الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

4. هل ندعو الناس إلى الإسلام أم إلى عاداتنا الاجتماعية؟

 

أوهام في طريق الدعوة: حين تختلط حقائق الإسلام بعادات المجتمع

حين نقدّم للناس عاداتنا على أنها من صميم الدين، ونشغلهم بالمظاهر قبل أن نعرّفهم بحقائق الإسلام ومقاصده، فهل نكون قد أحسنّا الدعوة، أم حجبنا عنهم بعض جمال الرسالة التي نريد لهم أن يعرفوها؟


🔹 أولًا: أندعو الناس إلى الإسلام أم إلى صورتنا عن الإسلام؟

من أشد ما يؤلم الغيور على دينه أن يرى إنسانًا يبحث بصدق عن الحقيقة، ويتطلع إلى دين يجيب عن أسئلته الكبرى، ويمنح حياته معنى، ويهدي عقله إلى الحق وقلبه إلى الطمأنينة؛ ثم يجد أمامه خطابًا يخلط بين الإسلام وعادات بيئة معينة، وبين أحكام الشريعة ومظاهر اجتماعية لا يلزم الداخل في الإسلام أن يتبناها.

إن الإسلام ليس دينًا بلا أصحاب، ولا رسالة بلا من يحمل أمانة بيانها، ولكن المشكلة تبدأ حين يقصّر بعض المنتسبين إليه في تقديمه كما هو: عقيدةً توحّد الله، وعبادةً تزكّي النفس، وشريعةً تقيم العدل، وأخلاقًا تحفظ الكرامة، ومنهجًا يصلح علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس.

إن الباحث عن الإسلام لا يحتاج إلى أن يتحول إلى نسخة اجتماعية من الداعية الذي يرشده، ولا إلى أن يتخلى عن كل ملامح ثقافته السابقة؛ وإنما يحتاج إلى أن يعرف الحق، ويفهم ما يلزمه من أحكامه، ويدخل في الدين عن اقتناع وبصيرة.

فالإسلام رسالة عالمية، وليس هويةً عرقية، ولا زيًّا محليًا، ولا تقاليد بيئة بعينها.

🔹 ثانيًا: الإسلام ليس زيًّا عربيًا!

من الأخطاء التي ينبغي أن يتنبه لها العاملون في الدعوة أن يُقدَّم اللباس العربي، أو نمط معين من المظهر الاجتماعي، وكأنه جزء لازم من حقيقة الإسلام، بحيث يشعر الداخل الجديد في الدين أنه مطالب بالتخلي عن لباس قومه، والتشبه ببيئة الداعية، حتى يُعترف بصدق إسلامه أو استقامته.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل ندعو الناس إلى الإسلام، أم ندعوهم إلى تقاليدنا الاجتماعية باسم الإسلام؟

إن الشريعة لها أحكامها وضوابطها في اللباس والستر والاحتشام، وهذه الأحكام ينبغي بيانها بوضوح وأمانة. لكن ذلك لا يعني أن كل لباس عربي واجب شرعًا، أو أن كل لباس غير عربي مرفوض، أو أن اتخاذ زيّ بعينه دليل على التقوى والاستقامة.

فقد يكون الإنسان مسلمًا صادق الإيمان، حسن الخلق، طاهر السلوك، وهو يرتدي لباس قومه المعتاد، ما دام ملتزمًا بالضوابط الشرعية ذات الصلة.

والأولى بالداعية أن يشرح للناس ما أوجبه الله عليهم، ويميز ذلك مما جرى به العرف، وألا يجعل الأعراف المحلية حواجز إضافية أمام من يريد الدخول في الإسلام.

ليس المطلوب أن يصبح المسلم الجديد عربيّ المظهر، بل أن يكون مسلمًا صحيح الاعتقاد، مستقيم السلوك، حسن الخلق.

🔹 ثالثًا: الحجاب الشرعي شيء، والتشدد في مسائل الخلاف شيء آخر

ومن الأمثلة التي تكشف خطورة الخلط بين الأحكام الشرعية والاجتهادات الفقهية مسألة لباس المرأة، ولا سيما تغطية الوجه.

فالحجاب الشرعي له أحكامه وضوابطه التي يجب بيانها، لكن الفقهاء اختلفوا في حكم تغطية وجه المرأة، وتفاصيل المسألة وشروطها، ولا يصح أن يُعرض أحد الأقوال الاجتهادية على أنه محل إجماع، أو أن يُجعل تبنّيه شرطًا لصحة إسلام المرأة.

كما لا يجوز أن تتحول النصيحة الشرعية إلى إهانة أو سبّ أو تحقير؛ فالدعوة إلى الله تقوم على العلم والحكمة وحسن الخطاب، لا على كسر كرامة الناس وتنفيرهم.

إن من يختلف مع غيره في مسألة فقهية ينبغي أن يبيّن حجته، ويعرض قوله بأدب، ويعرف مواضع الاتفاق والخلاف، ولا يحوّل المسألة الاجتهادية إلى ساحة لتوزيع التهم والألقاب.

فالغيرة على الدين لا تبرر الجهل بأحكامه، والتمسك بالحكم الشرعي لا يبيح إساءة الخطاب إلى الناس.

🔹 رابعًا: المسلم الجديد لا يحتاج إلى تغيير هويته الاجتماعية كي يثبت إيمانه

تأملوا حال رجل نشأ في بيئة غربية، ثم قادته رحلة البحث والتأمل إلى الإيمان بالله وحده، فاختار الإسلام بعد أن وازن بين التصورات الدينية التي عرفها، واقتنع بما وجده فيه من وضوح التوحيد، وعدل المسؤولية الفردية، واتساق العلاقة بين الإنسان وربه.

ماذا نطلب منه بعد ذلك؟

أن نساعده على فهم عقيدته الجديدة، وأن نعلّمه عباداته وأحكامه، وأن نفتح له أبواب العلم والصحبة الصالحة، وأن نعينه على الثبات والاستقامة.

أما أن نجعل نجاحه في الإسلام مرهونًا بارتداء زيّ ثقافي لا يلزمه شرعًا، أو بتقليد هيئة اجتماعية مخصوصة، فذلك خلط بين الدين والعرف، لا مصلحة للدعوة فيه.

ولا يعني هذا أن المسلم الجديد لا يتعلم أحكام اللباس أو غيره من الأحكام الشرعية، بل يعني أن يُعلَّم ما يجب عليه بدليله، وأن يُفرَّق بين الواجب والمستحب والمباح والعرف، وألا يُحمَّل من التكاليف ما ليس من الدين.

كذلك، لا ينبغي أن يُختزل نجاحه في أن يصبح إمام مسجد أو بائع كتب دينية؛ فقد يكون طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو موظفًا أو صاحب مهنة نافعة، ويكون في عمله وأمانته وحسن معاملته نموذجًا مشرفًا للمسلم.

فالمجتمع لا يحتاج إلى أصحاب المظاهر وحدها، بل يحتاج إلى أصحاب الكفاءة والضمير والإخلاص.

وقد جعل القرآن الكريم التفاضل الحقيقي قائمًا على التقوى والعمل الصالح، فقال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

فليس مظهر الإنسان وحده هو الذي يعرّف الناس بحقيقة الدين، بل صدقه وأمانته وعدله وإتقانه وإحسانه.

🔹 خامسًا: لا تجعلوا المرأة شاهدًا على الصورة المشوهة للإسلام

ومن الأخطاء التي تسيء إلى الدعوة أن يُقدَّم الإسلام وكأنه ينتقص من المرأة، أو ينظر إليها باعتبارها إنسانًا أقل كرامة من الرجل، أو أن تُحمَّل أحكام الدين ما صنعته بعض الأعراف من ظلم وإقصاء.

إن القرآن الكريم يخاطب الرجال والنساء باعتبارهم عبادًا لله، ويقرر وحدة أصلهم الإنساني، ويجعل الكرامة والتكليف والمسؤولية أمام الله أمورًا لا تُختزل في الجنس أو النسب أو اللون.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1].

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وفي القرآن نماذج لنساء بلغن منزلة رفيعة في الإيمان، كما في امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وفي المقابل عرض القرآن نموذج امرأة نوح وامرأة لوط للتحذير من أن القرابة لا تنفع صاحبها من دون إيمان.

وهذه المعاني تكشف أن قيمة الإنسان لا تُحدَّد بمجرد جنسه أو موقعه الاجتماعي، وإنما ترتبط بإيمانه وعمله ومسؤوليته أمام الله.

ومن ثم، فإن على الداعية أن يشرح أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة شرحًا علميًا متوازنًا، وأن يميّز بين النصوص الشرعية، والاجتهادات الفقهية، والأعراف الاجتماعية التي قد تصيب وقد تخطئ.

ولا يكفي أن نردّد أن الإسلام كرّم المرأة؛ بل ينبغي أن يظهر أثر هذا التكريم في خطابنا، وفي تعاملنا، وفي رفضنا للظلم والإهانة والتمييز الجائر.

إن الدفاع عن مكانة المرأة في الإسلام لا يكون بتجميل كل ممارسة تُنسب إلى المسلمين، بل بتمييز ما يقرره الدين مما قد تفرضه العادات أو ينتجه سوء الفهم.

🔹 سادسًا: أحكام الميراث لا تُشرح بالشعارات والتعميمات

ومن المسائل التي يكثر حولها الجدل مسألة ميراث المرأة، إذ يُختزل الحكم أحيانًا في عبارة مفادها أن المرأة ترث نصف الرجل لأنها لا تنفق، بينما ينفق الرجل عليها.

والأدق أن يقال: إن الشريعة رتبت أنصبة الميراث وفق أحكام وتفصيلات متعددة، وقرنت ذلك بمنظومة من الحقوق والواجبات المالية، ومنها النفقة والمهر في مواضعهما.

ولا يصح أن نعمم القول بأن كل امرأة ترث نصف كل رجل؛ فالأنصبة تختلف باختلاف صلة القرابة، ووجود الورثة الآخرين، وأحوال المسألة، وقد ترث المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث ولا يرث نظيرها من الرجال في بعض الصور.

كما أن تفسير كل حالة من حالات الميراث بعلة واحدة، من دون مراعاة تفاصيلها، لا يفي بحقيقة النظام التشريعي.

والواجب في مثل هذه القضايا أن نعرض الأحكام بأمانة، ونشرح ما نعلمه من حكمها ومقاصدها، ونتجنب التعميم الذي قد يضعف الحجة بدل أن يقويها.

أما مسائل الاجتهاد في تنظيم الحقوق والواجبات، فينبغي بحثها بعلم، لا بتحويلها إلى شعارات متقابلة، أو اتهام المخالفين بسوء القصد.

🔹 سابعًا: لا تخلطوا بين أحكام الدين وموروثات الجاهلية

ومن المؤسف أن تبقى في بعض البيئات آثار من احتقار المرأة، أو تفضيل الذكور لمجرد كونهم ذكورًا، مع أن القرآن الكريم ذمّ موقف الجاهلية من ولادة الأنثى، فقال تعالى:

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: 58-59].

فكيف يُنسب إلى الإسلام ما جاء القرآن أصلًا بإنكاره؟

إن وجود ممارسات ظالمة في بعض المجتمعات المسلمة لا يجعلها أحكامًا شرعية، كما أن وجود نصوص شرعية لا يعني أن كل ما يمارسه الناس باسمها يمثل فهمًا صحيحًا لها.

وهنا تظهر مسؤولية العلماء والدعاة: أن يواجهوا الأعراف المخالفة للعدل، وأن يبيّنوا للناس الفرق بين الوحي والاجتهاد، وبين الحكم الشرعي والتقاليد الاجتماعية.

فليس كل موروث مقدسًا، وليس كل شائع صحيحًا، وليس كل ما اعتاده الناس دليلًا على مشروعيته.

🔹 ثامنًا: لا تعطلوا مصالح الناس بسبب خلاف فقهي

ومن صور الجمود أن يتحول الخلاف الفقهي إلى باب لتعطيل المصالح، أو أن يُقدَّم رأي واحد على أنه الإسلام كله، مع وجود أقوال معتبرة لأهل العلم.

ومن الأمثلة على ذلك مسألة تولي المرأة القضاء، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف فقهي معروف، وتفصيلاتها محل بحث بين الفقهاء.

فقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع، وذهب آخرون إلى جواز تولي المرأة القضاء في نطاقات معينة، وتوسع بعضهم في ذلك. ولا يصح عرض المسألة على أنها محل اتفاق، أو اتهام كل مخالف في هذا الباب بأنه يعادي النساء أو يرفض أحكام الله.

لكن الدرس الأهم هنا أن الخلاف الفقهي ينبغي أن يُدار بمنهج العلم، لا بمنطق الإقصاء، وأن تُبحث أهلية المتولي للمنصب، وطبيعة الولاية، وشروطها، ومصالح الناس، والأدلة ذات الصلة.

فإذا كان في المسألة قول معتبر، فلا يجوز تجاهله لمجرد أن بعض الناس لم يألفوه، كما لا يجوز اتخاذ الرغبة في التيسير ذريعة إلى إلغاء الأدلة أو تجاوز مناهج الاستنباط.

ليس من خدمة الشريعة أن نضيّق ما وسّع فيه الاجتهاد المعتبر، ولا أن نوسّع ما ضيّقته النصوص؛ وإنما خدمتها في فهم أدلتها، ومعرفة مراتب أحكامها، ووضع كل مسألة في موضعها.

🔹 تاسعًا: الدعوة الناجحة تُظهر محاسن الإسلام ولا تحجبها

إن الدعوة إلى الإسلام ليست معركة لإثبات تفوق ثقافة على ثقافة، ولا منافسة بين لباس محلي ولباس وافد، ولا اختبارًا لمدى قدرة المسلم الجديد على تقليد البيئة التي دخل فيها.

إنها دعوة إلى معرفة الله وعبادته، وإلى العدل والرحمة، وإلى الصدق والأمانة، وإلى تحمل الإنسان مسؤولية عمله، وإلى بناء حياة مستقيمة تقوم على الحق والإحسان.

ولهذا، فإن الداعية الناجح هو من يميّز بين أصول الدين وفروعه، وبين الواجب والمستحب والمباح، وبين النص الشرعي والاجتهاد البشري، وبين الحكم الديني والعرف الاجتماعي.

وهو الذي يعرف متى يعلّم، ومتى يحاور، ومتى يوضح موضع الخلاف، ومتى يصحح الفهم الخاطئ، من غير أن يجعل كل مسألة فرعية معركةً تمتحن بها إيمان الناس.

كما أن الدعوة لا تكتمل بالكلام وحده؛ فالأمانة في المعاملة، والرحمة بالضعيف، وإتقان العمل، واحترام الناس، والعدل مع المخالف، كلها صور عملية تُظهر للناس أثر الإيمان في حياة صاحبه.

وقد يكون موقف صادق من داعية، أو عدل من مسلم، أو رحمة في موضعها، أبلغ في تعريف الناس بجمال الإسلام من خطب طويلة لا يصدقها السلوك.


✦ الخلاصة: قدّموا الإسلام كما هو، لا كما صنعته العادات

إن أخطر ما يواجه الخطاب الدعوي ليس مجرد اختلاف الناس في فهم بعض المسائل، وإنما أن تتحول اجتهادات البشر وأعراف المجتمعات إلى حواجز تُحجب بها مقاصد الدين، أو أن يُحمَّل الإسلام مسؤولية ممارسات لا يقرها، أو أن يُقدَّم للباحث عن الحقيقة في صورة ضيقة لا تمثل سعة شريعته وتنوع تراثه الفقهي.

فلنحرص على أن ندعو الناس إلى الإسلام بعلم وبصيرة، وأن نوضح أحكامه من غير غلو ولا تفريط، وأن نحفظ للفقهاء اجتهاداتهم، وللناس كرامتهم، وللدعوة حكمتها.

ولنتذكر دائمًا أن المسلم الجديد لا يحتاج إلى أن يتخلى عن كل ملامح حياته السابقة، ولا أن يتشبه بقوم بعينهم؛ بل يحتاج إلى أن يتعلم دينه، ويعبد ربه، ويحسن عمله، ويترجم إيمانه إلى سلوك نافع.

فلا تجعلوا العادات حجابًا بين الناس وحقيقة الإسلام، ولا تجعلوا الخلاف الفقهي سببًا للتنفير، ولا تختزلوا الدين في مظاهر لا تمثل جوهره.

ادعوا إلى الإسلام كما جاء به الوحي، واشرحوه بعلم ورحمة وحكمة؛ فمهمتنا أن نفتح للناس أبواب الهداية، لا أن نضيف إليها حواجز من صنع أيدينا.

🍆 الباذنجانيون الجدد! حين يصبح رضا الحاكم معيارًا للحق والباطل

 


🍆 الباذنجانيون الجدد!

حين يصبح رضا الحاكم معيارًا للحق والباطل

تُروى حكاية طريفة عن الأمير بشير الشهابي، حاكم لبنان، أنه قال لخادمه يومًا:

— أشتهي أكلة باذنجان!

فما كان من الخادم إلا أن انطلق في مدح الباذنجان، فقال:

— الباذنجان، بارك الله في الباذنجان! سيد المأكولات، لحم بلا شحم، وسمك بلا حسك! يؤكل مقليًّا ومشويًّا ومحشيًّا ومخللًا ومكدوسًا!

فقال له الأمير:

— لكنني أكلت منه قبل أيام، فتألمت معدتي بسببه!

فانقلب الخادم على الفور، وقال:

— الباذنجان؟! لعنة الله على الباذنجان! إنه ثقيل، غليظ، يسبب النفخة، أسود الوجه!

فتعجب الأمير من سرعة انقلابه، وقال:

— ويحك! أتمدح الشيء ثم تذمه في لحظة واحدة؟!

فأجابه الخادم بجواب يلخص حال المتملقين:

— يا مولاي، أنا خادم للأمير، ولست خادمًا للباذنجان! إذا قلتَ نعم قلتُ نعم، وإذا قلتَ لا قلتُ لا!

وهكذا انتهت الحكاية، وبقيت العبرة!

فالمتملق لا يسأل: ما الحقيقة؟ بل يسأل: ما الذي يرضي صاحب السلطة؟

وهنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الباذنجان إلى عالم السياسة والخطاب الديني!

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔴 أولًا: الباذنجان تغيّر في نظر الخادم… أم تغيّر موقف الأمير؟

لم يتغير الباذنجان في لحظة، ولم تتبدل خصائصه بمجرد أن اشتكى الأمير منه؛ الذي تغير هو موقف الخادم، لأنه لم يكن ينطلق من قناعة مستقلة، وإنما كان يراقب اتجاه سيده ليعرف ماذا يقول!

