السبت، 19 سبتمبر 2026

محاكمة سيد قطب !

 



  محاكمة سيد قطب

بدأت محاكمة سيد قطب وإخوانه يوم السبت 9 إبريل سنة 1966 م . . وطبقاً لتقاليد المحاكم الخاصة فإن النيابة العامة وكان يمثلها صلاح نصار و سيد ناجي لابد أن تلقى بكلمة الإدعاء.. وقد تلاها صلاح نصار وكانت عبارة عن سرد من وجهة نظر الاتهام لأقوال جميع المتهمين .

وفي جلسة الثلاثاء 12 أبريل بدأت مناقشة المرحوم سيد قطب . . ومن كان يعرف سيد قطب . . ثم رآه في قفص الاتهام كان يجزم أن عمره زاد عشر سنوات على الأقل نتيجة ما تحمله من تعذيب . وبمجرد عقد الجلسة بدأ الحوار بين القاضي الأوحد والمرحوم سيد قطب . . . وأنا هنا أنقل بعض تفاصيله : فبمجرد عقد الجلسة نادى القاضي الأوحد بصوته الجهوري :

-        السيد قطب إبراهيم .

-        ووقف سيد قطب فى القفص الذى ازدحم بزملائه المتهمين بقيادة التنظيم ورد بصوت خافت :

- نعم . . .

- الدجوي : تعال هنا . . أخرج من القفص . .

-        وخرج سيد قطب من القفص ووقف أمام منصة القاضي العادل جدا ( ! ! ) وبدأ الحوار الذى بدأه الدجوي :

-        الدجوي : قل لنا معلوماتك تفصيلا عن التنظيم وصلتك به . .

-        سيد قطب : أنا ؟

-        الدجوي : زعق [1] شوية . . علشان أنا بينى وبينك متر ونصف ومش سامع صوتك . . أنا عايز الكل يسمعك يا سيد يا قطب .

-        سيد قطب : بنفس نبرات الصوت الهادى . . . . سأجتهد بقدر ما أستطيع .

-        الدجوي : دي آخر إمكانياتك . . إذا كان عندك إمكانيات زيادة يبقى أحسن .

-        سيد قطب : بنفس نبرات الصوت الهادىء يبدأ يتكلم ويقول :

-        صلتي الحقيقية بالتنظيم ترجع إلى ما بعد خروجي من السجن , . . . .

-        ويقاطعه الدجوى قبل أن يكمل كلامه قائلا :

-        لا . . وقف بقه . . . أنت كان عليك حكم في قضية سنة 1954 .

-        سيد قطب : أيوه . . . 15 سنة .

-        الدجوي : خرجت من السجن أمتى ؟

-        سيد قطب : مايو سنة 1964 .

-        الدجوي : أنت بتقول صلتك الحقيقية . . . يعنى فيه صلة غير حقيقية . . أنا أعرف صلتك بالتنظيم وأنت في السجن .

-        سيد قطب : أنا لم أعلم أنه تنظيم إلا بعد خروجي من السجن .

-        الدجوي : قرر يوسف هواش وكيلك ونائبك وخليفتك وزميلك في السجن في أقواله ص 68 أنه في سنة 1963 حميدة أختك بلغتك في السجن عن التنظيم وفى مواضع أخرى قال أنك كنت تغذيهم بمنشوراتك ومعلوماتك من السجن فما رأيك فى هذا ؟

-        سيد قطب : يسأل يوسف هواش في هذا .

-        الدجوي : ما يسألوش ولا حاجة . . أنا بأقول كل كلامه... ده صحيح أولا ؟

-        سيد قطب : وجود تنظيم بهذا الاسم .

-        الدجوي : يعنى إيه بهذا الاسم .

-        سيد قطب : إسم التنظيم . . وأنا عرفت أن هناك شباب يقرأ لي ويحب آرائي

-        الدجوي : صلتك كانت إيه بالشباب ده ؟ . . . رد بأه يا خويا ؟

-        الصلة بالضبط إن حميدة أبلغنتني إن الحاجة زينب الغزالى بتقول أن هناك شباب يقرأ لك ويحب أن يستزيد فهل هناك مانع من أن يقرأ هذا الشباب كتاب معالم في الطريق قبل طباعته .

الدجوى : إزاى بأه ؟

سيد قطب : من المسودات اللي كانت فى البيت .

الدجوي :  فى البيت وإلا في السجن ؟

سيد قطب : كان البعض يأخذ المسودات من الكتاب .

الدجوى : مين اللي يأخذ . . .  حميدة ؟

سيد قطب : ما أعرفش . . .

الدجوى : (  بسخرية ) هل حميدة بلغت درجة الأستاذية . . وتقدر تأخذ من الكتب؟

سيد قطب : ( بحزم ) هي تفهمها أحسن بكتير من المتعلمين .

الدجوي : وتقدر تخرج منها حاجات ؟

سيد قطب : كانت تأخذ فصول من الكتاب .

الدجوي : وأنت تحدد الفصول اللي تنقل منها حميدة ؟

سيد قطب : أيوه . .

الدجوي : ده وأنت فى السجن سنة 1963 .

سيد قطب : هذه كانت كل الصلة بيني وبين هؤلاء الشبان وأنا فى السجن .

الدجوى : التنظيم يعني ؟

سيد قطب : أنا قلت الشبان . .

الدجوي : شبان . . شبان مفيش حاجة حاتنفعك . . ألم تعلم وأنت فى السجن أن الشباب اللي عايز يقرأ لك مسلح ؟

سيد قطب : لم أعلم إلا أنه شباب مسلم .

الدجوي : طيب . . لما ييجى دور هواش . . حبيبك وزميلك وخليفتك . . حنسمعك قال أيه ؟

سيد قطب : حاضر . . ] .

انظر إلى شخصية الشهيد سيّد ؛ الهادئة الوقورة والمحترمة ، كيف يجيب باحترام وأدب بالغين ، وهو الذي وقف في وجه أكبر طاغية في عصرنا بلا خوف ولا وجل !

وأنا سأنقل بعض الفقرات من هذه المحكمة الهزيلة ، ليتبيّن هدوء ووقارة واتّزان شخصية الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، حتى يعلم الجميع أن هذه الشخصية لا تتأثر بالظروف القاسية تأثير فقدان التوازن والانحراف عن المسار ! 

[ الدجوى : يعنى عرفت أن التنظيم سري قائم من سنوات وطبيعة أساسه وهدفه فدائي للإنتقام مما جرى للجماعة سنة 54 . . . وأنت رحت لقيت المولود كده . . مكانش على إيدك . . . ولكنك وجدته كده . . . وبعدين

سيد قطب : عايز مجمل كلام أو سيادتك عايز تفصيلات . . . . . ] .

[ الدجوي : العفو يا أخويا . . . بس يعني الإعداد يبدأ من القاعدة . ليصل إلى الحكم

سيد قطب : ده تعبير سيادتك ] .

[ سيد قطب : سيادتك تطلب مني أقول ما قاله لي ؟ ] .

[ سـيد قطب : سـيادتك بتقول خالصين . . أنا كان يهمني قيام التنظيم بدون أسلحة ] .

[ الدجوي : أنا مش عايز أسبق الحوادث . . هي الاغتيالات حتكون بالسلاح أو بالطوب والخنق بالبوتاجاز .

سيد قطب : أجاوب . .

الدجوي : ( بسخرية ) أيوه جاوب . . أمال إيه . . قول يا سيد يا قطب . . الإغتيال بسلاح أو من غير سلاح . . قول . .

سيد قطب : لما يبقى فيه اغتيالات يبقى بسلاح . . . ولكن مكنش التفكير جديا . .

