بصائر ورسائل فقهية
قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الجمعة، 3 يوليو 2026
همسات إلى الصحوة الإسلامية - حَيْدَر قُفَة
المقدمة
[صفحة ٣] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فالصحوة الإسلامية بين الناس عموماً، والشباب خصوصاً حقيقة واقعة عمت العالم كله، فما تجد بقعة من بقاع الأرض إلا وفيها من يقول: (لا إله إلا الله) إن بصوت مرتفع يسمع الناس من حوله، وإن بصوت منخفض لضعف الإمكانات، وقلة النصير، وتحسباً لكيد الأعداء، وتربص جند إبليس اللعين من الإنس والجن. وهذه الصحوة المباركة أخذت تظهر بشكل واضح في كثير من بقاع الأرض، مما يبشر ببزوغ فجر جديد لحياة مشرقة نظيفة، بعد التيه والضياع الذي عاشه الناس نتيجة لتمزقهم بين التيارات الفكرية المتباينة، والأمواج الحضارية المختلفة، مما أحدث عندهم نوعاً من البلبلة والتمزق الحاد. وهذه الصحوة المباركة التي ينتظر منها أن تُخَلَّص عالمنا العربي والإسلامي من حالة الموات التي تعيشها المنطقة وشعوب المنطقة، لتنشىء مجتمعات قوية نظيفة، يحكمها الإسلام وقيم الإسلام، لن تترك وشأنها، لأن أعداء الأمة من الأجانب في الخارج وتلاميذهم في الداخل لن يرضيهم التحول إلى النور أو إلى الأفضل، لأن بقاء الأوضاع كما هي يخدم مصالحهم الخاصة. وكل ما يتعارض مع مصالحهم الخاصة سيقاومونه بكل قواهم، حتى لو كان فيه خير الأمة ومصلحتها وسعادتها.
[صفحة ٤] ولما كان نهوض هذه الأمة من كبوتها، ومن سباتها العميق، يقلق الأعداء في الخارج، لأنه يعني بالنسبة لهم عدم السيطرة على هذا العالم - العربي والإسلامي - بأرضه وناسه؛ كان لا بد لهم من تجنيد قوتهم المادية والبشرية والعلمية، مستعينين ببعض النفعيين من أبناء الأمة ذاتها لضرب هذه الصحوة، أو إجهاضها، أو تهميشها. ولا غرو أن نجد دولاً عظمى - كأمريكيا مثلاً - تجند إمكاناتها لرصد الصحوة الإسلامية في كل بلد عربي وإسلامي أو غيرهما من البلدان، بعد أن غزتهم هذه الصحوة في أمريكيا ذاتها. ولذا نجد بعض الكتاب والمفكرين يعكفون على عمل دراسات عن الحركات الإسلامية، وينالون بها الدرجات العلمية كالماجستير والدكتوراة، كل ذلك بتكليف ونفقات وزارة الخارجية الأمريكية، والمخابرات المركزية الأمريكية (١)، ونجد أناساً من أبناء هذه الأمة العربية والإسلامية، يحرصون على جمع كل ما ينزل الأسواق من كتب ومجلات وجرائد وصحف ودوريات ونشرات لتزويد مكتبات معينة في أمريكيا بالذات، أو بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من البلدان، وتجد في هذه المكتبات كل ما تود رؤيته، حتى تلك الكتب والمطبوعات الممنوعة التي لا تجدها في بعض البلدان الإسلامية والعربية، جهلاً من السلطات أو تعصباً مقيتاً من بعض المسؤولين، تجدها في مكتبة الكونجرس أو الكرملن أو وزارة الخارجية الأمريكية أو المخابرات المركزية الأمريكية... الخ فماذا تعني هذه الأمور؟! (١) كالدراسة التي قام بها ريتشارد ب. ميتشل عن الإخوان المسلمين.
[صفحة ٥] وقد يثيرك العجب إن علمت أن بعض هذه الدوائر الأجنبية تعلم عن أمتنا، وعن رجالها أكثر مما نعلم نحن!! لا لإمكاناتها وقدرتها فقط، ولكن لجهلنا وانشغالنا - أو إشغالنا - بالتافه من الأمور. ولذلك لا نجد عجباً إذا سمعنا أن وزارات الخارجية في كل من أمريكيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وربما غيرها، طلبت كل منها من سفرائها في الدول العربية والإسلامية، وبمساعدة من أعوان لها في الداخل، رصد الحركات الإسلامية، وكتابة تقارير عنها وعن رموزها وقياداتها. وبعد كتابة هذه التقارير، ورصد الحركات الإسلامية، ومراقبة الصحوة الإسلامية، لا بد من عمل دراسة شاملة للمنطقة ولسكانها، القصد منها توجيه ضربة للصحوة الإسلامية للقضاء عليها أو إجهاضها أو تهميشها - كما قلت سابقاً - حتى تبقى المنطقة كلها، بأرضها وناسها تحت مظلة أعداء هذه الأمة من الشرق والغرب. وإذا كان هذا هو الهدف الذي تسعى إليه هذه الدول بمساعدة بعض أبناء هذه الأمة في الداخل، تحت أسماء ولافتات شتى متنوعة، نجدهم أيضاً يسعون إلى هدفهم باستغلال بعض السلبيات التي تظهر من بعض شباب الصحوة الإسلامية ذاتها، لضربها من الداخل وبنفس هذه الأخطاء ذاتها. ومن هذه الأساليب الماكرة التي درست بعناية فائقة، استغلال بعض الوقائع الصغيرة، التي حدثت من بعض أفراد الصحوة، وتجسيمها وتكبيرها حتى تبدو في حجم الجبال، ثم يكرون على الصحوة من جديد، شانئين مشنعين مشهرين حتى تبدو الواقعة التافهة كأنها خط فكري أو سلوكي لدى الصحوة الإسلامية، أو لدى الإسلام نفسه، تخدمهم في ذلك عوامل عدة منها: أ - غفلة شباب الصحوة أحياناً عما يراد بهم. ب - سيطرتهم على وسائل الإعلام. ج - القهر الذي تمارسه بعض المؤسسات الإعلامية والرسمية التي يقوم عليها بعض أتباعهم وتلاميذهم. د - ضعف إمكانات المسلمين المادية أمامهم.
[صفحة ٦] ولكن الله غالب على أمره، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فمن كان يظن أن هذه الصحوة المباركة ذاتها تولد من رحم الاضطهاد الهمجي البشع الذي مورس ضد الإسلام والمسلمين وعلماء الإسلام في أكثر من بقعة من بقاع العالم الإسلامي، حتى خيل للناس أن الظلام عم، ولا أمل في بزوغ الفجر أبداً إلى قيام الساعة، وإذا قدرة الله تعالى تتجلى فتقول للناس بلسان الحال ها هي الحركات الإسلامية تضرب وتشرد ويُقتل أبناؤها ورجالها وعلماؤها، حتى إذا أصاب بعض الناس اليأس والقنوط واستسلموا جاءهم البشير: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: ١١٠] ليعلم الناس جميعاً، أن النصر بيد الله وحده، وأن بقاء الإسلام وانتصاره ليس بفلان أو علان، أو بالجماعة الفلانية أو العلانية، ولكنه بقدرة الله وإرادته، وهو الذي يحفظه إلى قيام الساعة.
(حاشية صفحة ٦): (١) نشرت جريدة المسلمون الدولية التي تصدر من جدة في عددها رقم ١٦١ الصادر بتاريخ ١٦ رجب سنة ١٤٠٨ هـ الموافق ٤ مارس ١٩٨٨ م تحت عنوان «دراسة سرية عن المد الإسلامي تعدها السوق الأوربية» قالت فيه: بدأت دول السوق الأوربية المشتركة إعداد دراسة عن المد الإسلامي في الشرق الأوسط تتضمن الدراسة تركيزاً شديداً على الأصولية الإسلامية وانعكاساتها على الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط. صرحت مصادر السوق الأوربية في بروكسل بأنه سوف يشارك في إعداد هذه الدراسة عدد من الخبراء والمسؤولين الأوربيين المعنيين مباشرة بمتابعة شؤون الشرق الأوسط وملف «المد الإسلامي». وأضافت هذه المصادر أن قرار إعداد هذه الدراسة اتخذ بعد أن اكتشفت قيادات السوق الأوربية أن عدة دول أوربية لا تملك صورة واضحة وحقيقية بشأن هذه القضية وأبعادها وانعكاساتها السياسية والاقتصادية على أوربا الغربية، ومدى تأثيرها على تطور الأوضاع في الشرق الأوسط. الدراسة ستنشر بشكل سري وتوزع على الأعضاء فقط في دول السوق الأوربية المشتركة، مما يدل على مدى الاهتمام المريب بتقصي حقائق أوضاع الدول الإسلامية أ.هـ الخبر المنشور في الصفحة الأولى من «المسلمون».
[صفحة ٧] أما الناس، فهذا امتحان لهم، ليرى الله - وهو أعلم بخلقه - من يعمل لنصرة الإسلام ويجاهد في سبيله، ممن ينام ويتخاذل فضلاً عن الوقوف منه موقف العداء الخفي أو الجلي. والجهاد في سبيل نصرة الإسلام هو جهاد المصلحة المجاهد نفسه، فالله غني عن العالمين {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهَدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: ٦] {وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: ٢٥]. فجهاد الناس لخدمة الإسلام، إنما هو جهاد لأنفسهم، حتى يرضى الله عنهم، ويستحقون به جنته، وهو امتحان عسير إلا على من أخلص نيته لله، وباع نفسه له، واشترى سلعة الله، ألا إن سلعة الله الجنة. وحرصاً مني على لفت أنظار شباب الصحوة الإسلامية لهذا الكيد الذي يراد بهم، كتبت هذه الكلمات المباركات إن شاء الله، لأحذر وأنبه، وفي الوقت نفسه أصحح بعض المواقف. فمن الأمور التي باتت معروفة لكل ذي تجربة أن الإنسان الذي عاش في ضياع داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، من خلال وراثة هذا الدين دون التفاعل معه، حتى أصبح كأنه مكمل للحياة يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة، إذا تعارض مع مصالحهم الدنيوية!! هذا الإنسان إذا خالط الإسلام الصحيخ قلبه وروحه وفتح بصره وبصيرته، أقبل على الإسلام بحب وحماس شديدين ملتزماً التزاماً قوياً بكل ما يقرأ أو يسمع من قيم الإسلام ومبادئه، وهو في فورة هذا الحماس، يرتكب بعض الأخطاء الصغيرة الهينة، عن جهل وعدم معرفة، فإذا مارس الإسلام واقعاً حياً في حياته، تراجع عن هذه المواقف، وبدأت الأمور تتضح له.
[صفحة ٨] إلا أن أعداء الأمة في الخارج، وتلاميذهم في الداخل، يأخذون هذه الهفوات فيسلطون عليها مجاهرهم، وينشرونها مكبرة معظمة، حتى يفسدوا على شباب الإسلام حياتهم، ويحولوا بين الناس الآخرين وبين الإسلام، ويقولوا لهم: انظروا.. هذا هو الإسلام الذي يريدونه لكم، وهذه هي رموز الصحوة الإسلامية، وهذا هو سلوكهم. ولذلك أردت أن أضع الحادثة التي رأيت - أثناء عملي كمدرس بمدارس قطر، وكخطيب بمسجدي كليب، وسعد بن معاذ بالدوحة، وكداعية إلى الله عز وجل، يلجأ الناس إليه في بعض قضاياهم ومشاكلهم - أمام شباب الصحوة الإسلامية حتى ينتبهوا. وعملي في هذه الهمسات أنني أذكر الحادثة التي اطلعت عليها، وهي حادثة حقيقية حدثت أمامي، أو وصلت إلي عن أناس أعرفهم، حتى أكاد أرى رؤوس أصحابها وهي تطل علي من بين السطور، إلا أنها لا تعني هؤلاء الأشخاص وحدهم، فقد آخذ الحادثة المعينة، فأضيف إليها من اللمسات التي رأيتها في حوادث أخرى متشابهة لأشخاص آخرين، إلا أنها تخدم فكرة واحدة أو غرضاً واحداً، فأسوق الحوادث المتشابهة تحت عنوان واحد، فتكتمل الصورة من الأشتات المتفرقة للحوادث المتشابهة، ثم أعالج هذه الحادثة ذات الصور المتعددة بما حباني الله من علم، ومقدرة على الكتابة والشرح والدعوة إليه.
[صفحة ٩] فلا يظن أحد أنني عنيته بشخصه بهمستي تلك، أو بكلمتي هنا أو هناك، إنما عنيت الحالة ذاتها، والموقف ذاته، كان هنا أو كان هناك، حدث في هذا البلد أو ذاك. لا يعنيني الأمر بقدر ما يعنيني تصويب الخطأ، والإرشاد إلى الصواب. وأريد التأكيد على نقطة مهمة، أحب أن يعلمها كل الناس، وهي أن من عانى الكتابة والتأليف وعالج الأفكار، يدرك تماماً أن الكلام أو الأفكار التي يطرحها الكاتب، قد تكون بنت حادثة معينة، أو موقف معين، لأشخاص معينين، وقد يكتب فكره هذا، وهو يعيش في جو تحيط به أطياف هؤلاء الأشخاص من كل جانب، فتأتي كتابته متأثرة - بشكل أو بآخر - بالجو الذي يعيشه عند الكتابة. ولكن بمرور الوقت وتتابع الزمن تذهب الأطياف، وتبدد الأجواء، وقد تنقطع الصلة بين الكاتب وأصحاب هذه الحوادث، ولكن تبقى «الكلمة» وتبقى الأفكار حية إلى قيام الساعة. هذه الكلمات، وهذه الأفكار هي الحقيقة العلمية المجردة، التي يجب أن يحرص عليها الكاتب، فلا يأتي فكره إلا ليخدم الحقيقة المجردة، التي لا علاقة لها بفلان أو بفلان، أو بهذا البلد أو ذاك، لأن كلماته وأفكاره وكتبه ستتوارثها الأجيال، فتصبح شاهدة له أو عليه. ومن هنا أقول: كتبت هذه الكلمات خالصة لوجه الله، طالباً الحق أينما وجدته، لا يعنيني من كان معي أو كان ضدي، ولكن المهم أنني قلت وكتبت ما أعتقد أنه الصواب، هذا هو الموقف الذي سيبقى على مر التاريخ حتى ألقى الله عز وجل.
[صفحة ١٠] والله - تبارك وتعالى - أسأل، أن يبارك في هذه الكلمات والهمسات، وأن ينفعني بها ويدخرها لي عنده، وينفع بها كل من قرأها، إنه سميع قريب مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. عمان صباح السبت ١٧ رجب ١٤٠٨ هـ / مارس ١٩٨٨ م حيدر
١ - الاختلاط العائلي
[صفحة ١١] دخل الرجل بيت أخيه، فسلم وجلس، وأخذ يتجاذب أطراف الحديث مع أخيه... وبعد فترة، وإذا بنقرات على الباب الداخلي، فقام صاحب البيت وأحضر الضيافة. دهش الأخ الزائر لهذا التصرف؛ فإن زوجة أخيه، والتي هي ابنة عمه، والتي نشأت معهما أطفالاً، لا تظهر عليه.. ولا تكلمه..!! نمط جديد في السلوك لم يتعوده..!! المرأة فهمت بعض تعاليم الإسلام بعد جفاء وطول غفلة، وأرادت الأسرة أن تطبق ما فهمت من تعاليم الإسلام، فتحجبت المرأة، ولم تعد تتكلم أو تجلس مع أقاربها أو أقارب زوجها من الرجال.. شعر الأخ الزائر بشيء من الإهانة لا سيما وهو الأخ الأكبر، ثارت الدماء في عروقه، غضب، ولم تفلح الحجج القوية في إقناعه، وغضب لغضبته الأب والأم والإخوة والأخوات... وتقطعت حبال المودة، وذر الخلاف والجفاء بقرنه بين الأخوين، ومن ثم بين الأهل وهذه الأسرة التي بدأت تسير على طريق الإسلام، فانقسموا إلى فريقين، وكلاهما يتصور أنه على صواب.
