السبت، 17 أكتوبر 2026

#شبهة همّ النبي بالانتحار !

 #شبهة_همّ_النبي_بالانتحار

#الشبهة: كيف يهم النبي بالانتحار والانتحار محرم شرعا ؟
مناط الشبهة هو جزء من حديث طويل في صحيح البخاري والشاهد منه ((وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك، حتى إذا استطانت أيام فترته غدا لحراء لكي يتردى منه، فلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك، فقال له جبريل: يا محمد إنك رسول الله حقا. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقر عينه وسكن، فلما انصرف نزل عليه الملك، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة)).
كثير من الذين ردوا على الشبهة ضعفوا هذه الزيادة من الأساس وقالوا إنها من بلاغات الزهري حيث يقول (فيما بلغنا) أي أنه لم يذكر السند المتصل إلى هذه الحادثة ومنه يكون السند منقطعا ولا حجة بالرواية من أصلها وذكر البخاري لها لا يلزمه لأنه اشترط في كتابه صحة المسند من الأحاديث وهذه ليست مسندة.
1 _ الرد على الشبهة بالاقتصار على تكذيب الرواية فيه تسليمٌ من الراد بمقدمة مغلوطة وهي ((وجود إشكالية في الرواية إن صحت)) بينما هذا لا أسلم به وما تميل نفسي إليه أن هذه الحادثة جرت فعلا ولذلك ذكرها البخاري في صحيحه بعد أن ذكر سندها الكامل إلى عائشة في بداية الرواية ولم يستهجن أو يستقبح هذه الزيادة حتى ولو كانت إدراجا.
2 _ لفظ (فيما بلغنا) قد يعود على الزهري وقد يعود على عائشة رضي الله عنها كأن تسمع الرواية كلها من النبي صلى الله عليه وسلم إلا القسم الخاص بالهم بالانتحار فتسمعه نقلا عن غيره
3 _ ليس كل ما ضعف سنده فإنه لم يقع وإنما قد يكون البلاغ ثابتا واقعيا (وإنما يُضعفه المحدثون للاحتياط وإلا فليس كل ما بلغ الراوي يكون كذبا ومن الكذابين فقد يكون بلاغا من الصادقين) ولو كان البلاغ من عائشة فقد تسمعه من صحابة آخرين (مثل أبيها مثلا).
1 _ هذه الرواية تحكي ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم من تفاعلٍ نفسي بعد أن انقطع عنه الوحي في أول الطريق أي لم يوح إليه إلا المرة الأولى (حادثة إقرأ) والتي عاد منها مذعورا يقول (زملوني زملوني) ثم أخبره ورقة بن نوفل بأنه سيوحى إليه وأن قومه سيخرجونه وبينما ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه الوحي مجددا ليفهم ما يجري حيث لم يُخبر في الوحي الأول بأنه نبي أصلا وكل ما نزل عليه قوله تعالى: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)) فليس في هذا النص ما يدل على نبوته بعد ولا ما يشرح له ما يجري.
2 _ لو أن رجلا صادف أن رأى جنّيّا بأم عينه يحدثه ويكلمه فجأة ونحن نعلم أن الجن أضعف وأقل عجبا بكثير من الملائكة فضلا على أن يلتقي بأقوى الملائكة والمخلوقات في الوجود جبريل عليه السلام ذو الهالة الروحية المرعبة ثاني أقوى كائن في الوجود بعد الله عز وجل فإن لقاء كائن عجيب كهذا يسبب لأي شخص صدمة نفسية لولا القوة التي أودعها الله في النبي صلى الله عليه وسلم لتؤهله لتحمل هذا الموقف لفقد عقله أو لمات مباشرة من هول الصدمة، لذلك فإن ردّة فعل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الطيب الخلوق الصادق تجاه موقف كهذا لهي عندي من أكثر ما ألتمسه من صدقه صلوات ربي وسلامه عليه فتأملوا هذا المقطع الذي أذكره كما هو من صحيح البخاري في سياق الرواية قبل انقطاع الوحي: ((فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسى المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)).
حاول ألا تقرأ الرواية كأنها حروف متلاصقة بلا معنى، بل حاول تخيل الأمر على الأقل كأنك تراه في فيلم أمامك إن لم تستطع أن تراه كشاهد عيان ثم حاول الشعور بما يشعر به النبي صلى الله عليه وسلم لتفهمه.
بعد كل هذا الرعب والحيرة تحيّر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفهم ما يجري معه فلما انقطع عنه الوحي (ولعل حكمة الله في انقطاع الوحي كي يعطيه فرصة يستجمع فيها قواه ويهدأ روعه ويستعيد نفسيته أو لأنه غير متدرب بعد روحانيا على استقبال روح عظيمة بقوة روح جبريل عليه السلام ومن البشر من لا يتحمل حتى استقبال أرواح قوية من عالم الجن فكيف بأقوى الملائكة ؟ إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل ما أصابه أراد أن يتردى من الجبل فيموت (وهو رد فعل طبيعي لشخص في غاية الصدق والطيبة، لا تحوله الصدمة إلى مجرم شرس يفترس غيره ولا إلى شخص يواصل اختراع القصص من عنده ليتم المشهد وإنما يتحرّك وفق ما يرى ويسمع فحسب فلما انقطع عنه الأمر أحس بتلك الرغبة التي قد يحس بها أي رجل صادف حدثا خارقا كبيرا جدا فوق ما تتحمله العادة ثم انقطع عنه دون أن يفهم منه شيئا) فلما حاول ذلك ظهر له جبريل وأخبره لأول مرة بأنه نبي.
1 _ في تلك المرحلة لم يكن بعد قد نزل حكم تحريم الانتحار بل لم يُخبر النبي بأنه نبيٌّ أصلا لذلك فلا تناقض بين الرغبة في الانتحار وبين تحريم الانتحار تماما كما لا يمكن القول (كيف لم يصم النبي صلى الله عليه وسلم رمضان قبل أن ينزل تشريع صيام رمضان).
2 _ قال الله عز وجل في يوسف عليه السلام ((ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه)) فلولا أن رأى يوسف عليه السلام لهمّ بها رغم أن الحكم كان مشرعا عنده (وليس قبل تشريعه) فمن باب أولى أن يهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما لم يُشرع بعد ولم يفعله لأنه رأى هو الآخر برهان ربه (جبريل عليه السلام لما ظهر له وقال إنك نبي).
3 _ الانتحار ليس فعلا يعيب خلق صاحبه وإنما هو فعل محرم لأن الله حرّمه وإلا فمن غير دينٍ ليس هناك أي دليل أخلاقي يعيب الانتحار بخلاف القتل والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل.
4 _ غالبية المعترضين على هذه الرواية هم الشيعة رغم أنهم يزعمون في معتقداتهم أن أئمتهم ماتوا مسمومين ومغدورين رغم علمهم بالغيب فمعنى ذلك أن الإمام المعصوم عند الشيعة يعلم أن السم دس له في الطعام ثم يأكله (أليس هذا انتحارا من بعدما فُصّل له الحكم ؟) فهو أشبه بأن تمشي في الطريق وتكتشف وجود لغمٍ أمامك وضعه العدو وأنت تعلم مكان اللغم تذهب إليه لتدوسه بكامل إرادتك (أليس هذا انتحارا ؟)