الدجوي : كان هزار . . من باب الهزار  ] .

[ الدجوي : عدد أفراد التنظيم كام ؟

سيد قطب : قالوا الصف الأول حوالي 70 يعني يبقى العدد حوالى 200 أو 300 وذلك بالاستنتاج .

الدجوى : مضبوط يا سيد . . بس إزاي الاستنتاج ؟

سيد قطب : إذا كان لهم 5 سنوات في الشغل .

الدجوي : ( بسخرية ) : شغل أيه يا أخويا ؟

سيد قطب : تربية أعضاء من سنة 1959 .

الدجوي : التربية دي . . كانت من سنة 1959 .

سيد قطب : حسب قولهم . . والمجموعة اللي تنتج 70 شخصا ظاهرا في 5 سنوات تبلغ بالحساب حوالي 300

الدجوي : أزاي الحساب ده ؟

سيد قطب : أنا كنت مراقب بحوث فنية فى وزارة التربية وعندنا أن البشر فيه خمس متفوق . وخمس تحت المستوى .. "  ثم نطقها بالإنجليزية " . .

الدجوي : ( هازئا ) : أنت رايح تتكلم إنجليزي . . يا سيد يا قطب احنا ناس مسلمين  . . وكلمنى عربى يا سيد .

سيد قطب : الإحصاءات على أساس أن 40% أقل من المتوسط و20 % متفوق و20% تحت المستوى ] .

[ سيد قطب : إحنا اتفقنا على تحويل التنظيم إلى تنظيم إسلامي تربوي وفى نظرنا

الدجوي : ( مقاطعا ) : نظرنا . . مين يعني ؟

سيد قطب : أنا والخمسة أعضاء القيادة قررنا أن التنظيم يجب أن يبقى لتخريج أكبر عدد من الشباب المثقف . . ولكن نشاط الجماعة ممنوع ولابد أن يبقى سرا حتى لا يأتى خطر على وجوده . ولما شعرنا بالخطر على التنظيم من أن ينكشف ويعذب أعضاؤه في السجن الحربي والقلعة كما حدث سنة 54 وسنة 65 ولم نظن أن النيابة ستشنق .

الدجوي : ( وقد فقد كل أعصابه مقاطعا ) : أنت كذاب فيما تقوله . إن هذه السموم التى تنفثها فيمن حولك . . من عندك . . هذا الشباب الموجود فى القفص . . اتهمك بالانحراف وبأن الوضع انحرف من يوم قيادتك .

سيد قطب : التنظيم بيتدرب على السلاح للدفاع عن نفسه .

الدجوي : أنت نغمتك في كلامك كله كده .

سيد قطب : إحنا . . .

الدجوي : ( بعصبية ) : ما تتكلمش إلا لما أنهي كلامي  . . أنا مش قاعد معاك فى قهوة . . .

سيد قطب : متأسف . . متأسف ] .

[ الدجوي : أنت بتقول أن التدريب على السلاح للدفاع عن التنظيم .

سيد قطب : ( بلهجة المعاتب ) : سيادتك وعدتني بسعة الصدر ] .

[ الدجوي : المرشد حسن الهضيبي أنت أخذت رأيه ؟

سيد قطب : لأ . . .

الدجوي : أنت قلت أن المرشد وافق . . والتنظيم كان يحس بقيادتك من أول لقاء .

سيد قطب : ( بحزم ): أخشى أن تكون دي أقوال حد تاني ] [2] .

الدجوي : ( بتحد ) : نعم يا أخويا ؟ ؟ . . لأ . . . أنا بأقول بالنمرة يا سيد يا قطب.. ومحاميك موجود وإذا قال الكلام ده مالوش أصل نستبعده . . زعلان ليه ؟

سيد قطب : مش زعلان . .

الدجوي : وإن كانت دي أقوالك ؟

سيد قطب : مش متذكر أني قلت كده . .

ويتفحص الدجوي الأوراق التي أمامه . . . ويكتشف صدق سيد قطب فيقفز بالأسئلة إلى ناحية أخرى ] .

[ سيد قطب : تسمح لي بكلمة .

الدجوي : إن كان فيه حاجة قولها للأستاذ المحامي . . . إنده محمد يوسف هواش.

وهكذا تكلم الدجوي . القاضي الأوحد... ورفض أن يتيح لسيد قطب أن يرد على ما قاله . . . فقد كان واثقا أنه سيقول أن كل هؤلاء ما عدا عشماوي إنما قالوا ذلك نتيجة تعذيب . . ولذلك منعه من الكلام وأنهى بذلك مناقشة سيد قطب ...    ] [3] .

لو راجعنا هذه المحكمة الهزيلة ، ودققنا في الأسئلة والأجوبة بدقة ، لخرجنا بعدة ملاحظات مهمة ومرتكزات ثابتة ، منها :

1 – رصانة شخصية الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، وتوازنه المستقيم الثابت ، وصبره وتواضعه ، وهدوئه ووقاره .

فعلى رُغم ظلم القاضي له ومقاطعته له كثيراً في الكلام واستهزائه به في بعض الأحيان ، فالشهيد يخاطبه بكلمات محترمة ولم يخرج عن طوره ولم يفقد توازنه ، بل يخاطبه بإجلال : سيادتك ، تسمح لي ؟ . . . وهكذا

2 – إثبات كذب ودجل خصوم الشهيد سيّد قطب رحمه الله في اتهامه بالعنف والقسوة ومحاولة الاغتيالات والقتل وما شابه .

حيث مَن راجع تفاصيل تلك المحكمة الهزيلة المُعدّ حكمها ، تبيّن له بوضوح أنّ الشهيد سيّد قطب هو الذي غيّر أهداف وغايات الشباب من الإنتقام – من الظلمة الذين عذّبوا المؤمنين وقتلوهم تحت التعذيب وعلى أعواد المشانق ، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربّنا الله حقيقة – إلى تنشئتهم وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة لإنشاء مجتمع مسلم .

3 – إثبات ورعه وعفته وصون لسانه من الكلمات التي لا يحبّها ، فقد رأينا الدجوي يضغط عليه عدة مرات – بقراءة أكاذيب علي العشماوي عليه – ليقول الشهيد عنه إنه كذاب يكذب ويفتري ، بل اكتفى الشهيد بأن كان يقول : محصلش ، كان هناك غيره ، . . وما شابه .

4 – عدم إعطاء الفرصة الكافية للشهيد سيّد قطب ليبيّن الحقيقة واضحة بل كلّما أراد الشهيد ذلك قاطعه الدجوي وغيّر الموضوع .

فالذي يظن أنّ الشهيد سيّد قطب رحمه الله كان فظّاً غليظا قاسيا هجومياً حسب فهمه لكتاباته سوف ينصدم بمواجهته وتعرّفه على هذه الشخصية الهادئة السالمة المحترمة الوقورة خلال هذه المحكمة الباطلة الهزيلة .     

ولقد أجمع رفاقه - الذين عاشوا معه أو رأوه - على رصانة شخصيته وهدوئه وتوازنه واحترامه ، وكان عندما يجمعه مجلس مع المرشد العام الثاني لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله ، ما كان الشهيد سيّد قطب رحمه الله يتحدّث إلّا بعد استئذانه ومخاطبته له بالسيّد الوالد !

ولقد نقلنا كلام الأستاذ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى عنه حيث شُدِهَ عندما رأى الشهيد ، وعلم الاختلاف بينه وبين شدة كتاباته !

