فيه بوضوح، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وكذلك لفظ «الفضيلة»؛ فعدم ورود هذا الاسم لا يعني غياب الحث على مكارم الأخلاق، أو الدعوة إلى العدل والإحسان، أو النهي عن الظلم والفواحش.

والأمر نفسه يحتاج إلى أن يُفهم في موضوع السياسة: العبرة ليست بمجرد وجود المصطلح، وإنما بما يتضمنه من معانٍ، وبالأحكام والمبادئ التي تناولت تلك المعاني.

فالقرآن الكريم يعالج قضايا الحكم والسلطة والعدل والشورى والتمكين والاستخلاف، ويعرض نماذج متعددة من الملوك والحكام، ويبيّن الفارق بين الحكم الذي يقترن بالعدل والإصلاح، والحكم الذي يقوم على الظلم والاستبداد والإفساد.

وهذه موضوعات تدخل في صميم ما ندرسه اليوم ضمن الفكر السياسي.

لكن ذلك لا يعني أن كل نظرية سياسية حديثة لها حكم واحد في الإسلام، أو أن كل ممارسة سياسية يمكن تبريرها بمجرد الانتساب إلى الدين؛ فلكل دعوى أدلتها، ولكل ممارسة حكمها بحسب حقيقتها ووسائلها وآثارها.


ثالثًا: كيف تناول القرآن مفهوم المُلك والسلطة؟

من أبرز الألفاظ القرآنية التي تتصل بقضايا السياسة والحكم لفظ «المُلك».

وقد عرض القرآن صورًا متعددة من المُلك، ولم يجعل مجرد امتلاك السلطة دليلًا على صلاح صاحبها، بل تناول أحوال الحكام وأعمالهم ومواقفهم.

1. المُلك الذي يقترن بالحكمة والتمكين

قال الله تعالى:

﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54].

وقال يوسف عليه السلام:

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: 101].

وقد مكّن الله يوسف في الأرض، فصار قادرًا على تدبير شؤونها، واتخاذ القرارات التي أسهمت في مواجهة سنوات القحط وحفظ الأقوات.

قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: 56].

وتُظهر قصة يوسف عليه السلام جانبًا مهمًّا من تدبير الشأن العام، وهو التخطيط للمستقبل، وحسن إدارة الموارد، والاستعداد للأزمات، وتحمل المسؤولية في أوقات الشدة.

وهذه معانٍ لا تنفصل عن جوهر الإدارة السياسية والاقتصادية.

2. المُلك الذي يقوم على القوة والمسؤولية

قال الله تعالى في طالوت:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247].

ثم قال سبحانه:

﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251].

وتتضمن هذه الآيات حديثًا عن اختيار القيادة، ومقوماتها، والقوة التي تحتاج إليها في مواجهة التحديات، واقتران المُلك بالحكمة.

كما عرض القرآن قصة سليمان عليه السلام، وما آتاه الله من السلطان والقدرة على تدبير شؤون مُلكه، وقصة ذي القرنين، الذي مكّنه الله في الأرض، فاستعمل ما أُتيح له من أسباب في مواجهة التحديات وإقامة العدل بحسب ما جاء في قصته.

وهكذا لا يقتصر الحديث القرآني عن السلطة على بيان وجودها، بل يتناول صورًا من ممارستها ومسؤولياتها.

3. الشورى في تدبير الشأن العام

ومن النماذج التي تستحق التأمل في هذا الباب قصة ملكة سبأ، حين قالت لقومها:

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32].

فالآية تعرض مشهدًا من مشاهد التشاور في اتخاذ القرار، وتُظهر أن تدبير شؤون الدولة قد يتضمن الرجوع إلى أهل الرأي والنظر في العواقب.

ولا ينبغي أن نحمّل القصة وحدها جميع تفاصيل النظريات السياسية الحديثة، لكن من الصحيح أن نلاحظ حضور التشاور وتداول الرأي في المشهد الذي حكاه القرآن.

وقد جاء مبدأ الشورى في موضع آخر بصيغة عامة، فقال تعالى في وصف المؤمنين:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

وهذه الآية من الأصول القرآنية المهمة في بيان مكانة الشورى في حياة الجماعة المسلمة.

4. المُلك الظالم والاستبداد

وفي مقابل صور المُلك والتمكين، عرض القرآن نماذج للحكم الظالم، وفي مقدمتها فرعون.

