السبت، 9 مايو 2026

متن عقيدة العوام

 متن عقيدة العوام

للسيد احمد المرزوقي المالكي المكي
أبــدأ بسم الله والـرحـمنِ
وبـالـرحـيـم دائـم الإحـسان
فالـحـمـد لله الـقديم الأول
والأخـر الـبـاقـي بلا تـحـول
ثـم الـصلاة والسلام سرمدا
عـلـى الـنبي خير من قد وحدا
وآله وصـحبه ومـــن تبع
سـبـيـل دين الحق غير مبتدع
فـالله مـوجـود قـديـم باقي
مخـالـف للـخـلق بالإطلاقِ
وقـائم غـنـي وواحـد وحي
قـادر مـريـد عـالم بكل شيْ
سـمـيـع البـصـير والمتكلـم
لـه صـفـات سـبـعـة تنتظم
فـقـدرة إرادة سـمـع بـصر
حـيـاة الـعـلـم كـلام استمر
وجـائـز بـفـضـله وعدله
تـرك لـكـل مـمـكـن كفعله
أرسـل أنبيا ذوي فـطـانـه
بالـصـدق والـتـبليغ والأمانة
وجـائـز في حقهم من عرض
بغـيـر نـقـص كخفيف المرض
عـصـمـتهم كسائر الملائكة
واجـبـة وفـاضلوا الـمـلائكة
هم أدم إدريس نوح هود مع
صـالـح وإبـراهـيـم كل متبع
لوط وإسـماعيل إسحاق كذا
يـعـقوب يوسف وأيوب احتذى
شعيب هارون وموسى واليسع
ذو الـكـفـل داود سليمان اتبع
إلـيـاس يونس زكريا يحيى
عـيـسـى وطـه خاتم دعه غيا
عـلـيـهـم الصلاة والسلام
وآلـهـم مـادامـــت الأيــام
والـمـلك الـذي بـلا أب وأم
لا أكـل لا شـرب ولا نوم لهم
تـفـضـيل عشر منهم جبريل
مـيـكـال إسـرافيل عزرائيل
مـنـكر نـكـير ورقيب وكذا
عـتـيـد مالك ورضوان احتذى
أربـعـة مـن الكتب تفصيلها
تـوارة مـوسـى بالهدى تنزيلها
زبـور داود وإنـجـيـل على
عـيـسى وفرقان على خير الملا
وصـحـف الـخـليل والكليم
فـيـهـا كـلام الـحـكم العليم
وكـل مـا أتى بـه الـرسول
فـحـقـه الـتـسـلـيم والقبول
إيـمـانـنا بـيـوم أخر وجب
وكـل مـا كـان بـه من العجب
نـبـيـنـا مـحمد قـد أرسلا
للـعـالـمـيـن رحـمة وفضلا
أبـوه عـبـد الله عـبد المطلـب
وهـاشـم عبـد مـناف ينتسب
وأمـه آمـنـة الـزهـريــة
مرضـعته حـليـمـة السعدية
مـولـده بـمـكـة الأميـنـة
وفـاتـه بـطـيـبة الـمـدينة
أتـم قـبـل الـوحي أربـعينا
وعـمـره قـد جـاوز الـستينا
وسـبـعة أولاده فـمـنـهـم
ثـلاثـة مـن الـذكـور تـفهم
قـاسـم وعـبد الله وهو الطيب
وطـاهـر بـذيـن ذا يـلـقب
أتـاه إبـراهـيـم من سـريه
فأمه مـاريـة الـقـبـطـيـه
وغـيـر إبـراهيم من خديجة
هـم سـتـة فـخـذ بـهم وليجه
وأربع مـن الإنـاث تـذكـر
رضـوان ربـي للـجـمـيع يذكر
فـاطـمـة الزهراء بعلها علي
وابـنـاهما السبطان فضلهم جلي
فـزيـنـب وبـعـدهـا رقـيـة
وأم كـلـثـوم زكـت رضيه
عـن تـسـع نسوة وفاة المصطفى
خـيـرن فاخترن النبي المقتفى
عـائـشـة وحـفـصة وسـوده
صـفـيـة مـيـمـونة ورمله
هـنـد وزيـنـب كـذا جويرية
لـلـمـومنين أمـهات مرضية
حـمـزة عـمـه وعـبـاس كذا
عـمـتـه صـفية ذات احتذا
وقـبـل هـجـرة الـنبي الإسرا
مـن مـكـة ليلا لقدس يدرى
وبـعـد إسـراء عـروج للـسما
حـتى رأى الـنـبـيُ ربا كلما
من غير كيف وانحصار وافترض
عـلـيه خمسا بعد خمسين فرض
وبــلـغ الأمــة بـالإسـراء
وفـرض خـمـسة بلا امتراء
قـد فـاز صـديقٌ بتـصديق له
بـالـعروج الصدق وافى أهله
ولـلـعـوام سـهـلة ميسره
وهــذه عـقـيـدة مـخـتصره
مـن ينتمي للصادق المصدوق
نـاظـم تـلـك أحـمد المرزوقي
علـى النبي خير من قد علما
و الـحـمـد لله وصـلـى سـلما
وكـل مـن بخير هدى يقتدي
والآل والـصـحـب وكـل مرشد
ونـفـع كل من بها قد اشتغل
وأسـال الـكـريم إخـلاص العمل