ثالثاً : إن الطعن في كتابات الشهيد سيّد قطب – من قِبَل خصومه – بأنها كتابات المحنة وبأنها كانت تحت الضغوط والشدائد وبالتالي فقد اختل توازن الشهيد فذهب يكتب  بلا توازن وينحرف عن المسار ، إن هو إلا طعنٌ في صميم الإسلام ولكن من خلال الشهيد سيّد قطب وكتاباته ! !

لأن كتابات الشهيد سيّد قطب يوضّح حقائق الإسلام الناصعة ، ويزيل عنها غبار الشبهات حولها .

فكما أن الذين يطعنون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله تعالى عنهم – وهم حمَلة الرسالة التي حملوها على أكتافهم وبلّغوها إلى مشارق الأرض ومغاربها – إنما يريدون الطعن في الإسلام من خلال حمَلته ، فإذا سقطوا هم سقط معهم ما يحملونه ، كذلك خصوم الإسلام يفعلون مع الشهيد سيّد قطب ما يفعلون أولئك بحمَلة الإسلام ؛ الصحابة والتابعين وأتباعهم !

وذلك لأن الشهيد رحمه الله قد بيّن بكتاباته حقيقة الإسلام ، وبدأ المسلمون الأذكياء يتفطنون له ولما يدور من حولهم من مخططات رهيبة للقضاء على الإسلام – مِن قِبَل خصومه – ولا سيما عن طريق كتابات الشهيد – فبدأت الخصوم بالتشويه وإثارة الشبهات حول الشهيد !

رابعاً : خصوم الإسلام لا يفترون في محاربة الإسلام بكل أنواع المحاربة من الشبهات والأباطيل .

ولقد افتروا على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأباطيل والشبهات بما تشبه هذه الشبهة حول الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، ولا غرابة فكلا السهمين المسمومين خرجا من كنانة واحدة !

فلقد قالوا : إن فكرة عالمية الإسلام لم تخطر ببال محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في مكة ، بل جاءته هذه الفكرة في المدينة المنورة ، عندما ملك قوةً وجيشاً فغيّر من استراتيجته ، وجعل دعوته عالمية كافة للناس جميعاً !

ويعنون بذلك أن البيئة التي كان يعيش فيها أثرت فيه ، وكان لها ضغط وتأثير عليه في توجّهاته صلى الله عليه وسلم كما حدث ذلك أيضاً مع الشهيد سيّد قطب رحمه الله !

فالبيئة هي التي تبلور الأفكار وتصوغه حسب شدّتها وخفّتها ! ويقصدون بذلك أنّ النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم بشر عادي وليس بنبيٍّ يوحى إليه من ربّ العالمين !

ونحن نمرّ مرّ الكرام لتفنيد هذه الشبهة الهزيلة لكي لا تتعلق بأذهان البعض  فنقول :

يقول الله تعالى في سورة ( ص ) وهي سورة مكية نزلت في مكة :

(  إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين ) [4] . 

ويقول الله تعالى في سورة ( الفرقان ) وهي سورة مكية نزلت في مكة قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة :

(  تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) [5] .

ويقول الله تعالى في سورة ( الأعراف ) وهي سورة مكية نزلت في مكة قبل الهجرة :

(  قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا  ) [6] .

ويقول الله تعالى في سورة ( سبأ ) وهي سورة مكية نزلت قبل الهجرة :

(  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون ) [7] .

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والدلائل القوية الثابتة التي تثبت هراء وافتراء وباطل ما يدّعون .

فالإسلام دعوة عالمية من أول يوم نزل الوحي فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء .

ولكن خصوم الإسلام لا يفترون عن الكذب والأباطيل والإفتراء عليه ومحاولة خداع الناس بغية وقف انتشاره في الآفاق وعرقلة مسيره ! ولكن هيهات :

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون ) [8] .

خامساً : إن هذا الإسلام الذي بعث الله تعالى به جميع أنبيائه إلى البشرية جمعاء ، هو دين واقعيٌّ عمليُّ ، جاء ليسير على هداه بني آدم في حياتهم على هذه الأرض : (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ) [9] .

(  قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى   ) [10] .

(  كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه  ) [11] .

وإن الإنسان ليمرّ في حياته بمراحل متعددة ويتقلّب في أوضاع مختلفة ؛ من الشدّة واللّين ، والقوّة والضعف ، والصغر والكبر ، والصحة والمرض ، والشباب والشيب ، والسفر والحضر ، والعلم والجهل ، والشك واليقين ، والتّقوى والفتور ، والعزيمة والرخصة ، و . . . إلخ .

وإن الله تعالى قد أنزل له – من خلال رسله – أحكام جميع أوضاع حياته ، من الحلال والحرام ، والمكروه ، والمندوب ، والمباح .

فلا يخرج فعل من أفعاله ، أو حركة أوسكنة أو خاطرة من حياته إلّا ولها حكمٌ من الله تعالى .

فعلى سبيل المثال : إذا كان المسلم البالغ معافى في صحته ، مستقر في الحضر ، ففي هذه الحالة يكون في حالة عزيمة فيجب عليه صوم شهر رمضان .

أما إذا انتقل إلى مرحلة مغايرة ووضع من أوضاعه الأخرى من حالة الرخصة كالسفر أو المرض ففي هذه الحالة يُباح له الفطر وعدم الصوم . وهذه الحالة لا تنافي الحالة السابقة ولا تناقضها فلكل حالة ووضع أحكامه الخاصة .

وكذلك الدعوة في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم قد مرّت بمراحل متعددة من الضعف والقوة ، والاستضعاف والتمكين ، وعهد مكة وتسلط المشركين على المسلمين ، والحياة في المدينة في ظل دولة إسلامية في ظلال الإسلام وتطبيق شرائعه ، ولكل حالة كانت تنزل آيات توجّه المسلم وتهديه إلى ما يحبّه الله تعالى ويرضاه .

ومن ناحية أخرى : فالإسلام دين متكامل ؛ فهو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء ، وهو مادة أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء .

وفي كل ناحية من هذه النواحي له منهج خاص ثابت ، وتعليمات وتوجيهات ونصوص تتكامل مع النواحي الأخرى ، وبالنتيجة تعطي صورة واضحة ناصعة عن الإسلام الكامل لا تتعارض مع بعضها البعض .

بل إنّ علماء وأئمة الإسلام قد تخصص مجموعات منهم في ناحية من هذه النواحي .

فهناك علماء تخصّصوا في علم العقيدة وعلم الكلام ، ومنهم مَن تخصّص في علم الفقه ، ومنهم مَن تخصّص في علوم القرآن ، ومنهم مَن تخصص في علوم الحديث ، ومنهم مَن تخصّص في علوم اللغة ، والتاريخ ، والسيرة ، والتفسير ، و . . . إلخ .

فهؤلاء الأئمة تتكامل جهودهم ، وتتبيّن حقيقة الإسلام الكاملة بأعمالهم ، ولا يرميهم بالتعارض والتناقض فيما بينهم إلّا مَن لم يفهم الإسلام على حقيقته !

وكذلك الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، قد بيّن جانباً مهماً وحقيقة ثابتة من عقيدة الإسلام ، التي قد أثير حولها الغبار ولم تكن واضحة سافرة – كما أنزلها الله تعالى ، وبيّنها النبيّ صلى الله عليه وسلم – عند كثير من المسلمين الذين أصبحوا غثاءً كغثاء السيل !

فلم يكن للبيئة والمحنة سلطان عليه يجعله يخرج عن المسار وينحرف عن الحقيقة ويقول ما لا يصح ، بل ساعدت البيئة المحيطة به على إظهار الحقيقة واضحة ناصعة !