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4].

وقال سبحانه في سياق بيان فساده:

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

فهنا لا يعرض القرآن السلطة باعتبارها امتيازًا مطلقًا لصاحبها، وإنما يكشف ما قد يصاحبها من استعلاء واضطهاد وتمزيق للمجتمع وإفساد في الأرض.

وهذا يبيّن أن دراسة السياسة من منظور قرآني لا تكتمل بمجرد الحديث عن المُلك والتمكين، بل لا بد من النظر في العدل والظلم، والإصلاح والإفساد، وحقوق الناس ومسؤوليات أصحاب السلطة.


رابعًا: التمكين والاستخلاف والحكم في القرآن الكريم

لا تقتصر المفاهيم ذات الصلة بالسياسة على لفظ المُلك؛ فهناك ألفاظ أخرى تتصل بإدارة المجتمع، وتولي المسؤولية، وإقامة العدل.

1. التمكين

قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

تربط الآية بين التمكين وبين جملة من المسؤوليات الدينية والاجتماعية، فلا يُعرض التمكين باعتباره غاية مستقلة عن العمل، وإنما تُذكر معه أعمال ينبغي أن يقوم بها المُمكَّنون.

2. الاستخلاف

قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55].

وتتناول الآية وعد الاستخلاف والتمكين والأمن، في سياق الإيمان والعمل الصالح وعبادة الله.

ولا يصح اختزال مفهوم الاستخلاف في برنامج سياسي بعينه؛ لكنه يظل من المفاهيم القرآنية التي تتصل بمكانة الجماعة المسلمة في الأرض وما يرتبط بذلك من مسؤوليات.

3. الحكم بالعدل

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

وهذه الآية أصل عظيم في أداء الأمانات والعدل عند الحكم بين الناس.

وقد اعتنى بها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وهو كتاب يتناول مسائل الحكم والولايات والحقوق والعدل من منظور شرعي.

ويظهر من الآية أن الحكم ليس مجرد سلطة لإصدار الأوامر، بل هو أمانة ومسؤولية، وأن العدل واجب عند الفصل بين الناس.

كما قال تعالى:

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].

وتناولت آيات سورة المائدة مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي من المسائل التي تحتاج إلى فهم سياقاتها وأقوال العلماء في تفسيرها، ولا يصح تحويلها إلى أحكام متسرعة على الأفراد والجماعات دون مراعاة التفصيل الشرعي.

وهكذا نجد أن القرآن تناول موضوعات الحكم والسلطة والتمكين والاستخلاف والعدل والشورى، وإن لم يستعمل لفظ «السياسة» بوصفه مصطلحًا جامعًا لهذه الموضوعات.


خامسًا: السياسة في السنة النبوية

إذا كان لفظ «السياسة» لم يرد في القرآن الكريم، فقد ورد في السنة النبوية الفعل المشتق منه صراحةً.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون».

ثم قال ﷺ:

«فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم».

رواه البخاري (3455)، ومسلم (1842).
تخريج الحديث في الموسوعة الحديثية.

ومعنى «تسوسهم الأنبياء» أن الأنبياء كانوا يتولون تدبير شؤون بني إسرائيل وقيادتهم، ويقومون عليهم بما يصلح أحوالهم.

وهذا الحديث شاهد واضح على أن لفظ السياسة، بمعنى تولي شؤون الجماعة وتدبير أمرها، كان معروفًا في الاستعمال النبوي.

كما يلفت الحديث النظر إلى مسؤولية أصحاب الولايات؛ إذ يقرر أن الله سائلهم عما استرعاهم، فلا ينبغي النظر إلى السلطة باعتبارها امتيازًا مجردًا عن المحاسبة والمسؤولية.

ومن المهم هنا التمييز بين دلالة الحديث المباشرة، وبين ما قد يُستنبط منه في مباحث السياسة الشرعية؛ فالتفصيل في أحكام الحكم والولايات يحتاج إلى جمع النصوص والنظر في دلالاتها مجتمعة.


سادسًا: متى استُعمل لفظ السياسة في التراث الإسلامي بمعنى الحكم؟

تذكر الموسوعة الفقهية الكويتية، في مادة «سياسة»، أن من أقدم النصوص التي ورد فيها لفظ السياسة مصدرًا، بمعناه المتعلق بالحكم، ما نُقل عن عمرو بن العاص في وصف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بأنه «الحسن السياسة، الحسن التدبير»، وذلك في سياق خبر التحكيم بين علي ومعاوية.