وهذا هو جوهر التملق: أن يصبح موقف الإنسان تابعًا لموقف صاحب النفوذ، لا نتيجة بحثه عن الحقيقة، ولا ثمرة اجتهاده، ولا التزامه بمبدأ ثابت.

فإذا رضي صاحب السلطة، وجد المتملقون في قراراته الحكمة المطلقة، وإذا غضب، اكتشفوا فجأة العيوب التي لم يكونوا يرونها بالأمس!

وإذا مدح سياسةً، تسابقوا في بيان محاسنها، وإذا غيّر موقفه منها، تسابقوا في ذمها، وكأن الحقيقة نفسها تتبدل بتبدل المزاج السياسي!

🔴 ثانيًا: حين يرتدي التملق لباس الدين!

المشكلة ليست في المتملق السياسي وحده، بل فيمن يجعل من الخطاب الديني وسيلة لتبرير كل موقف يصدر عن السلطة، ثم يقدم هذا التبرير للناس على أنه المنهج الشرعي الصحيح الذي لا يجوز مخالفته!

وهنا تبرز الحاجة إلى مناقشة بعض الممارسات التي اشتهرت في أوساط من يُنسبون إلى التيار المدخلي، خصوصًا حين تتحول الدعوة إلى السمع والطاعة من تقرير أصل شرعي منضبط إلى خطاب يُستخدم لتبرير مواقف الحكام، أو التشديد على مخالفيهم، أو إسكات كل نصيحة وانتقاد مشروع.

فبدلًا من أن يكون السؤال:

هل هذا الموقف موافق للشرع والعدل والمصلحة المعتبرة؟

يصبح السؤال:

هل هذا الموقف يوافق السلطة؟ وهل انتقاده يضع صاحبه في دائرة التحذير والتبديع والتصنيف؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية!

لسنا نتحدث عن كل من دعا إلى طاعة ولي الأمر، ولا عن كل عالم نصح بالصبر على جور الحكام، وإنما نتحدث عن تحويل هذا الأصل الشرعي إلى أداة انتقائية، تُستخدم بحسب الأشخاص والظروف، ويُضيَّق بها على المخالفين حتى عندما يكون خلافهم متعلقًا باجتهاد معتبر أو نصيحة مشروعة.

🔴 ثالثًا: طاعة ولي الأمر شرعٌ… وليست عبادةً للحاكم!

من أعظم الأخطاء الخلط بين طاعة ولي الأمر في المعروف وبين التسليم بأن كل ما يصدر عنه حق، أو أن كل قرار يتخذه صواب، أو أن انتقاد سياساته خطيئة شرعية في ذاته.

لقد أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].

لكن الآية نفسها تردّ النزاع إلى مرجعية أعلى من الأشخاص والمناصب، إذ يقول الله تعالى بعدها:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].

فلم يجعل الله الحاكم مرجعًا معصومًا تُرد إليه جميع الحقائق، بل جعل المرجعية النهائية لكتابه وسنة رسوله ﷺ.

وقال النبي ﷺ:

«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

متفق عليه.

وقال ﷺ:

«لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

متفق عليه.

فطاعة ولي الأمر ليست تفويضًا مطلقًا، ولا تعني أن تتحول الأخطاء إلى صواب، أو أن يصبح الظلم عدلًا، أو أن يُمنع العلماء وأهل الرأي من النصيحة والنقد المشروع.

الطاعة الشرعية لها ضوابطها، والنصيحة لها آدابها، والحق لا يتبدل بتبدل أصحاب المناصب.

كما أن النصيحة لا تعني الفوضى، والإنكار لا يعني استباحة الدماء أو الدعوة إلى الفتنة؛ بل لكل مقام أحكامه وضوابطه الشرعية.

🔴 رابعًا: لماذا يُشتدَّد على المخالف، ويُتساهل مع الموافق؟

من الأمور التي تستحق النقد أن يصبح الخلاف مع بعض الأشخاص أو الجماعات سببًا لتشديد الأحكام عليهم، بينما تُفسَّر مواقف أشخاص آخرين بأحسن المحامل، حتى عندما تتشابه الأخطاء أو تتقارب الوقائع.

فإذا انتقد مخالفٌ قرارًا سياسيًّا، اتُّهم بإثارة الفتنة أو منازعة الأمر أهله، وإذا انتقده شخص محسوب على الدائرة نفسها، قيل: إنها نصيحة، أو اجتهاد، أو تقدير للمصلحة!

وإذا أخطأ داعية لا يوافقهم، جرى تضخيم خطئه والتحذير منه، أما إذا صدر الخطأ نفسه عن شخص يوافقهم في توجهه، ظهرت الأعذار والتأويلات!

وهنا ينبغي أن نسأل:

أين الإنصاف الذي أمر الله به؟

وأين العدل الذي لا يجوز أن يمنعنا منه خلافنا مع الآخرين؟

قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالعدل لا يتجزأ، والميزان الشرعي لا يجوز أن يتغير بحسب قرب الأشخاص من جماعتنا أو بعدهم عنها.

إذا كان الخطأ خطأً، فلا ينبغي أن يصبح صوابًا لأن صاحبه يوافقنا، ولا أن يتضاعف لمجرد أن صاحبه يخالفنا.

🔴 خامسًا: هل اتباع السلف يعني تبرير كل موقف للسلطة؟

إن الانتساب إلى السلف لا يتحقق بمجرد ترديد الشعارات، ولا بكثرة التحذير من المخالفين، ولا بجعل طاعة الحكام عنوانًا يُختبر به صدق التدين في كل قضية.

إنما يتحقق باتباع الكتاب والسنة، وفهمهما على أصول العلم، والعدل مع الموافق والمخالف، والتمييز بين النص الشرعي والاجتهاد البشري، وبين الطاعة في المعروف وتبرير الأخطاء.

ولم يكن أئمة الإسلام معصومين، ولم تكن مكانة العالم أو الحاكم كافية لجعل كل قول يصدر عنه حقًّا لا يُناقش.

وقد قرر علماء الإسلام أن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك، وأن العصمة للأنبياء فيما بلّغوه عن الله، وأن الاجتهاد البشري يحتمل الصواب والخطأ.

فكيف يُطلب من الناس أن يتبعوا الدليل، ثم يُلامون إذا ناقشوا استدلالًا، أو سألوا عن وجه الحكم، أو ميّزوا بين النص الشرعي وتفسير بعض الأشخاص له؟

وكيف يصبح نقد موقف سياسي بعينه خروجًا عن المنهج، بينما يُقدَّم الدفاع عن الموقف نفسه، مهما كانت ملابساته، على أنه عين الالتزام بالسنة؟

إن المشكلة ليست في احترام العلماء أو الحكام، بل في منح البشر حصانةً لا يملكونها، وفي تحويل الاجتهادات السياسية إلى أحكام شرعية لا تقبل النقاش.

🔴 سادسًا: الباذنجانيون الجدد… أينما وُجد التملق!

الباذنجانيون ليسوا حكرًا على عصر دون عصر، ولا على جماعة دون أخرى.

قد تجدهم في السياسة، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الدينية، وفي كل بيئة يصبح فيها إرضاء صاحب النفوذ أهم من قول الحقيقة.

لكن أخطر أنواع التملق هو الذي يستعير لغة الشرع، ويستشهد بالنصوص، ويرفع شعار السلف، ثم يجعل هذه كلها وسائل لتسويغ موقف جاهز، بدلًا من أن يجعلها معايير يحاكم إليها المواقف جميعًا.

فالقرآن لا يتغير بحسب رغبات الحكام، والسنة لا تتبدل بتبدل التحالفات، والعدل لا يصبح مذمومًا لأن خصمنا دعا إليه، ولا يصبح الظلم مقبولًا لأن صاحبنا مارسه.

ومن كان بالأمس يمدح قرارًا، ثم ذمّه اليوم لمجرد أن السلطة غيّرت موقفها، فليس كافيًا أن نسأله عن سبب تغييره؛ بل من حقنا أن نسأله: هل كان موقفك الأول قائمًا على دليل، أم على رضا صاحب القرار؟

وبالمثل، من غيّر اجتهاده بعد ظهور دليل جديد أو تغير الظروف، فلا يصح اتهامه بالتملق لمجرد أنه غيّر رأيه؛ فالمعيار هو السبب الذي حمله على التغيير، لا مجرد التغيير نفسه.

وهذا هو الفرق بين العالم الذي يجتهد فيصيب أو يخطئ، والمتملق الذي يجعل رضا صاحب السلطة بوصلته الوحيدة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✍️ الخلاصة: لسنا خدمًا للباذنجان!

إن العبرة من هذه الحكاية ليست في ذم الباذنجان ولا في مدحه، وإنما في كشف عقلية الإنسان الذي يبيع قناعته مقابل رضا صاحب النفوذ.

وفي واقعنا المعاصر، لا ينبغي أن تتحول طاعة ولي الأمر إلى مبرر لتقديس قراراته، ولا أن يصبح الدفاع عن السلطة معيارًا وحيدًا لقياس استقامة العلماء والدعاة، ولا أن يُتهم كل ناقد بالخروج عن المنهج لمجرد أنه خالف رأيًا سائدًا.

نعم، نحفظ للحكام حقوقهم الشرعية، وندعو إلى الاستقرار، ونرفض الفوضى والاعتداء، ونلتزم بالنصيحة الشرعية وآدابها؛ لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتحول الدين إلى أداة للتملق، أو أن يُستخدم لتبرير الخطأ، أو أن يُمنح أي بشر حق احتكار الحقيقة.

فالحق لا يُعرف بالرجال وحدهم، ولا تُقاس صحة المواقف بمقدار رضا أصحاب السلطة عنها، وإنما يُعرف الحق بالدليل والعدل والإنصاف.

وما أحوجنا اليوم إلى علماء يقولون الحق بعلم وحكمة، لا إلى من يغيّرون مواقفهم بتغيّر الإشارات، ويمدحون حين يُطلب منهم المدح، ويذمون حين يُطلب منهم الذم!

فلا نريد علماء يجعلون الباذنجان حلوًا حين يرضى الأمير، ومرًّا حين يغضب؛ بل نريد علماء يزنون المواقف بميزان الشرع، ويقولون ما يعتقدون أنه الحق، سواء وافق أهواء الحكام أم خالفها.

فلسنا خدمًا للباذنجان… ولسنا خدمًا للأشخاص! إنما نحن عبيد لله، والحق أحق أن يُتَّبع.

والله من وراء القصد.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

السلفية المدخلية وإحياء الخصومات الفقهية التي فات أوانها…

 

السلفية المدخلية وإحياء الخصومات الفقهية التي فات أوانها…

حين يتحول شعار اتباع السلف إلى معولٍ لهدم وحدة الأمة!


🔹 أولًا: حين تتحول السلفية من منهجٍ للاتباع إلى معيارٍ لإقصاء المخالفين

من أبرز ما يستحق النقد في الخطاب المدخلي أن بعض ممارساته لا تقف عند الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة، أو ترجيح قولٍ فقهي على آخر، بل تتجاوز ذلك أحيانًا إلى جعل مسائل خلافية ومواقف جزئية معاييرَ للحكم على الأشخاص والجماعات، وتحديد من يُقبل ومن يُحذَّر منه، ومن يُعدّ موافقًا للمنهج ومن يُصنَّف في دائرة المخالفين.

وهنا ينبغي أن نطرح سؤالًا جوهريًا:

هل اتباع السلف يعني الالتزام بالدليل وفق قواعد العلم والاجتهاد، أم يعني أيضًا تبنّي أحكامٍ محددة في كل مسألة خلافية، ثم اتخاذها معيارًا لتصنيف المسلمين؟

إن الاعتراض ليس على الدعوة إلى السنة، ولا على نقد الأقوال المخالفة لما يراه الناقد حقًا، وإنما على تحويل الخلاف العلمي إلى امتحانٍ دائم للولاء المنهجي، بحيث لا يعود كافيًا أن يكون للإنسان دليلٌ واجتهاد، بل يصبح مطالبًا أيضًا بإثبات موافقته لمواقف تيارٍ بعينه في مسائل متعددة.

وعندما يحدث ذلك، يتراجع السؤال العلمي: «ما الدليل؟ وكيف فهمه العلماء؟» ليحل محله سؤال التصنيف: «إلى أي فريق ينتمي هذا الشخص؟ ومن يوافق؟ ومن يخالف؟».

وهذا انتقال خطير من مناقشة الأفكار إلى فرز الأشخاص، ومن نقد الأقوال إلى بناء الحواجز بين المسلمين.

ولا يصح تعميم هذا السلوك على كل من ينتسب إلى السلفية المدخلية، لكن من حقنا نقده حيث يظهر، ومطالبة أصحابه بإقامة الدليل على أحكامهم، والتمييز بين المخالفة العلمية التي تُناقش بالحجة، والانحراف الذي يحتاج إلى إثباتٍ وتحرير، لا إلى مجرد إطلاق الأوصاف.


🔹 ثانيًا: تضخيم الخلافات الفقهية وتحويلها إلى معارك هوية

من أوجه الخلل التي ينبغي التنبيه إليها أن بعض الخطابات المتشددة في الانتساب إلى السلفية تتعامل مع مسائل فقهية اجتهادية كما لو كانت حدودًا فاصلة بين الاتباع والابتداع، مع أن تاريخ الفقه الإسلامي حافلٌ بالاختلاف بين الأئمة، ولم يكن مجرد اختلافهم دليلًا على خروج أحدهم عن السنة.

خذ مثلًا الخلاف في القنوت في صلاة الفجر، وبعض هيئات الصلاة، وغيرها من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء بناءً على تفاوت فهم الأدلة وطرائق الاستنباط.

الأصل في هذه المسائل أن تُبحث علميًا، وأن يُبيَّن الراجح فيها وفق الدليل، مع احترام الاجتهاد المعتبر. أما أن تتحول إلى وسيلةٍ لاتهام المصلين بالبدعة، أو الانتقاص من أئمة المذاهب، أو التشكيك في انتساب أتباعها إلى السنة، فذلك توسعٌ لا ينسجم مع مقتضيات الإنصاف العلمي.

ولا يجوز اختزال السلفية في المذهب الحنبلي، كما لا يجوز تصوير أئمة المذاهب الأخرى وكأنهم يقفون في الجهة المقابلة للسلف. فالأئمة الأربعة جميعًا من كبار علماء الإسلام، ولكل منهم اجتهاده ومكانته.

إن ترجيح قولٍ فقهي لا يمنح صاحبه حق إلغاء الأقوال الاجتهادية الأخرى، ولا يجعل المسألة التي رجح فيها معيارًا وحيدًا لقياس تدين الناس أو سلامة مناهجهم.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل خطابٍ متعصب هو: هل نريد تعليم الناس أحكام دينهم، أم نريد تحويل كل خلافٍ فقهي إلى مناسبة جديدة لإثبات من ينتمي إلى جماعتنا ومن ينبغي التحذير منه؟


🔹 ثالثًا: من نقد الأخطاء إلى التوسع في التجريح والتصنيف

من القضايا المهمة في نقد الخطاب المدخلي مسألة التوسع في الجرح والتحذير من الدعاة وطلاب العلم، حين يتجاوز النقدُ بيانَ الخطأ المحدد إلى إصدار أحكامٍ واسعة على الأشخاص، أو جعل زلةٍ واحدة عنوانًا دائمًا لهم، أو التعامل مع المخالفات الاجتهادية كما لو كانت دليلًا كافيًا على فساد المنهج كله.

والجرح والتعديل في أصله علمٌ له ضوابطه ومقاصده، وليس ترخيصًا مفتوحًا للطعن في الناس. والنقد العلمي لا يستقيم إلا بمعرفة حال الشخص، وتحرير محل النزاع، والتحقق من صحة النقول، وفهم السياق، والتناسب بين الخطأ والحكم الصادر بشأنه.

أما إذا أصبحت التحذيرات المتبادلة هي اللغة الغالبة، وصار السؤال عن موقف الشخص من أسماء معينة أهم من فحص حجته ودليله، فإننا نكون أمام خللٍ في إدارة الخلاف، حتى لو رُفعت في أثنائه شعارات حماية السنة والمنهج.

ولا يعني ذلك تحصين الدعاة من النقد، أو منع التحذير ممن ثبت ضرره، وإنما يعني أن التحذير نفسه يحتاج إلى عدلٍ ودليل، وأن أحكامه لا ينبغي أن تتجاوز ما تثبته الوقائع.

ومن حقنا أن نسأل في كل قضية: ما القول الذي نُقد؟ وما دليله؟ وهل نُقل عن صاحبه بدقة؟ وهل فُهم في سياقه؟ وهل الحكم الصادر عليه متناسب مع الخطأ، أم أن الخلاف تضخم بفعل الخصومة والانتماء؟

فإذا كان المقصود حماية العلم وأهله، فلا بد أن يكون النقد محكومًا بالعلم والعدل؛ أما إذا صار التصنيف غايةً في ذاته، فإنه قد يتحول من وسيلةٍ للإصلاح إلى سببٍ للفرقة.


🔹 رابعًا: إحياء الخصومات العقدية القديمة دون فقهٍ للأولويات

لا تقتصر المشكلة على الفروع الفقهية، بل تمتد في بعض صور الخطاب المتشدد إلى إعادة فتح مسائل عقدية وكلامية قديمة، مثل الخلاف في التأويل والمجاز ومسائل الصفات، ثم تقديمها إلى الجمهور في صورة معاركٍ حاسمة يُختبر من خلالها انتساب الأشخاص إلى السنة.

وهذه المسائل ليست هينةً في ذاتها، ولا يصح منع البحث العلمي فيها، لكن الخطأ يقع عندما تُختزل في شعاراتٍ متبادلة، أو تُطرح بغير تحريرٍ لمحل النزاع، أو تتحول إلى مبررٍ للتشكيك في إيمان المخالف أو الطعن في نيته.

إن دراسة الخلاف بين العلماء تقتضي معرفة أقوالهم في سياقاتها، وفهم مصطلحاتهم، والتمييز بين مواضع الاتفاق والاختلاف، وعدم نسبة قولٍ إلى عالمٍ إلا بعد التثبت منه.

أما أن يُستدعى خلافٌ قديم ليكون وقودًا لمعركةٍ جديدة على وسائل التواصل، ثم تُبنى عليه أحكامٌ واسعة في الأشخاص والجماعات، فذلك لا يخدم العلم بالضرورة، وقد يزيد الاستقطاب بدل أن يقرّب الناس من فهم المسألة.

والأولى أن يُترك تحرير هذه القضايا لأهل الاختصاص، وأن تُعرض نتائج البحث بلغةٍ علمية واضحة، مع التمييز بين المسائل التي يترتب عليها أصلٌ من أصول الدين والمسائل التي وقع فيها خلافٌ معتبر بين العلماء.