[صفحة ١٢] الإسلام دين الفطرة السوية، وهو دين المودة وصلة الأرحام، ولم يحرم الإسلام شيئاً إلا لضرر محقق يلحقه بالناس، فتعاليمه لحماية المجتمع، لا لتفتيت الناس، وتقطيع الأرحام. ولما كان الناس قد بعدوا عن دينهم، وحلت محله الأعراف الخاطئة، سلكوا مسالك عدة استعاضوا بها عن الدين، وفهموا لطول الممارسة أن هذا هو الصحيح، وما عداه باطل. فلما بدأ الناس يرجعون إلى تعاليم دينهم، وأخذت الصحوة الإسلامية طريقها إلى القلوب؛ فهم بعض الناس الإسلام على غير وجهه، فهم جاؤوا الأمر من أقصاه إلى أقصاه، في حين أن رجعتهم إلى الإسلام وسلوكيات الإسلام لا تعني محاربة كل شيء في المجتمع، فإن بعض القيم والعادات السائدة لها جذورها الإسلامية، ومن الخطأ محاربتها والتصادم معها. ومن هنا يأتي الشاب الملتزم أو الشابة الملتزمة فيريدان تطبيق الإسلام - بفهمهم الخاص - فيصطدمان مع سلوكيات اجتماعية لا يعارضها الإسلام، وإن كان يهذبها. فلو أن الناس عدلوا قليلاً في بعض سلوكياتهم لاتفق مع روح الإسلام ونص تعاليمه دون مشقة وعسر، أو خلاف يقطع أواصر المحبة ووشائج القربى. والسؤال: هل الإسلام يمنع أن تجلس المرأة مع أقاربها أو أقارب زوجها من الرجال في وجود محرم لها، وبلباس شرعي محتشم، متقيدة بشروط التقوى؟
[صفحة ١٣] لقد كانت حياة الصحابة - رضوان الله عليهم - خالية من العقد النفسية، والحساسية المتعبة التي يعيش فيها ناس هذا الزمان، ولقد كان الاختلاط بينهم - بشروطه الشرعية - حاصلاً دون حساسية أو سوء ظن، والأحاديث والوقائع في ذلك كثيرة: فقد ذكر البخاري - رحمه الله - في باب «تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال» حديث سهل رضي الله عنه - قال: كنا نفرح يوم الجمعة، قلت لسهل: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز... وفي كتاب الجمعة: كانت لنا امرأة ترسل إلى بضاعة (قال ابن مسلمة راوي الحديث: نخل بالمدينة) فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قدر وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا، ونسلم عليها فتقدمه إلينا فنفرح من أجله... إلخ الحديث (١). قال العسقلاني في الفتح: «... فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة» (٢) (لاحظ: السلام غير المصافحة). وذكر البخاري أيضاً في باب «قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس» حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: لما أعرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلت تمرات في تور من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي ﷺ من الطعام أمانته له فسقته تتحفه بذلك (٣). وفي رواية: (فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس). قال العسقلاني في الفتح: «... وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من الستر» (٤).
(حواشي صفحة ١٣): (١) فتح الباري جـ ١١ ص ٢٨. (٢) المرجع نفسه ص ٢٩. (٣) فتح الباري جـ ٩ ص ٢٠٥. (٤) المرجع نفسه ص ٢٠٦.
[صفحة ١٤] وروى مسلم - رحمه الله - عن أنس (رضي الله عنه) قال: قال أبو بكر لعمر (رضي الله عنهما): انطلق بنا إلى أم أيمن (رضي الله عنها) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ فقالت: إني لا أبكي، إني لأعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (١). قال النووي في شرح صحيح مسلم: «فيه زيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة وسماع كلامها» (٢). أما حديث عقبة بن عامر (رضي الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو. قال: الحمو الموت» (٣) فإنه يعني الدخول عليها والخلوة بها دون محرم. ويوضح ذلك تمام التوضيح حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» (٤). ولا شك أن كلمة (يخلون) تعني الجلوس معها والانفراد بها، لأن الاستثناء في قوله: «إلا مع ذي محرم» يعني: إذا كان المحرم موجوداً فلا بأس بالتواجد معها في مكان واحد. ويدل على ذلك أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال رسول الله ﷺ: «لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان» (٥). والمغيبة هي التي غاب عنها زوجها.
(حواشي صفحة ١٤): (١) رياض الصالحين ص ١٧٠. (٢) هامش إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري جـ ٩ ص ٣٤١. (٣) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٥٦٢. (٤) متفق عليه. رياض الصالحين ص ٥٨٠. (٥) صحيح مسلم جـ ٤ ص ١٧١١ حديث ٢١٧٣.
[صفحة ١٥] أما قوله تعالى في شأن نساء النبي ﷺ: {... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: ٥٣] فإن ذلك خاص بنساء النبي، فإذا تقيدت به امرأة من عامة الناس فلا بأس، وإن لم تفعل فلا حرج عليها. أما دعوى أن هذا الأمر يلزم كل النساء فلا دليل عليها. وأما قول من قال: أن هذا في شأن نساء النبي ﷺ وهن أطهر من غيرهن وأتقى، فالأمر ألزم في شأن من دونهن، فهذا أمر مردود، لأن الله عز وجل أراد أن يحيط بيت النبوة بسياج لا تنفذ منه الريبة، ويعصمه من كل خلل، لأنه أصل الرسالة، وعنهن يؤخذ العلم، وهذا وضع خاص بهن، بدليل أن الله عز وجل ضاعف لهن العذاب، كما ضاعف لهن الثواب كذلك: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ...} [الأحزاب: ٣٠-٣٢] وهذا وضع متميز لمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا نقول: أنه في حالة الأقارب الأدنيين، والأصهار الأقربين، الحالة التي يشق على الناس فيها العزلة التامة، لا بأس أن تجلس المرأة معهم، في وجود أحد محارمها كالأب والأخ والزوج والابن والعم والخال والجد..... محتشمة حشمة واضحة، آخذة بأسباب التقوى، وهذا حال الفلاحات في القرى والبدويات في البادية منذ القدم إلى يومنا هذا، حيث يقمن بخدمة الضيوف، والتردد على مجلسهم، ومخالطة الرجال الأجانب (غير المحارم) في الأسواق والحقول، وهن متحفظات بسترهن وحشمتهن (١). وإن شعرت أن هناك سبباً يخل بذلك، ولا تأمن فيه من الفتنة فلتتحرز من ذلك جهدها، وإن أخذت بعدم الجلوس معهم أو الظهور عليهم والاختلاط بهم بالشروط السابقة، دون عسر أو إحداث خلاف أو تقطيع رحم، فهو أولى وأكمل، وتكون أخذت بالعزائم، والله يوفقها ويثيبها على نيتها.
(حاشية صفحة ١٥): (١) آداب الزفاف للألباني ص ٩٢ طبع المكتب الإسلامي، يا فتاة الإسلام للبليهي ص ٤٠.
٢ - مصافحة الجنس الآخر
[صفحة ١٦] سافر الشاب إلى جامعته تودعه القلوب المحبة رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، سيغيب تسعة أشهر كاملة. استقر في غربته، ومضت الشهور التسعة، تعلم فيها الكثير، وحن فيها إلى أهله وأقاربهم كثيراً، واشتاقوا إليه خلالها كثيراً، أخذوا يعدون الأيام لعودته. هناك فتح الله قلبه، وأنار بصيرته، وفهم شيئاً من دينه، ورجع إلى أهله وأقاربه بفكر جديد، وسلوك جديد، والتزام حديد (بالحاء وليس بالجيم). هبت العائلة كلها لملاقاته بفرح وشوق، أبوه، أعمامه، أخواله، أمه، خالاته، عماته... زوجة عمه الكبير، والتي هي أكبر من أمه وأحفادها يملأون البيت. بالفرحة الغامرة، والشوق الكبير، مدت يدها لتصافحه كما فعل الباقون، سحب يده ورفض.. فهو لا يصافح النساء... صدمت، تألمت، تراجعت يدها وتراجع معها الحب والوئام، ونبتت الأشواك، وأزهرت الخلافات، وكثر الكلام، وانقطعت أواصر القربى، ووشائج العائلة الواحدة. عاد إلى جامعته، ولم يعد الصفاء بعده إلى العائلتين الصغيرتين، ولم تنفع جلسات التهدئة، ولا مناقشات العائلة، ولا كلمات التبرير والتماس العذر، وانقسمت الآراء والقلوب إلى حزبين وكل حزب بما لديهم فرحون، ولموقفهم متعصبون.
[صفحة ١٧] إذا كانت النية الحسنة للإنسان سبباً في مغفرة الذنب عند الله، فهي ليست كذلك عند الناس، وما لم يترتب على النية الحسنة فعل حسن، فإنها لا تغتفر عند البشر، ولذلك يجب أن تدرس الأمور بعناية حتى ينتج الفعل الحسن والسلوك الحسن، لا أن تأتي النوايا الحسنة بنتائج سلبية سيئة. والشاب الذي تحمس لدعوته في فورة انفعاله، في مراحل فهمه الأولى للإسلام، يتصور أن حماسه هذا، والتزامه هذا، هو الصواب الذي يريده الله ويؤيده، مهما ترتب عليه من نتائج، حتى ولو كانت تضر بالإسلام أو تضر بالدعوة إليه، وتصد عن سبيل الله، غافلاً عن التدرج الهادىء، مغمضاً عينيه عن قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: ١٠٣-١٠٤]. لقد ورد في شأن المصافحة بين الجنسين عدة أحاديث نوردها مرتبة حسب أهميتها: الحديث الأول: عن عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحن بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ...} إلخ الآية [الممتحنة: ١٢] قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة. وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ: «انطلقن، فقد بايعتكن» ولا والله، ما مست يد رسول الله يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله، ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط، إلا بما أمره الله تعالى. وما مست كف رسول الله كف امرأة قط. وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: «قد بايعتكن» كلاماً (١). قال العسقلاني في فتح الباري: أي يقول ذلك كلاماً لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة (٢).
(حواشي صفحة ١٧): (١) صحيح مسلم جـ ٣ ص ١٤٨٩ حديث رقم ٨٨ وعند البخاري مثله انظر فتح الباري جـ ٨ ص ٥١٦. (٢) فتح الباري جـ ٨ ص ٥١٦.
[صفحة ١٨] وقال النووي في شرح مسلم: «فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ بالكف، وفيه أن بيعة الرجال بأخذ بالكف مع الكلام، وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يلمس بشرة أجنبية من غير ضرورة كتطبيب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها مما لا توجد امرأة تفعله، جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة» (١). وقال الشيخ السفاريني: «وفي الحديث إشارة إلى مجانبة النساء الأجانب، وعدم النظر إليهن، ومجانبة مسهن» (٢). الحديث الثاني: عن ابن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة (بضم الراء وفتح القافين) أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه على الإسلام، فقلن: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف. فقال رسول الله ﷺ: «فيما استطعتن وأطقتن» قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «إني لا أصاحف النساء، إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة» (٣). والحديث واضح، فهي تطلب المصافحة في البيعة كما فعل الرجال عند المبايعة، فأجاب النبي ﷺ: «إني لا أصافح النساء».
(حواشي صفحة ١٨): (١) بهامش إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري جـ ٨ ص ٦٣. (٢) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد ج ٢ ص ٩٣٠. طبع المكتب الإسلامي. (٣) أخرجه مالك والنسائي وابن حبان وأحمد وغيرهم وهو صحيح الإسناد. انظر شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد جـ ٢ ص ٩٢٥، أدلة تحريم مصافحة المرأة الأجنبية لأحمد إسماعيل ص ١٠.
[صفحة ١٩] الحديث الثالث: عن معقل بن يسار (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له» (١). هذا عمدة ما ورد في المصافحة من أحاديث، وهناك أحاديث أخرى تتعلق بالموضوع من بعيد، إلا أنها توضح الطريق لفهم القضية التي نحن بصددها، كما أن هناك أقوالاً للعلماء وروايات نورد أهمها قبل أن نأتي بالخلاصة: ١ - قال ابن عباس (رضي الله عنهما): ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (٢). ٢ - قال عبد الرحمن بن نافع: سألت أبا هريرة عن قوله تعالى: {إِلَّا اللَّمَمَ} قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا (٣). ٣ - قال ابن الجوزي في تعريف اللمم، وهو أحد أقوال ستة: أنه صغار الذنوب كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا. قاله ابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي ومسروق. ويؤيد هذا حديث أبي هريرة.. ثم أورد الحديث السابق كما في الصحيحين (٤).
(حواشي صفحة ١٩): (١) رواه الطبراني والبيهقي، وقال المنذري: رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح. انظر الترغيب والترهيب جـ ٣ ص ٣٩ حديث رقم ١٦. (٢) الحديث أخرجاه في الصحيحين. انظر اللؤلؤ والمرجان ص ٧٢٠ حديث رقم ١٧٠١. (٣) تفسير ابن كثير. سورة النجم / ٣٢. (٤) زاد المسير جـ ٨ ص ٧٦. طبع المكتب الإسلامي.
[صفحة ٢٠] ٤ - نقل العسقلاني في الفتح عن ابن بطال قوله: تفضل الله على عباده بغفران اللمم إذا لم يكن للفرج تصديق بها، فإذا صدقها الفرج كان ذلك كبيرة (١). ٥ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ...} فقال الرجل: يا رسول الله: ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» (٢). ٦ - وسئل الإمام أحمد: تكره مصافحة النساء؟ قال: أكرهه (٣). ٧ - قال المودودي: وهذه الأحكام أيضاً تخص الشواب من النساء، وأما العجائز اللاتي قد طعن في السن، فتجوز الخلوة بهن ولا يمنع من لمسهن. فيروى عن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أنه كان يزور قبيلة كان قد ارتضع فيها، فيصافح العجائز من تلك القبيلة، وقيل عن عبد الله بن الزبير (رضي الله عنه) أنه استأجر عجوزاً تمرضه، وكانت تغمز رجليه وتفلي رأسه (٤). هذه خلاصة الآراء والنقول التي توصلنا إليها في الموضوع، وهي كما تبدو متعارضة، إلا أنها في الحقيقة لا تعارض بينها، والأمر الذي نؤكد عليه قبل سوق الخلاصة التي نراها ونميل إليها، أن المسلم يعيش مجتمعه وحياته في هذه الفترة من الزمان بكل ما فيها من شبهات وتجاوزات والتزامات... الخ، وليس من المفروض عليه أن يعتزل الناس ويتقوقع على نفسه، ولا أن يعيش في مجتمع افترضه افتراضاً في مخيلته، ولا أن يعيش في مجتمع تصوره بعض الناس له وطالبوه بنمط واحد لا يصلح إلا لهذا المجتمع. ومن جانب آخر، هو داعية إلى الإسلام، يأخذ هذه القلوب النافرة برفق، فيعيدها إلى حظيرة الإسلام، دون أن يحدث فيها شرخاً، أو لها ردة فعل تسيء إليها وإليه وإلى الإسلام عن حسن نية وسلامة قصد، ولا نفترض فيه أن يقف موقفاً جامداً لا مرونة فيه، قد يؤدي به وبدعوته إلى مشاكل أخطر من مشكلة المصافحة بحد ذاتها. ولذا نقول وبالله التوفيق:
(حواشي صفحة ٢٠): (١) فتح الباري ج ١١ ص ٤٢٧. (٢) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٧٥١ حديث رقم ١٧٥٨. (٣) الآداب الشرعية والمنح المرعية ٢٦٩/٢ (نقلاً عن أدلة التحريم ص ٢٥). (٤) الحجاب للمودودي ص ٢٧٨ وقد نقله عن تكملة فتح القدير جـ ٨ ص ٩٨.