ويَرِد هذا النقل في تاريخ الطبري ضمن أخبار تلك المرحلة.

لكن ينبغي الاحتراز في وصفه بأنه «أول استعمال» مطلقًا؛ فإثبات الأولية التاريخية يحتاج إلى استقراء واسع للمصادر، والأدق أن يقال: إنه من النصوص المبكرة التي نقلت استعمال لفظ السياسة بهذا المعنى.

كما ورد الفعل «يسوس» في آثار منسوبة إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

فقد نُقل عن عمر رضي الله عنه قوله في التحذير من تولي من لا يحسن تدبير أمور الناس:

«حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول».

ونُقل عن علي رضي الله عنه قوله لأهل الكوفة، محذرًا من عاقبة التقصير في أمر الله:

«أو ليَسُوسَنَّكم أقوام أنتم أقرب إلى الحق منهم».

وقد أوردت مصادر تراثية هذه الآثار، ومنها مصنف ابن أبي شيبة، مع اختلاف مواضعها وألفاظها في الطبعات والنقول.

ويُستحسن عند الاستشهاد بهذه الآثار في بحث علمي مستقل مراجعة أسانيدها وألفاظها في مصادرها الأصلية، وعدم الاكتفاء بالنقول الثانوية.

وتكشف هذه الشواهد، في حدود ما تثبته، عن تداول مادة «ساس» في الكلام على تدبير شؤون الناس وتولي أمرهم منذ العصور الإسلامية الأولى.


سابعًا: ماذا نستنتج من ذلك؟

بعد النظر في المعنى اللغوي، والنصوص القرآنية، والحديث النبوي، وبعض الشواهد التراثية، يمكن استخلاص جملة من النتائج:

أولًا: عدم ورود لفظ «السياسة» في القرآن الكريم لا يدل على أن القرآن أهمل موضوعات الحكم والسلطة وتدبير شؤون المجتمع.

ثانيًا: تناول القرآن قضايا ذات صلة مباشرة بالشأن السياسي، مثل العدل والشورى والتمكين والاستخلاف وأداء الأمانات، وعرض نماذج مختلفة من الحكام وأحوال الحكم.

ثالثًا: ورد لفظ السياسة مشتقًّا في الحديث النبوي الصحيح، في قوله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء».

رابعًا: عرف التراث الإسلامي استعمال مادة «ساس» في الحديث عن الولاية وتدبير شؤون الناس، وتوجد شواهد مبكرة على ذلك في كتب الحديث والتاريخ.

خامسًا: لا يكفي الاستشهاد بهذه النصوص لإثبات صحة كل مشروع سياسي أو ممارسة حزبية أو نظرية في الحكم؛ فالحكم على التطبيقات السياسية يحتاج إلى بحث مستقل في مبادئها ووسائلها وآثارها ومدى موافقتها للأحكام الشرعية.


الخلاصة

إن البحث في السياسة في الإسلام لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: هل ورد لفظ «السياسة» في القرآن الكريم أم لم يرد؟

فالسؤال الأهم هو: ما المبادئ التي قررها القرآن والسنة في الحكم والعدل والشورى والسلطة والمسؤولية، وكيف فهمها العلماء وطبّقوها في واقعهم؟

فالقرآن الكريم لم يأتِ معجمًا للمصطلحات السياسية، لكنه تناول جملة من القضايا التي يقوم عليها تدبير شؤون المجتمع، وميّز بين العدل والظلم، والإصلاح والإفساد، وأكد مسؤولية من يتولى أمر الناس.

والسنة النبوية استعملت لفظ السياسة في سياق تولي الأنبياء شؤون بني إسرائيل، ثم عرف التراث الإسلامي مباحث السياسة الشرعية التي تناولت الولايات والأحكام والمصالح العامة.

ومن هنا، فإن غياب المصطلح لا يكفي لنفي المضمون، كما أن وجود المضمون لا يمنح الشرعية تلقائيًّا لكل ما يُرفع باسمه من شعارات أو ممارسات.