ليس المطلوب إلغاء الخلاف العقدي، وإنما إخراجه من دائرة الاستعراض والخصومة، وإعادته إلى دائرة البحث العلمي المنضبط.


🔹 خامسًا: من شعار «اتباع السلف» إلى سؤال الممارسة

إن الشعار لا يكفي وحده للحكم على سلامة المنهج؛ فكل اتجاهٍ يستطيع أن يرفع عناوين العلم والسنة والإصلاح، لكن المعيار الحقيقي هو ما تنتجه ممارساته في الواقع.

فإذا كان الخطاب يدعو إلى اتباع السلف، فمن المشروع أن نسأل: أين يظهر أثر هذا الاتباع في الإنصاف عند الخلاف؟ وفي حفظ حقوق المخالف؟ وفي احترام الاجتهاد المعتبر؟ وفي التثبت من النقول؟ وفي التمييز بين الخطأ الذي يُناقش والانحراف الذي يحتاج إلى إثبات؟

وإذا كان الهدف حماية السنة، فهل تُحمى السنة بإشغال طلاب العلم بمعاركٍ متتابعة حول الأشخاص والتصنيفات، أم بتعليم الحديث والفقه وأصول الاستنباط، وتربية الناس على الصدق والعدل والأمانة؟

وإذا كان المقصود التحذير من الأخطاء، فهل يكفي أن نُكثر من التحذيرات، أم ينبغي أن نُبيّن الخطأ بدليله، ونقدّم بديلًا علميًا، ونحفظ للناس حقوقهم؟

هذه الأسئلة ليست هجومًا على كل منتسبٍ إلى السلفية المدخلية، وإنما هي معايير مشروعة لمراجعة خطابها وممارساتها، كما ينبغي أن تُطرح على أي تيارٍ ديني آخر.

فلا يكفي أن يعلن المرء اتباع السلف؛ بل ينبغي أن يظهر أثر هذا الاتباع في علمه وإنصافه وأخلاقه، وفي قدرته على الجمع بين بيان الحق والعدل مع المخالف.


🔹 سادسًا: من المستفيد حين تستنزف الخصومات طاقات الأمة؟

حين تتكرر معارك التصنيف والردود والتحذيرات، ويصبح جزءٌ كبير من الجهد الدعوي منصرفًا إلى تتبع المخالفين، تتراجع مساحة الاهتمام بقضايا التعليم والتربية والإصلاح الاجتماعي والبحث العلمي وبناء المؤسسات.

وهنا لا بد من التفريق بين الرد العلمي الذي تدعو إليه الحاجة، وبين الاستغراق في الخصومة حتى تصبح هي محور النشاط الديني.

فليس كل ردٍّ مضيعةً للوقت، وليس كل خلافٍ قديمٍ عديم الفائدة، لكن من حقنا أن نسأل عن التناسب بين حجم الجهد المبذول في تلك المعارك وبين ما تحققه من نفعٍ حقيقي للمسلمين.

كم من طالب علمٍ يحتاج إلى إتقان أصول الفقه ومناهج الحديث، وكم من مجتمعٍ يحتاج إلى تعليمٍ أفضل، وكم من شابٍ يحتاج إلى من يعينه على فهم دينه بعيدًا عن التنازع والتخوين!

إن الدعوة التي تستهلك معظم طاقتها في فرز الناس قد تُقصّر في بناء الإنسان، والخطاب الذي يجعل التحذير من المخالف محورًا دائمًا قد يترك مساحةً أقل لتعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

ولا يعني هذا أن القضايا العامة تبرر إهمال العلم أو السكوت عن الخطأ؛ بل المطلوب أن تتكامل الوظائف: بحثٌ علمي رصين، ونقدٌ منضبط، وتعليمٌ نافع، وعملٌ اجتماعي يخفف مشكلات الناس ويخدم مجتمعاتهم.


🔹 خاتمة: اتباع السلف لا يكون بتحويل خلافاتهم إلى حروبٍ دائمة

إن نقد بعض الممارسات المنسوبة إلى السلفية المدخلية لا يعني رفض السنة، ولا الانتقاص من قيمة التراث، ولا الدعوة إلى تمييع الخلافات العلمية. وإنما يعني رفض تحويل الانتساب إلى منهجٍ ديني إلى أداةٍ لإقصاء المخالفين، ورفض تضخيم المسائل الاجتهادية حتى تصبح معيارًا للحكم على الأشخاص والجماعات.

فالخلاف يُعالج بالدليل، والتجريح يُضبط بالعدل، والتحذير يُبنى على التثبت، والاجتهاد المعتبر يُناقش دون أن يتحول إلى خصومةٍ شخصية.

وإذا كنا نريد حقًا الاقتداء بالسلف الصالح، فعلينا أن نجعل العلم والإنصاف وحسن العمل جزءًا أساسيًا من هذا الاقتداء، لا أن نكتفي بترديد الشعارات ثم نمارس ما يزيد التنازع بين المسلمين.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيدٍ من معارك التصنيف، بل إلى علماء يحررون المسائل، ودعاة يحسنون ترتيب الأولويات، وطلاب علمٍ يتعلمون قبل أن يحكموا، ومؤسساتٍ تجمع الجهود في ميادين المعرفة والإصلاح.

فالمشكلة ليست في أن نختلف، بل في أن نحول كل خلافٍ إلى خصومة؛ وليست في أن ننتقد، بل في أن يتحول النقد إلى إقصاء؛ وليست في الانتساب إلى السلف، بل في أن يصبح هذا الانتساب شعارًا يُرفع بينما تُهمَل مقتضيات العلم والعدل والحكمة.

فلنحفظ للعلم مكانته، وللاجتهاد ضوابطه، وللمخالف حقه، وللأمة حقها في أن تُوجَّه طاقاتها إلى ما ينفعها، بدل أن تظل أسيرة خصوماتٍ تتجدد كلما ظننا أنها انتهت.

والله نسأل أن يرزقنا العلم النافع، والعدل في القول والعمل، وأن يجنبنا التعصب والظلم، وأن يجعل اختلافنا بابًا للفهم والاجتهاد، لا سببًا للتباغض والتنازع.

حين يتحول شعار اتباع السلف إلى معولٍ لهدم وحدة الأمة!

السلفية المدخلية وإحياء الخصومات الفقهية التي فات أوانها…

حين يتحول شعار اتباع السلف إلى معولٍ لهدم وحدة الأمة!


🔹 مقدمة: أمةٌ تستنزفها الخصومات وتنتظر من يبنيها

من أخطر ما ابتُلي به الخطاب الديني المعاصر أن تتحول بعض الخلافات العلمية القديمة من موضوعاتٍ للبحث والاجتهاد إلى معارك متجددة، تُستنزف فيها الطاقات، وتُهدر الأوقات، وتُستباح فيها مكانة العلماء، وتُمزَّق بسببها روابط الأخوة بين المسلمين؛ وكأن نهضة الأمة لن تبدأ إلا بعد أن ينتصر كل فريق في معركةٍ خاضها أسلافه قبل قرون!

وفي هذا السياق، يبرز نقد بعض الممارسات المنسوبة إلى السلفية المدخلية، حين يُعاد إحياء خلافاتٍ فقهية وعقدية قديمة، ويُقدَّم الخلاف فيها وكأنه معيارٌ للتمييز بين أهل السنة وغيرهم، أو ميزانٌ للحكم على سلامة المنهج والاستقامة على طريق السلف.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل كان اتباع السلف يومًا مرادفًا لإحياء الخصومات، أم كان المقصود منه فهم الدين والعمل به، وجمع كلمة المسلمين على الحق، مع مراعاة ضوابط العلم والاجتهاد؟

إن المشكلة ليست في دراسة التراث، ولا في بحث المسائل الخلافية، ولا في مناقشة أقوال العلماء؛ فهذه أعمال مشروعة، وقد تكون ضرورية لحفظ العلم وتصحيح الفهم. وإنما المشكلة حين يتحول البحث إلى تعصب، والخلاف إلى خصومة، والنصيحة إلى تشهير، والانتساب إلى منهجٍ علمي إلى وسيلةٍ لإقصاء المخالفين والطعن فيهم.


🔹 أولًا: هل اتباع السلف يعني إحياء كل خلافٍ وقع بينهم أو بعدهم؟

إن الانتساب إلى السلف الصالح لا يتحقق بمجرد ترديد أسمائهم، أو رفع الشعارات التي تدل على محبتهم، وإنما يتحقق بفهم ما كانوا عليه من العلم والعمل، والإنصاف في الخلاف، والحرص على إصابة الحق، والرجوع إليه متى ظهر الدليل.

ولم يكن تاريخ العلماء المسلمين خاليًا من الخلاف؛ فقد اختلفوا في مسائل كثيرة من الاعتقاد والفقه وأصول الاستدلال، وتفاوتت مناهجهم في فهم النصوص وترجيح الأقوال. ومع ذلك، لم يكن كل خلافٍ بينهم سببًا للتبديع والتضليل، ولا كان اختلافهم في الفروع مسوغًا لإهدار مكانة بعضهم أو إسقاط علمه.

فكيف يُعقل أن نجعل الخلافات التي وقعت بين علماء القرون الماضية وقودًا لمعاركنا المعاصرة، ثم نزعم أن ذلك هو عين اتباع السلف؟

إن الاقتداء بالسلف لا يعني استنساخ خصومات الماضي، بل يعني الإفادة من علمهم، والاقتداء بأخلاقهم، وفهم اجتهاداتهم في سياقاتها، وعدم تحويلها إلى أدواتٍ للفرقة والتنازع.

وليس من الإنصاف أن يُختزل منهج السلف في مسائل محدودة يشتد حولها الجدل، بينما تُهمَل جوانب العلم والتزكية والعدل والإصلاح، التي لا يستقيم التدين الصحيح من دونها.


🔹 ثانيًا: الخلاف الفقهي ليس جريمة، ولا المذهب الآخر انحرافًا

من المظاهر التي تكشف خطورة التعصب أن يُصوَّر الخلاف بين المذاهب الفقهية المعتبرة كأنه صراعٌ بين السنة والبدعة، أو بين الاتباع والابتداع، لمجرد أن أحد الأطراف يرجح قولًا ويخالفه الطرف الآخر.

فقد اختلف الأئمة الأربعة في مسائل كثيرة، وكان لكل إمامٍ أصوله وطرائقه في الاستنباط والترجيح، ولم يكن اختلافهم دليلًا على أن بعضهم ينتسب إلى السلف، وأن بعضهم الآخر منقطع عن منهجهم.

فالإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، أئمةٌ من كبار علماء الأمة، ولكل واحدٍ منهم جهده العلمي ومكانته واجتهاده. ولا يجوز أن نجعل الانتساب إلى إمامٍ بعينه معيارًا وحيدًا لقياس سلامة المنهج، أو أن نختزل اتباع السلف في موافقة مدرسةٍ فقهية واحدة.

ومن أمثلة ذلك الخلاف في القنوت في صلاة الفجر، وغيرها من المسائل التي وقع فيها الاجتهاد بين العلماء. فهذه المسائل تُبحث بأدلتها، وتُفهم وفق قواعد الاستنباط، ولا ينبغي أن تتحول إلى سببٍ للتنازع في المساجد، أو الطعن في المصلين، أو اتهام المخالفين في دينهم واتباعهم.

إن من حق الباحث أن يرجح ما يراه أقوى دليلًا، ومن حق العالم أن يناقش قول غيره، لكن ليس من حق أحدٍ أن يجعل اجتهاده الشخصي ميزانًا وحيدًا للحق، ثم ينظر إلى سائر المسلمين نظرة انتقاص.

فالخلاف في المسائل الاجتهادية لا يُعالج بالتخوين والتشهير، وإنما بالعلم والإنصاف، واحترام أصول الاجتهاد، والتمييز بين الخطأ العلمي والانحراف المتعمد.


🔹 ثالثًا: حين تتحول مسائل العلم إلى اختباراتٍ للولاء والبراء

من أخطر آثار التعصب أن تُنقل المسائل العلمية من مجال البحث والنظر إلى مجال التصنيف والإقصاء؛ فيصبح السؤال عن موقف الإنسان من مسألةٍ خلافية وسيلةً للحكم على عقيدته، أو منهجه، أو مدى استحقاقه للقبول والاحترام.

وقد يُمتحن طالب العلم في مسائل لا يتوقف عليها أصل إيمانه، ثم يُحكم عليه من خلال إجابته عنها، لا من خلال علمه وخلقه، ولا من خلال مجموع أقواله ومواقفه، ولا من خلال ما يقدمه من نفعٍ للناس.

وهكذا تتحول بعض المجالس العلمية إلى ساحاتٍ لقياس الولاء للأشخاص والاتجاهات، بدل أن تكون ميادين للتعلم والتناصح وتبادل المعرفة.

وهنا ينبغي أن نفرق بين النقد العلمي المشروع، الذي يناقش الأقوال ويزنها بالأدلة، وبين التعصب الذي يجعل المخالفة في مسألةٍ معينة سببًا للطعن في النيات أو إسقاط المكانة أو التحذير المطلق من الأشخاص.

وليس كل من خالفنا جاهلًا، ولا كل من وافقنا محقًّا، ولا كل من انتسب إلى اتجاهٍ معين معصومًا من الخطأ.

فالحق لا يُعرف بمجرد أسماء الرجال، ولا تُقاس سلامة المنهج بمدى موافقة المرء لنا في كل مسألة، وإنما تُوزن الأقوال بالأدلة، وتُعرف منزلة العلماء بعلمهم وإنصافهم وخدمتهم للدين.

وإذا كان المقصود من اتباع السلف الوصول إلى الحق، فإن من مقتضيات هذا المقصد أن نقبل المراجعة، وننصف المخالف، ونتجنب تحويل الخلاف إلى امتحانٍ دائم للناس.


🔹 رابعًا: هل كل خلافٍ قديم ينبغي أن يتحول إلى معركةٍ معاصرة؟

إن التراث الإسلامي ثروة علمية عظيمة، ولا يمكن فهم حاضر الأمة من دون معرفة ماضيها. لكن الإفادة من التراث لا تعني أن نعيد إنتاج جميع معاركه، أو أن ننقل خلافات العصور السابقة إلى واقعٍ مختلف في ظروفه وتحدياته وأولوياته.

فثمة فرق بين دراسة خلافٍ فقهي لفهم أدلته وأصوله وآثاره، وبين إحياء ذلك الخلاف لإشغال الناس به، أو استخدامه في تصنيف المسلمين وإثارة العداوة بينهم.

وثمة فرق بين تصحيح خطأٍ علمي بالحجة والبرهان، وبين تحويل التصحيح إلى حملةٍ تستهدف الأشخاص وتُسقط اعتبارهم.

كما أن هناك فرقًا بين حماية العقيدة من التحريف، وبين جعل كل مسألةٍ خلافية محورًا للصراع، مهما كانت آثارها في واقع المسلمين، ومهما كانت القضايا الأشد إلحاحًا التي تحتاج إلى علمهم وجهودهم.

إن الأمة التي تواجه تحدياتٍ في التعليم والاقتصاد والبحث العلمي والأخلاق وبناء المؤسسات، تحتاج إلى علماء ودعاةٍ يحسنون ترتيب الأولويات، ويعرفون متى يتكلمون، وكيف يتكلمون، وما الذي يترتب على كلامهم من مصالح ومفاسد.

ولا يعني ذلك إسكات البحث العلمي أو تأجيل كل خلاف، وإنما يعني وضع كل قضيةٍ في موضعها، وعدم منح المسائل الجزئية من الاهتمام والصراع ما يفوق حجمها، على حساب القضايا التي تتوقف عليها مصالح الناس ومستقبلهم.

فليس كل ما يمكن الجدل فيه يستحق أن يتحول إلى معركة، وليس كل خلافٍ قديمٍ يستحق أن نعيد إحياءه بالطريقة نفسها التي عاش بها في عصره.


🔹 خامسًا: الخلاف في مسائل الصفات والمجاز يحتاج إلى علمٍ لا إلى خصومة

ومن المسائل التي طال حولها الجدل في التراث الإسلامي، مسائل الصفات الإلهية، ودلالات النصوص، وحدود التأويل، واستعمال المجاز في اللغة والقرآن الكريم.

وهذه قضايا علمية عميقة، لها تاريخها وأدلتها ومناهج النظر فيها، وقد اختلف العلماء في عددٍ من تفاصيلها وطرائق معالجتها.

ومن الخطأ أن نتصور أن مجرد طرح هذه المسائل أو مناقشتها دليلٌ على فساد القصد، كما أن من الخطأ أن يتحول الخلاف فيها إلى مبررٍ للطعن في إيمان المخالف أو التشكيك في إخلاصه.

فالواجب أن تُبحث النصوص في ضوء اللغة العربية، وسياقات الكلام، وقواعد الاستدلال، وما قرره العلماء في هذا الباب، مع مراعاة ما يليق بالله تعالى، والابتعاد عن التكلف والاتهامات المتبادلة.

ولا يصح أن تُختزل هذه القضايا المعقدة في شعاراتٍ سريعة، أو أن يُجعل موقفٌ واحد من مسألةٍ لغوية أو كلامية معيارًا وحيدًا للحكم على الإنسان بأنه من أهل السنة أو خارج عن منهج السلف.

فالمسائل التي تحتاج إلى تحريرٍ علمي لا يحلها الصراخ، ولا يحسمها التشنيع، ولا تصبح أوضح بمجرد تكرار الاتهامات.

إن الخلاف العلمي لا يُدار بالتخويف، بل بالعلم والبيان، ولا يُحسم بتصنيف المخالفين، بل بتحرير محل النزاع، وفهم الأدلة، والتمييز بين ما هو قطعي وما هو اجتهادي.

وإذا كان بعض الناس يتوسع في الجدل على حساب واجباته العلمية والأخلاقية والاجتماعية، فإن المشكلة ليست في وجود البحث العلمي نفسه، بل في سوء إدارته، واختلال الأولويات، وتحوله إلى خصومةٍ لا تنتهي.


🔹 سادسًا: أخطر ما في التعصب أن يتحدث باسم الدين

إن التعصب لا يصبح أقل خطورةً لمجرد أن صاحبه يرفع شعار السنة، أو يتحدث باسم السلف، أو يكثر من الاستشهاد بأقوال العلماء.

فالعبرة ليست بالشعارات وحدها، وإنما بما تثمره من أخلاقٍ ومواقف وأعمال.

وقد يدافع الإنسان عن قولٍ يراه حقًّا، لكنه يفسد دفاعه حين يظلم المخالف، أو يتهم نيته بغير بينة، أو يبالغ في وصف خطئه، أو يجعل من مسألةٍ اجتهادية سببًا للقطيعة والتنازع.