[صفحة ٢١] ١ - على المسلم أن يجتنب مصافحة النساء الأجنبيات (غير المحرمات على التأبيد) جهده، سواء أكانت ابنة عمه أو ابنة خاله، أو زوجة عمه، أو زوجة خاله... إلخ. سواء أكانت شابة أو عجوزاً. ٢ - إذا كانت المرأة الأجنبية عجوزاً من القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً - أي اللاتي وضع الله عنهن الحجاب كما ورد في سورة النور، فيجوز له مصافحتها مع الكراهة، والأولى تركها (أي المصافحة). ٣ - إن كانت هناك ضرورة كعلاج وغيره جاز اللمس سواء أكانت شابة أو عجوزاً، وتقدر الضرورة بقدرها. ٤ - إن كان المسلم في موقف حرج، يرى فيه أن عدم المصافحة يتسبب في مشكلة جرمها أكبر من المصافحة؛ صافح مكرهاً غير بادىء، معتبراً ذلك من اللمم، كما في تفسير أبي هريرة وغيره للممم، وهي - بلا شك - أي المصافحة أخف من القبلة التي وردت في حديث ابن مسعود السابق في الصحيحين. ٥ - أن يصلي ركعتين يكفر بهما إثم هذه المصافحة، كما في حديث ابن مسعود السابق، وكما في حديث أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له» (١) والحمد لله رب العالمين.
(حاشية صفحة ٢١): (١) رواه أحمد وأهل السنن تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٥٨١.
٣ - استخدام الشمال في الأكل
[صفحة ٢٢] حضر الوفد الزائر إلى البلد، ثلة من العلماء وأهل الفضل، وتقدم أحد طلبة العلم فدعا الوفد للإفطار عنده، حيث كانت الأيام من رمضان، ورمضان شهر الكرم والجود واجتماع الناس على الطعام، وحرص المسلمين على الثواب، فمن فطر فيه صائماً كان له مثل أجره. وحظي الرجل بموافقة الوفد على دعوته، فدعا معهم زملاءه في العمل وأهل الفضل في البلد، فمن إكرام الضيف أن تحيطه بمجموعة من معارفه، فإن لم يكن فمن طبقته، حتى يأنس بهم، وتزول الوحشة، ويقبل على الطعام بنفس طيبة. وقبيل المغرب تجمع المدعوون في بيت الداعي، وكانوا من بيئات مختلفة وأقطار شتى، وكان من بينهم زميل له في العمل كثير الحياء، قليل العلم، عليه سيماء الغرباء من ضعف الشكيمة والميل إلى المهادنة والرغبة في عدم المخالفة.
[صفحة ٢٣] حان وقت الإفطار، فأفطروا وصلوا ثم عادوا لتناول العشاء، فلما مدت السفرة، وتقدم الجمع للطعام، ومدت الأيدي إلى الزاد؛ مد هذا الزميل يده اليسرى لتساعد اليمنى في تقطيع اللحم. فما كان من صاحب الدعوة - الشاب المتحمس للإسلام وللسنة - إلا أن انتهره بشدة على مرأى ومسمع من الحضور، أن كف يدك اليسرى، وارفع يدك عن الطعام، وسم الله من جديد، وكل بيدك اليمنى فقط. احمر وجه الزميل، وغرق في عرقه وتقلصت رغبته في الطعام وتمنى لو أن الأرض انشقت فبلعته أما الحضور، فقد علاهم الوجوم وكتموا مشاعر النفور، وإن تظاهروا بالسرور. ومضت الوليمة، ولم تمض الحادثة، فظلت موضع استهجان ونفور كلما طفت إلى الذاكرة، وظلت أمر اليمين والشمال واستعمالهما في الأكل موضع مناقشة وحوار، لا سيما والحياة العصرية بما جد فيها من أفانين الطعام، وضروب الغذاء، وطرائق تناوله مثار بحث وجدل: الطلاب في المدارس إذا تناولوا الشطائر (السندويشات) مع العصير أو المياه الغازية، هذه في يد، وتلك في يد؟! استخدام الملعقة والشوكة والسكين، أيها في اليمين وأيها في الشمال؟! مزاولة الحياة بشكلها العصري في البيئات المختلفة؟! أين من ذلك كله وضع اليمين والشمال في الاستخدام؟! وكيف يتصرف المسلم بلا حرج؟! أسئلة كثيرة وكثيرة..
[صفحة ٢٤] لقد خلق الله الإنسان، وجعل له في خلْقته أعضاء ذات مهام، وجعل لكل عضو فيه مهمة محددة يقوم بها، ليساعد الجسد في عمله خلال رحلة الحياة الطويلة. واستخدام العضو في المهمة التي خُلق من أجلها يريح العضو وتنجح المهمة لتوافق الفعل وفاعله. أما إن استخدام العضو في غير مهمته، فقد تكلف صاحبه شططاً، وأرهق جسده، ولم يبلغ مراده على الوجه الأكمل. والإسلام دين متميز عن كل الأديان والملل والنحل، وكما هو متميز في شرائعه ومناسكه؛ فإنه يحب لأتباعه أن يكونوا متميزين في سلوكهم وحياتهم، في مظهرهم وفي جوهرهم بغير كبر. والنصوص التي دعت إلى هذا التميز كثيرة، يصعب حصرها في مقال واحد، ويكفي أن نشير إلى أن كل آية من القرآن يقول الله عز وجل فيها: {وَلَا تَكُونُوا...} إنما تحمل في طياتها دعوة للتميز. وأحاديث الرسول ﷺ الداعية للتميز كثيرة منها على سبيل المثال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (١)، «خالفوا المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب» (٢)، «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» (٣)، «خالفوا اليهود» (٤)، «خالفوا أهل الكتاب» (٥).
(حواشي صفحة ٢٤): (١) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ص ٥٤٦. (٢) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ص ٦٠. (٣) صحيح مسلم ج ١ ص ٢٢٢ حديث رقم ٥٥. (٤) رواه أحمد وأبو داود. (٥) رواه أحمد.
[صفحة ٢٥] والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى إليه من رب العالمين، فإن أمر بشيء، أو نهى عن شيء، فإنه لمصلحة متعلقة بحياة المسلمين وآخرتهم. فوجب عليهم اتباعه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ} [الأنفال: ٢٤] وحرم عليهم مخالفته ومعصيته. إلا أن النصوص لا تؤخذ على ظاهرها من قريب، بل لا بد لها من فهم عميق، ومدارسة واعية مع معرفة متينة بأصول الفقه، وقواعد الترجيح، وطرق الجمع بين الأحاديث... إلخ هذه الأمور المعروفة في استنباط الأحكام. وباختلاف العلماء في المستوى العقلي، والعلمي، والإلمام، والإحاطة، والإتقان والفتح الإلهي؛ تختلف نظرتهم، وقد تتباين الأحكام في المسألة الواحدة، حسب اختلاف بيئات العلماء وأزمانهم، وهذا من رحمة الله بالناس، ومن شمول الإسلام ومرونته، واستيعابه لكل المستجدات في العصور كلها، وصلاحيته للبيئات المختلفة، وتلبيته لحاجات الناس على اختلاف مشاربهم بيسر وسهولة تصديقاً لقوله تعالى: {... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ} [الحج: ٧٨] ولذا نرى في القضية الواحدة من يقول فيها: واجب، ويقول آخر: مندوب أو يقول: مكروه أو مباح. ولكل وجهة نظره ودليله الذي اعتمد عليه، ورجح به الحكم. ونحن إذا رجعنا إلى القضية التي بين أيدينا، نجد أنه ورد فيها عدة أحاديث: الأول: حديث عمر بن أبي سلمة (رضي الله عنه) في الصحيحين. قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فما زالت تلك طعمتي بعد (١).
(حاشية صفحة ٢٥): (١) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٥٢٥.
[صفحة ٢٦] والثاني: حديث سلمة بن الأكوع (رضي الله عنه) في الصحيحين أيضاً. أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه (١). والثالث: حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) في صحيح مسلم، عن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (٢). والرابع: عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت: دخل علي رسول الله وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء، فضرب يدي فسقطت اللقمة، فقال: «لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله تبارك وتعالى لك يميناً» - أو قال: «قد أطلق الله عز وجل يمينك» - قالت: فتحولت شمالي يميناً، فما أكلت بها بعد (٣). هذه أهم الأحاديث التي وقفنا عليها، وقد تناول العلماء هذه القضية بالمبحث والدراسة، وخرجوا منها بنتيجتين: الأولى: أن الأمر فيها للندب، وقد ناصر هذا الرأي طائفة من العلماء منهم الغزالي، والنووي، والقرطبي... وغيرهم. قال العسقلاني في الفتح (جـ ٩ ص ٤٣٠) قال شيخنا في شرح الترمذي: «حمله أكثر الشافعية على الندب، وجزم به الغزالي ثم النووي، ولكن نص الشافعي في الرسالة وفي موضع آخر من الأم على الوجوب». وقال النووي: «استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء، كما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر (٤) وهذا إذا لم يكن له عذر من مرض أو جراحة (٥) فإن كان فلا كراهة» (٦).
(حواشي صفحة ٢٦): (١) رواه مسلم رياض الصالحين ص ٣١٤. (٢) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه. المغني جـ ١١ ص ٩٢. (٣) رواه أحمد والطبراني. ورجال أحمد ثقات. الفتح الرباني جـ ١٧ ص ٩٤-٩٥. (٤) يشير إلى زيادة نافع - رحمه الله - «ولا يأخذن بها ولا يعطين بها» انظر الفتح الرباني جـ ١٧ ص ٩٤. (٥) أو عسارة لأنها ضعيفة عندئذ مما لا يستقيم معها الأكل وتذهب اللذة منه. (٦) شرح النووي على مسلم بهامش إرشاد الساري جـ ٨ ص ٢٦٥.
[صفحة ٢٧] وقال القرطبي: «هذا الأمر على جهة الندب، لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال.... إلى أن قال: فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة عند الفضلاء، اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة... وقال أيضاً: كل هذه الأوامر من المحاسن المكملة والمكارم المستحسنة، والأصل فيما كان من هذا الباب الترغيب والندب» (١). والثانية: أن الأمر في هذه الأحاديث للوجوب، وقد ناصر هذا الرأي العسقلاني وغيره، قال العسقلاني في الفتح (جـ ٩ ص ٤٣٠): «... وجمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه: كشف اللبس عن المسائل الخمس، ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب (قلت) - أي العسقلاني - ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال... ثم أورد حديث سلمة بن الأكوع (رضي الله عنه) المتقدم. والملاحظ أن هذه القضية تنقسم إلى قسمين، أو مرحلتين: الأولى: استخدام الشمال مطلقاً. والثانية: مرحلة نقل الطعام إلى الفم. أما المرحلة الأولى، وهي استخدام الشمال فقد قال بعض العلماء: لا تستخدم مطلقاً لا في أكل أو شرب أو توصيل أو مناولة، مستدلين على ذلك بزيادة نافع في حديث ابن عمر (رضي الله عنهما): أن رسول الله ﷺ قال: «لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها» وكان نافع يزيد فيها: «ولا يأخذ بها ولا يعطي بها» (٢). وإذا نظرنا في الحديث نجد أنه نص على أربعة أمور: الأكل، الشرب، الأخذ، العطاء. هذا إذا أخذنا في الاعتبار زيادة نافع.
(حواشي صفحة ٢٧): (١) نقله العسقلاني في الفتح جـ ٩ ص ٤٣١. (٢) صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٩٩ حديث ١٠٦.
[صفحة ٢٨] فيخرج بهذا النص الاستخدام بشكل عام. ولا يعقل أن تعطل الشمال نهائياً، فما خلقها الله عبثاً، ولا يستقيم الأمر باليمين وحدها، فلا بد من مساعدة الشمال لليمين في كثير من الأعمال، فكون المرء يستخدم الشمال مساعدة لليمين في تقطيع أو إمساك أو تدبير... إلخ كل أمر يصعب على اليمين إنجازه وحدها، فلا حرج في ذلك. أما المرحلة الثانية، وهي نقل الطعام إلى الفم، فالأمر فيه واضح أنه للندب ما لم تكن هناك علة من مرض أو جرح، وإلا فلا حرج، ودليل ذلك فضلاً عن الأحاديث المتقدمة، ما ورد في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» (١) وحديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيمانكم» (٢) وقد قال أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين واصفاً النبي ﷺ: «ويستعين باليدين جميعاً» (٣) مشيراً بذلك إلى حديث عبد الله بن جعفر (رضي الله عنهما): «آخر ما رأيت من رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات وفي الأخرى قثاء يأكل هذه ويعض من هذه» (٤). وحديث أنس (رضي الله عنه): «كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ» (٥).
(حواشي صفحة ٢٨): (١) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٦١. حديث ١٥٢. (٢) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي. انظر الفتح الرباني جـ ٢ ص حديث ٢١٩. (٣) إحياء علوم الدين ج ٢ ص ٣٧١. (٤) رواه أحمد. وهو ضعيف. ذكره الحافظ العراقي بهامش الإحياء ج ٢ ص ٣٧١. (٥) رواه الطبراني وأبو نعيم. وهو ضعيف. انظر فتح الباري جـ ٩ ص ٤٧١.
[صفحة ٢٩] وخلاصة القول: إن استخدام الشمال مساعدة لليمين في الأعمال كلها جائز ولا حرج في ذلك، بل يصعب على اليمين الاستقلال بنفسها في كثير من الأمور، حتى لو كان الأمر تقطيع الطعام أو مسكه أو نقله أو رفعه... إلخ. أما توصيل الطعام إلى الفم، فهذه مهمة اليمين، فلا تقدم الشمال عليها بلا عذر كمرض أو جراحة أو فقد أو مشقة، لأن الأحاديث نصت على ذلك، ولأن الأكل باليمين شعار الإسلام، وموضع تميز للمسلمين بغير كبر، وإرغام للشيطان بمخالفته، وتكريم للفم. وعليه فمن أراد أن يأكل بالشوكة والسكين فليقطع طعامه بسكينه أولاً ثم ينقل هذا الطعام إلى فيه بالشوكة بيمينه ولا عليه من دعوى «الأتيكيت» بتقليد الأجانب وأهل الكتاب والكفار بمسك الشوكة بالشمال والسكين باليمين وليظهر شخصيته القوية باعتزازه بقيم الإسلام، ونظام الإسلام، ومنهج الإسلام، وعادات الإسلام... أما إن كان هناك علة تمنع اليمين من توصيل الطعام إلى الفم ككبر أو كسر أو مرض أو جراحة فلا كراهة ولا حرج في استخدام الشمال. وأما إن كان السبب بأنه أعسر يسراه أقوى من يمناه فهو يستخدم الشمال في كل شيء - وهذه خِلقة ربانية لا دخل له فيها - حتى أصبحت الشمال أقوى من اليمين، وأدق منها في التحكم، مما يتعذر عليه استخدام اليمين، أو يستخدمها ولكن بمشقة تجعل الطعام لا يستقيم إلى فمه، مما يعرضه للتناثر، ومن ثم الحرج والضيق وعدم الاستمتاع به؛ فعليه أولاً أن يعود يمناه أن تحل محل يسراه، ولو في الطعام على الأقل - كما فعل بعض الإخوة الصالحين (أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله) ممن أعرفهم معرفة شخصية حتى نجح بحول الله وقوته.