سادساً :  إنّ مما له صلة بموضوعنا الذي نحن بصدده ، وهو شبهة تأثير وضغط البيئة في تغيير الحقائق والحيد عنها ، أن ننقل ما قاله الشهيد سيّد قطب رحمه الله بنفسه في هذا الصدد .

قال رحمه الله :

[  السمة الأولى : هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين . . فهو حركة تواجه واقعاً بشرياً . . وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي . .

إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية ، تقوم عليها أنظمة واقعية عملية ، تسندها سلطات ذات قوة مادية . . ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه . . تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات ، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها ، تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات ، وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبِّدهم لغير ربهم الجليل .

      إنها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي ، كما إنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد . . وهذه كتلك سواء في منهج هذا الدين وهو يتحرك لإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده . . .

والسمة الثانية في منهج هذا الدين : هي الواقعية الحركية . . فهو حركة ذات مراحل ، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية ، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها . . فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة .

كما أنه لا يقابل مرحل هذا الواقع بوسائل متجدمة . .

والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بهـا علـى منهج هـذا الدين في الجهاد ، ولا يراعون هذه السمة فيه ، ولا يدركون طبيعة المراحل التي مَرّ بها هذا المنهج ، وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها . . الذين يصنعون هذا يخلطون خلطاً شديداً ويلبسون منهج هـذا الدين لبسـاً مضللاً ، ويحملون النصوص مـا لا تحتمله من المبادىء والقواعد النهائية ، ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصاً نهائياً ، يمثل القواعد النهائية في هذا الدين ، ويقولون – وهم مهزومون روحياً وعقلياً تحت ضغـط الـواقــع اليـائـس لـذراري المســلميـن الـذيـن لـم يبـق لهـم مـن الإسـلام إلا العنـوان . . .      ] [12] .

 

سابعاً : وأخيراً نودّ أن ننقل مقالة تتعلق بموضوعنا تناقش هذه الشبهة :

[  هناك موضوع طال فيه نقاش وجدال بين فريق من أهل العلم ورجال الدعوة ، وهذا النقاش والجدال مستمر مذ أيام سيّد إلى الآن ، مع أن الموضوع لم تكن له أرض من الواقع ، وإنما كان سوء فهم وقلة تدبر لبعض كتابات المودودي ، وسيّد قطب رحمهما الله ! فكان أن شرحوهما شرحاً ، وظلموهما ظلما ، ونسبوا إليهما ، و بصفة خاصة إلى الأستاذ الإمام سيد قطب ، ما هما منه براء ، براءة الشمس من الدنس ! ألا وهي فكرة التكفير ! 

دعوى فكرة التكفير ومنشؤها !

كتب كاتب منهم : "إن فكرة التكفير لمسلمي اليوم ، لم ينفرد بها كتاب " المعالم "، بل أصلها في " الظلال" ، وفي كتب أخرى ، أهمها "العدالة ." وأضاف قائلا : " أضع أمام الإخوة هذه " النصوص الحاسمة" التي هي أوضح من الشمس في رابعة النهار، في تبني فكرة " التكفير"، وهي من ثلاثة كتب للشهيد رحمه الله." وكتب الكاتب الفاضل : نقطة الضعف الأساسية في المشروع الفكري والدعوي لسيد قطب - وهو مشروع عملاق بلاريب - أنه كان شديد الإعجاب بعلامة الهند الكبير : الأستاذ أبي الأعلى المودودي ، وأنه اقتبس منه تقريبا جميع الأفكار التي كانت موضع الانتقاد في مشروع المودودي ، مثل : الحاكمية والجاهلية، والقسوة على التاريخ الإسلامي .

وأضاف الكاتب الفاضل : ولقد وقف كثير من الدعاة والمفكرين موقف النقد لمقولات " الفكر القطبي" التـي انفرد بها ، واقتبسها مـن المودودي ، والتـي انتشرت في " الظلال" وتجسدت في " المعالم ". . . . وكتب الكاتب الفاضل : أذكر من هؤلاء : علامة الهند ، الداعية الإسلامي الكبير: أباالحسن الندوي في كتابه : " التفسير السياسي للإسلام ". . . كما أذكر من هؤلاء  المفكر المسلم المعروف د. محمد عمارة الذي نقد المودودي في شدته القاسية، أو قسوته الشديدة على التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في عبارات صدرت عنه ، يقفّ شعر الرأس عند قراءتها ، والله يغفر له ، ويأجره على اجتهاده من فضله أجرا واحدا .

ثم قال د. عمارة : " ومن هذا الغلوّ المودودي - غير المبرر- انطلق الشهيد سيد قطب في لحظات المحنة والتوتر، التي كتب فيها "معالم في الطريق " ، فقال:إنه يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة . " 

وكتب الكاتب الفاضل : "وأنا برغم إعجابي بذكاء سيد قطب... أخالفه في جملة توجهاته التي انتهت إليها مسيرته الفكرية الجديدة ، التي خالف فيها سيد قطب الجديد : سيد قطب القديم . وعارض فيها سيد قطب الثائر الرافض : سيد قطب الداعية المسالم ، أو سيد قطب صاحب " المعالم " : سيد قطب صاحب " العدالة " ، كما خالفه فيها كل- أوجل- دعاة الحركة الإسلامية قبله ، وعلى رأسهم حسن البنا . "

كلام تنقصه الصحة والدقة :

تلك لمحات سريعة إلى ماكتبه الكاتب الفاضل عن الإمام المودودي والإمام سيد قطب ، ولاأحب أن أذكر اسم الكاتب الفاضل ، ولا اسم كتابه الذي يحتوي تلك العبارات وأمثالها ، وهي كثيرة ! وهي أقسى من تلك العبارات ، وأشد ! لا أذكر ذلك الكاتب ولا الكتاب ؛ لأني لا أحب أن أسيء إلى سمعته وكرامته ، كما أساء- سامحه الله - إلى كرامة المودودي وسيدقطب ، وأساء إلى سمعتهما .

أساء إلى سمعتهما وكرامتهما مع اعترافه بفضلهما ، وياليته لم يرد ذلك المورد الآسن الأجِن ! ولم يتورط فيما تورط فيه ! ولابد أن أؤدي مسئوليتي نحو الإمامين الهمامين الذين أرويا حديقة الإسلام بدموعهما ودمائهما ! لابد أن أقوم بواجبي نحوهما ونحو إنجازاتهما ، بكشف القناع عن أهمية دورهما في بناء الأمة ! لابد أن أدفع عنهما ما نسب إليهما مما هما منه بريئان ، براءة الشمس من الدنس ! وبراءة الماء من القبس ! ولابد أن أمسح عن أذهان القراء الكرام ماقد يعلق بها من سوء الفهم ، وسوء الظنّ عن كتاباتهما و إنجازاتهما ، التي ليس لها بديل .

ومما شجعني على أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع تلك الحكمة القائلة : الحق أحق أن يتبع ، والعواطف شيء ، والحقائق شيء آخر، وإذا كان الكاتب الفاضل حبيبا إلى نفسي ، فالحق أحب إليّ منه !

وهنا أقول بكل صراحة : إن الذي كتبه الكاتب الفاضل عن الإمام المودودي والإمام سيد قطب كلام تنقصه الصحة والدقة ، ويجانبه الصدق والصواب . ولايصدّقه فيما ذهب إليه إلا من لم يتيسر له أن يستوعب كتابات هذين الإمامين .

وأما من عرفهما ، واطلع على كتبهما ، ووعى كلامهما ، واستوعب فكرتهما ، فمن المستحيل أن يصدّق الكاتب الفاضل فيما كتبه عنهما بغير علم ، ولاهدى ، ولاكتاب منير !