ومن هنا، فإن نقد التعصب لا يعني رفض التمسك بالدليل، ولا الدعوة إلى التساهل في مسائل الدين، بل يعني أن يكون التمسك بالحق مصحوبًا بالعدل، وأن تكون الغيرة على السنة محكومةً بالعلم والحكمة، وأن يكون الإنكار منضبطًا بأحكام الشرع وآدابه.

ولا يصح أن نتهم تيارًا بأكمله أو نحكم على نيات أفراده من دون دليل؛ لكن من المشروع نقد الممارسات الموثقة، وبيان آثارها، ومناقشة ما يترتب عليها من إقصاءٍ أو تفريقٍ أو تعطيلٍ لمصالح المسلمين.

فليس كل من رفع شعار اتباع السلف قد أحسن فهم منهجهم، كما أن الانتساب إلى منهجٍ علمي لا يعفي صاحبه من النقد والمراجعة والمحاسبة العلمية.

وكلما كان الشعار عظيمًا، كانت الحاجة أشد إلى أن تعكسه الممارسة؛ لأن الإساءة إلى المنهج قد تأتي أحيانًا من بعض المنتسبين إليه، حين يتحول الاسم من وسيلةٍ للاهتداء إلى أداةٍ للمفاضلة والإقصاء.


🔹 سابعًا: الأمة لا تنهض بالخصومات وحدها

إن من المؤسف أن تنشغل بعض الأوساط الدينية طويلًا بمعارك التصنيف والردود المتبادلة، في الوقت الذي تحتاج فيه المجتمعات الإسلامية إلى جهودٍ واسعة في التعليم، والتربية، والبحث العلمي، والإصلاح الاجتماعي، ومواجهة الفقر والجهل والفساد.

فكم من طالب علمٍ كان يمكن أن يوجه وقته إلى تحصيلٍ نافع، أو تعليم الناس، أو تأليفٍ مفيد، لكنه استنزف جهده في متابعة الخصومات والردود!

وكم من مجلسٍ كان يمكن أن يكون مساحةً للتعاون على البر والمعرفة، فتحول إلى ساحةٍ لتبادل الاتهامات والحديث عن أخطاء الآخرين!

وكم من خلافٍ محدودٍ اتسع بسبب التعصب، حتى صار سببًا في التباغض والتقاطع، بعد أن كان يمكن أن يُدار بالحوار والإنصاف!

إن الأمة لا تحتاج إلى إسكات العلماء، ولا إلى منع النقد، ولا إلى إلغاء الخلاف؛ وإنما تحتاج إلى تحويل العلم إلى قوةٍ للبناء، وإلى جعل النقد وسيلةً للإصلاح، وإلى أن تكون الأخوة الإسلامية إطارًا يحكم الخلاف، لا ضحيةً له.

ومن هنا، فإن واجب العلماء والدعاة أن يوازنوا بين بيان الحق وجمع الكلمة، وبين تصحيح الأخطاء وحفظ حقوق المخالفين، وبين الاهتمام بالمسائل العلمية الدقيقة وعدم إهمال القضايا العامة التي تمس حياة الناس ومستقبل الأمة.

فالعلم الذي لا يقود إلى الحكمة قد يتحول إلى جدل، والدعوة التي لا تراعي مآلات خطابها قد تتحول إلى عاملٍ إضافي للفرقة، والغيرة التي لا يضبطها العدل قد تظلم باسم الإصلاح.


🔹 ثامنًا: ما البديل؟ علمٌ يجمع، وعملٌ يبني، وخلافٌ تحكمه الأخوة

إن نقد الخصومات لا يكفي ما لم يصاحبه اقتراحٌ لبديلٍ عملي.

والبديل ليس إلغاء المذاهب، ولا طمس الخلافات، ولا مطالبة العلماء بالتنازل عن قناعاتهم العلمية؛ وإنما بناء ثقافةٍ إسلامية تعترف بالتنوع الاجتهادي المعتبر، وتمنح البحث المتخصص مكانه الصحيح، وتمنع تحول الاختلاف إلى عداوةٍ شخصية أو تمزيقٍ اجتماعي.

ونحن بحاجة إلى مجالس علمية تُعنى بتحرير المسائل بدل إثارة الضجيج حولها، وإلى مؤسساتٍ تعليمية تُخرج طلاب علمٍ يجمعون بين المعرفة والأخلاق، وإلى مبادراتٍ مهنية واجتماعية يتعاون فيها المسلمون على مصالحهم المشتركة، مع احترام اختلافاتهم المعتبرة.

نحتاج إلى الطبيب الذي يتقن عمله، والمهندس الذي يبدع في تخصصه، والمعلم الذي يربي الأجيال، والباحث الذي يضيف إلى المعرفة، والداعية الذي يحسن مخاطبة الناس؛ فكل هؤلاء يستطيعون أن يسهموا في خدمة مجتمعاتهم ودينهم من مواقعهم المختلفة.

ولا ينبغي أن تتحول هذه المجالات إلى امتدادٍ لمعركةٍ مذهبية أو تصنيفية؛ بل الأصل أن تكون ميادين للتعاون على الخير، وتبادل الخبرات، ومعالجة مشكلات المجتمع.

أما المسائل العلمية المتخصصة، فينبغي أن يتولاها المؤهلون لها، وأن تُناقش بأدلتها وقواعدها، مع احترام حق الباحثين في النظر والترجيح، والابتعاد عن تحويل الخلاف إلى اختبارٍ دائم للولاء.

إننا بحاجة إلى ثقافةٍ تجمع ولا تفرق، وتنصح ولا تتشفى، وتصحح الخطأ من غير ظلم، وتعرف قدر العلماء من غير أن تجعلهم معصومين، وتحترم التراث من غير أن تحوّل خلافاته إلى معارك أبدية.


🔹 خاتمة: اتباع السلف يكون بإحياء مقاصدهم لا باستنساخ خصومات الماضي

إن أعظم خدمةٍ نقدمها للسلف الصالح ليست في تكرار أسماءهم، ولا في تحويل خلافاتهم إلى شعاراتٍ نتقاتل حولها، بل في فهم علمهم، والاقتداء بإنصافهم، والحرص على الحق، والعمل بما ينفع الناس، وتوجيه طاقات الأمة إلى ما يصلح حاضرها ومستقبلها.

ولا يعني ذلك أن كل خلافٍ قديمٍ قد انتهى، أو أن المسائل العلمية لم تعد جديرةً بالبحث؛ فالعلم لا يتوقف، والاجتهاد لا يُلغى، والتراث يظل مجالًا للفهم والتحقيق. لكن الفرق كبير بين أن ندرس الخلاف لنفهمه، وأن نحييه لنصنع منه خصومةً جديدة.

ومن هنا، فإن النقد الموجّه إلى بعض الممارسات المنسوبة إلى السلفية المدخلية لا ينبغي أن يكون دعوةً إلى خصومةٍ مضادة، بل دعوةً إلى مراجعة الخطاب، وضبط أحكامه، واحترام الخلاف المعتبر، وتقديم مصالح الأمة على نزعات التعصب والانتصار للنفس.

فليس اتباع السلف أن ننشغل إلى ما لا نهاية بخصومات الماضي، بل أن نستفيد من علمهم، ونحسن فهم ديننا، ونبني حاضرنا، ونعمل لما يصلح أمتنا.

وليس من الوفاء للتراث أن نكرر معاركه في كل عصر، وإنما الوفاء له أن نقرأه بعلمٍ وإنصاف، ونأخذ منه ما يعيننا على مواجهة تحديات زماننا.

إن الأمة التي تحتاج إلى العلم والعمل والوحدة لا يجوز أن تستنزف طاقاتها في خصوماتٍ لا تنتهي، ولا أن تجعل من مسائل الاجتهاد جسورًا للقطيعة بين أبنائها.

فلنختلف بعلم، ولنتناقش بإنصاف، ولنتعاون فيما نتفق عليه، ولنجعل غايتنا إصلاح الأمة لا الانتصار على بعضنا بعضًا.

فشعار اتباع السلف لا تكتمل قيمته بمجرد رفعه؛ وإنما تظهر حقيقته في العلم والعدل والحكمة، وفي القدرة على الجمع بين الثبات على المبدأ وحسن التعامل مع المخالف.

والله نسأل أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والقلوب السليمة، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والخير، وأن يجعل اختلافنا بابًا للفهم والاجتهاد، لا طريقًا إلى البغضاء والتنازع.

السلفية التي نعرفها ونحبها… جيلٌ ربّاه النبي ﷺ فغيّر وجه التاريخ

السلفية التي نعرفها ونحبها…

جيلٌ صنعه النبي ﷺ فغيّر وجه التاريخ

✦ الرسالة الخاتمة ✦

منذ أن بدأت رحلة الإنسان على هذه الأرض، بعث الله رسلًا هداةً ومبلّغين، يدعون الناس إلى الحق، ويخرجونهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والهداية، حتى خُتمت النبوات برسالة محمد ﷺ، الرسالة الخاتمة التي أراد الله لها أن تبقى هدايةً للعالمين إلى قيام الساعة.

وقد تفاوتت أحوال الرسل في استجابة أقوامهم لدعواتهم؛ فمنهم من لم يؤمن به إلا قليل، ومنهم من استجاب له نفرٌ محدود، ومنهم من هدى الله على يديه جماعاتٍ وأممًا. وقد يحمل بعض الأنبياء الحقَّ إلى قومهم، ثم لا تلبث أجيالٌ من بعدهم أن تنحرف عنه، فيختلط الهدى بالضلال، ويحلّ التحريف مكان البيان.

لكن رسالة محمد ﷺ كانت لها قصةٌ عظيمة، وأثرٌ تجاوز حدود الزمان والمكان.

✦ حين أضاء نور النبوة ظلمات العالم

قبل خمسة عشر قرنًا، ظهر في جزيرة العرب نبيٌّ خاتم، اصطفاه الله برسالته، وأيّده بوحيه، ليحمل إلى البشرية نور الهداية في زمنٍ كثرت فيه مظاهر الشرك والظلم، واستحكمت فيه العصبيات، واضطربت فيه موازين الحق والباطل.

بدأ محمد ﷺ دعوته في بيئةٍ شديدة المقاومة، تواجه فيها كلمة الحق تقاليد راسخة، ومصالح نافذة، وعقولًا ألفت ما وجدت عليه آباءها.

ومع ذلك، مضى في طريقه بثباتٍ لا يتزعزع، يدعو إلى عبادة الله وحده، ويحرّر العقل من أسر الخرافة، والضمير من عبودية الأهواء، والإنسان من الخضوع لغير خالقه.

لقد أيقظ في النفوس سؤالها الأكبر: مَن خلقك؟ ولمن تخضع؟ وما الغاية من وجودك؟ وكيف تستقيم حياتك حين تعرف ربك، وتؤدي حقه، وتحفظ حقوق عباده؟

وهكذا بدأت تتكوّن حوله جماعةٌ من المؤمنين، لم يجمعهم نسبٌ أو لونٌ أو مصلحة، وإنما جمعهم الإيمان بالله، والتصديق برسوله، والاستعداد لحمل أمانة الرسالة.

✦ لم تكن الرسالة كلماتٍ تُتلى فحسب!

لم تكن مهمة النبي ﷺ مجرد تبليغ ألفاظ الوحي، بل كانت تربيةً للإنسان، وبناءً للمجتمع، وإقامةً لموازين العدل، وغرسًا لمعاني الرحمة والأمانة والمسؤولية.

قال الله تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.

[الرعد: 30]

كانت تلاوة الوحي بداية الطريق، أما غايته فأن يتحول الإيمان إلى عمل، والعلم إلى بصيرة، والعبادة إلى تزكيةٍ للنفس، والأخلاق إلى سلوكٍ يُرى أثره في حياة الناس.

ومن هنا تتجلّى عظمة التربية النبوية؛ فقد ربّى محمد ﷺ رجالًا ونساءً حملوا القرآن في صدورهم، واستضاءوا به في حياتهم، وتعلّموا منه كيف يعبدون الله، وكيف يعاملون الناس، وكيف يقيمون العدل، ويحفظون الحقوق، ويواجهون الشدائد.

لم يصنع منهم نسخًا متشابهة، بل ربّاهم على الإيمان والمسؤولية، حتى أصبحوا قادرين على حمل الأمانة في ميادين الحياة المختلفة.

✦ كيف صنع محمد ﷺ هذا الجيل العظيم؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق التأمل!

كيف استطاع النبي ﷺ أن ينقل أناسًا من بيئةٍ تمزّقها العصبيات والصراعات إلى جيلٍ يجمعه الإيمان، وتوجّهه رسالة، وتضبطه قيمٌ وأخلاق؟

لقد غرس فيهم تعظيم الله، والصدق في الإيمان، والإخلاص في العمل، والزهد في التعلّق بالدنيا، والاستعداد للتضحية في سبيل الحق، واستشعار المسؤولية أمام الله.

علّمهم أن القوة ليست بطشًا، وأن القيادة ليست استعلاءً، وأن العلم ليس وسيلةً للتفاخر، وأن العبادة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن صلاح الإنسان لا يُقاس بما يعلنه من شعارات، بل بما يظهر في إيمانه وعمله وسلوكه.

وبهذه التربية نشأ جيلٌ ترك أثرًا عظيمًا في التاريخ؛ جيلٌ حمل القرآن، وبلّغ الإسلام، وأسهم في بناء مجتمعاتٍ ودول، ونقل إلى الأجيال التالية أمانة الدين.

ولقد تكفّل الله بحفظ القرآن الكريم، وجعل هذه الأمة أمةَ رسالةٍ وبلاغ، تتوارث كتاب ربها وتتعلم هدايته جيلًا بعد جيل.

✦ هؤلاء هم السلف الصالح الذين نعرفهم ونحبهم

السلف الصالح ليسوا مجرد أسماءٍ نرفعها، ولا شعاراتٍ نتباهى بها، ولا ألقابًا نخاصم الناس من أجلها؛ إنهم جيلٌ نعرف قدره بما حمل من إيمان، وما قدّم من عمل، وما بذل من جهدٍ في سبيل تبليغ رسالة الإسلام.

إنهم أصحاب رسول الله ﷺ، الذين آمنوا به، ونصروه، وتعلّموا منه، وصبروا معه، ثم حملوا بعد وفاته أمانة البلاغ، كلٌّ بحسب علمه وقدرته وموقعه.

نحبهم لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ، ولأنهم كانوا الجيل الأول الذي تلقّى الوحي، وشهد نزول القرآن، وتعلّم الإسلام من نبيّه مباشرةً.

ونقدّر ما بذلوه في سبيل الدين، ونعرف أن فضلهم لا يُختزل في مجرد الانتساب إلى عصرٍ مضى، بل يتصل بما قدّموه من تضحياتٍ وأعمال، وبما حملوه من أمانةٍ ومسؤولية.

وإذا أردنا أن نقتدي بالسلف الصالح، فلا يكفي أن نكثر من ذكر أسمائهم، أو نرفع شعارات الانتساب إليهم؛ بل علينا أن نتعلّم من إيمانهم، وصدقهم، وأمانتهم، وتضحياتهم، وحرصهم على نصرة الحق.

فليس الوفاء للسلف أن نجعل أسماءهم أدواتٍ للخصومة، وإنما أن نفهم ما عاشوا من أجله، وأن نحمل من الخير ما استطعنا من بعدهم.

✦ كلمة أخيرة

أصارحكم بأنني معجبٌ بمحمد ﷺ، ومحبٌّ لصحابته الكرام، مبهورٌ بعظمة التربية التي غرسها فيهم، وبما بذلوه من جهدٍ وتضحيةٍ في سبيل استبقاء نور الحق في الأرض، ونفع البشرية برسالة الإسلام.

وكلما تأملت سيرته ﷺ وسيرة أصحابه، ازددت يقينًا بأن أعظم ما يتركه المصلح في التاريخ ليس الكلمات وحدها، بل الإنسان الذي يربّيه، والقيم التي يغرسها فيه، والأمانة التي يسلّمها إلى الأجيال من بعده.

فما أعظم فضل رسول الله ﷺ علينا، وما أكبر أمانة الصحابة في أعناقنا!

رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وجزاه ﷺ عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته.

اللهم ارزقنا صدق الاقتداء بنبيك، وحسن التأسي بصحابته، واجعلنا ممن يحملون الحق علمًا وعملًا وأخلاقًا.

هل كل ما يتصل بالدين ثابت لا يتغيّر؟

 

بين ثبات الغايات وتغيّر الوسائل… كيف نفهم الشريعة في واقع متجدّد؟

من فقه الجهاد إلى فقه الشورى، ومن أحكام الغنائم إلى أنظمة الحكم: ليست كل وسيلة ثابتة بثبات الغاية، ولا يكون الوفاء للشريعة بتجميد الحياة، بل بفهم نصوصها ومقاصدها، وحسن تنزيلها على واقع متغيّر.


🔹 أولًا: هل كل ما يتصل بالدين ثابت لا يتغيّر؟

من القضايا التي تحتاج إلى فهم دقيق في الفكر الإسلامي، التمييز بين الثوابت الشرعية والوسائل الاجتهادية المتغيّرة؛ إذ يختلط الأمر أحيانًا على من يظن أن المحافظة على الدين تستلزم التمسك بكل صورة تاريخية عرفها المسلمون، مهما تغيّرت الظروف وتبدّلت الأحوال.

والحقيقة أن الشريعة جاءت بهداية الإنسان، وإصلاح علاقته بربه، وتنظيم علاقاته بالناس، وإقامة العدل، وحفظ الحقوق، وتحقيق المصالح المعتبرة، ودفع المفاسد.

أما تفاصيل الصناعات والزراعات والهندسة والطب، وما يستجد في شؤون الحياة من وسائل وأساليب، فالأصل أن مجالها مفتوح للاجتهاد والتجربة والاستفادة من خبرات البشر، ما لم تصادم حكمًا شرعيًا معتبرًا.

وفي هذا السياق يُستحضر حديث النبي ﷺ في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وهو حديث يلفت النظر إلى أهمية الخبرة البشرية في المجالات التي تُترك للتجربة والمعرفة الفنية.

لكن هذا لا يعني أن شؤون الدنيا منفصلة عن الأخلاق والأحكام الشرعية؛ فالمسلم يستفيد من علوم الناس وخبراتهم، مع التزامه بالعدل والأمانة، واجتناب الظلم والعدوان، ومراعاة الحلال والحرام.

فالشرع يضبط الغايات والمبادئ والأحكام، والعقل والخبرة والاجتهاد تسهم في اختيار الوسائل المناسبة ضمن حدود تلك الضوابط.