[صفحة ٣٠] أما إن كان الأمر شاقاً عليه، أو كان في وضع يشق عليه فيه استخدام اليمين في توصيل الطعام إلى فمه دائماً، كما هي الحال فيمن يأكل الشطائر (السندويشات) مع العصير، فيأخذ هذه بيد، وتلك بيد، وليس هناك إمكانية الجلوس، أو التمكن من استخدام اليمين دائماً؛ فله أن يستخدم الشمال مع اليمين على هذه الصورة فقط، فقد ذهب الجمهور إلى أنه يستحب الأكل باليمين والشرب بها لا أنه بالشمال محرم (١). وكذلك إذا كانت يمناه فيها طعام، أو آثار طعام، وأراد أن يشرب، أو يناول غيره كوب الماء، وخشي أن يلوث الكوب فتتعذر أو يتعذر منها الآخذ - كما يحدث دائماً على الطعام. فله أن يتناولها بالشمال، فإن جعل اليمين مساندة لها حتى يبدو أنه استخدم اليدين جميعاً كان بها، وإن تعذر فله استخدام الشمال وحدها، أخذاً بمذهب الجمهور في عدم حرمة ذلك، والمشقة تقدر بقدرها، والحمد لله رب العالمين.
(حاشية صفحة ٣٠): (١) سبل السلام للصنعاني ج ٤ ص ٣١٨.
٤ - طاولة السفرة
[صفحة ٣١] دعا الأخ إخوانه إلى الطعام، وطار سروراً وفرحاً بتلبية الدعوة، واجتماع الشمل، فالحياة متع ومن أمتع متعها عند الصالحين اجتماع الأخوة في الله على الطعام، وكلما زاد العدد زاد السرور والحبور، وأقبل أهل البيت على إعداد الطعام بشوق ونفس طيبة، لأنه طعام يقدم للصالحين الأتقياء. استعدت الأسرة لاستقبال هذه القلوب الخيرة، لتناول الطعام، وليسود الوئام، ويفوز أهل البيت بدعاء الصالحين. فاجتهدت ربة البيت، وقدمت الطعام البسيط، في تنسيق بديع، وطهي متقن. ووضعت ذلك على طاولة نظيفة، صفت حولها الكراسي بعدد الحضور. فلما تم الأمر، واطمأن صاحب الدعوة على تنسيق الطعام، وحسن توزيعه أمام الضيوف، وحانت لحظة الانتقال؛ تقدم فدعا إخوانه إلى الطعام في الحجرة المجاورة.
[صفحة ٣٢] انتقلوا إلى الحجرة المجاورة، وما إن تقدم أحدهم - وقد كان شاباً متحمساً للإسلام مسموع الكلمة بينهم - حتى رفض الأكل على الطاولة، معتبراً ذلك مخالفة للسنة، فإن النبي ﷺ «لم يأكل على خوان قط». أحدث الموقف ضجة وربكة، وأثار امتعاضاً وبلبلة، وتقدمت الأيدي فرفعت الطعام عن الطاولة، فمن حامل للصحون، إلى حامل للملاعق، إلى رافع للأكواب... و... و.... أخرجت الطاولة حتى يتسع المكان ويتمكنوا من فرش الأرض، وأخرجت الكراسي حيث لا لزوم لها، وفرشت أوراق الجرائد!!! ووضع الطعام عليها، وتحلق القوم بين راض وساخط، مقر ومعترض. أما صاحب الدعوة فقد آلمه هذا الصنيع، وأفقده الإحساس بالرضى، ومما لا شك فيه أن أهله أشد منه امتعاضاً، فما من امرأة في الوجود إلا وتعتبر جودة الطعام، ودقة إعداده، وحسن تنسيقه من أهم اختصاصاتها، يسعدها الثناء عليها في ذلك، ويسوؤها أن تضيع جهودها عبثاً، ويؤلمها أن تتفوق امرأة أخرى عليها. أكلوا الطعام بين راض وساخط ومستريح ومنغص عليه، وكثرت الاعتراضات والمداخلات والتساؤلات حول الإبقاء على منضدة السفرة أم إلغائها واستبدالها بجلسة أرضية... و... و...
[صفحة ٣٣] الإسلام دين الذوق الرفيع والإحساس المرهف ببدائع صنع الله، وهو دعوة إلى الترقي في حياة الفرد المسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة يوماً بعد يوم. والإسلام مع التطور والتقدم نحو الرقي والكمال بمعناهما الحقيقي الذي يجعل الإنسان في سعادة وهناء، لا التطور الوهمي الواقف عند القشور غير النافذ إلى اللباب. ولقد نعى القرآن الكريم على أولئك الجامدين الواقفين عند القديم - من حيث هو قديم - دون استخدام العقل فيما يفيد الإنسان، فقال تعالى: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} [الشعراء: ٧٤-٧٦]. والإسلام لا يمانع أن نكتسب عادات حسنة من غيرنا، إن كانت صالحة لنا وللحياة، وليس لها تأثير سلبي على عقيدتنا، بل يحض أتباعه على البحث عن كل نافع في الحياة يعين على أمر الله في يسر وسهولة، وكلما كان الأمر أيسر على الإنسان، كان الإسلام إليه أميل، ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم. ومن المسلمات أن رسول الله ﷺ عندما أرسل، لم يرسل لنسف قواعد المجتمع القائم من أساسها، ولكنه بعث لتصحيح الانحراف في العقيدة، وما تبعه من انحراف وخلل في السلوك. أما ما كان حسناً، موافقاً الفطرة والهدى؛ فقد أقرهم عليه ولم يلغه. وهذا واضح تماماً في موضوع الأنكحة في الجاهلية، حيث أبطل ما لا يتفق والفطرة، وأبقى الأسلوب أو النهج الحسن، الذي يرضى عنه الله تعالى، وفيه مصلحة الأطراف جميعها.
[صفحة ٣٤] ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة (رضي الله عنها زوج النبي ﷺ) أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، وهذا الذي أقرهم الإسلام عليه، وألغى الثلاثة الأخرى وهي: نكاح الاستبضاع، والعشرة يدخلون على المرأة الواحدة، والبغاء (١). وواضح أيضاً في موضوع حلف الفضول الذي قال عنه الرسول ﷺ: «لو دعيت به في الإسلام لأجبت» (٢). فهو إذن لا يلغي كل شيء من المجتمع، بل يلغي السيىء، ويبقي على الحسن. ومن المعلوم أيضاً أن السُّنَّةَ: قول أو فعل أو تقرير، وعندما يقر النبي إنساناً على شيء فقد وافقه، ويُلمح في الإقرار جانب طبيعة الناس وعاداتهم المتأصلة فيهم، فهو إن أقر شيئاً، أقر عادة أو فهماً أو رأياً أو سلوكاً، وهذه الأمور لا تنبت من فراغ، بل من خلفية عند الإنسان، هي المجتمع وما يسود فيه من قيم فكرية أو سلوكية... الخ. أما السنة الفعلية، فهي تصنف تحت العزائم، فما يفعله الرسول ﷺ قد لا يستطيع فعله عموم الناس، فمن يستطيع أن يصوم صومه؟ أو يقوم قيامه؟ أو يذكر الله ذكره؟... الخ ولذا فهي لأصحاب العزائم.
(حواشي صفحة ٣٤): (١) انظر الحديث في فتح الباري جـ ٩ ص ١٥٠. (٢) فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص ٧٥ ط الرابعة دار الكتب الحديثة.
[صفحة ٣٥] أما السنة القولية، فهي تصنف في الرخص، وهي لعامة الناس وخاصتهم، ولذا يقول ﷺ: «... فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). ومن المعلوم أيضاً، أن سلوك الرسول في حياته قسمان: قسم لكونه نبي، فنحن متأسون به فيه، ولنا الأجر لقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١]. وقسم خاص به لكونه بشر، نقلده ونتبعه إن أردنا، دون إلزام، أو لا نتبعه فيه دون أن يكون علينا إثم أو مؤاخذة، من ذلك: عدم أكله الضب، فلما قال له خالد بن الوليد (رضي الله عنه): أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» (٢) فهذا جانب شخصي بحت. هذه مقدمة تيسر لنا الدخول في صلب موضوعنا، وهو تناول الطعام على طاولة السفرة. أما الحديث الذي استشهد به المعترض على طاولة السفرة فهو لأنس (رضي الله عنه)، وله روايتان في صحيح البخاري: الأولى: عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: لم يأكل النبي على خوان حتى مات، وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات (٣).
(حواشي صفحة ٣٥): (١) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٣٠٩ حديث ٨٤٦. (٢) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٥٠٧ حديث ١٢٧٣. (٣) فتح الباري جـ ١١ ص ٢٣٤.
[صفحة ٣٦] والثانية عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: ما علمت النبي أكل على سُكْرُجَةٍ قط، ولا خُبز له مرقق قط، ولا أكل على خوان قط. قيل لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر (١). ورد في هاتين الروايتين ثلاث كلمات في حاجة لتوضيح وهي: خوان، سكرجة، السفر. أما الخوان: فهو المائدة ما لم يكن عليها طعام، وهي ما يؤكل عليه، أو يوضع عليه الطعام للأكل، وهو شيء مرتفع عن الأرض، ويشبهه في زمننا هذا المنضدة (الطاولة) والطبلية، وكل ما يرتفع عن الأرض. والكلمة (خوان) معربة. والسكرية (السكرجة): قصعة مدهونة، وقيل قصعة لها قوائم، وهي أيضاً إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الإدم. وهي (فارسية). ويشبهها في زماننا الصحون العميقة والسلطانيات... الخ. والسفر: جمع سفرة، والسفرة طعام المسافر، وما يحمل فيه هذا الطعام من منديل ونحوه، وسميت سفرة لأنها تبسط إذا أكل عليها. ويشبهها في زماننا مفارش النايلون، والخوص، والورق، والمشمع... الخ ما يوضع على الأرض مباشرة (٢). والسؤال الآن: لماذا لم يأكل النبي على هذه الأشياء أو فيها أو يستعملها؟
(حواشي صفحة ٣٦): (١) فتح الباري جـ ٩ ص ٤٣٨. (٢) انظر في هذا الشرح: فتح الباري، لسان العرب المحيط، المعجم الوسيط.
[صفحة ٣٧] والجواب: إما لأنها كانت غير معروفة لهم، أو معروفة ولكنها غير منتشرة. وإما زهداً من النبي صلى الله عليه وسلم. ولنناقش هذين الجوابين حتى نصل إلى الحقيقة، ولنقف عند الجواب الأول: أنها غير منتشرة عندهم وفي زمانهم. قال العسقلاني في الفتح (جـ ٩ ص ٤٣٨): «قال شيخنا في شرح الترمذي تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك، أو استصغاراً لها، لأن عادتهم الاجتماع على الأكل، أو لأنها... كانت لوضع الأشياء التي تعين على الهضم، ولم يكونوا غالباً يشبعون، فلم يكن لهم حاجة بالهضم». ويؤكد هذا الرأي أن أنساً (رضي الله عنه) كان من آخر الصحابة وفاة، فقد عُمّر حتى بلغ مئة وثلاث سنين، ومات سنة ثلاث وتسعين من الهجرة (١) في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد استعمله أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه) عندما كان والياً على البصرة، فجعله عاملاً له على فارس (٣). إذن فقد عاش أنس رضي الله عنه حتى فتحت البلاد مثل فارس والروم واختلطت الشعوب، ودخلت عادات وكلمات لم يكن للعرب عهد أو علم بها، أو كان لهم، ولكنها لم تكن منتشرة في محيطهم مثل خوان وسكرجة. وهذا يؤكد أن كلام أنس رضي الله عنه حدث بعد انتشار هذه الأشياء في بيوت المسلمين على أثر احتكاكهم بالفرس، لا سيما وقد عمل أنس (رضي الله عنه) في بلاد فارس - كما تقدم -.
(حواشي صفحة ٣٧): (١) أنس بن مالك لعبد الحميد طهماز ص ١٧٤. (٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٠٩. (٣) أنس بن مالك لعبد الحميد طهماز ص ١٥٧.
[صفحة ٣٨] ومما يقوي هذا الرأي، أن المسلمين الأوائل كان فيهم الأغنياء والسادة، ولم نقرأ أو نسمع أنهم كانوا يملكون شيئاً من تلك الأشياء، مع علمنا أن النبي كان يأكل في بيوت بعضهم وعلى موائدهم، ولا يعقل ألا يستخدموها إذا كانت متوفرة في بيئتهم. أما الجواب الثاني: أنه لم يأكل عليها أو يستخدمها زهداً منه فقد أورد العسقلاني في الفتح (جـ ١١ ص ٢٣٤) قول ابن بطال: «تركه عليه الصلاة والسلام الأكل على الخوان وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختياراً لطيبات الحياة الدائمة». ونحن لا نميل إلى هذا الرأي، لأن النبي ﷺ لم يكن في زمانه وفي محيطه من يأكل على أو في هذه الأشياء ويستخدمها، رغم أن فيهم الأغنياء والسادة - كما أسلفت - ولم يؤثر عن النبي أنه امتنع عن الأكل عند بعضهم لأن عنده خوان أو سكرجة أو ما شابه ذلك بدافع الزهد أو الترفع عن نعيم الدنيا. قال ابن القيم تعليقاً على موضوع الضب: «بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله» (١) فقضية العادة واردة، وكما هو معروف من حياة النبي أنه كان لا يجد ما يملأ به بطنه، فإن وجد أكل وتنعم، فقد أكل الثريد (١) واحتز من كتف الشاة (٢) واختص بطعام أو شراب اتحافاً له (٣). وهو أعلم خلق الله بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ} [الأعراف: ٣٢] وهو الملام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التحريم: ١]. أتراه بعد ذلك يقف هذا الموقف؟!
(حواشي صفحة ٣٨): (١) زاد المعاد جـ ٤ ص ٢١٧. (١) رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه. روضة المحبين لابن القيم ص ٢٩٨. (٢) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان ص ٧٤ حديث ٢٠١. (٣) حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري. انظر فتح الباري جـ ٩ ص ٢٠٥.
[صفحة ٣٩] كما أن الأكل في هذه الأشياء أو عليها لا ينافي الزهد، لأن الزهد ليس في هذه الأمور، بل قد يأكل المرء ويلبس ويتنعم في الحياة وهو من أزهد الناس، قال سفيان الثوري: «الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء»، وقال الحسن البصري: «ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك»، وكان الفضيل بن عياض يقول عمن ترك الطيبات من اللحم والخبيص للزهد: «ما للزهد وأكل الخبيص، ليتك تأكل وتتقي الله، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام» (٤). يتبين لنا من السرد السابق أن النبي ﷺ لم يأكل على خوان أو في سكرجة لأنها كانت غير مألوفة ولا متوفرة في زمانهم ولا محيطهم، وليس للزهد أو التقشف. ثم إن حديث أنس (رضي الله عنه) بروايتيه، ليس للإلزام، ولكنه مجرد إخبار، والإخبار غير ملزم إذا أخذنا بعين الاعتبار موضوع السنة من قول أو فعل أو تقرير. ويؤكد عدم الإلزام أن أنساً نفسه (رضي الله عنه) كان له خوان يأكل عليه، ويتمتع بالطيبات أورد العسقلاني في الفتح (جـ ٩ ص ٤٣٧): «عن قتادة؛ كنا نأتي أنساً وخبازه قائم، زاد ابن ماجه: وخوانه موضوع. فيقول: كلوا، وفي الطبراني من طريق راشد بن أبي راشد قال: كان لأنس غلام يعمل له النقانق ويطبخ له لونين طعاماً ويخبز له الحواري ويعجنه بالسمن». ولو كان الأمر ملزماً، لكان أنس (رضي الله عنه) أول وأسرع من يلتزم، ثم إن الأحاديث التي تخبر عن حياة النبي ﷺ بهذه الصيغ كثيرة «ما شبع رسول الله ﷺ في يوم شبعتين» «ما شبع رسول الله من غداء وعشاء» «ما جمع بين غداء وعشاء ثلاثة أيام ولاء» «ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه إليه» (١).
(حواشي صفحة ٣٩): (٤) من كتاب مخطوط للمؤلف بعنوان «وفقيد آخر». (١) انظر في هذه الأحاديث الترغيب والترهيب جـ ٤ ص ١٩٠-٢٠٠.