ليس كلُّ من رفع شعار السلفية يكون سلفياََ ..

 

حين يتحوّل الانتساب إلى السلف إلى سلاحٍ للطعن في المسلمين!

من «القبورية» و«عبّاد القبور» إلى «الجهمية» و«المبتدعة»… أهذا هو منهج السلف في التعامل مع المخالفين؟

📌 ليس كلُّ من أكثر من الحديث عن العقيدة أحسنَ فهمها، وليس كلُّ من رفع شعار السلفية كان أرفقَ الناس بالمسلمين، وأبعدَهم عن الظلم والبهتان!

من المؤسف أن تتحوّل بعض المصطلحات الدينية، التي يُفترض أن تُستعمل في سياق العلم والبحث والتحرير، إلى ألقابٍ تُرمى بها المخالفون، وتُستعمل لتشويههم، والتنفير منهم، وإيهام العامة بأنهم أهل ضلال وانحراف، وأن النجاة لا تكون إلا بموافقة تصوّرات جماعة بعينها!

فتسمع بعضهم يصف مخالفيه بـ«القبورية»، ثم لا يلبث أن يتجاوز ذلك إلى وصفهم بـ«عبّاد القبور»!

ويرمي آخرين بـ«الجهمية» و«الكلابية» و«المعتزلة»، ويُلحق بهم أوصافًا جارحةً وألقابًا مهينة، وكأنّ إطلاق هذه الكلمات وحده يكفي لإسقاط المخالف، وإبطال حجته، والحكم على دينه ومنهجه!

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل أصبح إطلاق الألقاب دليلًا على العلم؟ وهل صار التشهير بالمخالفين علامةً على اتباع السلف الصالح؟!

🔹 أولًا: القرآن ينهى عن التنابز بالألقاب

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11].

هذا نهيٌ قرآني صريح عن التنابز بالألقاب، وهو توجيهٌ لا يجوز أن يُعطَّل لمجرد أن المخالف يختلف معنا في مسألة علمية أو اجتهادية.

ولا يعني ذلك منع النقد العلمي، أو تحريم بيان الأخطاء والانحرافات، وإنما يعني أن يكون النقد قائمًا على العلم والعدل، لا على السخرية والتشهير والاتهامات التي لا يثبتها الدليل.

فثمة فرقٌ كبير بين أن تناقش قولًا وتبيّن خطأه، وبين أن تحوّل صاحبه إلى هدفٍ للألقاب الجارحة!

نقد الفكرة شيء، وامتهان صاحبها شيء آخر.

🔹 ثانيًا: هل زيارة القبور تجعل المسلم «قبوريًّا»؟!

من أعجب صور الخلط أن يُرمى المسلم بتهمة «القبورية» لمجرد زيارته القبور، مع أن زيارة القبور مشروعة في أصلها، وقد أرشد إليها النبي ﷺ فقال:

«كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكّركم الآخرة».