فالميزان ليس مجرد الاسم الذي نطلقه على السياسة، بل حقيقة ما تتضمنه، ومدى التزامها بالعدل والحق، وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد.

مدخل إلى مفهوم السياسة في الإسلام

 

كيف تناول القرآن قضايا الحكم والسلطة والتمكين؟

مدخل إلى مفهوم السياسة في الإسلام

هل غياب لفظ «السياسة» عن القرآن الكريم يعني أن الإسلام لا يهتم بقضايا الحكم والسلطة وتدبير شؤون المجتمع؟ وهل يصح أن يُقال إن السياسة أمرٌ منفصل عن الدين لمجرد أن المصطلح لم يرد بلفظه الاصطلاحي في القرآن؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي أن نتحرر من الخلط بين المصطلح ومضمونه، وبين اللفظ والمعنى، وبين المبادئ الشرعية والتطبيقات السياسية.

فالقرآن الكريم لم يأتِ كتابًا في المصطلحات السياسية بالمعنى الذي تعرفه العلوم الحديثة، لكنه تناول قضايا الحكم والعدل والشورى والتمكين والاستخلاف، وعرض نماذج من الملوك والحكام، وكشف عن الفارق بين السلطة التي تُستعمل في الإصلاح، والسلطة التي تتحول إلى أداة للظلم والاستبداد والإفساد.

فكيف تناول القرآن هذه القضايا؟ وما مفهوم السياسة في اللغة والاصطلاح؟ ومتى ظهر استعمال هذا اللفظ في السنة النبوية والتراث الإسلامي؟

هذه أسئلة تستحق البحث والتأصيل.


أولًا: ما السياسة في اللغة والاصطلاح؟

السياسة في اللغة مصدر الفعل: «ساسَ يَسوسُ سياسةً».

ويُقال: ساس الدابة أو الفرس، إذا قام على أمرها، وتعهدها بالعلف والسقي والترويض وسائر ما يصلح شأنها.

ومن هذا الاستعمال جاء قولهم: ساس الرعية سياسةً، أي تولّى تدبير شؤونها، وقام على أمرها بما يصلح أحوالها.

وجاء في تاج العروس، في مادة «سوس»، ما يفيد أن السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه.

أما في الاصطلاح، فتدور تعريفات السياسة حول فن إدارة المجتمعات الإنسانية، وتنظيم شؤون الحكم، وتدبير المصالح العامة، والتعامل مع الخلافات المتعلقة بالسلطة والقرار العام.

ويمكن تعريفها إجمالًا بأنها:

تدبير شؤون المجتمع، وتنظيم السلطة، واتخاذ القرارات المتعلقة بالمصلحة العامة، وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما يتصل بذلك من مسؤوليات وحقوق.

ومن المهم هنا أن نلاحظ أن السياسة ليست مجرد صراع على السلطة، ولا تقتصر على الوصول إلى الحكم؛ بل تشمل أيضًا كيفية ممارسة السلطة، والغايات التي تسعى إليها، والوسائل التي تُستخدم لتحقيقها.

ومن هذا المنطلق، يصبح البحث في السياسة بحثًا في العدل والظلم، والشورى والاستبداد، والمصالح العامة، ومسؤولية أصحاب الولايات، وحقوق الناس وواجباتهم.

فإذا كانت هذه هي الموضوعات التي تدور عليها السياسة، فهل يعقل أن نختزل موقف الإسلام منها في سؤال واحد: هل ورد لفظ «السياسة» في القرآن أم لم يرد؟


ثانيًا: غياب لفظ «السياسة» لا يعني غياب مضمونها عن القرآن

من الحقائق اللغوية أن لفظ «السياسة» نفسه لم يرد في القرآن الكريم.

لكن هذه الحقيقة، على صحتها، لا تثبت أن القرآن لم يتناول المعاني والقضايا التي تدخل في مفهوم السياسة.

فثمة فرق واضح بين أن نقول إن مصطلحًا معينًا لم يرد في النص، وبين أن نزعم أن النص لم يتناول شيئًا من معناه.

ولنضرب لذلك مثالًا:

لفظ «العقيدة» بصيغته الاصطلاحية المعروفة ليس هو اللفظ الذي جمع القرآن تحته جميع مسائل الاعتقاد، ومع ذلك فإن القرآن مليء بآيات التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وكذلك لفظ «الفضيلة»؛ فعدم ورود هذا الاسم لا يعني غياب الدعوة إلى مكارم الأخلاق، أو الحث على العدل والإحسان، أو النهي عن الرذائل والمنكرات.