[صفحة ٤٠] والإخبار هنا لا يخرج عن قول من يقول في زماننا هذا: «ما علم أن النبي ﷺ ركب في غواصة قط» أو «ما علمت أن النبي ﷺ رأى الأهرامات قط» أو «لم يأكل النبي ﷺ الموز حتى مات» لا فرق بين هذه العبارات وتلك التي في حديث أنس (رضي الله عنه). كما أن النفي في الحديث تضمن عدة أشياء منها: ما أكل مرققاً. ونحن الآن نأكل المرفق بلا حرج، ونأكل لب القمح، بل لب القمح هو الغالب على دقيق الناس اليوم، وأكثره وفرة حتى تكاد تعجز أن تجد دقيقاً بنخالته في ظل المطاحن الحديثة والدقيق المستورد، بينما النبي - بأبي وأمي - كان يأكل مطحون الشعير بلا منخل، لقلة الطعام وعدم توفر هذه الأشياء كما أسلفنا. وخلاصة القول:
أن الإسلام يحث على طلب كل ما ييسر الحياة للناس من غير إثم، والطاولة من تيسير الحياة، لا سيما إذا وجدت، وربات البيوت أعلم الناس بذلك، كما أن هناك فئة من الناس لا تحسن التربع أو الجلوس أرضاً لأسباب خلقية (جسدية).
وأن الإسلام مع الرقي والتطور الذي لا يمس عقيدة الناس وسلوكهم بسوء، وهو دين شامل للناس جميعهم، وللبيئات كافة في كل زمان.
وأن طاولة السفرة لا ارتباط بينها وبين الزهد أو التواضع من قريب أو بعيد، فقد يكون الكبر مع الأكل على الأرض، كما يكون مع الأكل على الطاولة، والعكس أيضاً صحيح.
وأن الاهتمام بمثل هذه القضايا وجعلها محور الحياة، يصرف الناس والشباب عن أشياء أهم وأنفع لهم وللإسلام وللدعوة.
٥ - تغيير المنكر
[صفحة ٤١] رجع الشاب من مغتربه بعد غياب سنة كاملة، كان فيها مكداً مجداً، رجع بمبلغ من المال يرفع عن أسرته نير الديون، ويعطيها دفعة إلى الأمام نحو الاستقرار والعيش الكريم، رجع إذن بغنى مادي نسبي. ولكن الغنى الأكبر في حياته، كان في الفهم الذي بدأ يتغلغل في عقله عن طبيعة هذا الدين وفي الحب الجارف الذي سيطر على كيانه لنصرة الإسلام والدعوة إليه، وحمل القاصي والداني من الأقارب والأحباب والأصحاب على الالتزام به، والسير على نهجه. وللغنى غوائله ولجريان المال في اليد فعله الساحر الذي يزلزل كيان الإنسان، ويهز قواعد الثبات عنده - إلا من رحم الله. وصف الله هذه الحالة بقوله: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ} [العلق: ٦-٧]. فهو طغيان بأي شكل من الأشكال كان.
[صفحة ٤٢] والناس مع الغني يتنازلون عن الشيء الكثير، وأقرب تنازلاتهم التسليم له بما يقول أو يفعل، وأضعف الإيمان السكوت عن رضى أو مداراة. وللحماس أيضاً غوائله، من الاعتزاز بالنفس، والاغترار بالبضاعة القليلة من الفهم أو العلم، وما يتبع ذلك من استعلاء على الآخرين، وتطاول على المتقدمين، وحمل الناس بالحق أو بالباطل على موافقة صاحبه على رأيه أو موقفه، واتهام المخالفين بالمروق من الدين، أو الفهم السقيم. عاد الشاب المغترب بغنى مادي نسبي ضمن له السكوت من الآخرين، وبحماس ملتهب جعله كالسيل لا يقف، ولا يلتفت إلى جانبي الوادي، يجرف في طريقه كل معترض أو مخالف. الفرحة تعم البيت بالأخ الأكبر والابن البكر الذي عاد بعد غياب سنة كاملة، لأول مرة في حياته وحياتهم، وجد أخته العروس التي لم يمض على زواجها ستة أشهر في البيت تنتظره مع بقية العائلة، وبعد أن سلم وجلس، وتبادل الفرحة معهم، لاحظ التغير على أخته في ملبسها وزينتها، فقد أصبحت زوجة، وهي الآن في شهور العسل... امتعض لهذه الملابس القصيرة التي تكشف عن الساقين، والشعر المكشوف والزينة الواضحة، التي لا تختفي عن قريب أو بعيد، فغضب غضبة مضرية، وأمر أخته بتبديل هذه الثياب، وعدم الخروج بها إلى الشارع، مهما كانت الظروف، ولو كانت رغبة الزوج نفسه، لأنها مخالفة لأمر الله، و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
[صفحة ٤٣] فاشتد النقاش، وعلا الصوت، فحسم الأب القضية بإرجاء الحوار والحديث في هذا الموضوع إلى ما بعد. شعر الشاب المتحمس أنها مناورة، وأنهم لن يستجيبوا لدعوة الله التي يحملها لهم من مغتربه، وهم المسلمون!! ولكن فتنة المدنية الحديثة، وحب التقليد ومسايرة العصر طغت عليهم، وهو يريد إرجاعهم إلى حظيرة الإسلام إلى التدين الصحيح. مضت الأيام وهم لا يستجيبون لدعوته، يملؤهم الاستخفاف بصغر سنه، والأخت ما زالت على عنادها، فقام إلى ملابس العرس جميعها، فأخذها وكومها كومة في منتصف الحديقة، وسكب عليها «الكاز» وأشعل فيها النار بين صياح واعتراض ورجاءات وتوسلات ولكن السيل الجارف من الحماس داس على كل هذه المعوقات وتخطاها، ونفذ الشاب ما يريد، وهو بذلك مسرور لأنه غير المنكر بيده، كما قال النبي ﷺ اقتنعوا أو لم يقتنعوا، المهم أنه استراح لمقدرته على تغيير المنكر، وبأعلى درجات التغيير. الإسلام دين متكامل، تتجمع أجزاؤه لتكمل بعضها بعضاً، فهي كالحلقات المتصلة في سلسلة، فالحلقة الواحدة تتصل مع هذه بطرف، ومع تلك بطرف، وإذا قطعت واحدة نقض التسلسل والتماسك. ورغم قوة التماسك والتكامل هذه، إلا أن المشرع وضع داخل بناء الإسلام نفسه، وفي منهجه أسس المناعة الداخلية ضد الانحراف والتميع والتفكك، حتى يبقى الإسلام قوياً.
[صفحة ٤٤] وطالما أن أفراد المسلمين أخذوا بمبدأ المناعة الداخلية، فالإسلام في نفوسهم وحياتهم بخير، أما إن تركوا قضية المناعة جانباً، وانشغل كل واحد بنفسه؛ دارت الدائرة عليهم، بعد أن تصيب غيرهم، فهم ليسوا بمنأى عن الشر. والمناعة التي نقصدها هي موضوع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي قضية الإسلام الهامة التي تبقيه حياً في نفوس المسلمين ما تمسكوا بها. والأمر بالمعروف - وهو الشق الأول لهذا المبدأ العظيم - أيسر على النفوس من تغيير المنكر، ولذا يجد الداعي إلى تغيير المنكر الكثير من العنت والعداوات، حتى ولو كان حصيناً ماهراً. ونحن لسنا في حاجة للتدليل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة المسلمين، فالنصوص كثيرة من الكتاب والسنة يعرفها الجميع، وما أظن أن هناك أحداً من المسلمين البالغين إلا وطرق سمعه شيء من هذه النصوص، حتى بات الجهل بها ليس عذراً، كما هي المقولة العلمية المعروفة: «لا يعذر في دار الإسلام الجهل بالأحكام». ولكن الأمر الأهم في قضيتنا هذه، هو الفهم التطبيقي لبعض جوانب هذا المبدأ الحيوي، الذي لا بد أن يعم المسلمين، ويرفرف على حياتهم. ولعل أقرب هذه النصوص مأخذاً، قول النبي ﷺ: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١). والنبي ﷺ في هذا النص حدد درجات تغيير المنكر، وأناط المسؤولية بآحاد المسلمين (أفراداً) - وفي نصوص أخرى أناطها بالجماعة.... وبذلك لا يعذر أحد بترك الجهاد في تغيير المنكر، بدعوى أن لا جماعة تساعده، وجعل هذه الدرجات في مكنة كل فرد على اختلاف مقدراتهم. فسقط الاعتذار، وردت الحجج على المتخاذلين.
(حاشية صفحة ٤٤): (١) رواه مسلم. رياض الصالحين ص ١٠٠.
[صفحة ٤٥] ولكن القضية التي التبست على كثير من الناس، هي قضية تحديد الدرجة التي يكون عليها الفرد عند تغيير المنكر في حادثة معينة، فوقع الخلط، وهذا بدوره أدى إلى كثير من المصادمات والمشاكل في حياة الناس، أفراداً وجماعات. ولكي نبسط القضية نقول: أن تغيير المنكر بالقلب - وهي أضعف الإيمان - درجة تعم الجميع، ولم تترك عذراً لأحد. فكل مسلم - مهما كان ضعيفاً - يملك تغيير المنكر بالقلب، وحدوده كراهية المنكر، وعدم مودة فاعليه مهما كانوا. يوضح هذا الموقف قول سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بعد أن نصح قومه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فلم يستجيبوا له: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: ٤٨] وقول نبي الله لوط (عليه السلام): {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: ١٦٨-١٦٩]. وهذه درجة يملكها كل فرد من المسلمين، فإن قال قائل: قد يجبر فرد على المشاركة تحت ضغط الوظيفة أو العائلة أو سلطان جائر!! قلنا: قد!! ولكن القلب وكراهيته لا يملكها أحد من البشر، ولا سلطان على القلب إلا لله رب العالمين، فلتكن الكراهية المركوزة في القلب والتي لا تترك صاحبها يستمتع بشيء خالطه المنكر، تماماً كما هي درجة المضطر الذي أبيح له أكل الجيفة!! هل يستلذ بها أو يقوم عليها؟!! أما الدرجة الثانية، وهي تغيير المنكر باللسان، فهي لفئة مخصوصة، أكثر قدرة من الفئة السابقة، وهي طبقة الوعاظ، والعلماء، والمعلمين، وكل فرد مسلم يملك هذه المقدرة، سواء أكانت علماً أو جرأة أو فصاحة. وكلما خُص إنسان بنعمة من هذه النعم أكثر من غيره؛ لزمته الحجة، وكان أكثر مسؤولية أمام الله عز وجل عن تقصيره. قال نبي الله موسى (عليه السلام) عندما أمره الله أن يذهب إلى فرعون لينصحه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص: ٣٤].
[صفحة ٤٦] وأما الدرجة الثالثة، وهي تغيير المنكر باليد، فهي مسؤولية فئة من الناس قد خصهم الله بالسلطان، فهم مسؤولون عن تغييره بأيديهم داخل سلطانهم ولا يعذرون بتركه. ومجال السلطان يختلف من واحد إلى آخر، فالحاكم في دولته أكبر سلطاناً من الوزير في وزارته والوزير في وزارته أكبر سلطاناً من المدير في دائرته داخل الوزارة الواحدة، ورئيس القسم أقل مسؤولية من المدير، والأب في أسرته يملك سلطاناً على أهله وأولاده، والمدرس في تلاميذه له هذا السلطان. ... الخ. ولكن العكس ليس صحيحاً، ومن هنا جاء الخلط. فالمدرس يملك سلطاناً على تلاميذه، ولكن ليس له السلطان على المدرسة كلها بما فيها المدير مثلاً، في حين أن المدير له سلطان على هذا المدرس وغيره من المدرسين وكذلك على تلاميذ المدرسة جميعاً، والأب له سلطان على أبنائه وزوجته، ولكن ليس له سلطان على الحكومة أو الدولة بأسرها... وهكذا. فصاحب السلطان - المقدر بقدره، كل حسب ما وهبه الله من سعة السلطة أو ضيقها - مسؤول أمام الله عن تغيير المنكر بيده داخل سلطانه وفي حدوده. وهنا تنشأ تساؤلات: هل للمسلم أن يترك درجة هو فيها إلى درجة أضعف؟ كأن يملك التغيير باليد، فيتركها إلى اللسان، أو باللسان، فيتركها إلى القلب بغير عذر؟ وما هو العذر المسوغ لهذا التحول من درجة إلى أخرى أقل؟ وقبل أن نجيب عن هذه الأسئلة، نحب أن نوضح أن كلمة أو درجة «بيده» لا تعني حرفية الكلمة، بل قد تكون اليد القوة والسلطان القاهر، فأمره هنا وإن كان باللسان - في قوة التغيير باليد. أرأيت لو أن حاكماً مر في شارع فرأى خمارة أقيمت، فهل عليه أن يأخذ فأساً بيده ويحطمها أو يزيلها، أم يكفي فيها الأمر بإزالتها؟ وهذا الأمر من الحاكم له قوة التغيير باليد. أرأيت لو أن أباً رأى ابنه قد ترك شعره حتى أصبح خنفوساً، متشبهاً بالكفار والفاسقين، فهل عليه أن يمسك بالمقص ويزيل الشعر، أم يكفيه الأمر باللسان، وهو بالنسبة له في قوة التغيير باليد؟ إذن اليد هنا تعني - في معناها الواسع - السلطان القاهر أو الأمر الذي لا يُرَدُّ أو يكسر.
[صفحة ٤٧] وأما بالنسبة للأسئلة السابقة، وإن كان ظاهر الحديث يوحي بالتدرج من اليد إلى اللسان إلى القلب، ولكني أعتقد أنه لا يقصد هذا الترتيب لذاته، بل الأمر فيه متروك لتقدير الداعية نفسه للموقف الذي أمامه، ودليل هذا أن الله عز وجل قال: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ} [النحل: ١٢٥] ويلمح عكس هذا الترتيب تماماً في تغيير المنكر في الحياة الزوجية مثلاً، فالمرأة التي تنشز عن طاعة زوجها، أو يتوقع منها هذا - وهو منكر بلا شك - وضع الله لزوجها أسس تأديبها، فبدأ بأخف الأمور، منتهياً بأصعبها فقال تعالى: {... وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ} [النساء: ٣٤]. والترتيب في تغيير المنكر بين الدرجات ليس بلازم، وإنما يترك الأمر لتقدير الداعية لنفسه، ولموقفه وللمنكر المراد تغييره، وأصلح الطرق وأقومها في الوصول إلى الغاية المرجوة. أما الأعذار التي تبيح للمسلم الانتقال من درجة إلى درجة أخرى، أو الأخذ بدرجة دون غيرها فكثيرة، أهمها في تقديري: الخوف على النفس أو الأهل أو المال، دون تحقيق الغاية المرجوة من الإنكار هذه واحدة، والثانية: أن يؤدي تغيير المنكر إلى نتائج عكسية فتحدث فتنة أو منكر أشد. أما دعوى ترك التغيير كلياً - أي إنكار المنكر - خوف عدم النجاح؛ فهذه خدعة الشيطان، يخوف بها أولياءه، لأن المسلم عليه أن يدعو بتعقل وروية، بلغ النجاح أو لم يبلغ، فقد وقع أجره على الله.