رواه مسلم.

فزيارة القبور للعبرة وتذكّر الآخرة والدعاء للميت مشروعة، ولا يجوز أن تُجعل وحدها دليلًا على الشرك أو الانحراف.

أما ما قد يقع عند بعض الناس من أقوال أو أفعال مخالفة للشرع، فله حكمه الخاص، ويُناقش بالدليل والتفصيل، دون تعميم الأحكام على كل زائر للقبور، ودون تسوية الممارسات المختلفة في حكم واحد.

فليس كلُّ زائرٍ للقبور عابدًا لها، وليس من العدل أن يُحمَّل الناس ما لم يقولوه ولم يفعلوه!

🔹 ثالثًا: المصطلحات العقدية ليست شتائم!

مصطلحات مثل «الجهمية» و«المعتزلة» و«الكلابية» لها سياقاتها التاريخية والعلمية، وقد تُستعمل في البحث العقدي لوصف أقوال أو اتجاهات محددة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المصطلحات إلى ألقاب جاهزة لكل مخالف، وحين يُرمى بها من لا يعرف معانيها، أو لا يوافق قائلها في مسألة اجتهادية، أو ينتسب إلى مدرسة علمية أخرى من مدارس المسلمين.

والأشد خطورة أن يُصوَّر للعامة أن كل من خالف هذا الاتجاه أو ذاك شرٌّ من اليهود والنصارى، أو أنه لا يرجى له خير، أو أنه بعيد عن الحق والنجاة!

فمن أين جاءت هذه الأحكام العامة؟ وأين الدليل على تنزيلها على أعيان الناس وجماعاتهم؟

إن الأحكام الكبيرة لا تثبت بالصراخ، ولا بكثرة التكرار، ولا بمكانة المتحدث عند أتباعه؛ وإنما تثبت بالعلم والحجة والعدل.

ولا يجوز أن يتحول الخلاف في مسائل الاعتقاد إلى ذريعة لإهدار كرامة المسلمين، أو التسرع في الحكم على نياتهم ومصائرهم.

🔹 رابعًا: أين الاقتداء بالسلف في أخلاق الحوار؟

يا من تنتسبون إلى السلف الصالح، وتؤكدون ليلًا ونهارًا أنكم أحرص الناس على اتباع الكتاب والسنة:

هل يكفي الاتباع في بعض المسائل العلمية، مع إهمال العدل والإنصاف وحفظ اللسان؟

وهل كان الانتساب إلى السلف يومًا مبررًا لاحتقار المخالفين، أو إطلاق الألقاب عليهم، أو تصويرهم للعامة على أنهم أهل شرٍّ وضلال لمجرد اختلافهم معكم؟

إن الاقتداء بالسلف لا يكون بانتقاء ما نراه موافقًا لتصوراتنا فحسب، بل يكون باتباع الدليل، والإنصاف في الحكم، والورع في الكلام، والتمييز بين الخطأ وصاحبه، وبين المخالفة العلمية والطعن في الدين.

فإذا أخطأ عالمٌ أو طالب علم، رُدَّ خطؤه بالحجة. وإذا خالفنا في مسألة اجتهادية، ناقشناه بالدليل. وإذا وقع في بدعة أو مخالفة شرعية، بيّنا ذلك بقدرها، من غير ظلم ولا تهويل ولا تعدٍّ.

أما أن يصبح كل مخالف عدوًّا، وكل اختلاف انحرافًا، وكل نقد دليلًا على فساد المنهج، فذلك بابٌ من أبواب التعصب الذي لا يخدم العلم ولا الدعوة.

🔹 خامسًا: لا تحتكروا الانتساب إلى السلف الصالح!

السلف الصالح ليسوا اسمًا تجاريًّا تحتكره جماعة، ولا لقبًا يمنحه تيارٌ لمن وافقه ويحجبه عمن خالفه.

والانتساب إلى السلف لا يُثبت بمجرد الشعار، ولا يُنفى عن المسلم لمجرد انتسابه إلى مذهب فقهي أو مدرسة عقدية معتبرة.

فأئمة المذاهب الأربعة، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، من أئمة الإسلام الذين يُرجع إلى علمهم وفقههم، كما أن تاريخ أهل السنة والجماعة يضم مدارس علمية متعددة، لها اجتهاداتها ومناهجها في تقرير مسائل الاعتقاد، مع وجود خلافات حقيقية ينبغي بحثها بعلم وإنصاف.

وليس من المنهج أن نجعل الانتساب إلى إمام أو مدرسة علمية دليلًا كافيًا على النجاة أو الهلاك، أو أن نُخرج من دائرة أهل السنة كل من لم يوافق تصورنا الخاص في جميع المسائل.

فالحق لا يُعرف بمجرد الأسماء والشعارات، وإنما يُعرف بالدليل، والانتساب لا يعفي أحدًا من واجب العدل والإنصاف.

🔸 وأخيرًا…

لسنا ندعو إلى إلغاء النقد العقدي، ولا إلى التسوية بين جميع الأقوال، ولا إلى السكوت عن الأخطاء باسم التسامح.