السبت، 2 مايو 2026

الرد على من يدعى أن أبا حنيفة كان يخالف السنة و يقدم القياس عليها

 الرد على من يدعى أن أبا حنيفة كان يخالف السنة و يقدم القياس عليها


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم
لقد رُمى الإمام أبو حنيفة فى حياته بمخالفة السنة, وأنه يقدم القياس على السنة, ولقد نفى هذه التهمة عن نفسه:
- فكان يقول "كذب والله وافترى علينا من يقول أننا نقدم القياس على النص, وهل يُحتاج بعد النص إلى قياس" (الميزان للشعرانى صـ 51).
- ويقول "نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة , وذلك أننا ننظر فى دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة, فإن لم نجد دليلا قسنا حينئذ مسكوتا عنه على منطوق به". (الميزان للشعرانى صـ 51).
- ويقول "إنا نعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله  ثم بأحاديث أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم".
- ويقول "ما جاء عن رسول الله  فعلى الرأس والعين بأبى وأمى وليس لنا مخالفته, وما جاء عن أصحابه تخيرنا, وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال".
- ومما كان كتبه الخليفة أبو جعفر المنصور إلى الإمام أبي حنيفة :"بلغني أنك تقدم القياس على الحديث فقال ليس الأمر كما بلغك يا أمير المؤمنين إنما أعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله  ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ثم بأقضية بقية الصحابة ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا وليس بين الله وبين خلقه قرابة ".
أسباب تشدد أبى حنيفة فى قبول ما يرويه له الرواة
لا يعني اشتهار أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يهمل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قبول الحديث شروطا متشددة؛ للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله ، وهذا التشدد في قبول الحديث هو ما حمله على التوسع في تفسير ما صح عنده منها، والإكثار من القياس عليها حتى يواجه النوازل والمشكلات المتجددة. ويرجع هذا إلى أمرين:
1- كان تشدد العراقيين فى قبول الرواية وهو الأمر الذى ورثوه عن ابن مسعود وعن على وعمر بن الخطاب , سببا فى أن يؤثروا فتوى الصحابى على رواية يشكون فى نسبتها إلى صاحب الرسالة .
2- كثرة واضعى الحديث من أهل البدع والأهواء فى العراق, كالشيعة بكل فرقهم والخوارج والمرجئة والجهمية والقدرية, ثم بعد ذلك الزنادقة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

تشجيع النبيّ ﷺ ( للبدعة الحسنة ) ؟!

 تشجيع النبيّ ﷺ ( للبدعة الحسنة ) ؟!


على هدي الآيات المباركة ، والأحاديث النبوية الشريفة تعلّم الصحابة وتفقهوا ، فذهبوا يعملون من الصالحات ، ما لا نص خاص صريح فيه ، والنبيّ r يحثُّهم ، ويُشجِّعهم بصورة غير مباشرة !
فتربَّوا ، تربية عالية ، سامية ، وأُشرِبوا روح الإسلام ، ولبّه ، فاجتهدوا في الصالحات ! منها – على سبيل المثال – :
1 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: « فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ» صحيح مسلم
هذا حثٌّ ، وتشجيع للصالحات ؟ !
[ الظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة ، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك ، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من ذلك الصحابي ، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد ، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقال له كيف تفعل في الصلاة شيئاً قبل أن آذن لك فيه ؟ ! ]
ونلاحظ أنه اجتهاد في العبادة ؛ الصلاة !
2 - و( عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ) صحيح مسلم.
هل هناك أفضل من هذا الحثّ ، والتشجيع ؟ !
و( عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ : فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ ) صحيح البخاري .
جواز إحداث ذكر في الصلاة !
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، رحمه الله :
[ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذا كَانَ غير مُخَالف للمأثور ]
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله :
[ وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - ]
3 - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ - قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ r . متفق عليه .
4 - وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِ - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سَلُوهُ لأَىِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ . متفق عليه .
وهذا الحديث ظاهر في أن أمير السـرية كان يختم القراءة في الصلاة بـ { قل هو اللهُ أحد } اجتهاداً منه ، لأنه صفة الرحمن جل وعلا ، فكان جزاؤه أن يحبه الله تعالى لحبه إياها .
عن أنس بن مالك: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:1] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها إما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكان يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبروه الخبر. فقال (( يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ )) قال: إني أحبها قال: (( حبك إياها أدخلك الجنة )) .
5 - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَك [1] .
وكان عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، يزيد فيها !
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَزِيدُ فِيهَا: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. صحيح مسلم
كان النبيّ r لا يزيد على هذه الكلمات !
قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، :
[ وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضا عِنْده عَن نَافِع عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَعرف أَن بن عمر اقتدي فِي ذَلِك بِأَبِيهِ
وَأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ وَزَادَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَن أخرجه من حَدِيث بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ وبن ماجة وَصَححهُ بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحق لبيْك وَبِزِيَادَة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يزِيد عَن بن مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا تقدم عَن عمر وبن عُمَرَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِلَخْ .
قَالَ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ
قَالَ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِه صرح أَشهب وَحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ .
فهل إستأذن الصحابة رسول الله r في هذه الأعمال قبل أن يعملوها ؟ !
وهذه الزيادات على تلبية النبيّ r ؛ التي جاء بها الناس من عند أنفسهم ، هي زيادات في العبادة ؛ وهي الحج ! والتي قَبْلها كانت في الصلاة ! وهما ركنان من أركان الإسلام ، أعني : الصلاة والحج ! !
موضع الشاهد
وموضع الشاهد من هذه الأحاديث هو : أن الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كانوا يعملون أعمالاً صالحة ، من غير أن يكون فيها نص خاص من القرآن ، ومن السنة ، بل على العكس ، كانت هناك سنة ، وعهد منه r ! فزادوا على ذلك باجتهاداتهم ، قبل إقرار النبيّ r ذلك ! !
تنبيه على عدم الخروج عن الموضوع !
هذا هو لب موضوعنا ! فلا يخرج عنه أحد فيقول : لقد أقرّهم النبي r ، فأصبحت هذه الزيادات سنة ، بإقرار النبيّ r ! !
فنحن نتحدث عن تربية ، وفهم ، وفقه الصحابة ، رضي الله عنهم ، في عمل الصالحات ، قبل إقرار النبيّ r ! !
بل نتيجة تربية القرآن ، والنبيّ r ، للصحابة ، رضي الله عنهم ، أصبحت أعمالهم الصالحة الإجتهادية - التي لا تخالف نصا ً، وهدياً عاماً ، أو قاعدة شرعية ، وتخدم إحدى المصالح الضرورية – أصبحت جزءاً من سنة النبيّ r !
فالسنة في إصطلاح الأصوليين هو : ما صدر عن النبيّ r ، غير القرآن ، من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، فهي بهذا الإعتبار دليل من أدلة الأحكام ، ومصدر من مصادر التشريع .
السنة التقريرية !
[ وهي سكوت النبيّ r عن إنكار قول ، أو فعل صدر في حضرته ، أو في غيبته ، وعلم به .
فهذا السكوت يدل على جواز الفعل ، وإباحته ، لأن الرسول r لا يسكت عن باطل ، أو منكر .
ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته ، وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن غناء جاريتين ، كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد .
هل الغلمان ، والجاريتان أخذوا الإذن من النبيّ r قبل أن يعملوا تلك الأعمال ؟ !

تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان

 

《تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان 》
ساقني لهذا الموضوع خوض عوام الناس في مسألة زكاة الفطر بعلم وبغير علم واتهام المخالف بأنه يجتهد برأية مع وجود النص،وهذا من أعجب ما سمعت.
فأنتم بهذا الادعاء يتهمون كبار الصحابة والتابعين ويرمونهم بمخالفة القرآن والسنة ،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن من أصول السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية مجال تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان، وهي قاعدة صاغها الفقهاء قديماً وتناولها عدد منهم بالشرح والتوضيح، وهذه القاعدة قاعدةٌ مهمة جداً عقد لها الإمام ابن القيّم فصلاً بقوله: ( فصل في تغيّر الفتوى بحسب الأمكنة والأزمنة والأحوال والنيّات والعوائد ). إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/11 .
-------☆☆-------☆☆----
《أمثلة تطبيقية لتغير الفتوى》:
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا أذكر منها حتى لا أطيل الآتي:
1- تغير الفتوى بتغيّر الحال:
ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ((كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء شاب، فقال: يا رسول الله أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال نعم؟ قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علمت لمَ نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه )).رواه أحمد وغيره.
فقد اختلفت فتواه - صلى الله عليه وسلم - في حكم واحد، وذلك لاختلاف الحالين.
2- تغيّر الفتوى بسبب تغيّر الزمان :
1- ما ورد في عهد عثمان رضي الله عنه أنه أمر بالتقاط ضالة الإبل فقد روى مالك في الموطّأ ابن شهاب يقول: (( كانت ضَوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبَّلة تنََاتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنها)).
((فقد رأى عثمان رضي الله عنه أن التقاط ضالة الإبل أولى من إرسالها ترعى الشجر وترد الماء لأنه رأى في زمانه تبدلاً في حالة الناس أورث خوفاً على أموال الرعية من أن تمتد إليها يد الخيانة ، فكانت المصلحة في أمره بالتقاطها وتعريفها كسائر الأموال )).
فعثمان - رضي الله عنه - فقد أمر بتعريف الإبل الضالة ثم بيعها، على الرغم من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التقاطها،فهل نقول أن الصحابة خالفوا السنة !!
جاء في الحديث الصحيح عن زيد بن خالد أنه سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ضوال الإبل فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ما لك ولها، دعها فإن معها غذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها»، فالحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل.
2- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ضمن قوتهم التمر والزبيب وهي في زماننا لا تعتبر قوتا إنما هي من التفكه.فقد كانوا يعيشون عليه الأشهر ذوات العدد.
فعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ : " ابْنَ أُخْتِي ، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ " فَقُلْتُ : مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ : " الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ"رواه البخاري.
ومن خلال ما سبق يمكن القول أن الفتوى قد تختلف من بيئة إلى أخرى في النازلة الواحدة حسب الظروف والأحوال، وبحسب الأعراف والعادات.
3-فرض الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهم في الزكاة المفروضة على المسلمين بقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) التوبة 60.
فقد اقتضت المصلحة الشرعية إيقاف هذا السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم ومنعه عنهم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته بعد أن تبين له أن علة الإعطاء الخاصة بهذا السهم قد زالت وأن المصلحة للمسلمين في منع هذا السهم عن المؤلفة قلوبهم وإعطائه لمصارفه الشرعية من المسلمين.
فهل نقول أن عمر بن الخطاب رضي الله اجتهد وأعمل عقله في مخالفة النص؟؟؟
4- التين لم يكن مما يقتات في المدينة، لكن هو مما يقتات في الأندلس، فكان الإمام مالك رحمه الله تعالى لا يرى فيه الزكاة لأنه في بلده لا يقتات أي أنه غير قوت.
▪︎قال الباجي: “فأما التين فإنه عندنا بالأندلس قوت وقد ألحقه مالك بما لا زكاة فيه...".
ثم قال (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَى التَّفَكُّهِ لَا عَلَى مَعْنَى الْقُوتِ).كتاب المنتقى شرح الموطإ
،أبو الوليد الباجي.
5- ومما هو مقرر أن الإمام الشافعي قد غير مذهبه عندما سافر من العراق إلى مصر وهذا التغيير لا بد له من أسباب ينبغي دراستها وبيان الظروف التي من أجلها تتغيير الاحكام بتغير الزمان والمكان .
5- جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة صيانة للمسجد من السرقة.وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تغلق فهل نقول لمن يغلقها في تلك الأوقات انت خالفت ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟
3- أورد النووي في "المجموع"(9/253) " أن ابن أبي زيد القيرواني اتخذ كلبا في داره حين وقع حائطها، وكان يخاف على نفسه، فقيل له في ذلك-أي نقلوا له قول الإمام مالك بعدم الجواز-، فقال:لو أدرك مالك زماننا لأتخذ أسدا ضاريا." اهـ.
قال الحافظ احمد الغماري رحمه الله ان الإمام مالك رحمه الله لو كان في عصرنا لأفتى بجواز دفع زكاة الفطر نقدا.
---☆☆---------☆☆-----
3- تغير الفتوى وفق المعطيات العصرية
معرفة مدارك الأحكام وعللها تجلى نوعية الحكم الشرعي ممكن تغير الفتوى فيه بتغير ما أنيط به، ومع تطور الزمن الراهن وتجدد التقنيات المخترعة الحديثة؛ قد يكون لها أثرا في تغيير بعض المسائل الدينية:
ومن الأمثلة على ذلك:
1- قديما كان المؤذن يرتقى فوق السور والبيوت للأذان، واليوم مع وجود مكبر الصوت لم يكد يوجد من يؤذن فوق المسجد، فتغير شأن الأذان من هذه الحيثية وفق المعطيات العصرية.
2- وسئل الشيخ عبد اﷲ جبران رحمه اﷲ عن الإبراد في صلاة الظهر، هل العلة هي شدة الحر، فإذا كان كذلك فهل تطبق في هذا العصر مع وجود المكيفات؟
فقال رحمه اﷲ: صحيح أن العلة هي شدة الحر، وفي هذه الأزمنة لما وجدت هذه المكيفات فالصحيح أنه لا حاجة إلى الإبراد الذي كانوا يفعلونه في العهد القديم، لزوال العلة، وجود المبردات التي تخفف من شدة الحر.
-------------
أقول في هذا الصدد حول زكاة الفطر بالمال
1- هل نغنى فقراءنا في المدن إذا أعطيناهم أقطاً وشعيراً وبراً؟”
2- وهل يعقل أن نأمر مسلمي ألمانيا وسويسرا وانجلترا …إلخ أن يتعاملوا مع الأقط والشعير والتمر والزبيب؟