والأمر نفسه ينطبق على موضوع السياسة: عدم ورود المصطلح لا يكفي لنفي حضور المعاني التي يدل عليها، وإنما ينبغي البحث عن تلك المعاني في النصوص ذات الصلة.

وعندما نفعل ذلك، نجد أن القرآن تناول قضايا الحكم والسلطة من خلال ألفاظ ومفاهيم متعددة، من أبرزها:

  • المُلك والسلطان.

  • الحكم والعدل.

  • الشورى وتدبير الأمر العام.

  • التمكين والاستخلاف.

  • أداء الأمانات والمسؤوليات.

  • الإصلاح في الأرض والتحذير من الإفساد فيها.

وهذه المفاهيم لا تعني أن القرآن تبنّى نظرية سياسية حديثة بعينها، ولا أن جميع الأنظمة السياسية متساوية في حكمها الشرعي؛ وإنما تعني أن قضايا الحكم وتدبير شؤون المجتمع حاضرة في الخطاب القرآني، وأن فهمها يحتاج إلى دراسة النصوص ودلالاتها، لا إلى الوقوف عند أسماء المصطلحات وحدها.


ثالثًا: المُلك في القرآن الكريم… السلطة بين الإصلاح والاستبداد

من أبرز المفاهيم القرآنية المتصلة بالسياسة مفهوم «المُلك».

وقد تحدث القرآن عن المُلك في سياقات متعددة، فتناول ما يرتبط به من تمكين ومسؤولية، وعرض نماذج لحكام تختلف أحوالهم ومواقفهم.

1. المُلك والحكمة والقدرة على التدبير

قال الله تعالى:

﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54].

وقال يوسف عليه السلام:

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: 101].

وقد مكّن الله يوسف عليه السلام في الأرض، وأتاح له تولي مسؤولية تدبير شؤونها في مرحلة عصيبة من تاريخ مصر، حين واجهت البلاد سنوات القحط.

قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: 56].

وتكشف قصة يوسف عن جوانب مهمة في إدارة الشأن العام، منها التخطيط للمستقبل، وحسن تدبير الموارد، والاستعداد للأزمات، وتحمل المسؤولية في أوقات الشدة.

وهذه كلها موضوعات تدخل في صميم الإدارة السياسية والاقتصادية، وإن لم يعبّر القرآن عنها بالمصطلحات الحديثة نفسها.

2. طالوت وداود وسليمان عليهم السلام

قال تعالى في طالوت:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247].

وقال سبحانه:

﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251].

كما تحدث القرآن عن مُلك سليمان عليه السلام، وما آتاه الله من سلطان وقدرات واسعة في تدبير شؤون مُلكه.

وتُظهر هذه القصص أن المُلك والسلطة والقيادة ليست معاني غائبة عن القرآن؛ بل وردت في سياقات تتصل بالقيادة، والقوة، والحكمة، وتحمّل المسؤولية.

غير أن العبرة لا تكمن في مجرد امتلاك السلطة، وإنما في سياقها، وكيفية ممارستها، وما يرتبط بها من حق وعدل ومسؤولية.

3. ملكة سبأ والشورى في اتخاذ القرار

ومن المشاهد اللافتة في القرآن قصة ملكة سبأ، حين قالت لقومها:

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32].

فالآية تعرض مشهدًا من مشاهد التشاور في تدبير الشأن العام، وتُظهر رجوع الملكة إلى الملأ قبل اتخاذ قرار مهم.

ولا يصح أن نستنتج من هذا المشهد وحده أن القرآن يقرّ كل جوانب نظام حكمها، أو أن القصة تقدم نظرية سياسية مكتملة؛ لكن من الصحيح أن نلاحظ حضور التشاور والنظر في الرأي والعواقب في المشهد الذي حكاه القرآن.

وقد جاء مبدأ الشورى أيضًا في وصف المؤمنين بقوله تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

وهكذا نجد أن الشورى، وهي من المفاهيم الأساسية في الفكر السياسي الإسلامي، لها أصل واضح في الخطاب القرآني.