[صفحة ٤٨] وهناك نقطة تحتاج إلى توضيح في قضية تغيير المنكر، وهي شروط تغيير المنكر. ورغم ما قال العلماء في بيانها وتعدادها، إلا أنني أرى أن أهم شرطين هما: ١ - أن يكون المنكر منكراً في الشرع، مجمعاً عليه من العلماء، أما ما كان في مذهب واحد من مذاهب العلماء، فلا يجوز الإنكار فيه. قال سفيان الثوري (رحمه الله): «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنه» (١) لأن هذا الموقف مدعاة للبلبلة والشوشرة بلا مبرر قوي، ولا فائدة ترجى من ورائه. ٢ - أن يأمن الداعي من وقوع فتنة لا يدري إلا الله تعالى ما تكون عاقبتها (٢) بمعنى أن يتولد عن تغيير المنكر منكر أشد، ولعل من أبرز الصور في هذا الجانب، ما حدث مع شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عند احتلال دمشق فعاث الجنود فيها فساداً، ومن فسادهم شرب الخمر، وما يتبع من سكر وعربدة، فلما قيل له في تغيير المنكر عليهم قال: «دعوهم. لأنهم لو فاقوا قتلوا المسلمين». فهو قد ترك تغيير هذا المنكر، خوفاً من منكر أشد وبلاء أعظم. ومن القضايا التي تلتبس على كثير من الناس، قضية تغيير المنكر من الأصغر إلى الأكبر، بمعنى هل للابن تغيير منكر عليه أبوه؟ وهل للتلميذ إنكار المنكر على أستاذه؟ وهكذا. والجواب: نعم، للأصغر تغيير المنكر الذي يقيم عليه الأكبر، ولسنا بصدد التوسع في هذه النقطة فجالها بطون الكتب، أو دراسة أوسع، ولكننا نبسط القول فيها فنقول: له أن يغير المنكر باللسان «الموعظة الحسنة» مع الأدب والاحترام والتوقير، فإن أصر الأكبر على موقفه، فللأصغر تغييره باليد، مع الأخذ في الاعتبار عدم تولد فتنة أو مشكلة أكبر من المنكر ذاته (١).
(حواشي صفحة ٤٨): (١) سفيان الثوري. للدكتور محمد البيانوني ص ٩٨. (٢) مقدمة كتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ص ٢٦. (١) راجع إحياء علوم الدين جـ ٢ ص ٣١٥-٣١٩ فقد بسط الغزالي القول فيها.
[صفحة ٤٩] ومن القضايا التي يجب الالتفات إليها في تغيير المنكر - لا سيما باليد - أن إتلاف المنكر لا بد أن يقتصر على المحرم نفسه، ولا يتجاوزه إلى الحلال أو المباح، أو الحلال الذي لابسه حرام، فلو تبدل الوضع لأصبح حلالاً صرفاً، هنا لا يجوز التعدي بالإتلاف. ولكي توضح هذه النقطة وتبسطها نقول: لو أن زجاجة فيها خمر. الخمر حرام، لكن الزجاجة بلا خمر لها استخدامات مفيدة، فيقتصر الأمر على إراقة الخمر ولا يتعداها إلى كسر الزجاجة. وفي قصتنا، إن الملابس في حد ذاتها مباحة، وحلال لها، ولكن الذي جعلها محرمة كونها تخرج بها ليراها غير المحارم، فأصبحت حراماً، فلو تغير الوضع، ولم تخرج بها ليراها الأجانب، واقتصرت في لبسها على البيت وأمام محارمها المنصوص عليهم في سورة النور (الآية: ٣١) لأصبحت الملابس حلالاً ولبسها مباحاً ولا حرج فيه، هنا لا يجوز التعدي بإتلاف الملابس كما حدث مع صاحب الحادثة. وأريد بعد كل هذا أن أهمس في آذان الدعاة، همسات تنفذ من الأذن فتصل إلى القلب، فتخالطه وتلامس شغافه، وتبلل جفافه. يا دعاة الإسلام، يا من اتخذتم طريق الدعوة إلى الله مسلكاً صبغ حياتكم، وقالباً شكل أمانيكم وطموحاتكم، يا من اخترتم أعلى درجات الحسن في الحياة الدنيا والآخرة بشهادة رب العالمين: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمَلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣]. تعالوا نسأل أنفسنا أسئلة نتعرف من خلالها على حقيقتنا وحقيقة من يحيط بنا حقيقة البيئة التي نتحرك فيها. من نحن؟ ومن الناس الذين نعيش معهم ونتوجه إليهم بالدعوة؟ ما البيئة التي نعيش فيها نحن وهم؟ نحن مسلمون، والناس الذين نعيش معهم مسلمون، فهم أهلنا وإخوتنا وأقاربنا، يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويصلون صلاتنا، ويأكلون ذبيحتنا لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، آمالنا وطموحاتنا وآلامنا واحدة لا فرق.. لا فرق...
[صفحة ٥٠] الفارق الوحيد بيننا وبينهم أن الإسلام في قلوبنا متحرك، وفي قلوبهم نائم مخدر الإسلام في قلوبنا متحرك عم الحياة كلها، ونفذ إلى كل خلية في الكون وفي أجسادنا، وعندهم اقتصر على صلوات بلا روح وعبادات فرغت من هدفها، وقيم جمدت في خزانة تاريخ الإسلام. نحن من عهد قريب كنا مثلهم، فأنعم الله علينا بالفهم والهداية، ففقهنا واهتدينا، وصدق الله العظيم: {... كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: ٩٤]، ولو عاد الواحد منا إلى الوراء، لتذكر أنه كان واحداً من هؤلاء، فمَنَّ الله عليه بإنسان داعية - رجل أو امرأة - فتح عينيه على حقيقة الإسلام، فكأنه يوم رآها كأنما ولد من جديد، وهو يحمل لهذا الإنسان كل حب ومودة ومنة في رقبته إلى يوم القيامة، يشهد له بالأستاذية وبالفضل، الذي خرج به من الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الضياع إلى الوضوح والاستقرار والرؤية الصائبة. ولو عدنا إلى الوراء، لتذكرنا أن هذا الذي فتح عيوننا على حقيقة الإسلام، أخذنا إليها برفق ولين، ولم يأتنا بالضغط والقسوة والشدة، لأن الذي يوافقك على رأيك مكرهاً، وافقك خوفاً أو ضعفاً لا قناعة، وقد قيل: «من وافقك على رأيك تحت الضغط لا زال عند رأيه الأول»، وأن تقدم للإنسان جرعة عسل يستسيغها أحب إليه من برميل علقم.
[صفحة ٥١] وندرك أهمية الرفق في الدعوة إلى الله، من هذا التركيز والاهتمام اللذين أولاهما الإسلام للرفق واللين. ففي القرآن الكريم والسنة المطهرة فيض من النصوص التي تطالب بهذا الرفق، فالله تعالى يقول: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلُهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ...} [النحل: ١٢٥] وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قال رسول الله ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (١) وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» (٢) ذلك أن التوفيق والنجاح مقرون بالرفق، لأن القضية أساساً تتعامل مع القلوب، وما لم يكن القلب رحيماً، والتعامل رقيقاً رفيقاً، أغلقت قلوب الآخرين دونه، ولذلك يقول الله عز وجل لنبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ...} [آل عمران: ١٥٩] ولهذا كانت توجيهات الرسول - المجرب للأساليب، وأستاذ الدعوة الأول - إلى أتباعه أن يأخذوا جانب الرفق مع المدعو، لأنه طريق النجاح والفلاح، ففي حديث جرير بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (٣) وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (١)
(حواشي صفحة ٥١): (١) متفق عليه. رياض الصالحين ص ٢٧٥. (٢) المصدر السابق. (٣) رواه مسلم. رياض الصالحين ص ٢٧٥.
[صفحة ٥٢] ولعلكم سمعتم أو قرأتم القصة الرمزية (الأسطورة) التي تتحدث عن المنافسة بين الشمس والريح في مقدرة كل منهما على إجبار بدوي في الصحراء على خلع ردائه، فقالت الريح: أنا أقدر منك، وقالت الشمس: بل أنا أقدر منك، فدخلتا في تنافس، فأعطت الشمس الفرصة للريح، فغابت عن الكون، واختفت خلف السحب، وبدأت الريح تهب، وتزداد شدة وعنفاً، والبدوي متمسك بردائه وكلما اشتدت؛ زاد تمسكه بردائه، وتلفلفه به حتى عجزت الريح رغم عنفها وقوتها وأعاصيرها. فلما بان عجزها واستسلمت؛ سكنت وأعطت المجال للشمس، فأخذت تطل بوجهها برفق من بين الغيوم، فدفىء الكون، ودخل الدفء برفق إلى جسد البدوي، وبدأت الشمس تزيد من حرارتها رويداً رويداً بتدرج رفيق، لم يعد البدوي يطيق رداءه، فخلعه وألقاه جانباً... وأريد طرح سؤال هنا، أوجهه إلى الدعاة المتحمسين المخلصين من الشباب أي الطريقين تريد سلوكه في دعوتك، الأسهل أم الأصوب؟! فإن كنت تريد الأسهل، حتى تستريح وتعتذر إلى الله، أنك قمت بواجبك، نجحت أم لم تنجح فدونك العنف والشدة والصراخ والظهور وإعجاب الجمهور!! ولكنك في النهاية ستكتشف أنك لم تنجح، فلم تكسب أحداً إلى صفك، بل كسبت العداوات، فضلاً عن أن عملك حبط، لأنه لم يكن خالصاً، بل وقد تكون بعملك أو سلوكك هذا تسببت في نفور الناس من الإسلام، ورفضهم لقيمه ومبادئه التي تنادي أنت بضرورة هيمنتها على مناحي الحياة جميعها، فتكون بذلك ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: ١٠٤]، ولذلك كان رسول الله ﷺ يبغض التنفير ويحذر منه، ويوجه نظر صحابته إلى ذلك، ففي الصحيحين من حديث أنس (رضي الله عنه): «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (١). وفي حديث ابن مسعود (رضي الله عنه) في الصحيحين، أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله في موعظة أشد غضباً منه يومئذ ثم قال: «إن منكم منفرين.... الخ الحديث» (٢).
(حواشي صفحة ٥٢): (١) رواه مسلم. رياض الصالحين ص ٢٧٥. (١) متفق عليه. رياض الصالحين ص ٢٧٥. (٢) متفق عليه مشكاة المصابيح ج ١ ص ٣٥٤ حديث ١١٣٢. طبع المكتب الإسلامي.
[صفحة ٥٣] وقد كان أحد الشباب المتحمس للدعوة في العصر الحديث، إذا دخل بيتاً فوجد فيه تمثالاً مما يصنع الناس في مجالسهم للزينة - حسب مفهومهم الخاطىء - قام وحطم التمثال، فنفر الناس منه، وشكوه إلى داعية كبير، فنصحه قائلاً: «لا نريد منك أن تحطم تماثيل الناس، بل مهمتك أن تجعلهم يحطمون تماثيلهم بأيديهم» (٣) وهذه لفتة رائعة في توضيح دور الداعية الحصيف في تغيير المنكر. أما إذا اتخذ العنف سبيلاً، فقد يتولد عنه عنف مضاد أكبر، وأضعف الإيمان فشله في كسب قلوب الخلق إلى منهج الإسلام ودعوته. ذكر الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في مقدمته لكتاب المنهج الأحمد نقلاً عن طبقات ابن رجب ١٣٠/١ طبعة دمشق أن أحمد بن علي بن أحمد العلثي - وهو أحد المشهورين بالزهد والصلاح، وكان عفيفاً لا يقبل من أحد شيئاً، ولا يسأل أحداً حاجة لنفسه، وكان كثير الصوم والصلاة، مكرماً عند الناس أجمعين - يدخل مرة مع الصناع إلى دور السلاطين، وكان فيها صور مجسمة عن الإسفيداج، فيلتمس فترة يخلو فيها بهذه الصور، فإذا وجدها أنحى عليها فكسرها، فإذا استعظموا ذلك منه قال: هذا منكر، والله تعالى قد أمر بكسره، ويرفع أمره إلى السلطان، ويذكر - مع ذلك - أنه رجل صالح مشهور بالديانة، فيقول السلطان يخرج، ولا يكلم ولا يقال له شيء يضيق به صدره، ولا يجاء به إلى عندنا مرة أخرى (١). فالنجاح الحقيقي في النفاذ إلى اللب لا في البقاء على سطح الجلد، عند القشرة الخارجية، فكم من معركة خضناها مع الخصم، في مجال العلم والحجة والمناظرة، فخرجنا منها منتصرين، مظهرين لضعفه وخذلانه ومخالفته وتهافت حجته، ولكن هذا الانتصار انتصار أشبه بالهزيمة، لأنه انتصار أجوف، لم يؤد إلى نتيجة إيجابية، والنتيجة الإيجابية هي تحول الذي غيرت المنكر عليه إلى مقتنع، القناعة التي تدفع صاحبها إلى العمل المتحمس للإسلام والدعوة إليه، أما من سلم لك مكرهاً، فهو لا يتحمس لرأيك، ولا لفكرتك، وإن تظاهر بذلك، لأن من المسلمات في الحياة أن الإنسان لا يميل إلى من هزمه وعرى ضعفه وأشهر خطأه، ولذلك يبقى هذا الإنسان سلبياً، يتظاهر بالموافقة، فإن لاحت له بارقة؛ تفلت وانعطف مرة أخرى إلى ما كان عليه.
(حواشي صفحة ٥٣): (٣) كتاب «وفقيد آخر» للمؤلف. (١) المقدمة ص ٢١.
[صفحة ٥٤] وخروج الإنسان من حوار أو جدل أو موقف منتصراً في مجال الحجة، ولكنه مهزوم كداعية مجاله قلوب الخلق قبل عقولهم، فتلك نتيجة سيئة، وسهم ضل هدفه. وأما الانتصار الحقيقي للداعية فهو عندما يحول مرتكب المنكر إلى صنعه عن قناعة وحب، فيصبح هذا المتحول حاملاً فكره، الذي هو فكر الإسلام ومبادئه وقيمه التي نريد لها أن تعم الأرض، وتعيد المجد. أما إذا أراد الداعية المتحمس أن يسلك الطريق الأصوب، فإن هذا الطريق له علامات وصوى، يجب أن يعرفها ويسترشد بها حتى لا يضل ولا ينحرف، ويصل إلى هدفه دون تضييع وقت أو جهد. وأرشد الشباب المسلم المتحمس إلى بعض هذه العلامات فأقول وبالله التوفيق: ١ - يجب أن يتحمس الشاب المسلم الداعية الحصيف طريقه في تغيير المنكر، فيكون كيساً فطناً، فيختار الوقت المناسب، بعيداً عن أعين الناس وسمعهم، لأن المتحدث في السر ناصح، وفي العلن فاضح. ويختار كذلك الحالة المناسبة، فلا ينصح العريس مثلاً ليلة زفافه بالزهد في الدنيا.. فأنى يستجيب له؟!! ولا يقول للغضبان في ثورة انفعاله: «صل على النبي» يريد بذلك تهدئته، فيتعدى الغضبان على مقام النبي من حيث لا يشعر، فيكون الداعية سبباً في وقوعه في الإثم، وقد لمح القرآن لمثل هذا الموقف في قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ...} [الأنعام: ١٠٨]. فالإنسان تحت سيطرة الانفعال والغضب لا يدري ما يقول، فلا يدفعه إلى المعصية بزعم تغيير المنكر.
[صفحة ٥٥] ٢ - وعليه أن يختار الأسلوب (أو الدرجة) التي يغير بها المنكر، وهل هي باليد، أم باللسان، أم بالقلب، مراعياً شروط ذلك، ملتفتاً إلى نقطتين مهمتين: أ - الإخلاص لله، لا للتعالي أو التعالم أو الظهور. ب - عدم إحداث مفسدة أكبر ضرراً من المنكر المراد تغييره. ٣ - أن يعتمد أسلوب الرفق واللين في شأنه كله، مقدماً إياه على أي نهج آخر، ويصبر ويحتسب. ذكر الأستاذ عبد البديع صقر - رحمه الله - أنه ذهب في معية الشيخ حسن البنا - رحمه الله - لزيارة عمدة في إحدى قرى الشرقية بمصر، وكان هذا العمدة قد تعلم في بريطانيا!! وطلب من الشيخ حسن البنا زيارته في قريته، فلبى الشيخ الطلب، قال عبد البديع صقر: «فلما قدمت الضيافة، وإذا بالقهوة في فناجين زجاجية لها قواعد من الذهب «تلبيسة» فأخذنا ننظر إلى حسن البنا كيف سيتصرف في هذا الموقف، فما كان منه إلا أن نزع الفنجان الزجاجي من قاعدته الذهبية بهدوء، ودون أن يشعر به أحد، وشرب قهوته ولم يتكلم مع العمدة في شيء». قد يكون حسن البنا ترك السلوك الهادىء يقوم مقام الوعظ والتذكير والكلام، وقد يكون أرجأه حتى يختلي بصاحب البيت، فمن نصح أخاه في السر فقد زانه، ومن نصحه في العلن فقد شانه، وقد.. وقد.. ولكن في النهاية خرج حسن البنا من تلبية الدعوة وقد ملك قلب العمدة الشاب المثقف المتعلم!!