-----☆☆---------☆☆-----
والله تعالى أعلى وأعلم
جمع وترتيب
أبوبكر الزايدي.

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

بيان لطلبة العلم ... ان المعلقات البخارى لاتدخل فى شرط الصحيح كحديث المعازف.

 

بيان لطلبة العلم ... ان المعلقات البخارى لاتدخل فى شرط الصحيح كحديث المعازف.
بيان ان المعلقات البخارى لاتدخل فى شرط الصحيح كحديث المعازف
كلام عن معلقات البخارى هام جدا من بحث للشيخ احمد الاقطش
سيحسم الكلام عن حديث المعازف ومدى صحته بالكلام عن ثلاث نقط
النقطة الاولى هل يروي البخاريّ بواسطة عن شيوخه؟
قال ابن حجر في الفتح: ((قال الإسماعيلي: قد يصنع البخاريّ ذلك إمّا لأنه سمعه من ذلك الشيخ بواسطة مَن يثق به عنه، وهو معروف مشهور عن ذلك الشيخ. أو لأنه سمعه مِمَّن ليس مِن شرط...
الكتاب)). اهـ
- وقال في مقدمة الفتح في أسباب عدم وصل البخاريّ لمثل هذه المعلقات: ((وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعاً، أو سمعه وشكّ في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرةً. فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل. وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه .... وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة "قال فلان" ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم .... ولكن ليس ذلك مطرداً في كلّ ما أورده بهذه الصيغة. لكن مع هذا الاحتمال لا يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك من شيوخه. ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلساً عنهم)). اهـ
- ومِن الأمثلة التي ضربها الحافظ للأحاديث التي لم يسمعها البخاريّ مِن شيوخه:
@ حديث أبي هريرة في الثلاثة في بني إسرائيل. علَّقه بقوله: "قال عمرو بن عاصم". قال ابن حجر في التغليق: ((وقد أسنده المؤلف في أواخر أحاديث الأنبياء في ذكر بني إسرائيل عن أحمد بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم. وهو أحد الأحاديث التي يُستدلّ بها على أنّ البخاريّ ربما علَّق عن بعض شيوخه الذين سمع منهم ما لم يسمعه منهم)). اهـ
@ حديث أبي هريرة في وكالة زكاة رمضان. قال: ((فمِن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة: قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف: حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وكَّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة رمضان" الحديث بطوله. وأورده في مواضع أخرى، منها في فضائل وفي ذكر إبليس. ولم يقل في موضع منها: "حدثنا عثمان". فالظاهر أنه لم يسمعه منه)). اهـ @ حديث جندب بن عبد الله في الرجل الذي قتل نفسه. قال في الفتح: ((حديث جندب - وهو ابن عبد الله البجلي - قال فيه: "قال حجاج بن منهال: حدثنا جرير بن حازم". وقد وصله في ذكر بني إسرائيل فقال: "حدثنا محمد: حدثنا حجاج بن منهال" فذكره. وهو أحد المواضع التي يُستدلّ بها على أنه ربما علَّق عن بعض شيوخه ما بينه وبينه فيه واسطة)). اهـ وقال في التغليق: ((وهذا من المواضع التي يُستدلّ بها على أنه قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما لم يسمعه منهم)). اهـ
@ حديث عمرو بن تغلب. قال في الفتح: ((قوله: "زاد أبو عاصم، عن جرير" هو ابن حازم. وقد تقدم موصولاً في أواخر الجمعة عن محمد بن معمر، عن أبي عاصم. وهو مِن المواضع التي تمسك بها مَن زعم أنّ البخاري قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة، مثل هذا: فإنّ أبا عاصم شيخه، وقد علَّق عنه هذا هنا. ولـمَّا ساقه موصولاً، أدخل بينه وبين أبي عاصم واسطة)). اهـ
@ حديث زيد بن ثابت في صلاة الليل. قال في التغليق: ((وقال عَقِبَه: "قال عفان: ثنا وهيب: ثنا موسى: سمعتُ أبا النضر، عن بسر، عن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم". ثم أسنده في كتاب الاعتصام عن إسحاق، عن عفان به. وهو أحد المواضع التي يُستدلّ بها على أنه يعلِّق عن شيوخه ما لم يسمع منهم)). اهـ
قلتُ: فالجواب: نعم، قد يروي البخاريّ عن شيوخه بواسطةٍ ما لم يسمعه منهم. وقد يَذكر الواسطةَ في موضعٍ آخر، وقد لا يَذكر.
(4) إذن هل حديث المعازف مجزومٌ أنّ البخاريّ سمعه مِن شيخه؟
والجواب مِن كلّ ما سبق: كلا، وأنَّى لنا الجزم! فالأصلُ في هذا الحديث أنه معلَّقٌ لا خلاف في ذلك، إذ لم يَذكُر البخاريّ تحديثاً عن شيخه. ومِثل هذا لا يُحكم له بالاتصال، بل هو في حُكم المنقطع لدى أئمة الحديث قبل ابن الصلاح. ولذلك قال الذهبي: ((أخرجه البخاريّ عن هشام عن غير سماع)). اهـ فالذين حَكَموا عليه بالانقطاع إنما مشوا على الأصل احتكاماً إلى قواعد التحديث، فهُم في حيِّز الصواب ابتداءً. أمّا القائلون بالاتصال، فليس لديهم إلاّ الاحتمال والافتراض.
والله أعلى وأعلم
النقطة الثانية
هل المعلقات داخلة في شرط الصحيح؟
ذهب ابن القطان إلى أنّ معلقات البخاريّ التي لم يوصلها ليست داخلة في شرطه. وذهب ابن الصلاح إلى أنّ قليلاً منها فقط هو الذي ليس على شرطه. وتوسّط ابن حجر فنبّه على أنّ مِن معلقات البخاريّ ما هو على شرطه، ومنها ما ليس كذلك. وإن كانت هذه المعلقات ليست مِن مقاصد الكتاب، بل ساقها البخاريّ استئناساً واستشهاداً. وإليك البيان:
- قال ابن الصلاح في مقدمته: ((وأما المعلَّق وهو الذي حُذف من مبتدإ إسناده واحدٌ أو أكثر - وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاريّ، وهو في كتاب مسلم قليلٌ جداً - ففي بعضه نظر)). ثم قال: ((ثم إنّ ما يتقاعد مِن ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاريّ في مواضع مِن تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعِه الذي يُشعر به اسمه الذي سمّاه به وهو "الجامع المسند الصحيح المختصر مِن أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه")). اهـ
- وتعقَّبه ابن حجر في نكته فقال: ((بل الذي يتقاعد عن شرط البخاريّ ليس بالقليل، إلاّ أن يريد بالقلة قلة نسبية إلى باقي ما في الكتاب، فيتجه. بل جزم أبو الحسن ابن القطان بأن التعاليق التي لم يوصل البخاريّ إسنادها ليست على شرطه، وإن كان ذلك لا يُقبل مِن ابن القطان)). اهـ
- وقال ابن حجر في نكته في الفرق بين موطأ مالك وصحيح البخاريّ مِن حيث الأحاديث غير المتصلة الإسناد: ((والفرق بين ما فيه من المقطوع والمنقطع وبين ما في البخاريّ مِن ذلك واضحٌ: لأن الذي في الموطأ مِن ذلك هو مسموعٌ لمالك كذلك في الغالب، وهو حجّةٌ عنده وعند مَن تبعه. والذي في البخاريّ مِن ذلك قد حذف البخاريّ أسانيدها عمداً ليخرجها عن موضوع الكتاب، وإنما يسوقها في تراجم الأبواب تنبيهاً واستشهاداً واستئناساً وتفسيراً لبعض الآيات. وكأنه أراد أن يكون كتابه كتاباً جامعاً لأبواب الفقه وغير ذلك مِن المعاني التي قصد جمعه فيها. وقد بيَّنتُ في كتاب "تغليق التعليق" كثيراً مِن الأحاديث التي يعلِّقها البخاريّ في الصحيح فيحذف إسنادها أو بعضها، وتوجد موصولةً عنده في موضع آخر مِن تصانيفه التي هي خارج الصحيح)). اهـ
قلتُ: فمعلقات البخاري التي لم يوصلها في أيِّ موضعٍ مِن صحيحه ليست داخلةً في موضوع كتابه الذي خصَّصه للأحاديث المسندة الموصولة، ومِن ثمّ فليست على شرطه في الصحيح.
والله أعلى وأعلم
ثالثا هل ما اسلفناه يعنى ان البخارى مدلس
قال ابن حجر : وهذا ليس مطردا في كل ما أورده بهذه الصيغة لكن مع هذا الاحتمال لا
يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على انه سمع ذلك من شيوخه ، ولا
يلزم من ذلك أن يكون مدلسا عنهم فقد صرح الخطيب وغيره بأن لفظ قال لا يحمل
على السماع إلا ممن عرف من عادته انه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع

-=-=-=-
أورد البخاري الحديث في باب «من يستحل الخمر ويسميها بغير اسمها»، مما يدل بوضوح على أنه لم يورده ليحتج بتحريم المعازف، بل ليستأنس به في وصف حال قومٍ من أهل اللهو الذين يغرقون في الفساد حتى يستحلوا ما حرّم الله. فلو كان البخاري يراه نصًا في التحريم، لأفرد له بابًا بعنوان «تحريم المعازف»، كما فعل في سائر الأبواب التي تضمنّت أحاديث الأحكام.
وهذا من فقهه الدقيق في التبويب الذي اشتهر بين المحدثين بقولهم: «فقه البخاري في تراجمه». فغياب الترجمة الخاصة بالمعازف مع وجود الحديث بين يديه أقوى شاهد على أنه لم يعتبره نصًا تشريعيًا يُبنى عليه التحريم.
ثالثًا: الرواية الموازية — حديث مالك بن أبي مريم
لقد جمع البخاري بين حديث عطية بن قيس، وحديث آخر رواه في التاريخ الكبير عن مالك بن أبي مريم، وفيه: «ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير».
هذه الرواية، وإن كانت تقوّي المعنى العام، فهي أيضًا ضعيفة الإسناد لجهالة مالك بن أبي مريم، لكنها تخلو من لفظة «يستحلون المعازف» التي انفرد بها عطية. فالمعازف في هذا السياق وصفٌ لحالهم أثناء استحلالهم الخمر، لا علةٌ للعقوبة.
قال ابن حزم في المحلى: «ليس في الحديث أن الوعيد إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها، والديانة لا تؤخذ بالظن».
ومن هنا يتضح أن اللفظة المختلف عليها — «يستحلون المعازف» — شاذة انفرد بها راوٍ ضعيف، وأن الأصل في الحديث إنما هو بيان غفلة القوم وانغماسهم في الخمر والملاهي، لا تشريع حكمٍ في ذات المعازف.
رابعًا: لماذا لم يخرّجه مسلم؟
لو كان الحديث صحيحًا على شرط البخاري، لأخرجه مسلم، وهو الذي قال عنه الدارقطني: «لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء». بل وصفه بأنه اقتفى أثر البخاري وجعل كتابه مستخرجًا عليه. فإعراض مسلم عن إخراجه قرينة قوية على أنه لا يراه مستوفيًا لشروط الصحة، سواء من حيث الإسناد أو من حيث المتن.
خامسًا: بين الرواية والدلالة — التمايز بين النص والتأويل
حتى لو افترضنا صحة الحديث سندًا، فإن دلالته لا تنهض على التحريم القطعي. إذ جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين الحرير والخمر والفرج والمعازف، وهذه المفردات تختلف في أحكامها اختلافًا بيّنًا. فالحرير حلال للنساء محرم على الرجال، والخمر محرمة مطلقًا لا يباح منها قليل ولا كثير، والفرج حلال بالزواج وملك اليمين، حرام في غيرهما، أما المعازف فلم يأت نصٌّ قطعي بتحريمها في الكتاب ولا في السنة الصحيحة.