4. فرعون… حين تتحول السلطة إلى استبداد

وفي مقابل تلك النماذج، عرض القرآن صورة الحكم الذي يقوم على الاستعلاء والاضطهاد وإفساد المجتمع.

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4].

ثم قال سبحانه:

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

فهذه صورة قرآنية للسلطة حين تتحول إلى وسيلة للاستعلاء، وتقسيم المجتمع، واضطهاد الضعفاء، والإفساد في الأرض.

والقرآن لا يعرض هذه الصورة لمجرد سرد أحداث تاريخية، بل يجعلها جزءًا من العبرة التي ينبغي أن يتأملها الإنسان في أحوال الظلم وعواقبه.

ومن هنا، فإن دراسة السياسة في ضوء القرآن لا تكتمل بمجرد الحديث عن المُلك والتمكين؛ بل لا بد من النظر في العدل والظلم، والإصلاح والإفساد، ومسؤولية من يملك القرار والسلطان.

فالسلطة في ذاتها ليست دليلًا كافيًا على صلاح صاحبها، كما أن امتلاك أدوات الحكم لا يعفي الحاكم من المسؤولية عن طريقة استعمالها.


رابعًا: التمكين والاستخلاف… هل يتناول القرآن قضايا الدولة والمجتمع؟

إلى جانب مفهوم المُلك، تناول القرآن مفهومَي التمكين والاستخلاف، وهما من المفاهيم التي لها صلة وثيقة بالسلطة والمسؤولية في الأرض.

1. التمكين والمسؤولية

قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

تربط هذه الآية بين التمكين وبين جملة من الواجبات الدينية والاجتماعية.

فالتمكين ليس مجرد وصول إلى موقع القوة، وإنما يرتبط بما يقوم به المُمكَّنون من أعمال ومسؤوليات.

والآية، في سياقها، تصف المؤمنين الذين إن مكّنهم الله في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.

وهذا يلفت النظر إلى أن القرآن لا يفصل بين القدرة على الفعل وبين المسؤولية عن توجيهها إلى الخير.

2. الاستخلاف في الأرض

قال الله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].

تتناول الآية وعد الاستخلاف والتمكين والأمن في سياق الإيمان والعمل الصالح وعبادة الله.

ولا يصح اختزال مفهوم الاستخلاف في مشروع سياسي معاصر بعينه، أو اتخاذ الآية وحدها دليلًا على صحة كل حركة أو جماعة تدّعي السعي إلى التمكين؛ فالحكم على المشاريع والممارسات يحتاج إلى أدلة وتفصيلات أخرى.

لكن الآية تظل من النصوص المهمة في بحث علاقة الإيمان بالتمكين، وما يرتبط بذلك من مسؤوليات دينية واجتماعية.


خامسًا: الحكم بالعدل وأداء الأمانات… أساس المسؤولية السياسية

من أعظم الآيات التي تناولت الحكم والمسؤولية العامة قول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

تجمع هذه الآية بين أداء الأمانات والحكم بالعدل، وهما من الأصول الكبرى التي تتصل بالولايات والمسؤوليات العامة.

فالحكم ليس مجرد امتلاك سلطة إصدار الأوامر، بل هو أمانة تستلزم أداء الحقوق، والعدل بين الناس، والابتعاد عن الهوى والجور.

وقد اعتنى شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية في كتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، الذي بحث فيه جملة من المسائل المتعلقة بالولايات والحقوق وتدبير شؤون الرعية.

وقال الله تعالى أيضًا:

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].

وتناولت آيات سورة المائدة مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي من المسائل التي تحتاج إلى فهم سياقاتها، وجمع النصوص المتعلقة بها، والنظر في أقوال العلماء وتفصيلاتهم.

ولا يصح أن تُتخذ هذه الآيات ذريعة إلى إصدار أحكام متسرعة على الأفراد والجماعات دون علم أو تحقق؛ فالتنزيل على الوقائع باب آخر له شروطه وضوابطه.

والذي يهمنا هنا أن القرآن تناول الحكم والعدل والسلطة والمسؤولية، وهي من صميم الموضوعات التي تدرسها العلوم السياسية.


سادسًا: السياسة في السنة النبوية… نص صريح في الاستعمال

إذا كان لفظ «السياسة» لم يرد في القرآن الكريم، فإن السنة النبوية اشتملت على استعمال صريح للفعل المشتق منه.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون».