إنما ندعو إلى أن يكون الخلاف محكومًا بالعلم والعدل، وأن تُناقَش الأقوال بدلًا من تشويه أصحابها، وأن تُضبط الأحكام بقدر الأدلة، لا بقدر الخصومة والانتماء.

فما أحوجنا إلى علماء يعلّمون الناس كيف يفهمون الدليل، لا كيف يوزعون الألقاب!

وما أحوجنا إلى خطابٍ يجمع بين صحة الاعتقاد وحسن الخلق، وبين الغيرة على الدين والرحمة بعباد الله، وبين بيان الحق وحفظ حقوق المخالفين.

لا تجعلوا دراسة العقيدة وسيلةً لتقسيم المسلمين إلى ناجٍ وهالك بحسب انتماءاتهم، ولا تجعلوا الانتساب إلى السلف مبررًا للتعالي على بقية المسلمين.

كونوا أحرص الناس على الحق، وأشدهم إنصافًا عند الخلاف، وأبعدهم عن البهتان والظلم.

فليس من نصرة السنة أن نسيء إلى المسلمين باسمها، ولا من تعظيم السلف أن نخالف هديهم في العدل والإنصاف.

الخلاصة:
ليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا العلمية، بل أن نتعلم كيف ندافع عنها بالحجة، دون تنابز أو بهتان أو احتكار للحق.

فالاختلاف لا يبيح الظلم، والنقد لا يبرر الإهانة، والانتساب إلى السلف مسؤوليةٌ أخلاقية وعلمية، قبل أن يكون شعارًا يُرفع!

#العقيدة_الإسلامية #أخلاق_الخلاف #السلف_الصالح #أهل_السنة_والجماعة

الجمعة، 16 أكتوبر 2026

4. التوسل بالنبي ﷺ بين أقوال أئمة الإسلام وأحكام بعض الجهلاء المعاصرين

 

أئمة الإسلام يجيزون التوسل والاستغاثة… فهل أصبح السبكي والرملي وابن الصلاح مشركين؟

حين تُواجَه أقوال أئمة المذاهب بأحكام الشرك، لا بد من العودة إلى النصوص، والتحقيق في النقول، والتمييز بين الخلاف العلمي والتكفير.

من القضايا التي تكشف حجم الخلاف في الخطاب العقدي المعاصر مسألةُ التوسل بالنبي ﷺ والاستغاثة به وبالصالحين، وما يترتب على بعض المواقف منها من أحكام شديدة تصل أحيانًا إلى وصف أقوال أو أفعال بالشرك.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا ليس سؤالًا عاطفيًّا، ولا محاولةً لإسكات المخالف، بل سؤال علمي مشروع:

كيف نفهم أقوال عدد من كبار علماء الإسلام الذين أجازوا صورًا من التوسل والاستغاثة، في ضوء المواقف المعاصرة التي تحكم على بعض هذه الصور بالشرك؟

وهل يكفي الاختلاف مع اجتهاد عالم في هذه المسألة للحكم عليه بالضلال أو الشرك؟ أم أن الواجب هو تحرير محل النزاع، وفهم مراد كل عالم، والنظر في أدلته؟

تعالوا نقرأ المسألة بعيدًا عن الشعارات والتصنيفات المسبقة.


أولًا: قصة بلال بن الحارث المزني… ما الذي تثبته الرواية، وما الذي لا تثبته؟

تُستحضر في هذا الباب رواية بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه، التي تتحدث عن قصده قبر النبي ﷺ في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في سياق الاستسقاء وطلب الغوث.

وقد استدل بهذه الرواية بعض العلماء على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، بينما نازع آخرون في ثبوتها أو في دلالتها على جواز التوسل بالصورة التي يستدل بها أصحاب هذا القول.

ومن هنا ينبغي التفريق بين مسألتين:

  • ثبوت الرواية: هل صح سندها وفق قواعد المحدثين؟ وما درجة طرقها؟

  • دلالة الرواية: إذا ثبتت، فهل تدل على مجرد التوسل بدعاء النبي ﷺ، أم على طلب الدعاء منه بعد وفاته، أم على صورة أخرى من صور التوسل؟

فلا يصح أن نجعل مجرد ذكر الرواية دليلًا قاطعًا على جميع صور الاستغاثة، كما لا يصح أن نتجاهلها أو نرفض مناقشتها دون بحث علمي.

أما نسبة تكفير الصحابي بلال بن الحارث إلى الشيخ ابن باز لمجرد موقفه من الرواية، فهي دعوى تحتاج إلى نقل صريح وسياق موثَّق؛ لأن الحكم على فعل بأنه شرك لا يعني بالضرورة تكفير كل من فعله، فضلًا عن تكفير صحابي بعينه.

والعدل العلمي يقتضي أن ننسب إلى العلماء ما قالوه فعلًا، لا ما قد يُفهم من كلامهم أو يُستنتج منه دون دليل.