-=-=-=-=-=-==-=-=-=-=- هل الموسيقى حرام؟ قراءة شرعية في حديث المعازف المعلّق عند البخاري
بقلم / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
من بين النصوص التي طال حولها الجدل في تاريخ الفقه الإسلامي حديث البخاري المشهور: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرّ والحرير والخمر والمعازف»، وهو الحديث الذي صار ركناً عند من حرّموا المعازف واتخذوه دليلًا قطعيًا في تحريم الموسيقى. غير أن المنهج العلمي والقراءة النقدية للنصوص تقتضي التفريق بين ما يُبنى عليه الحكم، وما يُستأنس به في الفهم والتصوير، وبين دلالة اللفظ في ذاته، وموقعه في سياق الخطاب النبوي الشامل.
هذا البحث ليس جدالًا في الهوى، بل محاولة لفهم كيف يَتشكّل النص في ضوء الرواية والنقد والواقع، وكيف تنعكس المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية في تفاعل الناس مع الفن والموسيقى، بين من يراها صوت الشيطان، ومن يراها تنفّس الروح في فضاء الجمال الإلهي.
أولًا: بين الرواية والتحقيق — عطية بن قيس في ميزان الشرعي
لم يكن إعلال الحديث من جهة الانقطاع فقط، كما فعل ابن حزم، هو العلة الوحيدة التي تمس متنه وسنده. فهناك علةٌ خفية أدق وأعمق، غفل عنها كثير من المتأخرين، وهي حال الراوي عطية بن قيس.
عطية من القراء الصالحين، عرف بالزهد والعبادة، لكن علم الرجال لا يقف عند العدالة وحدها، بل يشترط إلى جانبها الضبط، لأن الصدق في النفس لا يعصم اللسان من الوهم في النقل. فكم من صالحٍ ضعيف الحفظ، وكم من زاهدٍ ليس متقنًا للرواية.
عند مراجعة أقوال الأئمة، نرى أن عطية لم يبلغ مرتبة الاحتجاج. فأبو حاتم الرازي قال فيه: «صالح الحديث»، وهذه العبارة عنده ليست توثيقًا بل تليينًا. وقد شرح الألباني ذلك في السلسلة الضعيفة قائلًا إن أبا حاتم جعل «صالح الحديث» في منزلة من يُكتب حديثه للاعتبار لا للاحتجاج، فهي بمنزلة قوله «لين الحديث».
وقال ابن سعد: «كان معروفًا وله أحاديث»، وليس في هذا توثيق لضبطه، بل إشارة إلى شهرته فقط. أما ابن حبان فقد ذكره في الثقات، لكنه يوثّق المجاهيل، وهذا منهجه المعروف الذي نبه عليه غير واحدٍ من العلماء، منهم المعلمي والوادعي. وكذلك البزار قال: «لا بأس به»، وهي عبارة لا تدل على التوثيق المطلق، بل على قبول حديثه في المتابعات والشواهد.
إن هذه الأقوال، مجتمعة، تُخرج عطية بن قيس من دائرة الثقات، وتجعله في مرتبة من يُعتبر به لا من يُحتج به. ولهذا قال ابن حزم إنه مجهول، ووصفه الأرناؤوط وبشار عواد بأنه «صدوق حسن الحديث» دون أن ينسبا إليه توثيقًا معتبرًا.
وابن حجر حين وصفه في التقريب بأنه «ثقة مقريء» فاعتماده على فهمٍ غير دقيق لكلام أبي حاتم. فالظاهر أنه ظنّ أن كلمة «صالح الحديث» توثيق، بينما مراد أبي حاتم عكس ذلك. ومن هنا جاء الخلط في أحكام المتأخرين الذين نقلوا توثيق ابن حجر دون مراجعةٍ للمصدر الأصلي في نقد الرجال.
ثانياً: موضع الحديث في الصحيح — بين الاستشهاد والاحتجاج
من المهم إدراك أن عطية بن قيس ليس من رجال البخاري الذين احتج بهم في صحيحه، وإنما ورد حديثه على سبيل التعليق والاستشهاد. وقد نص المزي في تهذيب الكمال على ذلك فقال: «استشهد له البخاري بحديث واحد»، وبيّن ابن حجر أن المعلقات عند البخاري ليست داخلة في شرط الصحيح، بل يسوقها استئناسًا وتفسيرًا لبعض المعاني.
وقد أورد البخاري الحديث في باب «من يستحل الخمر ويسميها بغير اسمها»، مما يدل بوضوح على أنه لم يورده ليحتج بتحريم المعازف، بل ليستأنس به في وصف حال قومٍ من أهل اللهو الذين يغرقون في الفساد حتى يستحلوا ما حرّم الله. فلو كان البخاري يراه نصًا في التحريم، لأفرد له بابًا بعنوان «تحريم المعازف»، كما فعل في سائر الأبواب التي تضمنّت أحاديث الأحكام.
وهذا من فقهه الدقيق في التبويب الذي اشتهر بين المحدثين بقولهم: «فقه البخاري في تراجمه». فغياب الترجمة الخاصة بالمعازف مع وجود الحديث بين يديه أقوى شاهد على أنه لم يعتبره نصًا تشريعيًا يُبنى عليه التحريم.
ثالثًا: الرواية الموازية — حديث مالك بن أبي مريم
لقد جمع البخاري بين حديث عطية بن قيس، وحديث آخر رواه في التاريخ الكبير عن مالك بن أبي مريم، وفيه: «ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير».
هذه الرواية، وإن كانت تقوّي المعنى العام، فهي أيضًا ضعيفة الإسناد لجهالة مالك بن أبي مريم، لكنها تخلو من لفظة «يستحلون المعازف» التي انفرد بها عطية. فالمعازف في هذا السياق وصفٌ لحالهم أثناء استحلالهم الخمر، لا علةٌ للعقوبة.
قال ابن حزم في المحلى: «ليس في الحديث أن الوعيد إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها، والديانة لا تؤخذ بالظن».