وهنا يبدأ الفهم الصحيح لقضية الثابت والمتغيّر.


⚔️ ثانيًا: الجهاد بين ثبات المقصد وتطوّر الوسائل

الجهاد في الإسلام ليس مجرد صورة عسكرية واحدة ارتبطت بسلاح أو أسلوب قتال معين؛ بل هو باب من أبواب الأحكام الشرعية له مقاصده وضوابطه وشروطه، وتندرج تحته مسائل متعددة تختلف باختلاف أحوالها.

لقد كانت وسائل القتال في العصور الأولى تعتمد على السيوف والرماح والخيول، وكان الفارس والراجل من العناصر الأساسية في المعارك. وكان المقاتل قد يشتري سلاحه بنفسه، ويتولى إعداد دابته، ويتحمل بعض نفقاته ومخاطره، وتترتب على ذلك أحكام مالية وعسكرية تناسب طبيعة تلك المرحلة.

أما في العصر الحديث، فقد تغيّرت طبيعة الحروب تغيّرًا واسعًا؛ فأصبحت تعتمد على الجيوش النظامية، والطائرات، والمدرعات، وأنظمة الاتصالات، والأقمار الصناعية، والتقنيات المتقدمة، والمؤسسات اللوجستية والطبية والصناعية.

ولم يعد التفوق العسكري قائمًا على شجاعة الفرد أو مهارة الفارس وحدهما، بل صار مرتبطًا بالعلم والتنظيم والتخطيط والتدريب والإنتاج والتقنية.

فهل يُعقل أن نتعامل مع هذه التحولات وكأنها لم تقع، وأن نتصور أن الوفاء للتراث يقتضي استنساخ كل وسيلة عرفتها الحروب القديمة؟

إن المطلوب هو المحافظة على الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة، مع الاجتهاد في الوسائل التي تتغير بتغير الواقع.

ومن هنا، لا حرج في الاستفادة من الخبرات العلمية والتقنية لدى الأمم المختلفة، ولا في الاستعانة بالمتخصصين مهما اختلفت أديانهم وجنسياتهم، ما دامت الاستفادة مشروعة، ومحققة للمصلحة، ومراعية للضوابط الأخلاقية والقانونية ذات الصلة.

فليس من الوفاء للشريعة أن نتخلى عن الوسائل النافعة لمجرد أنها لم تكن معروفة لدى الأقدمين؛ كما ليس من الاجتهاد أن نُسقط الأحكام الشرعية بحجة تطوّر الوسائل.

والفرق بين الأمرين هو جوهر فقه الثوابت والمتغيّرات.


💰 ثالثًا: الغنائم بين النص الشرعي واجتهاد الفقهاء

تُظهر أحكام الغنائم جانبًا مهمًا من العلاقة بين النصوص الشرعية والواقع التاريخي.

فقد وردت نصوص تتعلق بتوزيع الغنائم، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].

كما وردت أحاديث في توزيع الغنائم، وفيها تفصيل يتعلق بالفرس والراجل، وهو ما يعكس طبيعة القتال وتنظيمه في ذلك العصر.

لكن من الضروري التمييز بين ثبوت النص الشرعي، وفهم دلالته، وتحديد مجال تطبيقه، والاجتهاد في النوازل التي تتصل به.

فالأحكام المتعلقة بالغنائم لا يجوز إلغاؤها لمجرد تطوّر الأسلحة، كما لا يصح افتراض أن كل تفصيل ورد في وصف نظام عسكري تاريخي ينطبق بالطريقة نفسها على كل واقع جديد.

وقد عرف الفقه الإسلامي اختلافًا في مسائل تقسيم الغنائم وتصرّف الإمام فيها، كما برز اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأراضي المفتوحة، حين لم يقسمها على الفاتحين بالطريقة التي قُسمت بها بعض الغنائم المنقولة، وإنما أبقاها على وجه يحقق مصالح المسلمين، مع ترتيب الحقوق المالية المتعلقة بها.

ويُستدل بهذا الاجتهاد على أهمية النظر في المصالح العامة، مع مراعاة النصوص والأحكام ذات الصلة.

أما موقف الإمام مالك من تخميس الغنائم، وتفاصيل اجتهاداته في هذا الباب، فينبغي عرضه بدقة وفق مصادر مذهبه، لا بصيغة توهم أن المسألة اتفاقية أو أن كل تصرف مالي يجوز تغييره بمجرد تقدير المصلحة.

والمقصود هنا ليس إصدار حكم تفصيلي في جميع مسائل الغنائم، بل بيان قاعدة منهجية:

النصوص الشرعية لا تتغير بتغير الأزمنة، لكن فهم الوقائع الجديدة وتنزيل الأحكام عليها يحتاجان إلى علم واجتهاد ومعرفة دقيقة بموضوع المسألة.

وهذا هو الفارق بين احترام النصوص والجمود على صورة تاريخية واحدة لتطبيقها.


🏛️ رابعًا: الشورى مبدأ ثابت… أما آلياتها فتتطور

إذا كان الجهاد يكشف عن أهمية تطوّر الوسائل العسكرية، فإن الشورى تكشف عن أهمية تطوّر الوسائل السياسية والإدارية.

فالشورى مبدأ أصيل في الإسلام، وقد جاء الأمر بها في قوله تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

وقال سبحانه مخاطبًا نبيه ﷺ:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].

لكن الشريعة لم تفرض على جميع المجتمعات الإسلامية، في كل العصور، نموذجًا مؤسسيًا واحدًا بتفاصيل إدارية وإجرائية لا تقبل التغيير.

ولهذا يمكن أن تختلف آليات الشورى باختلاف أحوال المجتمعات، واتساع الدول، وتنوّع مؤسساتها، وتطوّر وسائل الاتصال والإدارة.

فقد عرف التاريخ الإسلامي صورًا متعددة من المشاورة واختيار أهل الرأي، كما عرفت المجتمعات الحديثة المجالس النيابية والانتخابات والمؤسسات الرقابية والضمانات الدستورية وغيرها من الآليات.

ولا يصح أن نحكم على وسيلة سياسية بأنها مشروعة أو ممنوعة لمجرد أنها ظهرت في مجتمع غير مسلم؛ بل ينبغي النظر في حقيقتها ووظيفتها وآثارها، ومدى توافقها مع الأحكام والمبادئ الشرعية.

فقد تكون بعض الآليات الحديثة نافعة في تحقيق الشورى، وقد تحتاج آليات أخرى إلى تعديل أو تقييد أو رفض، بحسب ما تتضمنه وما تفضي إليه.

فالعبرة ليست باستنساخ نموذج تاريخي بعينه، ولا باستيراد نموذج معاصر كاملًا، بل بتحقيق العدل، ومنع الاستبداد، وصيانة الحقوق، وإتاحة المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار.

وهذه الغايات لا تتحقق بمجرد تسمية نظام ما بالشورى أو الديمقراطية، وإنما تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وقواعد واضحة، ورقابة حقيقية، وأخلاق تحكم ممارسة السلطة.


🗳️ خامسًا: لا شورى حقيقية مع الاستبداد

من أخطر ما يفسد الحياة السياسية أن تتحول الشورى إلى مظهر شكلي، بينما تنفرد فئة محدودة بالقرار، وتُفرغ المؤسسات من وظيفتها، وتصبح الانتخابات وسيلة لإضفاء الشرعية على نتائج معدّة سلفًا.

وقد عرف العالم العربي والإسلامي نماذج من التلاعب بالانتخابات، وتقييد الحريات، وتوظيف الخطاب الديني أو الوطني لتبرير الاستبداد.

وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: ما قيمة الحديث عن الشورى إذا كان رأي الناس لا يُسمع، والرقابة لا تؤدي وظيفتها، والمحاسبة تُمنع، والسلطة لا تقبل النقد؟

إن الشورى لا تعني مجرد استشارة الناس ثم تجاهلهم، ولا تعني أن يطلب الحاكم المشورة حين يشاء، ثم يجعل قراره فوق المساءلة في كل حال.

وإنما تقتضي أن تكون للمشاركة العامة قيمة حقيقية، وأن توجد وسائل واضحة لمراقبة السلطة ومحاسبتها، وأن يتمكن أهل الخبرة من تقديم الرأي، وأن تُصان حقوق المجتمع من تغوّل الأفراد والمؤسسات.

كما أن نزاهة الشورى لا تعتمد على القوانين وحدها؛ فهي تحتاج أيضًا إلى ضمير أخلاقي، وثقافة تحترم الحقيقة، واستعداد لقبول النقد، ورفض تزوير إرادة الناس.

فالأنظمة قد تضع أجمل النصوص في دساتيرها، لكن فساد الممارسة قد يحوّلها إلى حبر على ورق.

وما لم تقترن المؤسسات بالأمانة والكفاءة والرقابة، فقد تتحول الشورى إلى واجهة للاستبداد بدلًا من أن تكون وسيلة لمقاومته.


🗣️ سادسًا: المعارضة ليست خروجًا… والنقد ليس فتنة

من القضايا التي تحتاج إلى تحرير فقهي وسياسي دقيق، التمييز بين الاعتراض المشروع على الحاكم، والخروج المسلح، وبين النقد الذي يصلح به المجتمع والفوضى التي تهدد أمنه وحقوق أفراده.

فليس كل خلاف مع السلطة خروجًا عليها، وليس كل نقد للحاكم تمردًا، وليس كل معارضة دعوة إلى الفتنة.

إن الحاكم بشر يصيب ويخطئ، ومن حق المجتمع أن يناقش قراراته، وأن يكشف أخطاءه، وأن يطالبه بالعدل، وأن يرفض الظلم بالوسائل المشروعة.

كما أن وجود المعارضة المنظمة، والرقابة المستقلة، وحرية النقد المسؤول، من الوسائل التي يمكن أن تسهم في الحد من الاستبداد وكشف الفساد.

ولا يعني ذلك أن كل معارضة مصيبة، أو أن كل وسيلة احتجاج مشروعة، أو أن المصالح العامة لا تُراعى؛ بل المقصود أن الخلاف السياسي في ذاته لا يكفي للحكم على صاحبه بالبغي أو الفتنة أو الخروج المحرّم.

ويُستحضر في هذا الباب موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الخوارج، إذ تُروى عنه مواقف تدل على التفريق بين مجرد المخالفة وبين الاعتداء وسفك الدماء وقطع الطريق.

غير أن تفاصيل الروايات وألفاظها وأسانيدها تحتاج إلى تثبّت عند الاستدلال بها، كما أن تنزيل الأحكام المتعلقة بالخروج والبغي على الوقائع المعاصرة يحتاج إلى علم بالشرع والواقع، ولا يصح أن يُترك للأحكام الانفعالية أو التصنيفات المتعجلة.

فالاعتراض السلمي ليس هو القتال المسلح، والنقد السياسي ليس هو الاعتداء على الناس، ومحاسبة المسؤولين ليست مرادفة لإشاعة الفوضى.

وفي المقابل، لا يجوز اتخاذ شعار الاستقرار ذريعة لتبرير الظلم، أو إسكات كل صوت معارض، أو منح المسؤول حصانة أخلاقية وسياسية لا يملكها أحد من البشر.

فالمطلوب معارضة مسؤولة لا تهدم المجتمع، وسلطة مسؤولة لا تستبد بالمجتمع، وقانون يحمي الحقوق ولا يتحول إلى أداة لحماية الظالمين.


⚖️ سابعًا: الاستفادة من الديمقراطية دون الخلط بينها وبين الشورى

قدّمت التجارب السياسية الحديثة عددًا من الآليات التي يمكن دراستها والاستفادة منها، مثل الانتخابات النزيهة، وتداول السلطة، والرقابة البرلمانية، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وضمان حق المعارضة.

لكن الاستفادة من هذه الآليات لا تعني أن الديمقراطية والشورى متطابقتان في كل الأسس والتصورات، كما لا تعني أن كل ما نشأ في المجتمعات الغربية مرفوض لمجرد منشئه.

بل ينبغي أن يكون النظر علميًا، يميز بين المبادئ العامة، والآليات الإجرائية، والتصورات الفلسفية، والممارسات التي قد تكون نافعة أو ضارة.

فإذا كانت وسيلة ما تحقق قدرًا من العدل، وتمنع الاستبداد، وتحفظ الحقوق، ولا تصادم حكمًا شرعيًا معتبرًا، أمكن بحث الاستفادة منها في ضوء قواعد الاجتهاد والمصلحة.

أما إذا تضمنت ظلمًا أو اعتداءً أو إهدارًا لحق ثابت، فلا تصبح مشروعة لمجرد أنها تُمارس باسم الشعب أو الحرية.

وكذلك لا يكفي النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة لإزالة جميع الإشكالات؛ فالعبرة أيضًا بمضمون القوانين، وآليات تطبيقها، واستقلال القضاء، وقدرة الناس على الاعتراض على الظلم.

ومن هنا، فإن إصلاح الحياة السياسية لا يتحقق برفع الشعارات وحدها، بل يحتاج إلى بناء مؤسسات عادلة، وتربية سياسية وأخلاقية، ووعي بالحقوق والواجبات، وفقه يميز بين ما هو ثابت وما يقبل الاجتهاد.

فالحرية لا تعني إباحة كل شيء، والاستقرار لا يعني إسكات الناس، والشورى لا تعني مجرد أخذ الرأي دون اعتبار له.


🧠 ثامنًا: ما لا يتم الواجب إلا به… لماذا نحتاج إلى الخبرة والكفاءة؟

من القواعد الفقهية المعروفة أن ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون واجبًا.

وهذه القاعدة تفتح بابًا مهمًا للتفكير في الوسائل اللازمة لتحقيق الواجبات الشرعية والمصالح العامة، بشرط أن يكون الاحتياج إليها معتبرًا، وأن تتحقق شروط القاعدة في المسألة المعينة.

فإذا كان تحقيق الشورى الحقيقية يحتاج إلى إجراءات تضمن نزاهة الانتخابات، ومؤسسات تكشف الفساد، وقضاء مستقل، وآليات تحمي الحقوق، فإن البحث عن هذه الوسائل وإقامتها ليس ترفًا فكريًا.

وإذا كان حفظ المجتمع والدفاع عنه يحتاجان إلى العلم والتدريب والتخطيط والصناعة والتقنية، فإن اكتساب هذه القدرات يصبح من المسائل التي لا يجوز إهمالها.

لكن المشكلة تبدأ حين ينحصر اهتمام بعض المتدينين في حفظ النصوص وتكرار الأقوال، بينما يضعف اهتمامهم بفهم الواقع، واكتساب الخبرة، وتعلّم العلوم التي يحتاج إليها المجتمع.

فحفظ النصوص فضيلة عظيمة، لكنه لا يُغني وحده عن فقه دلالاتها، ولا عن معرفة أحوال الناس، ولا عن إدراك آثار القرارات، ولا عن امتلاك أدوات العمل المؤسسي.

وقد يكون الإنسان واسع الحفظ، لكنه ضعيف في تقدير المصالح والمفاسد، أو عاجزًا عن فهم تعقيدات الواقع الذي يريد الإفتاء فيه.

كما أن التخصص في العلوم الدنيوية لا يغني صاحبه عن معرفة الأحكام الشرعية حين تكون لها صلة بعمله.

والمطلوب هو التكامل بين التخصصات: فقيه يفهم النصوص ومقاصدها، وخبير يعرف واقع تخصصه، ومؤسسة تجمع المعارف وتدرس البدائل والنتائج قبل اتخاذ القرار.

وهذا لا يعني أن يتصدر كل أحد للإفتاء في كل مجال، بل يعني أن يتعاون أهل العلم الشرعي مع أهل الخبرة، حتى لا يُبنى الحكم على تصور خاطئ للواقع، ولا تُتخذ القرارات الكبرى اعتمادًا على الظنون والانطباعات.

فالعلم الشرعي بلا فقه للواقع قد يُساء تنزيله، والخبرة الدنيوية بلا ضوابط أخلاقية قد تتحول إلى أداة للظلم؛ وإنما تكتمل المنفعة حين يجتمع العلم والأمانة والكفاءة.


📢 تاسعًا: لماذا ينجح الباطل أحيانًا في الانتشار، ويتعثر الحق في عرض نفسه؟

من المؤسف أن بعض الأفكار الباطلة قد تنتشر لا لقوة أدلتها، بل لأن أصحابها أحسنوا تنظيمها، وتقديمها، واستثمار وسائل الإعلام، وفهم الجمهور، واختيار لغة الخطاب المناسبة.

وفي المقابل، قد تكون لدى أصحاب الحق حجج قوية، لكنهم يعجزون عن عرضها بلغة مفهومة، أو تقديمها في صورة جذابة، أو الوصول بها إلى الناس في الوقت المناسب.

فلا يكفي أن نعتقد أن الفكرة صحيحة حتى يتقبلها الناس، ولا يكفي أن نمتلك دليلًا حتى نحسن إيصاله.

إن عرض الحق يحتاج إلى معرفة، وبيان، وحكمة، وفهم لطبيعة الجمهور، وإدراك للوسائل التي يتواصل الناس من خلالها.

ولا تعني هذه الحقيقة أن نزيّن الباطل، أو نغيّر الحقائق لإرضاء الناس، أو نستخدم وسائل غير أخلاقية لتحقيق أهداف صحيحة؛ بل تعني أن نؤدي واجب البيان بأفضل ما نستطيع من علم وإتقان.

فالإعلام، والتعليم، والتأليف، والعمل المؤسسي، والتواصل الرقمي، كلها مجالات تحتاج إلى تخصص ومهارة، ولا ينبغي أن تُترك للارتجال أو تُعامل باعتبارها أمورًا ثانوية.

كما أن الخطاب الديني لا ينجح بمجرد ارتفاع نبرته أو كثرة شعاراته، بل يحتاج إلى صدق صاحبه، وسلامة منطقه، وجودة حجته، وحسن فهمه للناس.

وقد يضر بالدعوة أن يتصدر لها من يفتقر إلى أبسط مهارات التواصل، أو يخلط بين الحماسة والقدرة على الإقناع، أو يظن أن حسن النية يعفيه من واجب الإتقان.

فخدمة الحق تحتاج إلى صدق في المقصد، وصحة في العلم، ومهارة في الوسيلة، وحكمة في اختيار الأسلوب.


🌱 عاشرًا: تجديد الوسائل يبدأ بإصلاح الإنسان

لا يكفي أن نتحدث عن تحديث المؤسسات والأسلحة والأنظمة السياسية، إذا لم نلتفت إلى الإنسان الذي يديرها ويستخدمها.