ثانيًا: الإمام تقي الدين السبكي… وموقفه من التوسل بالنبي ﷺ

يُعد الإمام تقي الدين السبكي الشافعي من أبرز العلماء الذين ألّفوا في الدفاع عن جواز التوسل بالنبي ﷺ، ومن أشهر كتبه في هذا الباب كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام.

وقد قرر السبكي جواز التوسل بالنبي ﷺ والاستشفاع به، واحتج لذلك بأدلة وآثار ونقول عن العلماء.

ومما يُنقل عنه في هذا السياق قوله:

«اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى…».

وهذا النص، إذا ضُبط لفظه وسياقه من مصدره، يكشف بوضوح عن موقف السبكي من المسألة التي يناقشها.

لكن ينبغي التنبه إلى أمر مهم: لا بد من فهم مصطلحات السبكي في سياقها؛ فالتوسل بالنبي ﷺ، والاستشفاع به، والاستغاثة في اصطلاح المتكلمين في هذه المسألة، ليست بالضرورة ألفاظًا متطابقة المعنى عند جميع العلماء.

ومن ثم، فإن مناقشة السبكي لا تكون بمجرد إطلاق وصف عقدي عليه، بل بعرض حججه، وفهم مراده، ومناقشة أدلته وفق أصول البحث العلمي.

والسؤال هنا: هل نناقش أقوال السبكي وأدلته، أم نكتفي بتصنيف قوله ثم نتجاوز ما قرره من أدلة؟

إن الخلاف العلمي لا يُحسم بالألقاب، بل بالبرهان.


ثالثًا: ماذا قال الإمام شمس الدين الرملي الشافعي؟

يُنسب إلى الإمام شمس الدين الرملي، أحد كبار فقهاء الشافعية، جوابٌ عن سؤال يتعلق بما يجري على ألسنة بعض العامة عند الشدائد من قولهم: «يا رسول الله»، أو «يا شيخ فلان»، وما شابه ذلك من عبارات الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والعلماء والصالحين.

ومما يُنقل في الجواب المنسوب إليه أنه أجاز الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين، وذكر أن لهم إغاثة بعد موتهم، معللًا ذلك بأن معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم.

وهذا النقل من النصوص التي ينبغي الوقوف عندها، لا سيما أن الرملي من الأسماء البارزة في الفقه الشافعي.

غير أن الأمانة العلمية تقتضي التحقق من المصدر الأصلي للفتوى، وضبط ألفاظها، ومعرفة سياق السؤال والجواب، قبل بناء حكم عام عليها.

كما أن فهم هذه الفتوى يستلزم بحث المقصود بالإغاثة: أهي إغاثة بإذن الله وكرامته، أم إسناد استقلالي للتصرف إلى غير الله؟ فهذان معنيان مختلفان، ولا يجوز التسوية بينهما دون تحرير.

وعليه، فإن الاستدلال بكلام الرملي ينبغي أن يكون جزءًا من نقاش علمي أوسع، لا مجرد وسيلة لتبادل الاتهامات.

فإذا كان الرملي يقرر جواز صورة من صور الاستغاثة، فالواجب تحديد تلك الصورة بدقة، ثم مناقشة دليله، لا الاكتفاء بإطلاق الأحكام على الأسماء.


رابعًا: الإمام ابن الصلاح وكرامات الأولياء وإجابة المتوسلين

ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق الإمام تقي الدين ابن الصلاح، صاحب المكانة المعروفة في علوم الحديث والفقه.

ويُنقل عنه في سياق الكلام على معجزات النبي ﷺ أن آثارها لا تنحصر فيما وقع في حياته، بل تتجدد وجوه الاستدلال بها عبر العصور، ومن ذلك كرامات الأولياء وإجابة بعض المتوسلين به في حوائجهم.

ومما يُنقل في هذا الباب:

«فإنها ليست محصورة على ما وجد منها في عصره صلى الله عليه وسلم، بل لم تزل تتجدد بعده صلى الله عليه وسلم على تعاقب العصور…».

ويَرِد ضمن النقل كلام عن كرامات الأولياء وإجابة المتوسلين بالنبي ﷺ.

وهنا أيضًا ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول: إثبات كرامات الأولياء، وهو موضوع له بحثه وأدلته عند علماء أهل السنة.

والثاني: تحديد دلالة كلام ابن الصلاح على صور التوسل والاستغاثة المختلف فيها، وهو أمر يحتاج إلى قراءة النص كاملًا، وتحديد مصدره، وفهم السياق الذي ورد فيه.

فلا يصح أن نحمل كلام عالم على معنى لم يرده، كما لا يصح أن نختزل نصًّا تراثيًّا طويلًا في عبارة مبتورة ثم نجعله حاسمًا في مسألة متعددة الصور والأقوال.


خامسًا: هل كل خلاف في التوسل خلاف في أصل التوحيد؟

هنا تكمن النقطة الأهم في هذا النقاش.

فالتوسل ليس صورة واحدة، والاستغاثة ليست عبارة ذات معنى واحد عند جميع المتكلمين فيها.

هناك فرق بين:

  • سؤال الله تعالى ودعائه، مع التوسل إليه بنبيه ﷺ أو بعمل صالح.