ومن هنا يتضح أن اللفظة المختلف عليها — «يستحلون المعازف» — شاذة انفرد بها راوٍ ضعيف، وأن الأصل في الحديث إنما هو بيان غفلة القوم وانغماسهم في الخمر والملاهي، لا تشريع حكمٍ في ذات المعازف.
رابعًا: لماذا لم يخرّجه مسلم؟
لو كان الحديث صحيحًا على شرط البخاري، لأخرجه مسلم، وهو الذي قال عنه الدارقطني: «لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء». بل وصفه بأنه اقتفى أثر البخاري وجعل كتابه مستخرجًا عليه. فإعراض مسلم عن إخراجه قرينة قوية على أنه لا يراه مستوفيًا لشروط الصحة، سواء من حيث الإسناد أو من حيث المتن.
خامسًا: بين الرواية والدلالة — التمايز بين النص والتأويل
حتى لو افترضنا صحة الحديث سندًا، فإن دلالته لا تنهض على التحريم القطعي. إذ جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين الحرير والخمر والفرج والمعازف، وهذه المفردات تختلف في أحكامها اختلافًا بيّنًا. فالحرير حلال للنساء محرم على الرجال، والخمر محرمة مطلقًا لا يباح منها قليل ولا كثير، والفرج حلال بالزواج وملك اليمين، حرام في غيرهما، أما المعازف فلم يأت نصٌّ قطعي بتحريمها في الكتاب ولا في السنة الصحيحة.
ولو كانت محرّمة لذاتها كتحريم الخمر، لبيّن الرسول حدّها وعقوبتها كما بيّن حدود الزنا وشرب الخمر والسرقة. وإنما ورد ذكرها هنا على سبيل التوصيف لحال أولئك القوم الذين غرقوا في اللهو والترف حتى صارت حواسهم كلها مشغولة باللذة، فكانت المعازف رمزًا لحالة الانغماس الكلي في الغفلة لا نصًا تشريعيًا في ذاته.
سادسًا: في البعد الفلسفي والاجتماعي — من تحريم الصوت إلى قمع الجمال
إن إصرار بعض المتشددين على قراءة هذا الحديث قراءةً تحريمية صارمة يتجاوز الجانب السندي إلى بناء رؤية فكرية تُجرّم الجمال والفن. فالموسيقى — في حقيقتها — ليست آلة للهو بقدر ما هي لغة الروح، وإذا كان بعض الناس يوظفها في الباطل، فإن آخرين يجعلونها وسيلة للسمو والوجدان والتأمل.
إن التحريم المطلق للموسيقى كان في جوهره انعكاسًا لثقافة الخوف من الجمال، تلك الثقافة التي خافت من الفرح لأنه يقوّض سلطة الكآبة. أما الإسلام في جوهره، فهو دين الجمال والإتقان والتوازن، لا دين القمع والحرمان.
ولعلّ الخطورة هنا ليست في تحريم آلةٍ أو صوت، بل في تحوّل النصوص الظنية إلى أدوات قمعٍ اجتماعي وثقافي، باسم الدين. فكل نصٍّ يحتمل التأويل ينبغي أن يُقرأ في ضوء المقاصد الكبرى: الرحمة، والتيسير، وإحياء القلب.
إن الفقيه حين يتعامل مع النص، لا ينبغي أن يعزله عن سياقه الإنساني، لأن النص بلا وعيٍ بالإنسان يصبح أداة قتلٍ لا هداية. والموسيقى، بوصفها تعبيرًا عن الوجدان، قد تكون طريقًا إلى الصفاء بقدر ما تكون طريقًا إلى اللهو، كما أن الكلمة نفسها قد تكون ذكرًا وقد تكون لغوًا، والعبرة بالمقاصد لا بالآلات.
سابعًا: البعد المنطقي في الاستدلال
المنطق لا يقبل التعميم من الخاص، ولا التسوية بين المختلفات. فإذا كانت الخمر حرامًا لأنها تُذهب العقل وتفسد الفطرة، والحرير محرمًا على الرجال فقط دون النساء لحكمةٍ تتعلق بالتمييز والزينة، فكيف تُسوّى المعازف بهما في الحكم وهي لا تُذهب عقلًا ولا تمس عرضًا؟
بل إن جعلها في مستوى الخمر والحرير والفرج في الحديث نفسه قرينة على أن المقصود تصوير حال الغارقين في اللذة، لا بيان حكمٍ فقهي. ولو أراد النبي التحريم، لجاء النص صريحًا لا يحتمل التأويل، كما في قوله: «كل مسكر حرام».
نحو قراءة مقاصدية للنص
من خلال هذه المراجعة الشاملة يتضح أن حديث المعازف المعلّق في صحيح البخاري لا ينهض دليلاً على التحريم. فإسناده مضطرب لضعف عطية بن قيس وتفرّده باللفظ المختلف فيه، والبخاري لم يحتج به بل أورده استشهادًا، والروايات الموازية لا تخلو من ضعف، ومع ذلك تخلو من اللفظ المثير للجدل.
أما من جهة المتن، فالحديث لا يدل على التحريم، وإنما يصوّر حالة قومٍ غرقوا في اللهو واستحلوا الخمر والفواحش، فجاء ذكر المعازف عرضًا لا قصدًا. وأما من جهة الفكر، فإن ربط الدين بمحاربة الجمال والفن يناقض روح الإسلام التي تحتفي بالذوق والجمال والاعتدال.
فالدين ليس عداءً للحياة، بل ميزانٌ يضبطها. والموسيقى، إن لم تفسد القلب، فهي رَوحٌ له، وإن لم تجر إلى المعصية، فهي من مظاهر التذوق الإنساني الذي كرّم الله به الإنسان. والحديث، في ضوء نقده السندي ودلالته المنطقية، لا يصح أن يُتّخذ سيفًا على رقاب الناس في تكميم الجمال وتحريم الفن.
فالإيمان لا يناقض الجمال، بل الجمال مظهرٌ من مظاهر الإيمان، ومن ضيّق على النفس في غير ما نصٍ قاطعٍ من الله، فقد جعل من الدين سجنًا لا حياة فيه، والله تعالى ما خلق القلوب إلا لتفيض بالعشق والنور، لا بالتحريم والخوف. 