سيد والمودودي من الدعاة المنذرين !

إن المشكلة في الموضوع تكمن في التسرّع في الحكم ، فالذين حكموا على الإمام سيد قطب ، والإمام أبي الأعلى المودودي بما حكموا ، إنما حكموا عليهما من قبل أن يعرفوهما ! ومن قبل أن يفهموهما ! فهما لم يكونا في يوم من الأيام من أهل الإفتاء ، ولامن أهل القضاء ، ولم يكتبا ماكتبا بلغة الفتاوى و الأقضية ، ولم يكونا كذلك باحثين أكادميين ، حتى يسجلا نتائج بحثهما الميّت بأسلوب ميّت .

وإنما كان الرجلان من الدعاة المنذرين ! كانا منذرين لقوم غافلين ! كانا منذرين لقوم في سكرتهم يعمهون ! فكان لابد أن يهزّاهم هزّا، ويقرعاهم قرعا، ويزلزلاهم زلزالا !

فالقوم كلهم كانوا في نوم عميق ، أوكانوا في يأس وقنوط ، أوكانوا في هزيمة روحية نفسية ! ينظرون إلى الأعداء ، وثقافتهم وأنظمتهم نظرة إعجاب وتقدير ، وينظرون إلى دينهم وتراثهم نظرة احتقار وازدراء ! حتى العلماء قالوا آنذاك : لايقدر الإسلام على حل مشاكل البشرية في العصر الحاضر ، والشيوعية أوالاشتراكية هي القادرة على حل تلك المشاكل المتجددة .

وتلك العقلية المأزومة المهزومة مازالت قائمة في مجتمعات المسلمين ، فلا نعدم فيهم من ينادون بكل فجور ، وبكل وقاحة : لانريد القرآن في المعيشة والاقتصاد ! ولانريد الإسلام في السياسة والحكم !

وتلك العقلية المأزومة ، وتلك النفسية المهزومة هي التي أوقدت نارالحرب منذ فترة طويلة في فئات المسلمين فـي مصر ، وفي سوريا، وفي غيرهما من بلاد المسلمين ! وقبل أيام اعترف إبراهيم محلب ، رئيس وزراء الانقلاب ، بلفظ صريح : "انقلبنا على الرئيس مرسي بسبب هويته الإسلامية ! "

هذا، واتهم الأعداء دين الإسلام ، كما يتهمون اليوم ، بأنه دين الهمجية والوحشية ، لأنه يدعو أتباعه إلى الجهاد ! والعلماء اعتصموا بالسكوت ، وانسحبوا من الميدان لعجزهم عن مواجهة الأعداء ، أولجؤوا إلى الاعتذار عن دينهم !

مكتبة فيها حيوية وحياة !

في مثل تلك الأوضاع الحالكة المظلمة ! في أوضاعٍ يسودها اليأس والقنوط ! وفـي أوضاعٍ تسودها الهزيمة النفسية ، والأزمة الروحية ! برز المودودي بخيله ورجله ، وبرز سيد قطب برصاصه وصواريخه ، ثم برز أخوه الشقيق محمد قطب برماحه وسهامه ، برزوا جميعا حتى يواجهوا أعداء الإسلام بكل شجاعة وشموخ ، ويعيدوا المسلمين إلى دينهم ، ويعيدوا الثقة والاعتزاز إلى نفوسهم ! وتناولوا شبهات الأعـداء واحدة واحدة ، تناولوهـا بكـل ثقة وشجاعة ، وبدّدوها تبديداً بأدلة علمية مقنعة ، ونادوا المسلمين أن يرجعوا إلى دينهم ، نادوهم أن يرجعوا إلى دينهم رجعة صادقة كاملة ، ولايكونوا كمثل أهل الكتاب ، الذين قال فيهم ربهم :   أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( سورة البقرة:85 )

فكتَبَ المودودي ( الجهاد في الإسلام )وكتب( الحجاب ) وكتب(  الخلافة والملوكية ) وكتب ( الربا ) وكتب ( مبادئ الإسلام ) وكتب ( الحضارة الإسلامية - أصولها ومبادئها ) وكتب كتابات كثيرة متنوعة حول الجاهلية الغربية ، والشيوعية والاشتراكية . وألف تفسيره العظيم :( تفهيم القرآن ) وتناول فيه قضايا المسلمين ، وقضايا الشرق والغرب ، وتناول فيه الشبهات التي تثار حول دين الإسلام ، تناولها بالرد والتفنيد بأدلة قوية ، وحجج دامغة .

وكتب سيد قطب ( العدالة الاجتماعية في الإسلام ) و ( الإسلام ومشكلات الحضارة ) و ( خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ) و ( معالم في الطريق ) وألف تفسيره العظيم ( في ظلال القرآن ) حتى يُدحض الجاهلية وأنظمتها إلى الحضيض ، ويجلّي الإسلام ومبادئه وخصائصه ، وقِيمَه في صورة نقية ناصعة رائعة ، حتى ترفرف أعلامه في السماء .

وكتب محمد قطب ( شبهات حول الإسلام ) و ( جاهلية القرن العشرين ) و( هل نحن مسلمون ؟ ) و ( واقعنا المعاصر ) و ( التطور والثبات ) و ( دراسات قرآنية ) وكتبا أخرى كثيرة ذات أهمية بالغة .

وهكذا أنشأ هؤلاء العباقرة الثلاث مكتبة إسلامية حافلة كبيرة ضخمة ! مكتبة فيها إيمان وإشراق ! مكتبة فيها حيوية وحياة ! مكتبة فيها شموخ وسمو! مكتبة فيها عزة واستعلاء ! مكتبة فيها دعوة حارّة للأمة الغافلة عن دينها ، وعن مسئوليتها ، وعن مكانتها ، أن تفيق من غفلتها ، وتدرك مسئوليتها ، وتعود إلى مكانتها !

وكتبوا كل ما كتبوا بلغة الإنذار والتنبيه ، وبلغة التحريض والتنشيط ، حتى يوقظوا النائمين ، وينبهوا الغافلين ، ويحركوا القاعدين القانطين للجهد والعمل ، ويحفزوهم إلى السعي والرقي والتقدم !

لغة الإنذار في كلام رسول الله :

ومن كان يحب أن يفهم لغة الإنذار والتنبيه ، ولغة التحريض والتنشيط ، فلينظر فيما يلي من أحاديث رسولنا عليه الصلاة والسلام :   روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : والله لا يؤمن ! والله لا يؤمن ! والله لا يؤمن ! قالوا وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: الجار لا يأمن جاره بوائقه . قالوا يا رسول الله وما بوائقه ؟ قال شره . تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير إسماعيل بن عمر فمن رجال مسلم . ( مسند أحمد: رقم الحديث:7865 ) ماذا يقول القائلون في هذا الحديث ؟ فقد نفى نبينا عليه الصلاة والسلام الإيمان عمن لايأمن جاره بوائقه ! ومانفى مرة واحدة وكفى ، بل نفى ثلاث مرات متواليات ! والنفي مصحوب باليمين ! تأكيد بعد تأكيد . 

وروى البخاري عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فوالذي نفسي بيده ! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده .  (صحيح البخاري :باب حب الرسول من الإيمان - رقم الحديث :14 ) جعل نبينا عليه الصلاة والسلام من شروط الإيمان أن يكون حبه فوق حب الوالد والولد ، وحبه - كما هو معلوم - يعتبر بطاعته في جميع ما أمر به ، ونهى عنه ، ويعتبر بطاعته في حالات تُسخط الوالد ، وتُسخط الولد ! حتى يُعلم أي الحبّين أقوى وآثر عند الرجل .