  • طلب الدعاء من شخص حي قادر على الدعاء.

  • الألفاظ التي يُقصد بها طلب الشفاعة أو الغوث، والتي يختلف العلماء في تفسيرها وحكمها.

  • اعتقاد أن مخلوقًا يتصرف استقلالًا عن الله تعالى أو يملك خصائص الربوبية.

وهذه الصور لا يجوز وضعها جميعًا في حكم واحد دون تفصيل.

كما أن الخلاف في بعض صور التوسل والاستغاثة لا يعني أن كل الأقوال فيها صحيحة، ولا يعني أن كل من خالف قولًا بعينه قد وقع في الشرك.

بل الواجب أن تُدرس كل صورة على حدة، وأن يُبحث معناها وقصد قائلها، وما يقوم عليه اعتقاده، والأدلة التي استند إليها.

فالتوحيد أصل عظيم، لكن تعظيم التوحيد لا يكون بإهدار الفروق العلمية، ولا بتوسيع أحكام الشرك حتى تشمل كل مسألة وقع فيها خلاف معتبر.

ومن الخطأ كذلك أن نجعل مجرد انتساب شخص إلى مذهب فقهي أو عقدي دليلًا على صحة كل ما يقوله؛ فالأئمة يُستدل لهم، ولا يُجعل مجرد اسمهم بديلًا عن الدليل.


سادسًا: نقد الأقوال شيء، وتكفير أصحابها شيء آخر

من القواعد التي ينبغي استحضارها في هذا الباب أن الحكم على القول ليس هو الحكم على القائل.

فقد يرى عالم أن فعلًا معينًا شرك، لكن تنزيل الحكم على شخص بعينه له شروط وموانع، ولا يجوز القفز من الحكم العام إلى تكفير الأعيان دون مراعاة الضوابط الشرعية.

كما أن اختلاف العلماء في تفسير لفظ أو فعل لا يُسوَّغ معه أن ينسب كل فريق إلى الآخر ما لم يقله.

ومن هنا، فإن مناقشة أقوال السبكي والرملي وابن الصلاح ينبغي أن تقوم على ثلاثة أمور:

1. تحرير محل النزاع: ما الصورة التي يتحدث عنها كل عالم تحديدًا؟

2. توثيق النصوص: ما المصدر الأصلي؟ وما اللفظ الكامل؟ وهل النقل ثابت؟

3. التفريق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل: فلا يُنسب التكفير إلى عالم إلا بدليل صريح، ولا يُكفَّر شخص لمجرد مخالفته لاجتهاد في مسألة خلافية.

وهذه الضوابط لا تعني تعطيل النقد أو منع بيان الخطأ، بل تعني أن يكون النقد نفسه قائمًا على العدل والعلم.


سابعًا: حين يتحول الخلاف العقدي إلى ضغط على المؤسسات الدينية

ثمة قضية أخرى تستحق النقاش، وهي أن الخلافات العقدية قد تتجاوز أحيانًا حدود البحث العلمي، فتتحول إلى حملات ضغط على المؤسسات الدينية أو على العلماء الذين يتبنون آراء لا ترضي بعض التيارات.

فإذا ثبت أن جهة ما مارست ضغطًا لحذف مادة علمية أو إقصاء صاحب رأي بسبب خلاف مذهبي، فمن حق الباحثين مناقشة الواقعة، وطلب بيان أسباب القرار، والتحقق من سلامة الإجراءات المتخذة.

لكن لا يصح أن تُنسب واقعة محددة إلى جهة بعينها، أو أن يُجزم بوجود حملة منظمة، دون توثيق يمكن الرجوع إليه.

والمبدأ الذي ينبغي الدفاع عنه هو أن المؤسسات الدينية لا تُدار بالضجيج، وأن الخلاف العلمي لا يُحسم بالضغط، وأن احترام العلماء لا يعني عصمتهم من الخطأ، كما أن نقدهم لا يعني إهدار مكانتهم أو التشهير بهم.

فلا ينبغي أن تتحول المسائل العلمية إلى معارك تصنيف وإقصاء، ولا أن يصبح اختلاف الاجتهاد سببًا لإسكات المخالف بدل مناقشة حجته.


الخلاصة: الدليل أولًا، والعدل في الحكم ثانيًا

إن أقوال السبكي والرملي وابن الصلاح في مسائل التوسل والاستغاثة تستحق الدراسة والتوثيق والمناقشة، وهي شواهد مهمة على وجود اتجاهات علمية معروفة في التراث الإسلامي تناولت هذه المسائل بطرائق مختلفة.

لكن الاستدلال بها لا يكتمل إلا بعد ضبط النصوص، وتحرير معانيها، والتمييز بين صور التوسل والاستغاثة، والنظر في أدلة الموافق والمخالف.

وفي المقابل، لا يصح أن يُتهم عالم بالتكفير أو أن يُنسب إليه تكفير شخص بعينه من غير نقل صريح موثق.

إن الدفاع عن التوحيد لا يتعارض مع الإنصاف، وإن احترام أئمة الإسلام لا يمنع من مناقشة اجتهاداتهم، وإن الاختلاف معهم لا يُسوّغ الطعن فيهم أو اتهامهم بغير بينة.

