سنن العمران البشري في القرآن الكريم
من فقه النص والواقع إلى الشهود الحضاري
تمهيد
القرآن الكريم ليس كتابًا للتلاوة فحسب، ولا كتابًا للأحكام الجزئية وحدها، وإنما هو كتاب هداية وبصيرة، ومنهج ينير للإنسان طريقه في الحياة، ويكشف له سنن الله في النفس والكون والمجتمع والتاريخ.
قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾
[هود: 1]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: 9]
وقال عز وجل:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
[النحل: 89]
ومن هنا فإن القرآن يمثل الأساس الأول للمعرفة الإسلامية، والمصدر الأعظم الذي يستمد منه المسلم رؤيته للإنسان والحياة والكون والمجتمع.
ومن هذا المنطلق يأتي هذا المشروع البحثي لدراسة سنن العمران البشري في القرآن الكريم، ومحاولة الكشف عن القوانين والسنن التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ؛ بهدف الوصول إلى قراءة أكثر وعيًا للواقع، واستشراف المستقبل، والإسهام في تحقيق الشهود الحضاري للأمة.
وينطلق البحث من ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: الدرس القرآني بين التقليد وضرورة التجديد
إن واقع العلاقة بين كثير من المسلمين والقرآن الكريم يدعو إلى التأمل والمراجعة.
فمع أن الأمة الإسلامية عنيت عبر تاريخها بحفظ القرآن وتلاوته وضبط قراءاته وأحكام تجويده، فإن الاهتمام بالتلاوة لا ينبغي أن يكون على حساب التدبر والفهم واكتشاف هدايات القرآن في واقع الحياة.
قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ص: 29]
فالتلاوة عبادة، والتدبر عبادة، والعمل بمقتضى الهداية القرآنية هو الثمرة التي ينبغي أن تتجه إليها القراءة.
والمشكلة لا تكمن في علوم القرآن التي نشأت لخدمة الكتاب العزيز؛ فقد كان علم التجويد والقراءات والتفسير واللغة وغيرها من العلوم إنجازًا عظيمًا في خدمة القرآن، وإنما تكمن المشكلة حين تتحول هذه العلوم إلى غاية نهائية، ويغيب السؤال الأوسع:
كيف يصنع القرآن إنسانًا؟ وكيف يبني مجتمعًا؟ وكيف يوجه حركة التاريخ والعمران؟
لقد اهتمت الدراسات الإسلامية طويلًا بالجانب التشريعي والفقهي، وهو اهتمام لا غنى عنه، لكن الحياة الإنسانية أوسع من دائرة الأحكام الجزئية؛ فهي تشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والعمران والثقافة والتاريخ والعلاقات بين الأمم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توسيع دائرة الفقه القرآني، بحيث لا يقتصر على استنباط الأحكام، وإنما يمتد إلى فقه السنن والقوانين التي تحكم حركة المجتمعات.
فالتغير والتطور من حقائق الحياة الإنسانية، والإسلام لا ينكر حركة التاريخ ولا تغير أحوال الناس، لكنه لا يترك هذه الحركة للفوضى؛ بل يوجه الإنسان إلى اكتشاف السنن التي تحكمها والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11]
فهذه الآية وأمثالها تفتح أمام المسلم أفقًا واسعًا للتفكير في قوانين التغيير الاجتماعي والحضاري، وفي علاقة الإنسان بواقعه ومسؤوليته عن إصلاحه.
إننا بحاجة إلى الانتقال من سؤال:
ما الحكم؟
إلى جانب أسئلة أخرى لا تقل أهمية:
ما السنن التي تحكم الواقع؟ وما أسباب النهوض والسقوط؟ وما عوامل القوة والضعف؟ وكيف تتغير المجتمعات؟ ولماذا تتقدم أمم وتتراجع أخرى؟
وهنا تظهر أهمية فقه سنن العمران البشري.
ثانيًا: سنن العمران البشري ومهمة الجمع بين القراءتين
إن الكون والنفس والمجتمع ليست مجالات تسير بلا نظام، وإنما تجري وفق سنن وقوانين أودعها الله تعالى في خلقه.
قال سبحانه:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾
[الفرقان: 2]
وقال تعالى:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[يس: 40]
وفي الوقت نفسه، منح الله الإنسان العقل والإرادة والقدرة على الاختيار والعمل، وأمره بالسعي وبذل الأسباب:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[التوبة: 105]
ومن هنا فإن فهم السنن لا يعني الوقوع في الجبرية أو الحتمية، كما أن الإيمان بقدرة الإنسان لا يعني إنكار السنن والقوانين التي تحكم الحياة.