فالوسائل الحديثة قد تُستخدم في إقامة العدل، وقد تُستخدم في الظلم. والمؤسسات قد تحمي الحقوق، وقد تتحول إلى أدوات للقمع. والإعلام قد يرفع مستوى الوعي، وقد يصبح وسيلة للتضليل.

ولهذا فإن تجديد الوسائل لا ينفصل عن إصلاح الأخلاق، وتربية النفس على الأمانة، وتعويدها على الاعتراف بالخطأ، واحترام التخصص، وقبول النقد، وتقديم المصلحة العامة على الأهواء الشخصية.

وليس من الصواب أن نختزل أزمة الأمة في نقص الأدوات وحده، كما ليس من الصواب أن نرد كل إخفاق إلى ضعف الإيمان دون دراسة الأسباب العلمية والإدارية والسياسية والاقتصادية.

إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى النظر في جميع العوامل المؤثرة، وإلى الشجاعة في مراجعة الأخطاء، وإلى الاستفادة من تجارب الآخرين دون ذوبان فيهم أو رفض متعصب لكل ما لديهم.

ونحتاج كذلك إلى تجاوز عقلية الاكتفاء بترديد ما قاله السابقون، إلى جانب احترام تراثهم والاستفادة من علمهم؛ فليس الوفاء لهم أن نكرر اجتهاداتهم في كل ظرف، وإنما أن نتعلم منهم كيف اجتهدوا، وكيف فهموا النصوص، وكيف راعوا أحوال الناس ومصالحهم.

وهنا تتضح قيمة الجمع بين الأصالة والتجديد: أصالة تحفظ الأصول والثوابت، وتجديد يطوّر الوسائل ويبحث عن أفضل السبل لتحقيق المقاصد المشروعة.


✍️ الخلاصة: الوفاء للشريعة ليس جمودًا، والتجديد ليس انفلاتًا

إن قضية الثابت والمتغيّر ليست مسألة نظرية بعيدة عن واقع المسلمين، بل تتصل بالدفاع عن المجتمعات، وتنظيم شؤون الدولة، وتحقيق الشورى، وحماية الحقوق، وإصلاح التعليم والإعلام، وتطوير أدوات العمل والدعوة.

والخطأ أن نجعل كل ما ورثناه ثابتًا لا يقبل المراجعة، أو أن نجعل كل ما يستجد في العالم مشروعًا لمجرد أنه جديد.

فليست كل ممارسة قديمة واجبة الاتباع، وليست كل وسيلة حديثة جديرة بالقبول.

إنما الميزان هو العلم بالنصوص، وفهم دلالاتها، ومعرفة مقاصدها، وإدراك الواقع، والتمييز بين الأحكام القطعية والمسائل الاجتهادية، وبين الغايات الشرعية والوسائل البشرية.

نحتاج إلى فقهاء لا يجهلون الواقع، وخبراء لا يتجاهلون القيم، ومؤسسات لا تخشى المحاسبة، ودعاة يحسنون عرض الحق، وأمة تجمع بين العلم والعمل والأخلاق.

فحين تتوافر هذه العناصر، يصبح التجديد وسيلة لحفظ المبادئ وتحقيق المقاصد، بدلًا من أن يكون ذريعة للتفريط فيها.

وحين نفهم أن الشريعة لا تدعونا إلى عبادة الوسائل، بل إلى الالتزام بأحكامها وتحقيق مقاصدها، ندرك أن المحافظة على الثوابت لا تتعارض مع تطوير الحياة، وأن الاستفادة من الجديد لا تعني التخلي عن الأصول.

فالغايات الشرعية لا تُصان بالجمود على الوسائل، ولا تُخدم الوسائل المشروعة بتجاهل الغايات؛ وإنما يستقيم الأمر بالعلم، والفقه، والحكمة، والعمل المتقن.

صحة الرواية لا تكفي وحدها… بل لا بد من فقهٍ سليم، واستنباطٍ صحيح، وبصيرةٍ وحكمة!

 

صحة الرواية لا تكفي وحدها… بل لا بد من فقهٍ سليم، واستنباطٍ صحيح، وبصيرةٍ وحكمة!


ليست المشكلة دائمًا في النص الذي نقرؤه، بل قد تكون في الطريقة التي نفهمه بها؛ فكم من رواية صحيحة أُسيء فهمها، وكم من نصٍّ انتُزع من سياقه، وكم من حكمٍ بُني على دليل واحد مع إغفال أدلة أخرى تُكمل معناه وتضبط دلالته!

إن خدمة السنة النبوية لا تكون بمجرد جمع الأحاديث وحفظها وترديدها، كما أن تعظيم الحديث لا يتحقق بمجرد الاستشهاد به في كل مقام، وإنما يتحقق كذلك بفهم دلالته، ومعرفة سياقه، وجمع طرقه، والنظر في سائر النصوص المتصلة بموضوعه، واستنباط الأحكام منه وفق أصول العلم وقواعده.

فصحة الرواية شيء، وصحة فهمها شيء آخر؛ والاستنباط السليم لا يقوم على الحفظ وحده، بل يحتاج إلى علمٍ وفقهٍ وبصيرةٍ وحكمة.

أولًا: بين علم الرواية وفقه الدراية

لا شك أن التثبت من صحة الحديث أصل عظيم من أصول الدين؛ فلا يجوز أن ننسب إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله، ولا أن نبني الأحكام على روايات لم تثبت عنه.

لكن التثبت من الرواية هو بداية الطريق، وليس نهايته.

فبعد معرفة درجة الحديث، يأتي السؤال الأهم: ما دلالته؟ وما سبب وروده؟ وما الظروف التي قيل فيها؟ وهل وردت نصوص أخرى تفسره أو تقيده أو تخصص عمومه؟ وكيف فهمه أهل العلم؟ وما حدود الحكم الذي يصح استنباطه منه؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا علميًّا، بل هي من صميم الفقه.

وقد يكون الحديث صحيحًا، لكن يستدل به شخص على حكم لا يدل عليه، أو يعمم واقعة خاصة، أو يحمل لفظًا على معنى لا يحتمله، أو يغفل عن نصوص أخرى تتناول المسألة نفسها.

وهنا لا تكون المشكلة في الحديث، وإنما في الاستدلال به.

فليس كل من عرف الرواية أحسن درايتها، وليس كل من حفظ النصوص امتلك أدوات الاستنباط منها.

ولهذا كان الفقه في الدين أوسع من مجرد معرفة النصوص؛ لأنه يتطلب فهمها وربط بعضها ببعض، والتمييز بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، ومعرفة ما يصلح أن يكون دليلًا على الحكم، وما لا يكفي وحده لإثباته.

ثانيًا: القرآن والسنة… تكاملٌ لا تعارض مفتعل

إن القرآن الكريم هو أصل الوحي الذي أنزله الله هدايةً للناس، والسنة النبوية بيانٌ له وتفصيلٌ لأحكامه، ومصدرٌ أصيل للتشريع.

ولا يصح أن نجعل العلاقة بينهما علاقة خصومة، أو أن نتصور أن تعظيم السنة يقتضي إهمال القرآن، أو أن الاحتجاج بالقرآن يجيز رد الأحاديث الثابتة لمجرد مخالفتها لما اعتاده المرء من الفهم.

المنهج الصحيح هو أن نفهم الوحي بعضه ببعض، وأن نجمع الأدلة قبل إصدار الأحكام، وأن نميز بين التعارض الحقيقي والتعارض الظاهري الذي ينشأ من قصور الفهم أو نقص المعلومات.

قال الله تعالى:

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

فالسنة تبين القرآن، والقرآن يضع الأصول والكليات التي لا يجوز إغفالها عند فهم جزئيات الأحكام، ولا يستغني الناظر في النصوص عن معرفة ما يتصل بالمسألة من أدلة.

ومن هنا، فإن التعامل مع كل حديث على أنه نص مستقل عن بقية النصوص قد يؤدي إلى نتائج مضطربة؛ إذ ربما يُفهم الحديث على غير مراده، أو يُحمَّل ما لا يحتمل، أو يُستنبط منه حكم عام مع أن دلالته أضيق من ذلك.

إن احترام الحديث لا يعني عزله عن القرآن، كما أن الاحتجاج بالقرآن لا يعني إهمال السنة؛ وإنما يعني أن نفهم الوحي في تكامله، لا في صورة نصوص متفرقة يتعامل معها كل إنسان بحسب ما يسبق إلى ذهنه.

ثالثًا: حين تُنتزع أحاديث القتال من سياقها

من أكثر المجالات التي يظهر فيها أثر سوء الفهم مسألة الجهاد والقتال في الإسلام.

فقد تُروى أحاديث القتال منفردة عن سياقاتها، ثم تُقدَّم للناس وكأنها تختصر علاقة الإسلام بغير المسلمين، بينما تُهمَل النصوص الكثيرة التي تتناول الدعوة، والعهود، والعدل، والوفاء، والسلم، وأحكام الحرب.

وهذا المنهج المجتزأ لا يساعد على فهم الشريعة، بل قد يقدم صورة مشوهة عنها.

إن القرآن الكريم لم يجعل القتال غاية مستقلة عن مقاصد الدين، ولم يلغِ أحكام العهود والأمان والعدل، بل وضع للقتال أحكامًا وضوابط، وبيّن أحواله وأسبابه.

قال الله تعالى:

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

وقال تعالى في شأن من لا يقاتلون المسلمين:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

هذه النصوص لا يجوز إغفالها عند تفسير أحاديث القتال، كما لا يجوز إغفال السنة الصحيحة عند تفسير آيات القرآن.

ومن ذلك الحديث المشهور: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ...».

فهذا الحديث لا يصح أن يُحوَّل، دون بحث في دلالته وشروح العلماء له وسائر النصوص ذات الصلة، إلى قاعدة تبيح الاعتداء على كل مخالف في الدين، أو تجعل إكراه الناس على اعتناق الإسلام هو الأصل في الدعوة.

والقتال في الفقه الإسلامي باب له أحكامه وشروطه، وليس تفويضًا للأفراد والجماعات كي يستحلوا الدماء باسم الدين.

كما أن فهم أحاديث الجهاد يقتضي النظر في سياقاتها التاريخية والشرعية، وفي أنواع القتال وأسبابه وأحكامه، وفي النصوص المتعلقة بالعهود والصلح والأمان.

فليس من الفقه أن نأخذ نصوص القتال ونترك نصوص العدل والسلم والوفاء، ثم نزعم أننا قدمنا الإسلام في صورته الكاملة.

والأمر نفسه ينطبق على رواية أي واقعة من وقائع السيرة النبوية؛ فلا يصح أن تُتخذ رواية واحدة، مختلف في فهمها أو في تنزيلها، أساسًا لإلغاء قواعد شرعية أخرى دون بحث وتحقيق.

رابعًا: الزهد ليس دعوة إلى الفقر، والغنى ليس دليلًا على فساد الدين

ومن صور الخلل في فهم النصوص أن تتحول أحاديث الزهد والترغيب في قلة التعلق بالدنيا إلى دعوة عامة لترك العمل، أو النفور من المال، أو النظر إلى الفقر على أنه فضيلة مطلقة، وإلى الغنى على أنه نقص في الدين.

وهذا خلط بين أمرين مختلفين: امتلاك الدنيا، والتعلق بها؛ وبين الزهد في الترف، والتخلي عن أسباب القوة والعمران.

فالزهد ليس أن يكون الإنسان عاجزًا عن الكسب، ولا أن يترك عمارة الأرض، ولا أن يتخلى عن مسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه، وإنما حقيقته أن تكون الدنيا في يده لا أن تستولي على قلبه، وأن يملك المال دون أن يستعبده، وأن يستخدم ما آتاه الله في الخير دون إسراف أو بخل أو ظلم.

وقد قال الله تعالى:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.

فالدنيا ليست مذمومة لذاتها، وإنما المذموم ما يفسد الإنسان من التعلق بها، وما يقترفه في سبيلها من ظلم وفساد وبغي.

ولا يصح أن نجعل أحوال بعض الصحابة الذين اختاروا قلة المال، أو عاشوا ظروفًا خاصة من التقشف، أحكامًا عامة تلزم جميع المسلمين بترك السعة والرزق.

فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا على حال واحدة في المال؛ فمنهم الفقير، ومنهم الغني، ومنهم من أنفق أموالًا عظيمة في سبيل الله، ولم يكن مجرد امتلاك المال منقصة في دين أحدهم.

وقد قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:

«إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».

وهو حديث متفق عليه.

فكيف نجمع بين هذا التوجيه النبوي وبين الروايات التي تحث على الاكتفاء بالقليل؟

الجواب أن النصوص تُفهم مجتمعة، وأن لكل حديث دلالته وسياقه، وأن الترغيب في الزهد لا يعني تحريم الطيبات، ولا إبطال مشروعية الكسب، ولا ذم كل غني.

فقد يكون المال في يد إنسان وسيلة لبناء المدارس والمستشفيات، ودعم البحث العلمي، وإعانة المحتاجين، وتحقيق مصالح الناس، وقد يكون في يد آخر وسيلة للظلم والاستغلال.

المشكلة ليست في مقدار ما يملك الإنسان، وإنما في طريقة اكتسابه للمال، وكيفية إنفاقه، ومدى خضوعه للحق في استعماله.

ولا ينبغي أن يتحول الترغيب في الزهد إلى ثقافة تبرر العجز، أو تجعل الفقر غاية، أو تصرف الأمة عن العمل والإنتاج والتعلم واكتساب أسباب القوة.

فالأمة التي تريد أن تخدم دينها وتدافع عن مصالحها تحتاج إلى العلم، والاقتصاد المنتج، والصناعة، والتقنية، والمؤسسات القوية، كما تحتاج إلى الإيمان والأخلاق والعبادة.

ولا تعارض بين ذلك كله وبين الزهد الصحيح؛ فالزهد يحرر الإنسان من عبودية المادة، ولا يعفيه من مسؤولية العمل.

خامسًا: ليس كل حديث صحيح دليلًا على كل معنى يُراد إثباته به

من الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الناس أن ثبوت الحديث يحسم تلقائيًّا كل خلاف حول تفسيره، أو أن مجرد ذكر لفظ نبوي كافٍ لإثبات النتيجة التي يريدها المستدل.

والحقيقة أن صحة الحديث لا تعني بالضرورة صحة كل استنباط يُبنى عليه.

خذ مثلًا حديث النبي ﷺ:

«لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ».

فلما سُئل عن نفسه بيّن أن رحمة الله هي الأساس، وأنه لا يدخل أحد الجنة بعمله على وجه الاستقلال والاستحقاق الذي يستغني به عن فضل الله ورحمته.

فهل يعني ذلك أن العمل الصالح لا قيمة له، أو أن الإنسان يستطيع أن يهمل الفرائض ويتخلى عن الطاعات ثم يرجو الجنة دون عمل؟

كلا؛ فمثل هذا الفهم يصادم النصوص الكثيرة التي تأمر بالإيمان والعمل الصالح، وتربط الجزاء بما قدمه الإنسان من خير.

قال الله تعالى:

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

فالحديث ينفي الاغترار بالعمل، والتصور بأن العمل وحده يوجب على الله الجزاء بمعزل عن فضله ورحمته، ولا يلغي وجوب العمل الصالح ولا كونه سببًا لنيل الثواب.

وهنا تظهر أهمية الجمع بين النصوص، والتمييز بين المعاني المتقاربة، وفهم الكلام في ضوء مجموع الأدلة.

ومثله ما يرد في أحاديث الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال؛ إذ لا يصح أن نقتطع نصًّا منها ثم نبني عليه تصورًا شاملًا للدين مع إغفال بقية النصوص.

فالحديث الصحيح لا يحتاج إلى فهم متعسف يدافع عنه، وإنما يحتاج إلى فقه يكشف دلالته الحقيقية ويضعه في موضعه الصحيح.

سادسًا: خطورة تحويل الروايات إلى شعارات دعوية

ومن المشكلات التي ينبغي التنبه إليها أن بعض المتحدثين يجعلون روايات معينة شعارات يكررونها في كل مجلس، دون أن يوضحوا للناس حدود دلالتها، أو يبينوا ما يتصل بها من أدلة أخرى.

وقد يُختار حديث شديد الوقع في النفوس، ثم يُقدَّم بطريقة تثير الخوف أو الكراهية أو اليأس، مع أن فهمه يحتاج إلى تفصيل، أو أن المسألة التي يتحدث عنها أوسع من العبارة التي جرى ترديدها.

والداعية ليس ناقلًا للألفاظ فحسب؛ بل هو مسؤول عن البيان، وعن تجنب التضليل، وعن مراعاة أثر كلامه في الناس.

فإذا تحدث عن الجهاد، وجب أن يبين أحكامه وضوابطه، لا أن يكتفي بإثارة الحماسة.

وإذا تحدث عن الزهد، وجب أن يفرق بين تهذيب النفس وترك مسؤوليات الحياة.

وإذا تحدث عن الوعيد، وجب أن يضعه في سياق النصوص التي تبين التوبة والمغفرة والرحمة.

وإذا تحدث عن الخلاف العقدي أو الفقهي، وجب أن يميز بين المسائل المتفق عليها والمسائل الاجتهادية، وألا يجعل رأيه الشخصي هو الإسلام كله.

إن الخطأ هنا ليس في رواية الحديث الصحيح، بل في تحويله إلى شعار منفصل عن فقهه، أو توظيفه لإثبات نتيجة لا يدل عليها بمفرده.

وليس كل من أحسن الإلقاء أحسن الاستدلال، وليس كل من أكثر الاستشهاد بالنصوص قد استكمل أدوات فهمها.

فالدعوة الناجحة تحتاج إلى العلم الذي يصحح المعلومة، والفقه الذي يضبط دلالتها، والحكمة التي تحسن إيصالها إلى الناس.

سابعًا: فقه النصوص يحتاج إلى فقه الواقع أيضًا

إن فهم النصوص لا ينفصل عن إدراك الواقع الذي يراد تنزيل الأحكام عليه.

فالعالم أو الداعية الذي يريد مخاطبة الناس، أو معالجة مشكلاتهم، أو دعوتهم إلى الإسلام، يحتاج إلى معرفة أحوالهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، ومشكلاتهم، وما يواجهونه من تحديات.

ولا يعني ذلك أن نجعل الواقع حاكمًا على الوحي، أو أن نغير الأحكام الشرعية إرضاءً للناس، وإنما يعني أن نفهم الواقع فهمًا صحيحًا حتى ننزل عليه الحكم المناسب في موضعه، ونختار الأسلوب الملائم في الدعوة والبيان.

فالحكمة ليست تمييعًا للدين، كما أن الشدة ليست دليلًا على قوة التمسك به.