الدين يسر ...
جواز رفع مشقة التكليف باتباع كل سهل في الأحكام الشرعية
واختيار الاسهل من اقوال فقهاء المذاهب الاربعة .... وليس تمييعا للدين او رقة في ايمان من أخذ بهذا فأوغلوا فيه برفق
وهذا ليس من باب تتبع الرخص باتباع الهوى أو نتيجة تلفيق
أن التلفيق قد يؤدي إلى مخالفة إجماع العلماء بخلاف تتبٌّع الرٌّخص، فإنه يكون بأخذ قول أحد من العلماء.الاسهل والايسر.... اما التلفيق هو ان تجمع فتوى من عدة فتاوي لا يقبل اي من المذاهب الاربعة بالصورة التي قمت بتجميعها...
1. قال ابن الهمام : أنه لا يمنع منه مانع شرعي، فللإنسان أن يسلك الأخف عليه ..
2. قال السبكي أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته فيجوز
3. قال البلقيني جواز تقليد المرجوح وتتبعه
وهذا حكم عام ... يتحمل العامي اللامذهبي والعامي المذهبي... فليس الامر موجه الى العوام الذين لا مذهب لهم ويقلدون ما هو شائع في بلدانهم...
كذلك يحتمل هذا الامر مقلد مذهبي اقتضت ظروفه في مسألة ما ان يقلد غير مذهبه لانه ايسر واسهل.. فاجاز له الانتقال من مذهبه الى مذهب متبوع معتبر وليس الى. قول شاذ في احد المذاهب .. وهذا حكاه النووي والسبكي وغيرهم من رجالات المذاهب ومما يعوّل عليهم في شرح مقصود مفردات المذهب....
فلا نقصره على العامي الا من حيث اردنا له تقليد من داخل المذاهب الاربعة كي لا ياخذ ممن هو خارج اقوال الاربعة وحددنا له جواز الاخذ بالاسهل مطلقا بخلاف من اجازوا له من الملتزمين المذهبيين بتقييدها للضرورة....