فالإنسان يعمل، ويختار، ويخطط، ويأخذ بالأسباب، لكنه يتحرك داخل منظومة من السنن التي لا يمكن تجاهلها.
كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور
من أهم المداخل المنهجية لفهم العمران البشري الجمع بين قراءتين:
قراءة الوحي، وقراءة الكون والواقع.
فالقرآن الكريم هو الكتاب المسطور، والكون بما فيه من سنن وآيات هو الكتاب المنظور.
والتدبر في الوحي يكشف هدايات القرآن، بينما يكشف التفكر في الكون والإنسان والمجتمع القوانين والسنن التي أودعها الله في خلقه.
ومن هنا فإن الجمع بين التدبر والتفكر ينتج نوعًا من الإبصار الحضاري.
قال تعالى:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾
[الأنعام: 104]
وقال سبحانه:
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[الحشر: 2]
وهنا تتضح إحدى مشكلاتنا المعاصرة:
ليست المشكلة في غياب مصدر الهداية، وإنما في ضعف القدرة على قراءة النص والواقع قراءة صحيحة.
فالقرآن محفوظ، والوحي ثابت، لكن الإنسان قد يخطئ في فهمه، أو يقرأه قراءة مجتزأة، أو ينزله في غير محله، أو يستخدمه لتبرير واقع سابق بدل أن يجعله أداة لإصلاح ذلك الواقع.
ولهذا فإن تجديد العلاقة بالقرآن لا يعني تغيير النص، ولا إخضاع الوحي لأهواء العصر، وإنما يعني تجديد أدوات الفهم، وتوسيع دائرة التدبر، وحسن تنزيل الهداية القرآنية على الواقع المتغير.
فالقرآن لا ينبغي أن يُسحب إلى مستوى أهوائنا، وإنما ينبغي أن نرتقي نحن إلى مستوى هداياته.
إن القرآن كتاب يصنع الإنسان، ويبني الوعي، ويهدي المجتمع، ويؤسس للحضارة.
ومن هنا يمكن القول:
ليست أزمتنا في القرآن، وإنما في علاقتنا بالقرآن، وفي طريقة فهمنا له، وفي قدرتنا على تحويل هداياته إلى وعي وسلوك وعمران.
فقه النص وفقه الواقع
إن من أهم شروط الاجتهاد الصحيح أن يجتمع فقه النص مع فقه الواقع.
فالنص لا يعيش في فراغ، والواقع لا ينبغي أن يكون حاكمًا على النص؛ وإنما المطلوب أن نفهم النص فهمًا صحيحًا، ونفهم الواقع فهمًا صحيحًا، ثم نبحث عن كيفية تنزيل الهداية الشرعية عليه.
ولهذا كان من الخطأ أن يتعامل الإنسان مع الواقع بجهل، ثم يصدر الأحكام عليه دون معرفة بظروفه وتحولاته ومآلاته.
كما أن من الخطأ المقابل أن نجعل الواقع معيارًا لتغيير النص أو ليّ دلالاته حتى توافق الأهواء.
فالمنهج الصحيح هو:
فهم النص، وفهم الواقع، وفهم المقاصد، ثم حسن التنزيل.
وهنا تأتي أهمية الاجتهاد المقاصدي؛ فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق العدل والرحمة والحكمة.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]
والاجتهاد في القضايا المتغيرة يحتاج إلى معرفة دقيقة بأحوال الناس، وثقافة العصر، وتحولات المجتمع، ومآلات الأفعال؛ حتى يكون الحكم الشرعي قادرًا على تحقيق مقاصده في الواقع.
ومن هنا فإن فقه الواقع ليس بديلًا عن فقه النص، كما أن فقه النص ليس بديلًا عن فقه الواقع؛ بل هما جناحان لا يستقيم التحليق بدونهما.
ثالثًا: سنن العمران والشهود الحضاري
إن فقه سنن العمران البشري في القرآن الكريم ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو ضرورة لكل أمة تريد أن تفهم أسباب قوتها وضعفها، ونهوضها وسقوطها.
فالقرآن لا يعرض التاريخ لمجرد الحكاية، وإنما يعرضه للاعتبار واكتشاف السنن.