فلنختلف بالدليل، ولننقد بالحجة، ولنزن الأقوال بميزان العلم، لا بميزان الخصومة.

فالعلم أمانة، والنقل أمانة، والحكم على الناس أمانة.

وبالله التوفيق.

#التوسل #الاستغاثة #السبكي #الرملي #ابن_الصلاح #الخلاف_العقدي #الإنصاف_العلمي

#القــول_الشَّنيع_في_إدراج_درس_الجُمعة_في_بـاب_التبديع

  أيها الأحبة في اللهَّٰ


أينما ڪنتم سلام اللهَّٰ عليڪم
إن ممـا جرت به العـادة في بلدنـا الجزائر منذ فترة طويلة أن يُقيم أئمتها درسـاً قبل خُطبة الخطيب يوم الجُمعة و ذلك بعد تحقق الزوال و قبل الأذان الثاني ، و الغرض من ذلك أيها الأحبة تعليم النـاس وتفقيهُهُم في أمـور دينهم و اغتنـام ڪثرة اجتماع المصلين
في هذا اليوم المبـارك
و في الآوِنــة الأخيرة أيها الأحبة صِرنا نسمع بعض الدَّعاوى و الفتاوى مفادُهـا #بدعية درس الجُمعة و أنه مُحدَثٌ من محدثـات الأمور و أن فـاعله على خطر عظيم ولا حول ولا قوة إلا بـاللهَّٰ العليِّ العظيم ، و لهذا أحببت أن أبين لإخواني و أحبابي خطأ هذه الدَّعوى
و الفتوى في هذا المقـال العِلمي والذي أسميته و عنونت له بـ
و قبل الشرو؏ في مقالي هذا أسأل اللهَّٰ ﷻ في علياءه و من فوق
عرشه التـوفيق و السداد و القبول و أستعين به تعالى و أقول :
هذه المسألة أيها الأحبة اختلف أهل العلم فيها على 𝟎𝟑 أقوال :
و هو القول بجوازه و مشروعيته ، و هو قول جمهور الفقهـاء سلفـاً و خلفـاً ، فقد ورد الجواز عن جمـاعة من أئمة السَّلف من صحابـة و تـابعين و الأدلة على ذلك ثابتة بأسانيد صحيحة و صريحة من أشهرها حديث راوي السُّنة أبو هريرة رضي اللهَّٰ عنه و أرضــاه ..
• روى عاصم بن محمد عن أبيه قال : " رأيت أبـا هريرة رضي اللهَّٰ عنه يَخرُج يوم الجُمعة فيقبِض على رُمَّـانتيْ المنبـر قائماً و يقول : حدثنا أبو القــاسم رسول اللهَّٰ الصادق المصدوق ﷺ ، فلا يزال يُحدِّث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الإمـام للصلاة جلس " .. (1)
#قلت: فأبو هريرة رضي اللهَّٰ عنه و هو من هو في القدر و العلم أبعدُ الناس على اِحداث أمـر في الدين لم يفعله رسول اللهَّٰ ﷺ دون أن ننسى أن أبا هريرة رضي اللهَّٰ عنه درَّس بمحضرٍ من صحابـة رسول اللهَّٰ ﷺ فلو ڪان مُحدثـاً لأنڪر عليه الصحابـة الڪرام ذلك و لنُقلَ إلينا هذا الإنڪار ..
و مِمَّن نُقِلَ عنه جواز ذلك و العمل به ڪذلك أمير المؤمنين أبو حَفص عمرُ بن الخطاب رضي اللهَّٰ عنه و إذنُــه بالتدريس ، و ڪذا ما جـاء عن #السائب_بن_يزيد و #عبداللهَّٰ_بن_بُسر و مـا جاء عن #عبداللهَّٰ_بن_عمر و #سلمـان_الفارسي رضي اللهَّٰ عن الصحابة أجمعين ..
• عن معـاوية بن قـرة قال :
" أدرڪت ثلاثين من أصحاب النبيِّ ﷺ من مزينة ليس منهم إلا من طَعن أو طُعن ، أو ضَرب أو ضُرب مع رسول اللهَّٰ ﷺ إذا ڪان يوم الجُمعة اغتَسَوا ، ولبِسُوا من صالح ثيابهم ، ونسموا من طيب نسائهم ، ثمَّ أتوا الجُمعة ، و صلوا رڪعتين ، ثم جلسوا يبثُّون العلم و السنَّة حتَّى يخرج الإمـام " .. (2)
• عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّــةِ قَالَ :
" ڪنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهَّٰ بْنِ بُسْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى خَرَجَ الْإِمَامُ " .. (3)
• عن الزهــري رحمه اللهَّٰ تعالى قال :
" أول من قص تميم الداري على عهد عمر رضي اللهَّٰ عنه أستأذنـه في ڪل جُمعة مقامـا فأذن له فڪان يقوم ؛ قال : ثم استزاده مقامـا آخر فزاده ؛ فلما ڪان عثمان رضي اللهَّٰ عنه استزاده مقامـا آخر فڪان يقص في الجُمعة ثلاث مرات " .. (4)