[صفحة ٥٦] ٤ - ألا يظهر للمدعو (المراد تغيير المنكر عليه) أنه أعلم منه، فالنفوس تأبى هذا وتنفر منه، أما إن جاءها بالتواضع وخفض الجناح مالت إليه. يروى أن الحسن والحسين (رضي الله عنهما) عندما كانا صبيين صغيرين رأيا شيخاً كبيراً لا يحسن الوضوء. فكيف غيرا المنكر عليه. أو بتعبير أدق: نصحاه وعلماه؟!. قالا له: «يا شيخ نريد أن تحكم بيننا، فقد اختلفنا في أينا أحسن وضوءاً من الآخر، فتوضأ الحسن والشيخ ينظر، ثم توضأ الحسين، فقال الشيخ: كلاكما على صواب، وأنتما أحسن وضوءاً مني!!» فإذا اتبع الداعية الحصيف هذه النقاط وغيرها، بلغ دعوته، وأثر في غيره، وكم شاهدنا أناساً فشل معهم بعض الدعاة، ولم يستطيعوا التأثير فيهم، فلما جاءهم داعية آخر؛ انجذبوا إليه وتأثروا به، واقتنعوا بدعوته. فأين كان الخلل؟!! في جهاز الإرسال أم جهاز الاستقبال؟! لا شك أن الداعية الأول لم يفهم طبيعة هؤلاء، ولم يأتهم بالأسلوب الهين اللين، والطريقة الأقرب إلى قلوبهم. BIBLIOTHECA ALEXANDRINA (مكتبة الإسكندرية) وفي خاتمة موضوعنا هذا أسوق بعض المواقف للرسول ﷺ في تغيير المنكر، تغيير الداعية الرفيق، والمعلم الحصيف، والمربي الفطن. ١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ: «دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (١).
(حاشية صفحة ٥٦): (١) رواه البخاري.
للكتاب بقية قريبا بإذن الله
كلمة هادئة في حديث الجارية
كلمة هادئة في حديث الجارية
انتشرت في العصر الأخير مفاهيم خاطئة حول تفسير وفهم النصوص التي تتحدث عن الذات الإلهية، خصوصاً لدخول الخيال والوهم ساحة التفكير والفهم؛ فتم قياس الغائب على الشاهد، والمجرد المعقول على الحاضر المحسوس بذاته بصرف النظر عن وجود مشترك بينهما يكون علة للقياس، فساقهم الخيال إلى محاولة تصور الذات الإلهية، وكانت بداية هذا التصور أن يثبتوا الله تعالى حيزاً يشغله، أي مكاناً، وبالتالي يكون في جهة.
وقد دأب هؤلاء على محاولة تصيّد نصوص الكتاب والسنة التي يمكن لي عنقها حتى يمكنهم الاعتماد عليها، وقد جهدوا في ذلك أشد الجهد؛ لأن الكثرة الكاثرة من النصوص محكمات ناطقة بالتنزيه والتعظيم، والقلة القليلة من النصوص متشابهة أو في حكم المتشابه.
ومن هذه النصوص الكلمات الشاذة في حديث الجارية في (صحيح) الإمام مسلم في سؤال النبي ﷺ: «أين الله؟» وإجابة الجارية: (في السماء)، وهو نص شاذ فرد - كما قلنا - خالف ما هو أصح منه وأثبت وأكثر، فلننتقل إلى دراسة هذا الحديث.
نص الحديث الذي فيه قصة الجارية بلفظ « أين الله » كاملاً (صفحة ٦ - ٨)
أخرج مسلم في صحيحه قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة - وتقاربا في لفظ الحديث - قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال:
بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم؛ فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم!! فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم !! فلما رأيتهم يُصَمِّتُونني لكني سكتُ، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه؛ فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني؛ قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ.
قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال: «فلا تأتهم». قال: ومنا رجال يتطيرون. قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم» قال ابن الصباح فلا يصدنكم. وقال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك».
قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية؛ فااطعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون؛ لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟! قال: «ائتني بها»، فأتيته بها، فقال لها: «أين الله ؟ قالت : في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فأنها مؤمنة» اهـ.
قال الحافظ البيهقي - رحمه الله تعالى - في كتابه «الأسماء والصفات» عقب روايته للحديث: «وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية. وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث». اهـ. فهو يصرح بأن قصة الجارية التي هي قطعة من الحديث: (أ) ليست في «صحيح مسلم» عنده. (ب) اختلف الرواة في ألفاظها.
النقطة الأولى والثانية واختلاف الروايات (صفحة ٩ - ١١)
النقطة الأولى: يتضح من كلام الحافظ البيهقي أن نسخ «صحيح» مسلم لم تتفق كلها على هذه القصة، فلعل الإمام مسلماً قد راجع كتابه في مرحلة تالية وحذفها كما كان الإمام مالك يفعل في «الموطأ»، وكما فعل البخاري عندما أخرجه في كتابه «خلق أفعال العباد» واقتصر على ما يتعلق بتشميت العاطس بدون أي إشارة إلى اختصاره للحديث، أي أنه لم يعتمد صحة ما ورد في قصة الجارية؛ نظراً لاختلاف الألفاظ الواردة فيها والدالة على عدم الضبط.
النقطة الثانية: اختلاف ألفاظ الحديث بين رواية الصحابي معاوية بن الحكم ورواية غيره. قلت: بل اختلفت رواية الصحابي معاوية بن الحكم نفسه !! كما سنوضحه.
أولاً: روايتا معاوية بن الحكم: ١ - الرواية الأولى أخرجها الإمام مسلم في «صحيحه» وفيها: فقال لها: «أين الله ؟ قالت : في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة». ٢ - الرواية الثانية أوردها الذهبي في كتابه «العلو» وذكر سندها الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» من طريق سعيد بن زيد، عن توبة العنبري، عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية - يشير إلى معاوية بن الحكم - ... وذكر الحديث، وفيه: (فمد النبي يده إليها، وأشار إليها مستفهماً: من في السماء؟ قالت: الله).
فكما ترى لم يقل رسول الله ﷺ: «أين الله»، بل ولم يقل أيضاً: «من في السماء»؟ وإنما هو أشار فقط، والكلام في الروايتين هو من تعبير الراوي وفهمه وليس من كلام رسول الله ﷺ. وإسناد هذه الرواية حسن - إن شاء الله - فسعيد بن زيد الأزدي الجهضي ثقة من رجال مسلم، وثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي، وسليمان بن حرب، وقال عنه البخاري والدارمي: صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه؛ لذا: فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن.
الاضطراب في متن الحديث (صفحة ١١ - ١٣)
والرواية الأولى (رواية الإمام مسلم) فيها هلال بن علي بن أسامة (هلال بن أبي ميمونة)، قال عنه أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه. وقال النسائي : ليس به بأس. أي أن إسناد الحديث حسن كما أشار إلى ذلك الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي، وكذا الحافظ ابن عبد البر.
وبهذا يتبين وجود اضطراب في متن الحديث لا مفر من الاعتراف به، وكذا ثبوت أن لفظة (أين الله) وكذا (في السماء) هما من تعبير الراوي. والراوي سيدنا معاوية بن الحكم السلمي لم يكن من علماء الصحابة ولا فقهائهم، ولم يُكثر من صحبة رسول الله ﷺ حتى يتعلم دقائق العلم، بل - كما ورد في حديثه - كان (حديث عهد بجاهلية)، وكان لا يدري أن تشميت العاطس والكلام مع الآخرين مبطل للصلاة، فمن الظلم البين أن نحمله مسؤولية الألفاظ المروية بناءً على فهمه وسيتبين ذلك بصورة أوضح بالمقارنة مع الرواية الأخرى للحديث من غير طريقه.
وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى من طريق عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة. فقال لها: «أين الله»؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: «فمن أنا ؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، تعني : أنت رسول الله فقال رسول الله ﷺ «أعتقها فإنها مؤمنة». فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها: « فمد النبي يده إليها، وأشار إليها مستفهماً : من في السماء ؟ ...» فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين، ويكون اللفظ ضائعاً، فكيف يستدل به؟!
ثانياً: روايات غير معاوية بن الحكم لنفس القصة بلفظ: «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ » (صفحة ١٣ - ١٦)
الرواية الأولى: لعطاء بن يسار - أيضاً - في «مصنف» الحافظ عبد الرزاق: عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء أن رجلاً كانت له جارية في غنم ترعاها، وكانت شاة صفين، يعني غريزة في غنمه تلك، فأراد أن يعطيها نبي الله ، فجاء السبع فانتزع ضرعها، فغضب الرجل فصك وجه جاريته، فجاء نبي الله فذكر ذلك له، وذكر أنها كانت عليه رقبة مؤمنة وافية، قد هم أن يجعلها إياها حين صكها، فقال لها النبي : «ائتني بها»، فسألها النبي : «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم : «وأن محمدا عبد الله ورسوله؟» قالت: نعم. «وأن الموت والبعث حق؟» قالت : نعم. «وأن الجنة والنار حق؟» قالت: نعم. فلما فرغ قال: «أعتق أو أمسك».
وهذا سند صحيح عالٍ إلى عطاء راوي الحديث عن معاوية بن الحكم كما ترى، فهذا هو اللفظ الثالث لحديث الجارية من طريق عطاء بلفظ: «أتشهدين»، وقد تقدم اللفظ الأول وهو «أين الله»، والثاني الذي فيه أنه أشار إليها مستفهما بيده دون أن ينطق: «من في السماء؟»، وهذا كله يقرر ويقضي بأن النبي لم يقل: «أين الله». وتنبه هنا جيدًا إلى أن هناك اضطرابا آخر مع باقي الروايات الواردة في حديث الجارية من غير طريق عطاء أكبر وأعظم من هذا الاضطراب الذي بيناه الآن، وهو اضطراب متن عطاء مع متون أخرى.
الرواية الثانية: لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة في «الموطأ»: روى مالك في الموطأ بسند عال جدا عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء . فقال : يا رسول الله إن على رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله : «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟» قالت : نعم. قال: «أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟» قالت: نعم. قال: «أتوقنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم. فقال رسول الله : «أعتقها». أخرجها البيهقي. ورواه الإمام عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار به ومن طريقه رواه الإمام أحمد ، كما رواه غيرهم أيضاً.
أما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين من رجال الستة أيضاً، إمام ثقة. قال الحافظ في «التقريب» عنه: «ثقة فقيه ثبت ، ولا يعرف بتدليس؛ وعنعنته محاولة على السماع وقد قال: «عن رجل من الأنصار».
الترجيح بالشواهد والأمارات والحديث المضطرب (صفحة ١٦ - ١٧)
قال ابن كثير في تفسيره: «إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره»، وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: «وإن كان ظاهره الانقطاع في رواية مالك فإنه محمول على الاتصال؛ للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة»؛ وقال الحافظ الهيثمي في «المجمع»: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».
فقد تبين بذلك أن حديث قصة الجارية في «صحيح مسلم» وسؤال رسول الله ﷺ لها مضطرب المتن على أقل تقدير، أما إذا أخذنا بجانب الترجيح بالشواهد والأمارات فستكون رواية «أتشهدين ...» هي الراجحة؛ لأنها هي المطابقة لعقائد الإسلام اليقينية، وكذا هي أصح إسناداً. وفي جميع الحالات يمتنع أخذ رواية «أين الله؟» على ظاهرها؛ لذا أولها بعض العلماء، كالنووي، والقاضي ابن العربي، والباجي، وغيرهم.
يقول الإمام النووي في تعريف الحديث المضطرب: «المضطرب: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها، أو كثرة صحبته المروي عنه، أو غير ذلك : فالحكم للراجحة؛ ولا يكون مضطربا. والاضطراب يوجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم الضبط، ويقع في الإسناد تارة، وفي المتن أخرى، وفيهما من راو أو جماعة». وقال الحافظ ابن دقيق العيد في «الاقتراح»: «المضطرب : وهو ما روي من وجوه مختلفة. وهو أحد أسباب التعليل عندهم، وموجبات الضعف للحديث».
من شواهد ترجيح لفظ «أتشهدين ... » (صفحة ١٨ - ٢٠)
١- ما رواه الدارمي في «السنن» قال: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الشريد قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إن على أمي رقبة، وإن عندي جارية سوداء نوبية، أفتجزئ عنها ؟ قال: «ادع بها»، فقال: «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟» قالت : نعم. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». ٢ - ما رواه البزار والطبراني عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال : أتى رجل النبي ﷺ فقال : إن على أمي رقبة وعندي أمة سوداء، فقال: «ائتني بها» فقال لها رسول الله ﷺ: «أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قالت: نعم. قال: «فأعتقها». قال الحافظ الهيثمي في «المجمع» عن هذا السند: فيه محمد بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ وقد وثق. اهـ. وستأتي شواهد متواترة لهذا اللفظ أتشهدين في فصل خاص إن شاء الله تعالى.
الرواية التي جاءت بلفظ « من ربك ؟ » صحيحة الإسناد أيضاً: روى النسائي في «السنن الصغرى» وابن حبان في «صحيحه» وغيرهما عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء، قال: «ادع بها» فجاءت فقال: «من ربك؟» قال: الله، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهو بمعنى رواية (أتشهدين).
مناقشة متن الحديث (صفحة ٢٠)
هل السؤال بـ (أين) التي يُسأل بها عن المكان الحسي، يدل على ألوهية المسؤول عنه؟ وبمعنى آخر : الجارية المسؤولة من العرب الذين سبق منهم إشراك غير الله في الألوهية، فهل يدل هذا السؤال على أنها لا تعبد معه إلهاً آخر في الأرض أو في أي مكان آخر ؟ ألم يكن بعض العرب يعبدون أصناماً آلهة في الأرض مع إقرارهم بإله السماء؟ أليس هناك من عبد الشمس والقمر والكواكب - ذكر القرآن ذلك - وهم في السماء أيضاً؟
فالسؤال المذكور : («أين» الله ؟ ) لا يدل على الألوهية، والإجابة الواردة في الحديث : (في السماء) لا تدل على التوحيد !! فعلى أي شيء ذكرت هذه الرواية - الشاذة المردودة - على أن رسول الله ﷺ شهد لها بالإيمان؟ والنماذج السابقة والآتية توضح وتؤكد أن المطلوب هو (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وليس شهادة أن الله - تعالى عما يقولون - مكاناً هو في السماء !! فالسؤال إذا كان قد حدث هو عن العلو المعنوي وليس الحسي، كما ذكر النووي.
العقائد وأحاديث الآحاد (صفحة ٢١ - ٢٣)
إن العقائد عند المسلمين لا تبنى إلا على القطعيات واليقينيات ولا يمكن بناؤها على الظنيات أبدًا. والظن - كما هو معلوم - هو كل ما غلب عليه الصواب لكن احتمل أن يدخله الخطأ، ولما كانت أحاديث الآحاد من هذا الصنف امتنع الاستدلال بها في العقائد، وإليك نماذج :
١ - قال الحافظ الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه»: «باب القول فيما يرد به خبر الواحد. ... وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد ردّ بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه ...» اهـ. ٢ - وقال الإمام الحافظ النووي في «شرح صحيح مسلم»: «وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في «صحيح» البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد؛ وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول...» ثم قال بعد أسطر: «وأما من قال : يوجب العلم - خبر الواحد - فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟! والله أعلم اهـ».