وقد دعا القرآن إلى الحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

وهذه الآية تضع أمام الداعية مسؤولية عظيمة: أن يحسن عرض الحق، وأن يراعي أحوال المخاطبين، وأن يبتعد عن أساليب التنفير والخصومة التي لا تخدم غاية الدعوة.

كما أن الأمة التي تريد أن تكون مؤثرة في العالم لا يكفيها أن تكثر من الحديث عن أمجادها الماضية، بل تحتاج إلى بناء حاضرها بالعلم والعمل والإنتاج والإتقان.

فالدين الذي يحث على الأمانة والعدل وإتقان العمل لا يمكن أن يُخدم بتبرير التخلف أو الاستسلام للجهل.

ولا يصح أن نطالب العالم باحترام مبادئنا، بينما نهمل في واقعنا أسباب التقدم، ونقصّر في أداء واجباتنا، ثم نظن أن مجرد ترديد النصوص يعوض ما فاتنا من علم وعمل.

إن قوة الدعوة لا تقوم على كثرة الشعارات، بل على صدق المبدأ، وصحة العلم، وحسن الخلق، وكفاءة العمل، والقدرة على تقديم الخير للناس.

ثامنًا: القرآن ميزان للفهم، والسنة هداية لا تُجزَّأ

إن حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من الجدل حول الروايات بمعزل عن مقاصدها، ولا إلى التنافس في جمع الأحاديث دون التفقه فيها، بل إلى استعادة المنهج المتكامل في فهم الوحي.

منهج يجمع بين صحة الإسناد، وسلامة المتن، وفقه الدلالة، ومعرفة السياق، وجمع الأدلة، وفهم كلام أهل العلم، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الحكم الشرعي وتنزيله على الوقائع.

وإذا أشكل علينا حديث، فلا ينبغي أن نتعجل في رده لمجرد أننا لم نفهمه، كما لا ينبغي أن نتعجل في فرض معنى معين له على الناس لمجرد أننا وجدنا له إسنادًا صحيحًا.

بل نرجع إلى شروح العلماء، وطرق الحديث، والنصوص المتصلة به، وقواعد اللغة وأصول الفقه، ثم ننظر في النتائج التي يمكن أن يدل عليها الدليل بالفعل.

وقد يقع الخلاف بين العلماء في فهم بعض النصوص، وهذا أمر معروف في تاريخ الفقه الإسلامي، ولا يعني بالضرورة أن أحد الفريقين يرفض السنة أو يعادي القرآن.

فالاجتهاد يحتاج إلى علم، والخلاف يحتاج إلى إنصاف، والنقد يحتاج إلى حجة، والحكم على الأقوال يحتاج إلى تمييز بين الخطأ الاجتهادي والخطأ المنهجي.

أما أن يتحول كل خلاف إلى تخوين، أو أن يُتهم كل من خالف فهمنا بأنه يعارض الحديث، فذلك لا يخدم العلم ولا يحفظ مكانة السنة.

لقد كان مقصد العلماء بيان الحق بحسب ما ظهر لهم من الأدلة، لا جعل آرائهم بديلًا عن الوحي، ولا تحويل اجتهاداتهم إلى نصوص معصومة.

ومن واجبنا أن نقتدي بهم في طلب الدليل، وفي التواضع للحق، وفي الاستعداد لمراجعة الفهم متى ظهر ما هو أقوى منه.


الخاتمة: نريد رواية صحيحة، وفهمًا صحيحًا، وعملًا حكيمًا

إن تعظيم السنة النبوية لا يتحقق بمجرد كثرة الأحاديث التي نحفظها، بل يتحقق كذلك بمدى فهمنا لها، والتزامنا بهديها، وقدرتنا على الجمع بين نصوصها، ومعرفة ما تدل عليه وما لا تدل عليه.

ونحن بحاجة إلى علماء يجمعون بين الرواية والدراية، وإلى دعاة يملكون العلم والحكمة، وإلى خطاب ديني يحرر العقول من الفهم المجتزأ، ويعيد وصل النصوص بمقاصدها وأحكامها.

نحتاج إلى من يعلم الناس أن الزهد ليس عجزًا، وأن الغنى ليس فسادًا، وأن الجهاد ليس اعتداءً، وأن الدعوة ليست إكراهًا، وأن صحة الحديث لا تمنح كل استنباط يُبنى عليه صفة الصحة.

ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى أن نتعلم أدب التعامل مع النصوص: فلا نرد ما ثبت منها بغير حجة، ولا نحملها ما لا تحتمل، ولا نغفل بعضها عند تفسير بعضها الآخر.

فليس المطلوب أن نختار بين القرآن والسنة، ولا بين الرواية والفقه، ولا بين العلم والحكمة؛ وإنما المطلوب أن نضع كلًّا منها في موضعه الصحيح، وأن نجمع بينها في بناء فهم متكامل للدين.

صحة الرواية أمانة، وصحة الفهم مسؤولية، وسلامة الاستنباط علم، والبصيرة والحكمة ضرورة في الدعوة والعمل.

فما أحوجنا إلى من يحسن رواية الحديث، ويفقه معناه، ويميز دلالته، ويعرف حدوده، ويعمل به على بصيرة؛ ليكون علمه هداية للناس، لا سببًا في اضطراب فهمهم، ولا وسيلة لتشويه صورة الإسلام الذي جاء رحمةً وعدلًا وهدايةً للعالمين.

ـ أحاديث حرفت عن مواضعها أو جهل معناها

 ـ أحاديث حرفت عن مواضعها أو جهل معناها

فقه الكتاب أولا...

ـ أحاديث حرفت عن مواضعها أو جهل معناها

ـ القتال في الإسلام

ـ الأمة ليست على مستوى الدعوة الناجحة

ـ أحاديث الزهد ...

ـ جهالة بعض المتحدثين في السنة هذه الأيام…

تلاوة قليلة للقرآن الكريم، وقراءة كثيرة للأحاديث، لا تعطيان صورة دقيقة للإسلام بل يمكن القول بأن ذلك يشبه سوء التغذية، إذ لابد من توازن العناصر التي تكون الجسم والعقل على سواء...

ولنضرب أمثلة متدرجة م الخفيف الى الدقيق: يرى الصنعاني أن النذر حرام، معتمدا على حديث ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن النذر! وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من مال البخيل».

والنذر الذي لا يأتي بخير هو النذر المشروط الذي يشبه المعاوضات التجارية، يقول الإنسان: لله علي كذا إن شفيت من مرضي أو إن نجح ابني... الخ.

أما النذور الأخرى في طاعة الله فلا حرج فيها، مادامت من الناحية الفقهية صحيحة..

والسؤال: كيف يحكم بأصل الحرمة في النذور كلها مع قوله تعالى في وصف الأبرار «يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا»(70)؟ وقوله في موضع آخر «ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق»(71).

وقد رأيت الجهل بالقرآن الكريم يبلغ حدا منكورا عند شرح حيث مسلم «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» فإن شارح الحديث زعم أن الحديث قيل في المدينة المنورة، وأنه نسخ من نزل بمكة من قوله تعالى: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به...»(72).

والزعم بأن حديث آحاد ينسخ آية من القرآن الكريم زعم في غاية الغثاثة! ثم إن الآية التي قيل بنسخها تكرر معناها في القرآن أربع مرات، مرتين في سورتي الأنعام والنحل المكيتين، ومرتين في سورتي البقرة والمائدة المدنيتين!!، بل ما جاء في سورة المائة هو من آخر ما نزل من الوحي!!.

فكيف يفكر عاقل في وقوع النسخ؟ ثم إن عددا من الصحابة بينهم ابن عباس، وعددا من التابعين فيهم الشعبي وسعيد بن جبير، رفضوا حديث مسلم.! فكيف نترك آية لحديث موضع لغط؟.

ولندع ما ذكرنا الى حديث يدخل في دائرة القانون الدولي بلة العصر.

عن عبد الله بن عون كتبت الى نافع رحمه الله أسأله عن الدعاء قبل القتال ـ ويقصد بالدعاء دعوة الناس الى الدخول في الإسلام قبل المعركة ـ قال عبد الله فكتب إلي «إنما كان ذلك في أول الإسلام وقد أغار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بني المصطلق وهم غارون...».

ونافع ـ غر الله له ـ مخطئ! فدعوة الناس الى الإسلام قائمة ابتداء وتكرارا، وبنو المصطلق لم يقع قتالهم إلا بعد أن بلغتهم الدعوة، فرفضوها وقرروا الحرب!.

ورواية نافع هذه ليست أول خطأ يتورط فيه، فقد حدث بأسوأ من ذلك!.

قال: كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ قوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنئ شئتم...»(73) فقال: تري فيم نزلت هذه الآية؟ قلت: لا.. قال: نزلت في رجل أتى امرأته في دبرها، فشق ذلك عليه! فنزلت هذه الآية!!.

قال عبدالله بن الحسن: إنه لقي سالم بن عبد الله بن عمر، فقال له: يا عم، ما حديث يحثه نافع عن عبد الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في إدبارهن! فقال: كذب العبد وأخطأ، إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن.

ونعود الى رواية نافع وهي عدم الدعوة  قبل القتال ونقول: إنه مع اهتزازها فإن أهل الحديث ـ لقلة فقههم ـ رجوا لها حتى جعل الصنعاني عنوان الموضوع «الغارة بلا إنذار»!(*****).

غارة بلا إنذار؟ أين هذا المسلك من قوله تعالى: «وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين»(74) وقوله: «فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون»(75)!.

والغريب أن الشيخ ناصر الألباني ـ وهو من أعلم رجال الحديث في عصرنا ـ عتب علي أني تركت رواية نافع، وآثرت عليها روايات أخرى وأنا أصور طبيعة القتال في الإسلام!!

في كتابي «جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج» أحصيت أكثر من مائة آية تتضمن حرية التدين، وتقيم صروح الإيمان على الاقتناع الذاتي، وتقصي الإكراه عن طريق البلاغ المبين.

وليس في تاريخ الثقافة الإنسانية كتاب ينشئ العقل المؤمن إنشاء، ويعرض آيات الله في الأنفس والآفاق لتكون ينابيع فكر يتعرف على الله، ويستريح الى عظمته كما وقع في هذا القرآن...

ومع ذلك، فنحن المسلمين يوجد بيننا من ينسى هذا كله ليقف عند راو تائه يزعم أن الدعوة الى الاسلام كانت في صدور الإسلام ثم ألغيت! ومن ألغاها؟.

إنه لأمر ما، يجئ بختام خاص لسورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة، يقول عن الكافرين: «فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم»(76) أفي هذا الختام رائحة إكراه؟.

إن الإيمان أساس، والجهاد حارس، وستبقى الحراسة فريضة قائمة ما بقي في الدنيا من يهدد الأمان، ويستنكر الإيمان؟.

ومعنى هذا أن الجهاد وسيلة وليس غاية ويوم تسود الحريات أرجاء الحياة، وتنمو أعواد التوحيد فلا يرى من يكسرها أو يحرقها، فلا قتل ولا قتال، نعم! لا قتال حيث تستخفي الفتن وتشيع العدالة.

ذلك هو ديننا كما تشرحه آيات الكتاب العزيز، ويظهر في السيرة النبوية المباركة..

وفي أربعة مواضع متشابهة من القرآن الكريم كانت وظيفة الرسالة الخاتمة:

1 ـ تلاوة الوحي، أو قراءة المنهاج الذي يسير عليه المسلمون أو تحيد النطاق الذي يعملون داخله:

2 ـ تربية الأمة بتنمية ملكاتها الطيبة وكبح غرائزها الجامحة.

3 ـ تقرير الأحكام التفصيلية التي جاء بها الكتاب نظاما للفرد والمجتمع والدولة، وهي أحكام مقرونة بالحكمة والسداد.

هذه الأثاث الثلاثة هي عناصر الرسالة التي نهض بها كبير الأنبياء، وأحيى بها مواريث من سبقوه وأغنى بها العالم عن الفلسفات الأرضية والأهواء البشرية!!.

وقد ذكرت ثلاثتها(77) عن البشارة بالبعثة الأخيرة لما دعا إبراهيم وإسماعيل ربهما بإرسال محمد.

وذكرت كلها مرة ثانية(78) عند جعل المسجد الحرام قبلة الناس في المشارق والمغارب، فكان اتجاه البشر الى الكعبة نعمة أخرى على العرب بعد ابتعاث النبي منهم، فكان تشريفا لأرضهم بعد تشريف جنسهم.

وذكرت مرة ثالثة(79) بعد هزيمة أحد وانكسار قلوب المؤمنين وحاجتهم الى ما يجبرهم ويعيد الثقة اليها وذلك في سورة آل عمران. التي واست المهزومين وذكرتهم برسالتهم..

وذكرت مرة رابعة(80) عند كشف السر في إقصاء اليهود عن ميدان التربية الدينية، وإبعادهم عن رسالات الله، وإحلال العرب محلهم، بعد فشل بني إسرائيل في هذه الساحة.

تلك هي رسالتنا تحت عناوينها الرئيسة! وما من شك في أن الجهاد حق لتأمين الدعوة وهزيمة الفتانين!.

أما تصوير الإسلام بأنه يتحرش بالآخرين ويتعطش لدمائهم فهو افتراء على الله والمرسلين، ومع أننا أشبعنا هذا الموضوع بحثا في كتبنا الأخرى فإن الحاجة الى الكلام فيه لا تزال ماسة. ذلك أن حديث الإفك لا ينقطع!!.

وفي هذه الأيام النحسات شاعت الخلافات في أرجاء الأمة وقتل بعضها بعضا، بل إن حصيلة القتلى في الفتن الداخلية أربى من القتلى في محاربة الاستعمار الصليبي العائد المتحالف مع اليهود والناقمين..

والحكومات الإسلامية على الإجمال دون مثيلاتها من حكومات العالم عدالة ونزاهة.

والجماهير أقل ثقافة وإنتاجا واقتدارا على الحياة وتكاليفها.

والتقاليد السائدة تبتعد عن الإسلام الحنيف روحا ونصا.

فأمتنا من أفقر أمم الأرض الى التعليم والتربية ومعرفة الذات..

وفي هذه الآونة استخرج ابعض حديث «بعثت  بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصار على من خالف أمرى...».

قلت: ليت لكم سيفا يحمي الح، ويرد عنه العوادي! فإن الحق يغرق وليس له صريخ!.

ليت لكم رمحا ترتزقون في ظله، إنكم تتسولون أرزاقكم من غراس عدوكم، وهو الذي يصنع السلاح الذي تشترونه بالغالي والرخيص لأغراض يعلمها الله!..

مالكم ولهذا الحديث؟ قال لي غلام متعالم: إنه يرد كل ما تقول..!

قلت: سأتجاوز عن ضعف هذا الحديث من ناحية سنده، ولن أطعن في صحته ـ مع أن الطعن وارد ـ ولكني أسأل: لماذا لا تتعلمون الدين وتحسنون فقهه والعمل به، ثم تحسنون الدعوة إليه؟ عندما يراكم العالم أدنى مستوى منه فلن يسمع منكم ولن يرتضيكم قادة له، لا يجوز أن يكون الإمام أجهل من المأموم..!

ما وظيفة السيف في أيديكم وأنتم متظالمون؟ جائرون عن سبيل الرشاد؟.

وتذكرت أن «لينين» الحاكم الأول للشيوعية، وناقلها من الميدان النظري الى ميادين السياسة، ألف كراسة عن اليسار الطفولي أو الطفولة اليسارية، نعى  فيها على جيل من الناس يرفع شعار الشيوعية ولا يحسن خدمتها!!.

قال: «هذه الطفولة، والطفولة تتميز بالقصور والعناد» وقد طردها من ميدان العمل حتى تستطيع الشيوعية الانطلاق دون عائق..

وليت القياد بقي في يد الأطفال! إذن لاختفت الشيوعية من زمان طويل بفضل الأصدقاء الجهلة!.

واليوم توجد طفولة إسلامية تريد الأنفراد بزمام الأمة، وعندما يسمع أولوا الألباب حديثها يطرقون محزونين!!.

والمخيف أنها طفولة عقلية تجمع في غمارها أرباب لحي، وأصحاب هامات وقامات!! يقعون على أحاديث لا يفهمونها ثم يقدمون صورة الإسلام تثير الانقباض والخوف..!

إن نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ تكلم كثيرا وكلامه موضع الإعتزاز والطاعة، «وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله..» وكان يمكن ان تعرف مرامي الكلام وحقائقه لو ضبطت الملابسات التي قيل فيها...

وأيا ما كان الأمر فإن إطار القرآن الكريم ضابط دقيق إذا عزت معرفة الملابسات.

ونحن نلحظ أن القرآن أطال الحوار مع مخالفيه، وافتن قبل أي شيء في بسط براهينه على صدق عقائده، وشرف عباداته، وجدوى ما يدعو إليه من عمل صالح وغايات كريمة..

وفي طول السور وعرضها مناشدة حارة للإنسان أن يرعوي ويثوب الى رشده ويتوب الى ربه.

ولم تبدأ سياسة العصا الغليظة إلا بعد أو أوجعت عصى الأعداء جلود المؤمنين، وكسرت عظامهم. هنا نزل قوله تعالى: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير»(81).

وأنبياء الله على اختلاف الليل والنهار خاضوا أشرف قتال يمكن أن يقع على ظهر الأرض! والقول بأن فرعون كان أولى بالحق من موسى، أو أن اليهود كانوا أولى بالنصر من عيسى، او أن خصوم محمد كانوا أولى بالبقاء منه قول عاهر منكور، لا يصدر من صاحب دين أو خلق!.

المهم أن المنتمين الى الله يحسنون أولا الدعوة ويوفرون فرص السلام والمصالحة، ويقدرون أخطاء الطباع البشرية فإذا ألجئوا بعدئذ للقتال كانوا رجالا، وكانوا كراما..

وهذا ما فعله محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعرف في سيرته بوضوح، وقد لخصه شوقي في كلمات موجزة:

الحرب في حق لديك شريعة!

ومن السموم الناقعات دواء!!

فإذا جاء مسلم قصير الرؤية، وكان أول ما يذكره في معاملة أعداء الإسلام الحديث المعروف «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله..» كان إنسانا ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتعاملون بغباء شديد مع تراث النبوة.

وقد شرحنا في كتاب آخر أن الحديث قيل مع نزول سورة براءة، قبل وفاة الرسول بنحو عام، وبعد جهاد رهيب مع وثنيات أعطاها الإسلام حق الحياة، ولم تعطه إلا الموت!، وعاش معها دهرا على مبدأ «لكم دينكم ولي دين» فلم ير منها إلا الغدر والاغتيال!.