وإذا قسنا إيماننا وإيمان المسلمين المنتشرين في أنحاء العالم بهذين الحديثين ،فكم يقومون أمام هذا المقياس ؟ علماً بأن هذا المقياس مصحوب باليمين ، واليمين مع تأكيد شديد ، فهو لايحتمل أي تأويل يصرفه عن ظاهر معناه . 

ويشبه هذا الحديث مارواه البخاري عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب . فقال له عمر : يا رسول الله ! لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ! فقال له عمر: فإنه الآن ، والله لأنت أحب إليّ من نفسي .  فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر ! ( صحيح البخاري - رقم الحديث : 6632 ) فعمر، مع كل مافَعلَ في الإسلام من طاعات وعبادات ، ومن بطولات وتضحيات ، لم يُعتبر إيمانه إلا بعد ما كان رسول الله أحب إليه من نفسه ! ومما لايخفى أن تلك الأحاديث ماجاءت بلغة الفتاوى والأقضية ، وإنما جاءت بلغة الإنذار والتنبيه ، و جاءت بلغة التحريض والتنشيط ، التي تهزّ المرء هزاً ، وتنفخ فيه روح الحياة ،  وتدفعه دفعاً إلى مجالات العمل والتطبيق ، ومجالات الكفاح والجهاد .

ماذايؤخذ على سيد ؟

فإن كتب الأستاذ الإمام سيد قطب : " إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة ، فالأمة المسلمة ليست أرضا كان يعيش فيها الإسلام ، وليست قوما كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي . . إنما " الأمة المسلمة " جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم ، وأوضاعهم وأنظمتهم ، وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي . . هذه الأمة - بهذه المواصفات - قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا . . ولذلك فالمسـألة فـي حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان ، مسألة شرك وتوحيد ، مسألة جاهلية وإسلام ، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحا . . إن الناس ليسوا مسلمين - كما يدعون - وهم يحيون حياة الجاهلية . . ليس هذا إسلاما ، وليس هؤلاء مسلمين ، والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهليين إلى الإسلام ، ولتجعل منهم مسلمين من جديد ."        ( معالم في الطريق )

فماذا يؤخذ عليه - رحمه الله - في هذه العبارة ، أوفيما يشبهها من العبارات ؟ وهل يمكن أن يكون الناس مسلمين ، وهم يحيون حياة الجاهلية ؟ إذا لم يكن مؤمنا من لايأمن جاره بوائقه ، بتصريح رسول الله ، فكيف يكون مؤمنا من يحيى حياة الجاهلية ، وينصرف عن شريعة الله ؟ إذا لم يكن مؤمنا من لايحب رسول الله أكثر مما يحب الوالد والولد ، فكيف يكون مؤمنا من يرغب عن رسول الله وملته ، ويميل إلى ملة الكفر ، وجاهلية الغرب ، ويميل إلى موالاة أعداء الله ، ويميل إلى الأنظمة المستوردة من بلاد أعداء الله ، المخالفة لشرع الله ؟

ثم هل يمكن بقاء الأمة المسلمة بصفاتها وخصائصها بعد انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا ؟ وماذا بقي عند الأمة المسلمة إذا ابتُليت بالحكم بما يخالف شرع الله ؟ فالحكم بشرع الله هو الذي يحمي الأمة الإسلامية من الضلالات والانحرافات ، ومن البدع والخرافات ، وإذا لم تكن لشرع الله سيادة على المجتمع المسلم، فليس هناك شيء يمنع ذلك المجتمع من التصدع ، والتفكك والانشقاق ، والضياع . ليس هناك شيء يمنعه من البعد عن دين الله ، ومن التخبط في الجاهلية الجهلاء .

ويؤيد كلام سيد قطب مارواه البيهقي عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه ، مساجدهم عامرة ، وهي خراب من الهدى ، علماؤهم شر من تحت أديم السماء ! من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود "      ( البيهقي - شعب الإيمان - رقم الحديث:1763 )

تلك حقائق لابد أن نضعها في حسابنا ، فهي في غاية الأهمية ، وفي منتهى الخطورة .

تصريح من سيّد حول فكرته :

وهناك ظاهرة أخرى لاتجوز الغفلة عنها ، وهي أن الإمام سيد قطب حينما كتب ما كتب ، لم يكن مفتيا يفتي بكون الناس مسلمين، أو كفارا ! ولم يكن قاضيا يوقّع على القضاء في عواقب الناس ! وإنما كان داعية يحترق قلبه ، وتذوب نفسه حزنا وكمداً على غفلتهم عن واجباتهم ومسئولياتهم ، وغفلتهم عن دينهم وكتاب ربهم ، وغفلتهم عن سرّ قوتهم وكرامتهم ، وغفلتهم عن سعادة دنياهم وأخراهم !

يقول د/ علي محمد جريشة عن كتـابات سـيّد : "  كنت أعيش مع الرجل فيما يكتب ، فلم يكن يكتب بيده ، لكنه كان يكتب بقلبه ، بدمه ، بكيانه كله . . كان يعتصر ليقدم للناس مايحرك مواتهم ، ويحترق ليقدم للناس ماينير معالم طريقهم . . وكنت ممن غذي بما اعتصر ، واستنار بما من أجله كان يحترق . . " ( من تقديم لكتاب : منهج سيد قطب في الدعوة . تأليف : جمال الدين شبيب – ص :5-6 )

وقد بين سيّد نفسه حقيقة أفكاره ، وأنه لم يكفّر أحدا من المسلمين ، قال : إننا لم نكفّر الناس ! وهذا نقل مشوّه ! [13] إنما نحن نقول : إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة ، وعدم تصور مدلولها الصحيح ، والبعد عن الحياة الإسلامية ، إلى حال تشبه حال المجتمعات في الجاهلية . .

وإنه من أجل هذا لاتكون نقطة البدء في الحركة هي قضية إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة ، والتربية الأخلاقية الإسلامية . فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية ، أكثر مما تتعلق بالحكم على الناس . " ( لماذا أعدموني؟ 36-37 )

مهمّتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ! 

ويقول أخوه العلامة محمد قطب : " لقد سمعته أكثر من مرة يقول : إن مهمتنا تعريف الناس بحقيقة ( لاإله إلا الله ) ؛ لأن الناس لايعرفون مقتضاها الحقيقي ، وهو التحاكم إلى شريعة الله . كما سمعته أكثر من مرة يقول : إن الحكم على الناس يستوجب وجود قرينة قاطعة لاتقبل الشك ، وهذا أمر ليس في أيدينا ، و لذلك نحن لانتعرض لقضية الحكم على الناس ، فضلا عن كوننا دعوة ، ولسنا دولة . دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس ، لا إصدار الأحكام عليهم . " ( سيد قطب - صاحب الظلال ، لتوفيق الواعي : ص80  )

ويقول الأستاذ الدكتور توفيق يوسف الواعي : " لم يصدر سيد قطب أحكاما شرعية على الناس ، ولم يقل بتكفير الناس ، ولذلك نجده يؤكد ذلك بقوله : ( إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ، ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة " لاإله إلا الله " ؛ لأن الناس لايعرفون مقتضاها الحقيقي ، وهو التحاكم إلى شريعة الله . ) ( موسوعة شهداء الحركة الإسلامية في العصر الحديث : 1/86 ) . . .