قالوا: فما تأمرنا؟ قال:

«فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم».

رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في كتاب الإمارة.

ومعنى قوله ﷺ: «تسوسهم الأنبياء» أن الأنبياء كانوا يتولون تدبير شؤون بني إسرائيل وقيادتهم، ويقومون على أمرهم بما يصلح أحوالهم.

وهذا الحديث شاهد واضح على أن مادة «ساس» كانت مستعملة في معنى تدبير شؤون الجماعة وتولي أمرها.

كما أن الحديث يتضمن معنى مهمًّا في باب الولايات، وهو أن أصحاب السلطة مسؤولون عما استُرعوا عليه؛ فالولاية ليست امتيازًا مطلقًا، وإنما ترتبط بحقوق وواجبات ومساءلة أمام الله.

وهنا ينبغي التمييز بين دلالة الحديث المباشرة وبين التفصيلات التي يدرسها الفقهاء في أبواب الإمامة والبيعة والولايات؛ فلكل مسألة أدلتها وأحكامها.

لكن من حيث الاستعمال اللغوي، فإن الحديث يثبت بوضوح ورود الفعل «تسوسهم» في السنة الصحيحة.


سابعًا: متى استُعمل لفظ السياسة في التراث الإسلامي؟

لم يقتصر استعمال مادة «ساس» على الحديث النبوي، بل وردت في بعض الآثار والنقول التاريخية المبكرة المتعلقة بتدبير شؤون الناس والولاية.

وتذكر الموسوعة الفقهية الكويتية، في مادة «سياسة»، أن من أقدم النصوص التي ورد فيها لفظ السياسة مصدرًا، بمعناه المتعلق بالحكم، ما نُقل عن عمرو بن العاص في وصف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بأنه:

«الحسن السياسة، الحسن التدبير».

وقد أورد الطبري هذا النقل في سياق أخبار التحكيم.

والأدق علميًّا أن يُقال إن هذا من النصوص المبكرة التي نُقل فيها استعمال لفظ السياسة بهذا المعنى، دون الجزم بأنه أول استعمال مطلقًا؛ لأن إثبات الأولية التاريخية يحتاج إلى استقراء واسع للمصادر.

السياسة في آثار عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما

ورد الفعل «يسوس» في آثار منسوبة إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

فقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:

«حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول».

وجاء ذلك في سياق التحذير من أن يتولى تدبير شؤون العرب من لا يعرف أحوالهم ولا يفقه طبيعة مجتمعهم.

كما نُقل عن علي رضي الله عنه قوله لأهل الكوفة:

«أو ليَسُوسَنَّكم أقوام أنتم أقرب إلى الحق منهم».

وقد أوردت كتب تراثية، منها مصنف ابن أبي شيبة، روايات في هذا الباب.

وينبغي عند اعتماد هذه الآثار في بحث علمي مستقل مراجعة ألفاظها وأسانيدها في مصادرها الأصلية؛ فالاستشهاد التاريخي شيء، والحكم على ثبوت الرواية شيء آخر.

ومع ذلك، فإن هذه الشواهد تدل على حضور مادة «ساس» في الخطاب المتعلق بتدبير شؤون الناس وتولي أمرهم في التراث الإسلامي المبكر.

ثم تطور البحث في هذا المجال، فظهرت مباحث ومؤلفات تتناول السياسة الشرعية، والإمامة، والولايات، والقضاء، والحسبة، وتدبير مصالح الرعية.

ومن أشهر الكتب في هذا الباب كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية، وهو شاهد على استقرار استعمال المصطلح في التأليف الفقهي.


ثامنًا: ماذا تعني هذه الشواهد؟ وما الذي لا تثبته؟

بعد النظر في اللغة والقرآن والسنة والتراث، يمكننا الوصول إلى نتائج مهمة، لكن ينبغي أن تكون النتائج منضبطة بحدود الأدلة.

أولًا: غياب لفظ «السياسة» عن القرآن لا يعني غياب موضوعاتها.

فالقرآن تناول الحكم والعدل والشورى والتمكين والاستخلاف والولايات والمسؤولية، وإن لم يجمع هذه المعاني تحت لفظ «السياسة».

ثانيًا: القرآن يعرض السلطة في سياقات مختلفة، ولا يمدح كل من امتلكها.