وكان آخر ما صنعت لتعيد الليل الى جزيرة العرب أن كذابا اسمه «مسيلمة» قام بحركة ردة مزعجة ولم يطفئها حفاظ القرآن إلا بدمائهم، فتفانوا في إطفائها حتى كادوا يبيدون، وحتى خيف من انقراض الحفظة بعد العدد الكبير الذي استشهد منهم!!

وصدر سورة براءة يعطي صورة كاملة لهذه الوثنية الخائنة  الجريئة، وفي هذا الجو قيل هذا الحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله...» فلا يجوز لجاهل أن يعدو به مكانه!.

هل قيل يوم صعد الرسول الصفا غداة أرسل وشرع يذكر الجاهلين بالبعث ويدعوهم الى التوحيد؟.

هل قيل يوم عاد كسير القلب من الطائف، ودخل مكة في جوار مشرك؟.

هل قيل يوم اختفى في الغار ليضلل مطارديه ويطلب الحياة لنشر الدعوة في أرجاء الجزيرة؟.د

هل قيل يوم أعطى اناس في المدينة المنورة حق اللحاق بمشركي مكة وترك الدين إذ استبهظوا تكاليفه؟.

والحمد لله لم يرتد أحد، ولم يلحق بالمشركين رجل ولا امرأة! بل الذي حدث هو العكس..

هل قيل في عمرة القضاء، قبل فتح مكة بعام، وهو يطوف بالكعبة وحولها مئات الأصنام فلم يكسر منها صمنا! ولم ينقض للمشركين عهدا؟.

إن أهل الفقه هم الذين يتحدثون عن الإسلام، ويشرحون المرويات التي حفلت بها الكتب ووقع عليها الدهماء كما يقع الذباب على العسل.

وقد كان أهل الفقه قديما هم المتحدثين عن الإسلام، وأعرف الناس بتراث النبوة..

وأنا وغيري من المشتغلين بالدعوة الإسلامية ننظر باهتمام بالغ الى أحوال الناس وراء دار الإسلام، ننظر الى التيارات الفكرية التي تسودهم والمذاهب الخلقية والدينية التي تؤثر فيهم وأنصبة الحضارة التي حصلوا عليها، ومقادير الإنتاج التي يصدرونها للعالم.. الخ.

وكيف نحسن الدعوة إذا لم نعرف ذلك كله؟ وقد قرأت كلمة للأستاذ أحمد بهاء الدين يشرح فيها شيئا من ذلك، رأيت أن أسجلها هنا. قال:

«بعض القراء يراني معجبا بالمجتمعات الأوربية والأمريكية عندما أتحدث عنها في رحلاتي، وهذا صحيح! لكنني كذلك أكره فيها أشياء أخرى، ترى ما الذي أوثر نقله الى الناس في بلدي؟.

البعض يفضل أن أنقل نقاط الضعف في المجتمعات الأخرى! وهذا خداع للنفس وإرضاء لغرور كاذب، واستنامة الى أننا أحسن من غيرنا، وتلك غيبوبة باهظة الثمن..!

نحن هنا نحب أن نتكتم عيوبنا وأمراضنا! أما هناك فهم يسرعون الى مناقشة أمراضهم الاجتماعية علانية ومصارحة!! ولذلك يستشفون منها، على حين يبقى المرض لدينا كامنا..

وما لا نراه أو ما لا ننشره يعد كأنه غير موجود، وذاك بلاء مجتمعات الكتمان، لا تزال تنافق حتى تهلك!.

وقد تخطى غيرنا هذا الطور، وشرع يناقش أخطاءه بقوة المخدرات ـ الخمور ـ تصبح مشكلة قويمة رسمية وشعبية! و«الإيدز» تتفجر أنباؤه بمجرد ظهوره كالقنبلة على حين نسمى نحن «الكوليرا» حين تظهر بأمراض الصيف! ويمضي كل شيء في هدوء!.

وهناك أمر آخر الانكليز يعتبروننا كسالى لأنهم يعملون من الصباح الى المساء، والأمريكان يعتبرون الانكليز كسالى، لأن الأمريكي يعمل ضعف الإنكليزي، ولا يقطع يوم العمل بشرب البيرة! ومن يرى الأمريكي أو الأمريكية يعملون يظن أنهم شعب فقير يبني مستقبله بالكدح والكفاح، مع أنهم أغنى الشعوب!.

والآن ظهر اليابانيون يتهمون الأمريكيين بالكسل!، والأمريكان في ذعر من «مرض» العمل والاجتهاد والتفاني لدى اليابانيين. إنهم يعتبرونهم مرضى لعدم وجود أي متعة يرفهون بها عن أنفسهم، ولذلك يرون المنافسة غير عادلة بين الشعبين الكبيرين.... هذا هو العالم الذي يتقدم من حولنا.

ويلفتني بقوة شيوع القيم التي لا تحتاج الى عملة صعبة، ولكن لها ثمارا يانعة، أو مردودا هائلا.. النظام، احترام الدور والقواعد العامة للحياة النظافة التامة فلا تجد من يلقي ورقة على الأرض».

ثم قال الأستاذ أحمد بهاء الدين: «شكا لي سائح أمريكي ـ ونحن في روما ـ من قذارة الإيطاليين، لأنهم ينزلون من السيارات ـ الحافلات ـ ويلقون تذاكر الركوب على أرض الشارع..» (انتهى كلامه) ونقول:

هذه أنباء السباق الحضاري بين الدول الصناعية في أوربا وأمريكا وشرق آسيا! ترى ما أخبار العرب والمسلمين في هذا الميدان؟ الأخبار المؤكدة أننا شعوب مستهلكة لا منتجة وأننا نأخذ أكثر مما نعطي..

ويستحيل أن تنجح رسالة كبرى يوم يكون حملتها في هذا المستوى! إن امتلاك الحياة الدنيا عن قدرة وخبرة هو السبيل الأوحد لنصرة المبادئ والمذاهب...

ويوم اشتبك المسلمون الأوائل مع الدولتين العظميين الروم والفرس كانوا أحق بالنصر لأنهم نازلوا أعداءهم في الميادين التقليدية المعروفة، وحملوا ذات الأسلحة، وتفرقوا عليهم بالإيمان الحق وتأييد الله..

ثم وقع في عصور التخلف الحضاري أن انسحب المسلمون انسحابا عاما شائنا من آفاق الحياة، وسيطرت عليهم أفكار غريبة.. فهموا أن الاستعلاء على مغريات الدنيا يعني ترك الدنيا، وأن النجاح في الامتحان يكون بالفرار منه لا بالدخول فيه واجتياز مشقاته...

ونسيت تعاليم القرآن التي تقرر أن الأرض مخلوقة للناس، وأن التمكين فيها جزء من رسالة الحياة الأولى والأخرى وحلت محل هذه التعاليم أحاديث تغري بالفقر والتجرد!.

ومع أن هذه الأحاديث عند التأمل تخالف أحاديث أخرى أصح منها  سندا ومتنا، وقبل ذلك تخالف منطق القرآن الذي يجعل الجهاد ركنا لحراسة الإيمان ونظمه وشعبه، مع ذلك فإن هذه الأحاديث وجدت رواجا وسيطرت على الجماهير الكثيرة.

قرأت خمسين حديثا ترغب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم كما قرـ سبعة وسبعين حديثا ترغب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل وترهب من حبها والتكاثر فيها والتنافس..  وقراـ سبعة وسبعين حديثا أخرى في عيشة السلف وكيف كانت كفافا...

ذكر ذلك كله المنذري في كتابه الترغيب والترهيب وهو من أمهات كتب السنة، ورحم الله المؤلف الحافظ وغر لنا وله، فهو حسن النية ناصح للأمة، بيد أن الفقه الصحيح يقتضي منهجا آخر، ومسلكا أرشد..

وأعرف ويعرف غيري أن عبادة الدنيا أهلكت الأولين والآخرين وأنها من وراء جرائم مذهلة يقترفها الخاصة قبل العامة، والرؤساء قبل الأتباع والأذكياء قبل الأغبياء، ولكن العلاج الصحيح للداء العضال يكون بالتمكن من الدنيا والاستكبار على دنياها..

املك أكثر مما ملك قارون من المال، وسيطر على أوسع مما بلغه سليمان من سلطات، واجعل ذلك في يدك، لتدعم به الحق حين يحتاج الحق الى عم، وتتركه لله في ساعة فداء حين تحين المنية!! أما أن تعيش صعلوكا، حسابا أن الصعلكة طريق الجنة فهذا جنون وفتون.

إذا كان الإلحاد يفرض سلطانه بالتمكين في الأرض، فإن انصرافك عن التمكن من الأرض فاحشة أشد من الزنا والربا..

وللناقش بعض ما روي ي هذا المجال لنعرف ما وراءه: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، اشتكى سليمان الفارسي ـ في مرض موته ـ فعاده سعد بن أبي وقاص، فرآه يبكي، فقال له  سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ أليس ؟ أليس؟..

قال سلميان: ما أبكي واحدة من اثنتين، ضنا على الدنيا ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد إلينا عهدا، وما أراني إلا قد تعديت!!.

قال سعد: وما عهد إليك؟ قال عهد الينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب! ولا أراني إلا قد تعديت! وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت! وعند قسمك إذا قسمت! وعند همك إذا هممت!.

قال المنذري. وقد جاء في صحيح ابن حبان أن مال سليمان جمع بعد وفاته ـ فبلغ خمسة عشر درهما.

إن سلمان من أكابر الصحابة وأوفيائهم، والحديث يفيد أنه  وجل من لقاء الله وتركته خمسة عشر درهما.

وإنها لصورة تثير الخشية والخشوع أن نرى أميرا من أمراء الفتح الإسلامي يلقى ربه بهذا التجرد والتبتل!.

على حين نرى القادة والأمراء يتشبعون من الدنيا بلا حدود!.

لكن للفقه سؤالا هنا: إن سعد بن أبي وقاص الذي كان يحاور سلمان سمع من رسول الله هذا التوجيه «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن  تتركهم عالة يتكففون الناس» فليس الميراث الكبير جريمة!

وسعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة ـ كما جاء في السنن ـ وهؤلاء العشرة كانوا من أغنياء المسلمين، بل لم يكن فيهم فقير!.

وزعم الرواة أن احدهم خلف من الذهب ما كانت تعمل فيه الفؤوس!.

المشكلة ليست في امتلاك المال الواسع بل المشكلة في كيف تمتلكه؟ وكيف تتفقه؟ وقد رأينا في الدنيا أغنياء بنوا الجامعات حصونا للعلم والبحث، وأغنياء حاربوا المرض والشظف ببأس شديد، وأغنياء قدموا لدولهم ما تطلب من ضرائب كي تضع موازناتها إقامة للمصالح العامة.

ورأينا عثمان بن عفان يعين إعانة رائعة في الإعداد لغزوة العسرة، حتى جعل الرسول يقول: اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه.

الواقع أن حديث سلمان ليس إلا تعبيرا عن حالة نفسية خاصة، ولا يعطي حكما شرعيا عاما..

وننظر النظرة نفسها الى ما رواه أحمد عن أبي عسيب قال: خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلا فمر بي، فدعاني فخرجت إليه! ثم مر بأبي بكر رضي الله عنه فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر رحمه الله فدعاه فخرج إليه. فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأمصار، قال لصاحب الحائط: أطعمنا.

فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، فقال: لتسألن عن هذا يوم القيامة! أخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله، ثم قال: يا رسول الله: إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال نعم إلا من ثلاث:

«خرقة كف بها عورته (أي سترها) أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يتدخل فيه من الحر والقر»!!.

وفي وراية أخرى «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال ـ والرواية عن عثمان بن عفان ـ:

«بيت يكنه، وثوب يوارى عورته، وجلف الخبز والماء»!!.

وفي عبارة البيهقي «كل شيء فضل عن ظل بيت، وكسرة خبز، وثوب يوارى عورة ابن آدم فليس لابن آدم فيه حق»!.

قال الحسن البصري لراوي الحديث: ما يمنعك أن تأخذ به؟ ـ وكان يعجبه الجمال ـ فقال الرجل للحسن: يا أبا سعيد إن الدنيا تقاعدت بي!!.

ورأيي أن الرجل كان يستطيع تقديم إجابة أفضل إجابة من كتاب الله تعالى، فبدل أن يرد تطلعه الفطري الى حب الدنيا، يقول: «قل: من حرم زينة اله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، هل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة»(82) ولو جعلنا هذه المرويات محور حياة عامة لشاع الخراب في أرجاء الدنيا!!.

فهل هذه المرويات باطلة؟ ربما ظن البعض أني أرى كذلك! الواقع أن هذه المرويات تساق في مجال محدد لهدف محدد، وهي جرع من أدوية يتناولها الإنسان حتى لايكون منهوما بالدنيا شقيا وراء بعض الحرمان الذي يطرأ عليه!!.

كم من الناس لا يجد إلا هذه الضرورات؟ ومع ذلك لم يمت.

وكم من الناس أيام الحروب والأزمات عاش داخل هذا النطاق ومع ذلك لم يمت.

وكم من الناس لديه أنصبة مضاعفة من هذه الأرزاق ومع ذلك لم يقدر ولم يشكر!!

إن عثمان بن عفان راوي هذه المعاني كان من الأغنياء، وقد استفاد من وعيها طلب الآخرة والاستعلاء على رذائل البخل والطمع!.

إن سعة الفقه لابد منها لفهم مرويات شتى!.

وقد وقف الحرفيون عند هذه الآثار فوقفوا بالعالم الإسلامي كما وقف حمار الشيخ في العقبة لا يتقدم ولا يتأخر! بل لعله تراجع الى العصر الحجري في بعض جوانبه!!.

ويبدو أن الطبش في فهم المرويات، وسوء تقديرها مرض محذور  العقبى من قديم فقد روى الترمذي عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث! فدخلت على علي رضي الله عنه فأخبرته، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم! قال: أما إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: أما إنها ستكون فتنة! قلت: فما المخرج مها يا رسول الله؟.

قال: «كتاب الله تعالى يه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم! هو الفصل ليس بالهزل! من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى... وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم..

وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...

وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: «إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فآمنا به».

من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى الى صراط مستقيم.!

خذها إليك يا أعور»(******).

إن الحكم الديني لا يؤخذ من حيث واحد مفصول عن غيره، وإنما يضم الحديث الى الحديث. ثم تقارن الأحاديث المجموعة بما دل عليه القرآن الكريم، فإن القرآن هو الإطار الذي تعمل الأحاديث في نطاقه لا تعدوه، ومن زعم أن السنة تقضي على الكتاب، أو تنسخ أحكامه فهو مغرور!.

ويوضح ما قلنا ما رواه ابن كثير في تفسيره عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال: «كل ما حكم به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو مما فهمه من القرآن! قال الله تعالى «إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما»(83).

وقال: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون»(84).

ولهذا قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» يعني السنة..

وهذا صحيح! فإن حياة محمد ـ صلوات الله عليه ـ كانت تطبيقا عمليا لتوجيهات القرآن! كانت سيرته في العبادة والخلق والجهاد والمعاملة قرآنا حيا يغير الأرض ويصنع حضارة أخرى، ولولا هذه السنة العملية والقولية لكان القرآن أشبه بالفلسفات النظرية الثابتة في عالم الخيال!.

إن سنة محمد في النواحي الاجتماعية والمدنية والعسكرية، وقبل ذلك كله في شرائع العبادة والاعتقاد جزء لا يتجزأ من الرسالة الخالدة، فإن الإسلام يتكون من الكتاب والسنة كما يتكون الماء من عنصريه المعروفين..

ونحن هنا نذود المرويات الواهية، والأحاديث المعلولة كما نذوذ عن القرآن نفسه التفاسير المنحرفة والأفهام المختلفة، ليبقى الوحي الإلهي نقيا..

إن ركاما من الأحاديث الضعيفة ملأ آفاق الثقافة الإسلامية بالغيوم، وركاما مثله من الأحاديث التي صحت، وسطا  التحريف على معناها، أو لابسها كل ذلك جعلها تنبو عن دلالات القرآن القريبة والبعيدة...

وقد كنت أزجر بعض الناس عن رواية الحديث الصحيح حتى يكشفوا الوهم عن معناه! إذا كان هذا المعنى موهما، مثل حديث «لن يدخل أحد الجنة بعمله.. الخ».

إن طوائف من البطالين والفاشلين وقفت عند ظاهرة المرفوض، وحسبوا أن الجنة تدخل دون عمل، وتناسوا عشرات الآيات التي تجعل دخول الجنة نتيجة عمل واجب.

فكنت أبين لهم أن الحديث ينفي الاغترار والاستكبار بالعمل أي ينفي أن الجنة ثمن العمل المقدم، ولكنه لا ينفي أبدا أن العمل سببها المحتوم لقوله تعالى: «ونودوا: أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون»(85).

وكثير من القصاص والوعاظ ينقصهم الوعي الذكي بالقرآن والاقتراب الخاشع من مغازيه وبيناته.. ومع ذلك فلديهم ثروة طائلة من أحاديث الآحاد التي تحتاج الى ترتيب وحسن إدراك..

وقد غاظني أن أحدهم كان يطير في المجامع بحديث «أبي وأبوك في النار» وكأنما يسوق البشرى الى المسلمين، وهو يشرح لهم كيف أن أبوي رسولهم في النار!!.

قلت: قبحكم الله من داع أعمى البصيرة!! ما لديك شيء من فقه الإسلام، ولا من أب الدعوة..

ومثلك لا يزيد الأمة إلا خبالا باسم السنة، والسنة منك براء...!

قال الشيخ يوسف القرضاوي في شرح حديث «أبي وأبوك في النار»: إن الأب قد يطلق لغة واصطلاحا على العم، فلعل المقصود بالأب هنا عمه أبو طالب

ذلك أن أبا طالب عرضت عليه كلمة التوحيد قبل أن يموت فأبى أن ينطق بها.

.... ونحن نقبل هذا التأويل حتى لا يقع تعارض بين السنة والكتاب.!

وقد سمعت بأذني من يقول: الحديث صحيح وهو يخصص عموم الآية، فأهل الفطرة ناجون جميعا ـ عدا عبد الله بن عبد المطلب..!! قلت له: ماذا فعل حتى يستحق وحده النار؟ كان عبد الله شابا شريفا عفيفا حكى عنه التاريخ ما يزينه! ولم يحك عنه ما يشينه! والآية خبر لا يتحمل استثناء، فما حماسكم في تعذيب عبد الله؟ وما جريكم هنا وهناك بهذه الشائعة؟ وماذا وراء تأكيدكم أن أبوي الرسول في النار..! إنني أشم رائحة النيل منه في هذا الحماس الأعمى..!!.