 وأما المرشد الراحل الأستاذ محمد حامد أبوالنصر - رحمه الله - فيقول في معرض جوابه عن سؤال وجهته إليه صحيفة  " السياسي المصري " : ما هو رأيكم في قول الشهيد سيد قطب : إن المجتمع الإسلامي مجتمع جاهلي بعيد عن الإسلام ، وإننا لانعيش في دار الإسلام ، ولكننا نعيش في دار الكفر ؟ فأجاب فضيلته - رحمه الله – بالقول :" كتابات الشهيد سيد قطب رحمه الله أسيء فهمها بصورة تدعو للاستغراب ، ولاأعتقد أنه رحمه الله قصد تلك المعاني التي أشرت إليها . " ( سيدقطب - صاحب الظلال ، ص : 85 )

عبارة حلوة من " المعالم " :

ويقول سيد رحمه الله في إحدى كتاباته في السجن ، وهو يعاني مايعاني من العذاب : " نحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجرا ، ولانريد علوا في الأرض ولافسادا ، ولانريد شيئا خاصا لأنفسنا إطلاقا . وحسابنا وأجرنا ليس على الناس . إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبّهم ، ونريد لهم الخير . . . مهما آذونا . . . لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام ، وهذه هي دوافعه . " ( سيد قطب - معالم في الطريق - نقلة بعيدة : 214 )

تلك العبارة الحلوة الرقيقة الودودة مأخوذة من كتابه : ( معالم في الطريق ) الذي أشيع عنه زوراً أنه كتب في حالة من التوتر النفسي في السجن ، بسبب تلك المحن التي قد ابتُلي بها سيد ، ولذلك تغلبه فكرة تكفير المسلمين !

لاشك أن سيد قطب كان في محنة وعذاب ، ولقد أوذي في سبيل الله إيذاء لايتحمله إلا أمثاله ، عذّب تعذيبا لم تكن تطيقه الفيلة ! حسبما ذكره الشيخ العلامة علي الطنطاوي في مقاله . ولكن الرجل كان موهوبا ، وكان مؤيّدا من الله ، وكان موفّقا في كل ما كتب ، حيث كتب كل ما كتب ، بعيدا عن حالات الغيظ والغضب وحب الثأر من الأعداء .

مقتطفات من " أفراح الروح " :

ويقول رحمه الله في كتابه " أفراح الروح " :

" كم نمنح أنفسنا من الطمأنينة والراحة والسعادة ، حين نمنح الآخرين عطفنا وحبنا وثقتنا ، يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف والخير ! " إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم، وتثقيفهم ، ورفعهم إلى مستوانا بقدر مانستطيع !"

بالتجربة عرفت أنه لاشيء في هذه الحياة يعدل ذلك الفرح الروحي الشفيف ، الذي نجده عندما نستطيع أن ندخل العزاء أو الرضا ، أوالثقة أو الأمل أو الفرح إلى نفوس الآخرين ! "

تلك العواطف النبيلة ، وتلك المشاعر الرقيقة أرسلها الأستاذ سيّد إلى أخته الحبيبة حميدة قطب . عبارات تفيض بالحب والمودة والشفقة والحنان ! شفقة وحنان ليس لأهل بيته ، بل للبشرية جمعاء !

والجدير بالذكر أنـه لم يسجل تلك العواطف وتلك المشاعر ، وهو في راحة ورخاء ، بل سجلها وهو في جحيم الفرعون جمال عبد الناصر ! في محنة ومعاناة لايتصورها إلا من ابتلي بها ! وماسجلها حتى تنشر للناس ، بل سجلها في رسالة خاصة إلى أخته ! تلك والله أخلاق النبوة ! قلب واسع ، وصدر رحب لايلقّاه إلا ذوحظ عظيم ! مثل هذا الرجل يتهمونه بأنه يكفّر المسلمين ! كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا !

أحلى وأقوم تفسير للقرآن ! 

وتفسيره الذي أنشأه تحت سياط العذاب ! وفي عجاجة من الفتن والمحن ! أنشأه بكل هدوء وأناة ، ويتعجب القارئ كيف استطاع سيد أن يكتب مثل هذا التفسير النيّر المشرق المتّزن ، وكيف استطاع أن يصوغ تلك العبارات الحلوة ، الرقيقة ، الرائعة، وهو في سجن العذاب ! فهو يعتبر بحق أحلى ، وأقوم ، وأفضل تفسير للقرآن الكريم !

يقول الشيخ علي الطنطاوي : " إن الله قد ادخر لسيد قطب تفسيره للقرآن في الظلال ، فلم يسبقه إلى هذا التفسير منذ أنزل القرآن أحد .

ويقول : إنه الرجل الذي كتب عشرين مؤلفا ، منها ثلاثون مجلدا سماها " في ظلال القرآن "، حياء من الله أن يسميها تفسيرا للقرآن ، الرجل الذي ترك عمله مستشارا لوزارة التربية ، ليكتب للمسلمين ، ويعيش على الكفاف ، ثم طاف القارات مبشرا بالإسلام . "

ويقول الأستاذ عبد البديع صقر : " كان سيد قطب تبرا في تُرب ، لايعرف قدره إلا من ارتقى مرتقاه ، فهو مدرسة وحده ، ويكفيه شرفا أن نبّه الأمة إلى الكنز الذي لايفنى . . . القرآن الكريم . " ( سيد قطب - صاحب الظلال – إعداد : أ.د. توفيق الواعي، وأ. إبراهيم منير- ص:153 )

والرجل كان داعية يدعو الناس إلى الإسلام ، وكان يحبّهم ويريد لهم الخير، وحبّه ما كان يعرف العدوّ والصديق، ولايفرّق بين من يكرمه أويؤذيه ، بل كان في عموم نصحه وحنانه مثل الغيث الهاطل ، أو القمر الساطع ، أو نسيم الصبح ! فأخذ مـن أخذ منـه نصيبه ، ومن قلب دلوه ، أوسدّ أذنه فلاذنب على سيّد ! وإذا كانت الفراعنة قد عميت أبصارهم وبصائرهم ، ولم يستطيعوا أن يعرفوا تلك النفوس العالية الشامخة ، وفعلوا بهم مافعلوا، فليس فيه مايدعو إلى العجب. ولكن كيف العزاء ؟ وكيف السلوى ؟ إذا كان الرجل محاربا من أهله وإخوانه ! وإخوانُه الذين كانوا أولى الناس به ، هم الذين يشنون عليه الغارات ، ويواصلون عليه الهجمات ! وكأني الآن بالأستاذ سيّد يقول : فوالله ما قصّرت فيما أظنه . . . يفيــــــــــــــــــدك ، لكني مُحبّ مكفّر !

إسراف في النظرإلى الأمّة !

كتب صاحبنا الفاضل:  لوقال الأستاذ سيد قطب : " لايوجد مسلمون كاملون في إسلامهم فهما وسلوكا إلا القليل ، لكان كلامه مقبولا ، أما أن يقول : لايوجد مسلمون قط، وإنما يوجد أقوام من سلالات المسلمين ، وأن الوجود الإسلامي [14] قد انتهى ، أو توقف من زمن طويل ، فهذا إسراف في النظر إلى الأمة ، التي لم تكفر بربها ، و لابقرآنها ، ولابرسولها ، ولاتزال تتجمع بالملايين في شهر رمضان لصلاة التراويح ، وفي مواسم الحج والعمرة . فمن يقول إن هؤلاء جميعا كفار [15] ؟ ! . . .

وما رأيك في ناس شووا آلافا من الحرائر والأحرار في شوارع مصر وسوريا ، وليس لهم ذنب إلا أن يقولوا ربنا الله ؟! ومارأيك فيمن هدم الحكم الإسلامي الراشد ، وجاء مكانه بنظام ظالم غاشم ، يعادي الإسلام وأهله ، ويعذب من رفع صوته ضده ، يعذبه أسوء العذاب ، ويملأ بهم السجون والمعتقلات ، ولايرحم الشيخ الفاني ، ولا الطفل الصغير البريء ؟   وما رأيك فيمن يدعمون اليهود والنصارى ضد المؤمنين بكل مايملكون من قوة وعتاد ، و يساعدونهم من غير حياء ! فيما يريدونه من إطفاء نور الله  وإضعاف دين الله ؟ ! [16] . . .