فقد عرض نماذج من المُلك والتمكين، كما كشف عن الاستبداد والاضطهاد والإفساد. والعبرة ليست بمجرد وجود السلطة، بل بما يقترن بها من أعمال ومواقف.

ثالثًا: السنة النبوية استعملت لفظ السياسة مشتقًّا في حديث صحيح.

فقوله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» شاهد واضح على استعمال اللفظ في معنى تدبير شؤون الجماعة وقيادتها.

رابعًا: التراث الإسلامي عرف السياسة بوصفها موضوعًا للبحث والتأليف.

وتشهد على ذلك الآثار والنقول التاريخية، ثم المؤلفات التي بحثت في السياسة الشرعية والولايات وتدبير شؤون الرعية.

خامسًا: هذه الشواهد لا تمنح الشرعية تلقائيًّا لكل مشروع سياسي.

فليس كل ما يُسمى سياسةً صحيحًا، ولا كل ممارسة سياسية مشروعة لمجرد أن أصحابها يرفعون شعارات دينية. كما أن الحكم على الأنظمة والمشروعات والأحزاب يحتاج إلى دراسة مستقلة لأهدافها ووسائلها وممارساتها ومدى موافقتها للأحكام الشرعية.


الخلاصة: العبرة بالمضمون لا بمجرد المصطلح

إن البحث في السياسة في الإسلام لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: هل ورد لفظ «السياسة» في القرآن الكريم أم لم يرد؟

فهذا السؤال، على أهميته اللغوية، لا يكفي وحده لفهم موقف القرآن من الحكم والسلطة وتدبير شؤون المجتمع.

والسؤال الأعمق هو: ما المبادئ التي قررها القرآن والسنة في الحكم والعدل والشورى والتمكين والمسؤولية؟ وكيف فهمها العلماء، وكيف يمكن تنزيلها على الوقائع السياسية مع مراعاة ضوابط الشرع ومقاصده؟

فالقرآن الكريم تناول هذه القضايا من خلال مفاهيم متعددة، والسنة النبوية استعملت مادة «ساس» في الحديث عن تدبير شؤون بني إسرائيل، ثم عرف التراث الإسلامي مباحث السياسة الشرعية وما يتصل بها من أحكام الولايات والمصالح العامة.

ومن هنا، فإن القول إن الإسلام لا يتناول السياسة لمجرد أن لفظها لم يرد في القرآن قول لا يستقيم منهجيًّا؛ لأنه يخلط بين غياب المصطلح وغياب المضمون.

وفي المقابل، لا يصح أن نجعل حضور المفاهيم السياسية في النصوص الشرعية دليلًا على صحة كل نظرية سياسية أو ممارسة معاصرة.

فالميزان ليس مجرد الاسم الذي نطلقه على السياسة، بل حقيقة ما تتضمنه، ومدى التزامها بالعدل والحق، وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد.

وهذا هو المدخل الصحيح إلى دراسة السياسة في الإسلام: فهم النصوص، وضبط المفاهيم، والتمييز بين المبادئ الشرعية والاجتهادات البشرية، وعدم تحويل المصطلحات إلى حواجز تمنع البحث أو تحسم النقاش قبل النظر في الأدلة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والإحالات

  1. الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مادة «سوس»، 4/169، طبعة دار صادر، بيروت.

  2. موسوعة العلوم السياسية، إصدار جامعة الكويت، ص 102، الفقرة 78، وفق الإحالة الواردة في المادة الأصلية.

  3. البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم 3455؛ ومسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 1842.

  4. الموسوعة الفقهية الكويتية، مادة «سياسة»، 25/295–296.

  5. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، 5/68، طبعة دار المعارف، القاهرة، وفق الإحالة الواردة في المادة الأصلية.

  6. ابن أبي شيبة، المصنف، والحاكم، المستدرك، في الرواية المنقولة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ وقد أُحيل في المادة الأصلية إلى المستدرك، 4/475.

  7. ابن أبي شيبة، المصنف، وابن الجعد، المسند، في الرواية المنقولة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

تنبيه توثيقي: أُثبتت أرقام الأحاديث والصفحات بحسب الإحالات الواردة في المادة الأصلية، ويُستحسن مقابلة أرقام الصفحات وألفاظ الآثار على الطبعات المعتمدة قبل استخدامها في بحث أكاديمي موثق.