قال تعالى:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[آل عمران: 137]
وقال سبحانه:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: 140]
إن هذه الآيات وأمثالها تدفعنا إلى دراسة حركة التاريخ والمجتمعات دراسة واعية، واكتشاف أسباب النهوض والانهيار، والقوة والضعف، والتمكين والاستضعاف.
فالحضارة لا تقوم بالأماني.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: 123]
إن الشهود الحضاري لا يتحقق بمجرد الشعور بالتفوق، ولا بكثرة الحديث عن الماضي، وإنما يحتاج إلى معرفة الأسباب، وفهم السنن، وبناء الإنسان، وإتقان العمل، وإقامة العدل، وإنتاج المعرفة، وحسن إدارة الإمكانات.
نموذج ذو القرنين: الحضارة وفقه الأسباب
يقدم القرآن الكريم في قصة ذي القرنين نموذجًا بالغ الدلالة على أهمية معرفة الأسباب وحسن توظيفها.
قال تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾
[الكهف: 84-85]
فتتكرر في القصة عبارة:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾
وهذا التعبير القرآني يلفت النظر إلى أن التمكين لا ينفصل عن معرفة الأسباب والأخذ بها.
فعندما واجه ذو القرنين مشكلة يأجوج ومأجوج، لم يكتفِ بالدعاء أو الشكوى، وإنما جمع بين:
معرفة المشكلة.
تحديد أسبابها.
الاستفادة من الإمكانات المتاحة.
إشراك المجتمع.
التخطيط.
العمل.
الاستفادة من الخبرة والمواد.
بناء الوسائل الواقية من الخطر.
قال تعالى:
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
[الكهف: 95]
إنها صورة قرآنية عميقة للعمران القائم على الإيمان والعمل والأسباب والتخطيط والاستطاعة.
وهذا يعلّمنا أن النهوض الحضاري لا يقوم على التمني، وإنما على فهم الواقع، وتشخيص مشكلاته، واكتشاف قوانينه، ثم بناء الوسائل المناسبة لمعالجتها.
الشهود الحضاري يبدأ من الشهود على الذات
إن تحقيق الشهود الحضاري لا يبدأ بالنظر إلى الآخرين، وإنما يبدأ أولًا بالنظر إلى الذات.
نحن بحاجة إلى أن نمارس نوعًا من الشهادة على الذات:
أين نحن؟
ما نقاط قوتنا؟
ما مواطن ضعفنا؟
ما أسباب تراجعنا؟
ما الذي يمكن تغييره؟
وما الذي يتعذر تغييره في المرحلة الراهنة؟
وما الإمكانات المتاحة لنا؟
وما السنن التي تحكم واقعنا؟
فلا يمكن لأمة أن تصلح واقعها وهي عاجزة عن تشخيص أمراضها.
ومن هنا تأتي أهمية فقه الاستطاعة وفقه المحل؛ لأن الخطاب الصحيح قد يتحول إلى خطاب مضطرب إذا وُضع في غير محله، أو طُلب ما لا يمكن تحقيقه، أو تم تجاهل الظروف والإمكانات والمآلات.
إن الوعي بالاستطاعة ليس استسلامًا للعجز، بل هو معرفة دقيقة بما يمكن فعله، ثم الانتقال منه إلى ما هو أوسع.
الوعي بالآخر جزء من الشهود الحضاري
إن الشهود الحضاري لا يعني الانغلاق على الذات، كما لا يعني الذوبان في الآخر.
وإنما يعني أن تمتلك الأمة وعيًا بذاتها ووعيًا بعالمها، وأن تكون قادرة على فهم الآخر، والاستفادة من التجارب الإنسانية، وتقديم رسالتها الحضارية بثقة وعدل وأمانة.
فالأمة التي لا تعرف ذاتها لا تستطيع أن تؤدي رسالتها، والأمة التي لا تعرف عالمها لا تستطيع أن تتعامل معه بفاعلية.
ومن هنا فإن الشهود الحضاري يتطلب بناء منظومة متكاملة من المعرفة:
معرفة الذات، ومعرفة الآخر، ومعرفة الواقع، ومعرفة السنن، ومعرفة الإمكانات، ومعرفة المآلات.
السنن العمرانية وفهم التداول الحضاري
من أهم السنن التي يكشفها القرآن الكريم سنة التداول الحضاري:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: 140]
فالتاريخ لا يسير في اتجاه واحد، والحضارات لا تبقى في حالة صعود دائم، والأمم لا تعيش دائمًا في موقع القوة.