ليس من النصف أن ننسب إلى الرجل ما لم يجر على لسانه ، ولم يدر في خلده . إن سيّد لايستخدم لمسلمي اليوم لفظ الكفر والتكفير أبدا ، وإنما يقول دائما : " ليس هذا إسلاما ، وهم ليسوا مسلمين . " والفرق بين العبارتين واضح شاخص .

ولايبعد أن يكون سيد قطب قد اقتبس أسلوبه من أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال : ( والله لا يؤمن ! والله لا يؤمن ! والله لا يؤمن ! قالوا وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : الجار لا يأمن جاره بوائقه .)  وقال عليه السلام : (فوالذي نفسي بيده ! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده . ) فليس لقائل أن يقول هنا : ( والله لايؤمن ) أو( لايؤمن أحدكم ) معناه : يكون كافرا !  

وروى البخـاري عن أبـي هريرة ، رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يزنـي الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن . ( صحيح البخاري - رقم الحديث :2475 ) فهل يجوز في تفسير هذا الحديث ؟ أن يقال: ( يزني الزاني حين يزني وهوكافر ! ) ( يشرب الشارب الخمر حين يشرب ، وهو كافر ! ) ( يسرق السارق حين يسرق وهو كافر ! )   ( ينتهب الناهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو كافر ! ) فإذا فسرت مثل هذه العبارات في كلام سيد قطب بفكرة التكفير ، كان فيه حيف شديد على الرجل !

إنه ليس من التكفير في شيء ، إنما هو حثّ وتحريض على العودة إلى الإيمان ، وتعيير وتخجيل من موالاة الكفار ، والتشبه بهم ، والميل إلى عاداتهم وتقاليدهم ! أيّ مجتمع بريء من النفاق ؟ 

وروى البخاري عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان . ( صحيح البخاري - باب علامات المنافق - رقم الحديث :33 )  وروى أبوداود عن أبي هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : « من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق ». (سنن أبي داود- رقم الحديث: 2504)   

إذا عرضنا مجتمعاتنا على مثل هذين الحديثين ، فأي مجتمع نجده بريئا خالصا من آيات النفاق ، حتى نسميه المجتمع المسلم ؟ ونبينا عليه السلام حين ذكر لنا آيات النفاق ، هل ذكرها إلا لنعرض أنفسنا أمام هذه المرآة ، ونعرف مكاننا من الإسلام ؟

 إمارة السفهاء !

وروى ابن حبان عن جابر بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا كعب بن عجرة ، أعيذك بالله من إمارة السفهاء ، إنها ستكون أمراء ، من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ، ولست منه ، ولن يرد عليّ الحوض ، ومـن لـم يدخل عليهم ، ولـم يعنهم على ظلمهم ، ولم يصدقهم بكذبهم ، فهو مني ، وأنا منه ، وسيرد عليّ الحوض .     ( صحيح ابن حبان - رقم الحديث : 1723 ) ما المراد بإمارة السفهاء ، التي أنذرها النبي عليه السلام كعب بن عجرة ، وأعاذه بالله منها ؟ ومن هم الأمراء الذين حذّر النبي عليه السلام أمته ألايعينوهم على ظلمهم ، ولايصدّقوهم بكذبهم ؟ . . .

فليست مهمة الداعية في هذه الأيام أن يعلّم المسلمين فقط طريقة الوضوء والغسل، وطريقة الصوم والصلاة ، ويحفظّهم الأوراد و الأذكار، ويعلّمهم مسائل الطلاق والنكاح ، بل مهمته أن يطهر عقائدهم وأفكارهم ، ويربّي عقولهم وأذهانهم ، ويصلح سلوكهم وأعمالهم ، ويغير حياتهم كلها .

فالجاهلية الحاضرة أفسدت كل شيء ، أفسدت عقائد المسلمين وأفكارهم ، وأفسدت أعمالهم وسلوكهم ، وأفسدت عاداتهم وعباداتهم ، وأفسدت قيمهم وموازينهم ، حتى صار الإسلام غريبا فيهم ، فلابد من تغيير جذري في حياتهم ، ولابد من دعوتهم إلى الإسلام من جديد .  

وإذا كانت هذه الأمة أمة مسلمة ، وليست أقواما من سلالات المسلمين ، فلماذا هذه الصرخة التي صرخها الشاعرالمسلم ؟

   وآلمنــي وآلـم كـل حــــــرّ  ** سـؤال الدهـر أيـن المسـلمـونا ؟ !  ] [17] .

 

أريد هنا – فقط – أن أضيف كلمة أخيرة وهي :

إن خصوم الإسلام – في هذا العصر – يعرفون جيّداً من أين تُؤكل الكتف ! ولهذا ركّزوا حملة التشويه وإثارة غبار الشبهات حول الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، فإذا استطاعوا إسقاط كتابات الشهيد سيّد قطب والتقليل من شأنها ، فقد حازوا – حينئذ – وكسبوا أكثر من نصف المعركة ضد الإسلام ! ! 

 

  

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  أنظر إلى سوء أدب القاضي ! بدل أن يقول : إرفع صوتك قليلا ، يقول : زعق ! وكل إناءٍ بما فيه ينضح !

[2]  لا يقول هذا كذب ، ورعاً !

[3]  الموتى يتكلمون – سامي جوهر .

 537   آية : 87 – 88 .

[5]  آية : 1 .

[6]  آية : 158 .

[7]  آية : 28 .

[8]  الصف : 8 – 9 .

[9]  البقرة : 38 .

[10]  طه : 123 .

[11]  البقرة : 213 .

[12]  معالم في الطريق . ص 56 – 58 . دار الشروق .

[13]   الشهيد سيّد قطب رحمه الله ليس مسؤولاً عن سوء فهم بعض المسلمين وخطئهم في الإدراك ، كما أن الكتاب والسنة ليسا هما المسؤولين عن سوء فهم الخوارج وإدراكهم في تكفير المسلمين اعتماداً عليهما !  

[14]  وهل – في نظركم – توجد مجتمعات إسلامية ووجود إسلامي – وليس أناس مسلمين – على الأرض، فهلا دللتم على هذه المجتمعات التي تسير وفق شرع الله وأوامره ونهيه سبحانه ليعرفهم الناس ؟ ! !

[15] وهل الشهيد قال هم كفّار ؟ وأين قال ذلك ؟ أليس هذا خلط وسقم في الفهم والحكم ؟ ألم يقل النبيّ صلى الله عليه وسلم : المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده ؟ فهل معنى ذلك أن الذي لا يسلم الناس من لسانه ويده كافر ؟ ! وألم يقل صلى الله عليه وسلم : والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن . . . الـذي لا يأمن جاره بوائقه ؟ هل يعني ذلك أن الذي يتصف بتلك الصفة كافر ؟ ! ما هذا الفهم السقيم والحكم الجائر ؟ !

[16]  هؤلاء جميعهم يعيشون في مجتمعات إسلامية تحكم بما أنزل الله تعالى ويحكمون بالكتاب والسنة فكيف لسيّد قطب أن لا يعترف بإسلامية هذه المجتمعات وكيف ينكرها ؟ !

[17]  الداعية الحنون سيد قطب وتهمة التكفير! د.عناية الله أسد سبحاني : الإسلاميون .