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» عند شرح حديث البخاري عن أنس قال: « بعث النبي ﷺ أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين فلما قدموا .... الحديث: «قوله: (بعث النبي أقواماً من بني سليم إلى بني عامر) قال الدمياطي: هو وهم؛ فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوث هم القراء وهم من الأنصار . قلت: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري ... اهـ». والحديث من ثلاثيات البخاري العالية؛ وحفص هذا هو ابن عمر بن الحارث بن سخبرة، قال عنه أحمد كما في «تهذيب الكمال»: «ثبت ثبت متقن لا يؤخذ عليه حرف واحد».
تصريح بعض الأئمة من الحفاظ والمحدثين باضطراب حديث الجارية (صفحة ٢٣ - ٢٦)
١ - الإمام الحافظ البيهقي: تقدم أن الحافظ البيهقي - رحمه الله تعالى - قال في «الأسماء والصفات»: «وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية؛ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث». فالبيهقي يرى بكل صراحة ووضوح أن قصة الجارية ليست في «صحیح مسلم». ومن جهة أخرى هناك أمر آخر مهم أيضاً، وهو أن الحافظ البيهقي صرح باضطراب الحديث، أي باختلاف الرواة في لفظه !! فعلى تسليم أنه في «صحيح مسلم» فهو مضطرب بلا شك؛ لما أثبتاه في الفصول التي تقدمت عند عرض طرقه. ومن جهة ثالثة : أيضاً لم يذكر الإمام مسلم قصة عتق هذه الجارية في كتاب العتق، ولا في كتاب الأيمان والنذور، وهذا مما يؤكد كلام الحافظ البيهقي وغيره.
٢ - الإمام الحافظ البزار : لقد صرح الإمام البزار باضطراب الحديث أيضاً في «مسنده»، فقال بعد أن روى الحديث من طريق من طرقه: «وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة».
٣- الحافظ ابن حجر العسقلاني: صرح الحافظ ابن حجر باضطرابه أيضاً؛ إذ قال في «التلخيص الحبير» ما نصه: «وفي اللفظ مخالفة كثيرة اهـ». وقد صرح الحافظ ابن حجر بأنه لا يجوز اعتقاد «الأين» في حق المولى سبحانه وتعالى - فلم يعمل بهذا الحديث رغم صحة سنده بنظره؛ وذلك لاضطرابه !! لأن الاضطراب موجب للضعف مع كون الإسناد صحيحاً؛ لذلك قال الحافظ في «فتح الباري»: «فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر؛ فلا يتوجه على حكمه لم ولا كيف؛ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث... اهـ».
وبهذا ثبت ثبوتا لا شك فيه عندنا حسب قواعد المصطلح وتصريحات أهل الحديث في القديم والحديث - اضطراب متن حدیث الجارية بحيث لا يمكن التعويل على لفظ من ألفاظه؛ وأصح أسانيده - كما رأيت- بلفظ «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ ...»؛ فإن كان هناك مجال للترجيح بين هذه الروايات فالرواية الراجحة - بلا شك ولا ريب - هي رواية «أتشهدين ...»؛ لأنها الأصح، ولأن المعهود من حال النبي ﷺ الثابت عنه بالتواتر أنه كان يأمر الناس ويقاتلهم ويختبر إيمانهم بالشهادتين، فتكون رواية «أين الله؟» شاذة أو منكرة.
نماذج تحديد النبي وتوصيفه للمسلم (صفحة ٢٦ - ٣٠)
١ - روى البخاري في " صحيحه " من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي ﷺ قال لابن صياد : « أتشهد أني رسول الله ؟ ». ٢ - روى البخاري عن أنس بن مالك، وعمر، وابن عمر، وأبي هريرة وكذا مسلم في «الصحيح» عن أبي هريرة، وجابر، وعمر، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم أجمعين - قول رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ...» قال الإمام الحافظ السيوطي في «الجامع الصغير» بعد أن ذكر هذا الحديث: «وهو متواتر». وزاد المناوي في «شرحه» فقال: «(وهو متواتر)؛ لأنه رواه خمسة عشر صحابيا». وفي «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» للعلامة المحدث الكتاني ما نصه: «وفي شرح الإحياء - للمحدث الزبيدي - رواه ستة عشر من الصحابة كما قاله العراقي .....».
٣ - وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث ابن عباس أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ...». ٤ - وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ أعطى أبا هريرة نعليه وقال: «اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ....». ٥ - وفي صحيح مسلم عن عتبان بن مالك: أن جماعة من الصحابة ودوا أن يدعو النبي ﷺ على مالك بن دخشم فيهلك، فقال رسول الله ﷺ: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟» قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه . قال: «لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه». قال أنس: فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني: اكتبه، فكتبه.
فهذه الأحاديث وغيرها كثير بلغت مبلغ التواتر جميعها يرجح رواية «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» مع كون هذه الرواية هي الأصح إسنادا والأقوى مدركًا.
محاذير القول بالجهة ونصوص نفي الفوقية الحسية (صفحة ٣٠ - ٣٨)
القول في حق الله بالجهة أو بأنه (في السماء) مفضي إلى القول بالحد وإثبات المكان لله تعالى، وهو ملازم للتجسيم، تعالى الله عما يقولون. نصوص في نفي الفوقية الحسية والجهة عن الله سبحانه يدل ظاهرها على (الكون السفلي): ١ - قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾. ٢- قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. ٣ - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾. ٤ - قوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾. ٥ - قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾. ٦ - قوله تعالى : ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾. ٧ - قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾. ٨ - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾. ٩ - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾. ١٠ - قوله تعالى: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ﴾. ١١ - وقال تعالى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ﴾. ١٢ - وقال تعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. ١٣ - وقال تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾.
١٤ - في «صحيح البخاري» من حديث أنس أنه رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه» أو: «إن ربه بينه وبين القبلة ...». وقد نقل شيخ الإسلام ابن حجر قول الإمام الخطابي في تأويل الحديث: «معناه: أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير : فإن مقصوده بينه وبين قبلته اهـ». وفي أحد روايات الحديث : «... فإن الله قبل وجهه»، ويمكن أن يكون تأويل « فإن الله قِبَلَ وجهه»: فإن رحمة الله، أو ثواب الله قبل وجهه. ويؤيد هذا التأويل ما رواه الترمذي عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى؛ فإن الرحمة تواجهه» قال الترمذي: حديث حسن.
١٥ - وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنه رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: «إذا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقٍ قَبِلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ الله تعالى قِبَل وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». ١٦ - وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : أنه رأي نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس، فقال: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبَّهُ فَيَتَنَخَّعُ أمامَه !! أيجب أحدُكُم أَن يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِه ؟!». ١٧ - وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم». وفي رواية: « والَّذِي تَدْعُونَه أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ».
١٨ - وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال : «... أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني ....» [هامش صفحة ٣٥ ينقل قول الإمام النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره... ومعناه: من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة...]. ١٩ - وحديث عيادة المريض : « أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟». ٢٠ - وفي الترمذي في حديث العَنَان، وفيه ذكر الأرضين السبع والسماوات السبع والعرش، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والَّذِي نَفْسُ محمد بَيدِهِ لَوْ أنكم دليتم رجلاً بحبل إلى الأرض السفلى لهبط عَلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى». [هامش صفحة ٣٦ ينقل قول الإمام البيهقي: إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى...]. ٢١ - الحديث القدسي الشريف: «أنا جليس من ذكرني». ٢٢ - الحديث الشريف: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء». قلت: وهذه القلوب في الأرض بغير شك. ٢٣ - الحديث الشريف: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». ٢٤ - الحديث الشريف: «احفظ الله تجده تجاهك ...».
وغيرها في نصوص الكتاب والسنة كثير، وكلها قاضية بكون الله في الأرض حتى إن الآية الكريمة: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ذكرت أن الله سبحانه استوى على العرش، ثم نصت على أنه معنا أينما كنا في نفس الآية.
كيف نتعامل مع النصوص ؟ (صفحة ٣٨ - ٤٤)
( أ ) المسلك الأول : الأخذ بظواهر النصوص: ويلزمنا حينئذ إما الترجيح بين أدلة الكون السفلي وأدلة الكون العلوي، أو الجمع بينها.
أولاً: الترجيح بين الأدلة وبالنظر إلى أن النصوص الدالة على الكون السفلي أكثر من النصوص الأخرى؛ فيكون الله سبحانه موجودا في الأرض بذاته - تعالى عن ذلك - وهذا لا نقول به؛ لمنافاته للتنزيه.
ثانياً: الجمع بين النصوص الدالة على الكون العلوي والسفلي: فيكون الله سبحانه موجودًا بذاته في كل مكان في أرضنا والأرض السابعة وفي السماء وفوق العرش... - كظواهر الآيات : ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾، ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾، ﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾، وهذا أيضاً لا نقول به؛ لمنافاته للتنزيه.
(ب) المسلك الثاني : التنزيه (وهو مذهب أهل الحق): وهو أن الله سبحانه منزه عن المكان والحدود والتحيز وما إلى ذلك، فهو سبحانه كان موجودًا وليس ثمة عرش ولا سماء ولا أرض. قال ﷺ: « كان الله ولم يكن شيء غيره »، ولم تحدث له - سبحانه - صفة بعد خلقها، وهو الآن على ما عليه كان. وإذا كانت النصوص الدالة على الكون السفلي مصروفة عن ظاهرها بقرينة تنزيه الله وتعظيمه، وتفسر المعية أو الأقربية المذكورة في النصوص بمعية العلم أو النصرة والتأييد، وكذلك الأقربية وغيرها حسب القرائن الواردة في نفس النصوص؛ فكذلك النصوص الواردة في الكون العلوي: (في السماء) أو (على العرش) مصروفة، والتقدير بالقرائن الواردة في نفس النصوص.
يقول الإمام شهاب الدين بن جهبل في رده على استدلال بعضهم على الفوقية الحسية بقوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ : «الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما : نسبة جسم إلى جسم، بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل، بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل. وهذا لا يقول به من لا يجسم. وبتقدير أن يكون هو المراد، وأنه تعالى ليس بجسم؛ فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة لـ يَخَافُونَ ؟ ويكون تقدير الكلام: يخافون من فوقهم ربهم. أي أن الخوف من جهة العلو، وأن العذاب يأتي من تلك الجهة. وثانيهما: بمعنى المرتبة، كما يقال (الخليفة فوق السلطان)، و (السلطان فوق الأمير)، وكما يقال: جلس فلان فوق فلان، و: العلم فوق العمل، و الصياغة فوق الدباغة. وقد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال : ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم. ووقع ذلك أيضاً في قوله تعالى مخاطبا المؤمنين: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾».
ويمكن القول تعقيباً على حديث الجارية: «وأما عدم صحة الاحتجاج به في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات. قال الله تعالى: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل للَّهِ ﴾، وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك الله تعالى. وقال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ﴾، وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك الله تعالى. فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك الله تعالى، وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان كما في «أساس التقديس» للفخر الرازي».
وقد استنبط إمام الحرمين عبد الملك الجويني تنزه الله سبحانه عن الجهة من نهيه عن تفضيله على يونس بن متى عليه السلام، ولفظ البخاري: «لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى». يقول الإمام الجويني: إن هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ وهو عند سدرة المنتهى لم يكن بأقرب إلى الله من يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت في قعر البحر، فدل ذلك على أنه تعالى منزه عن الجهات وإلا لما صح النهي عن التفضيل اهـ ، وتابعه على ذلك الفهم واستحسنه الكثير من أئمة أهل الحق، منهم: القاضي ابن العربي، والقاضي عياض، والقرطبي، والسبكي، والكوثري. اهـ.
فصل: عدم أخذ جماعات من العلماء في القديم والحديث بظاهر لفظ «أين الله؟» (صفحة ٤٥ - ٤٨)
لقد أول كثير من العلماء المحققين لفظ «أين الله؟» ولم يقولوا بظاهره البتة دون أن يتكلموا على السند، وإنما ردوا هذا اللفظ الذي جاء في هذا المتن، وإليك نصوص السادة العلماء في ذلك:
١ - قال الإمام الحافظ تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى- في كتابه «السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل» (يعني ابن قيم الجوزية): «أقول: أما القول : فقوله للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. وقد تكلّم الناس عليه قديما وحديثا، والكلام عليه معروف، ولا يقبله ذهن هذا الرجل». ٢ - وقال الإمام الحافظ النووي - رحمه الله تعالى - في شرح صحيح مسلم: «وهذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدير الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة؛ بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين؛ أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت في السماء؛ علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ».
٣ - وقال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - كما نقله عنه الإمام النووي في شرح مسلم: «لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء، كقول الله تعالى : ﴿ أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾ ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم». فهذا تصريح من القاضي عياض وهو من أئمة أهل العلم وحفاظ الحديث – بأن هناك إجماعا على تأويل النصوص الواردة التي يوهم ظاهرها أن الله في السماء حقيقة، وتعالى الله عن أن يحل في خلقه، أو يحل فيه شيء من خلقه علوا كبيرًا ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ !! ٤ - وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في كتابه «دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه» مؤولاً لفظ «أين الله؟»: «قلت: قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا تحويه السماء والأرض ولا تضمّه الأقطار، وإنما عَرَفَ بإشارتها تعظيم الخالق عندها». ٥ - وقال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في «شرح سنن الترمذي» ما نصه: «فقال لها: «أين الله؟» والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة؛ فإنّ المكان يستحيل عليه». ٦ - الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام الحاظ رحمه الله تعالى: تقدم أن الحافظ ابن حجر صرّح بأن الله سبحانه وتعالى لا يتوجه عليه في وجوده «أين»، وهذا صريح منه بعدم الأخذ بظاهر اللفظ في رواية «أين الله؟». قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «فلا يتوجه على حكمه -سبحانه - لم ولا كيف؛ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث اهـ».وبنحو هذا قال الإمام الحافظ الباجي في «المنتقى»، وغيره أيضاً، فتدبر.
وهذا كله يثبت بلا شك ولا ريب أن حديث الجارية بلفظ «أين الله ؟» لم يتفق علماء الأمة على قبوله لا من ناحية السند - كما تقدم شرحه وبيانه - ولا من ناحية المتن كما بيناه ههنا.
[خاتمة الغلاف الخلفي]
هذه السلسلة نبدأ فيها باستعراض مفاهيم جمهور الأمة المعصومة حول بعض النقاط أو الموضوعات، وكيف بنى الجمهور هذه المفاهيم واستمدها من نصوص الكتاب والسنة متدبراً لهما بالعقل الراجح الصحيح جيلاً بعد جيل... لعل هذه السلسلة تكون بشير خير لمن يريد مراجعة مفاهيمه على ضوء الكتاب والسنة مستعيناً بإخوانه فإن يد الله مع الجماعة.
[بيانات الكتاب والغلاف]
العنوان: كلمة هادئة في حديث الجارية
السلسلة: سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح (العدد ١٧)
تأليف: الدكتور عمر عبد الله كامل
الناشر: دار الرازي
الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ - ٢٠٠٨ م
للتواصل مع الناشر (دار الرازي):
عمان - الأردن
هاتف: 4646106-6-00962 | فاكس: 4646116-6-00962
الموقع الإلكتروني: www.al-razi.net
أتمنى أن تفيدك هذه النصوص المستخرجة بدقة في إعداد بحثك العلمي.