هناك سنن للنهوض، كما أن هناك سننًا للسقوط.
وهناك أسباب للتمكين، كما أن هناك أسبابًا للضعف.
ومن هنا تأتي أهمية السير في الأرض والنظر في تجارب الأمم.
قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾
فالسير في الأرض ليس مجرد حركة جغرافية، وإنما هو منهج معرفي يقوم على الملاحظة، والمقارنة، والاعتبار، واكتشاف السنن.
وإذا كانت السنن هي القوانين المطردة التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ، فإن دراسة هذه السنن تمثل نوعًا من فقه الميكانيكا الاجتماعية والحركة الحضارية.
نحو فقه قرآني للعمران
إن المطلوب اليوم ليس أن نستبدل فقه الأحكام بفقه العمران، ولا أن نضع أحدهما في مواجهة الآخر.
فلكل مجال أهميته ومكانه.
وإنما المطلوب هو توسيع دائرة الفقه الإسلامي لتشمل إلى جانب فقه الأحكام:
فقه الإنسان.
فقه المجتمع.
فقه الواقع.
فقه التاريخ.
فقه السنن.
فقه المآلات.
فقه الاستطاعة.
فقه العمران.
فالحكم الشرعي يحتاج إلى مجتمع يحمله، والقيم تحتاج إلى مؤسسات تجسدها، والمبادئ تحتاج إلى إنسان قادر على تنزيلها في الواقع.
ومن هنا فإن البناء الحضاري لا يبدأ من التشريع وحده، وإنما يبدأ ببناء الإنسان، وتكوين الوعي، وإصلاح المجتمع، وإقامة المؤسسات، وإنتاج المعرفة، وحسن توظيف الموارد، ثم يأتي التشريع ليضبط هذا البناء ويحميه ويوجهه نحو مقاصده.
خاتمة
يتبين من هذا العرض أن فقه سنن العمران البشري في القرآن الكريم يمثل مدخلًا مهمًا لتحقيق الشهود الحضاري للأمة.
فالقرآن الكريم لا يقدم لنا مجموعة من الأحكام المجردة فحسب، وإنما يفتح أمامنا مجالًا واسعًا لفهم الإنسان والكون والمجتمع والتاريخ، ويكشف لنا سنن النهوض والسقوط، والتغيير والتداول، والتمكين والاستضعاف.
لكن الاستفادة من هذا الهدي تتطلب تجديدًا في منهج التعامل مع القرآن؛ تجديدًا لا يمس ثوابت الوحي، ولا يخضع النص لأهواء الواقع، وإنما يجدد أدوات الفهم، وطرائق التدبر، ومناهج قراءة الواقع، وآليات تنزيل الهداية القرآنية عليه.
إن أزمتنا ليست في نقص الهداية، وإنما في ضعف قدرتنا على اكتشافها وتفعيلها.
وليست المشكلة في أن القرآن لم يقدم لنا طريقًا للنهوض، وإنما في أننا كثيرًا ما نبحث عن النهوض بعيدًا عن السنن التي أرشدنا القرآن إلى اكتشافها.
ولهذا فإننا بحاجة إلى الانتقال:
من تلاوة القرآن إلى تدبره،
ومن تدبره إلى فقه سننه،
ومن فقه السنن إلى فهم الواقع،
ومن فهم الواقع إلى حسن العمل،
ومن حسن العمل إلى البناء والعمران،
ومن العمران إلى الشهود الحضاري.
إن الشهود الحضاري ليس شعارًا، وإنما هو علمٌ ووعيٌ وأمانةٌ وعملٌ وأخذٌ بالأسباب.
وكلما ازداد وعي الأمة بسنن الله في الأنفس والآفاق والمجتمعات، أصبحت أكثر قدرة على فهم حاضرها، واستيعاب ماضيها، واستشراف مستقبلها.
قال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: 143]
ومن هنا فإن الشهود الحضاري يبدأ بوعيٍ سنني، ويتأسس على فقهٍ قرآني، ويتحقق بالعلم والعمل والعمران.
وما سبق ليس إلا مدخلًا إلى مشروع بحثي أوسع، غايته الإسهام في إعادة اكتشاف سنن العمران البشري في القرآن الكريم، وفتح مجال لمزيد من البحث والتأمل والنقاش حول كيفية الانتقال من المعرفة القرآنية إلى الفاعلية الحضارية.
والله تعالى أعلم، وهو الموفق إلى سواء السبيل.