• وحدثنا ابن مبارك عن أسامة بن زيد عن يوسف بن السائب عن السائب رضي اللهَّٰ عنه قال : " ڪنا نتحلَّق يوم الجُمعة
قبل الصلاة " .. (5)
وقد ورد ڪذلك هذا الفعل عن جمـاعة من أهل العلم منهم #الإمـام_مالك و #يحيى_القطـان فقد جاء في المُدوَّنـة :
• قال ابن القــاسم : رأيت مالڪا و الإمـام يوم الجُمعة على المنبر قاعد و مالك متحلِّق في أصحابه قبل أن يأتي الإمـام و بعدما جاء يتحدث ولا يقطع حديثه ولا يصرف وجهه إلى الإمـام و يقبل هو
و أصحابه على حديثهم ڪما هم حتى يسڪت المؤذن ، فإذا سڪت المؤذن و قـام الإمـام للخُطبة تحول هو و أصحـابه إلى الإمـام فاستقبلوه بوجوههم ، قال ابن القــاسم : و أخبرني مالك أنه رأى بعض أهل العلم ممن مضى يتحلَّق يوم الجُمعة ويتحدث ، فقلت لمالك : متى يجب على الناس أن يستقبلوا الإمـام يوم الجُمعة بوجوههم ؟! قال : إذا قـام يخطُب و ليس حين يخرج ، قال : و قال مالك : لا بأس بالڪلام بعد نزول الإمـام عن المنبر إلى أن يفتتح الصلاة " .. (6)
و معلوم أن إمامنا مالك عليه رحمة اللهَّٰ ڪان يُلقي الدرس في المسجد النبوي يوم الجُمعة مع وفــرة العلماء في الحرم النبوي و مِن خـارجه عند الزيارة و لم يُنڪِر عليه أحد ذلك لأنه أمـر معروف ومشهور بينهم ..
• قال الخطيب البغدادي رحمه اللهَّٰ تعالى :
" وقد رأيت ڪافة شيوخنا من الفقهاء و المحدثين يفعلونه ، و جاء مثله عن عدة من الصحابة و التابعين " .. (7)
و هنالك من أهل العلم المتقدمين من رأى أنَّ النهي عن التحلُّق خـاص بالحديث في أمور الدنيا و هو اختيار الشيخ ابن جبرين رحمه اللهَّٰ تعالى و لعلَّ ما يؤيد هذا القول ما جاء في روايـة :
" نهى النبيُّ ﷺ عن التَّحلُّق للحديث يوم الجُمعة قبل الصلاة " (😎
و مما يؤيد ذلك سياق الحديث حيث قرن التَّحلُّق بالبيع و الشراء و تناشد الأشعـار و نُشدان الضـالة و هو صريحُ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " أن النبيَّ ﷺ نهى عن التَّحلُّق يوم الجُمعة قبل الصلاة ، و عن الشراء و البيع في المسجد " .. (9)
فهذه ڪلها أمور دنيوية يجب أن تصان المساجد عنها
و للشيخين ابن باز و ابن عثيمين عليهما رحمة اللهَّٰ ڪلام قريب لما قررنـاه سابقا ، قال الشيخ ابن عثيمين :
إن لم يڪن في هذه الحِلق محاذير شرعية ڪالتضييق على الناس فإنَّه لا محظور فيها ..
و قال الشيخ ابن باز : لا أعلم أن فيه بأساً ، و يُروى عن أبي هريرة رضي اللهَّٰ عنه أنه ڪان يقوم بذلك ..
أما القول الثاني فأصحابه يرون أن درس الجُمعة مڪروه ڪراهة تنزيه و قد أوضحوا السبب في ذلك :
• قال ابن العربي رحمه اللهَّٰ تعالى :
" و إنما نهى عنه يوم الجُمعة لأنهم ينبغي لهم أن يڪونوا صفوفـا يستقبلون الإمـام في الخُطبة و يعتدلُـون خلفه للصلاة " .. (10)
• قال السِّندي رحمه اللهَّٰ تعالى :
" وَ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ التَّحَلُّقِ إِذَا عَمَّ الْمَسْجِدَ وَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَڪرُوهٌ وَ غَيْرُ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ " .. (11)
• وجاء في ڪشّاف القِنـاع :
" ( ولا أن يصلي ) لما تقدم من أنه يحرُم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمـام ( أو ) أي ولا أن ( يجلس في حلقة ) قال في الشرح : و يُڪره التَّحلُّق يوم الجُمعة قبل الصلاة ، لأن النبيَّ ﷺ نهى عن التَّحلُّق يوم الجُمعة قبل الصلاة " .. (12)
#قلت: الڪراهة في هذا القول أيها الأحبة معلَّلةٌ بالتَّحلُّق و قطع الصُّفوف و حصول التشويش و هي منتفية في زمـاننا لأن النهي الوارد في حديث عمرو بن شعيب لا يتناول الدرس الذي يُفعَل في مساجدنا الآن ولأن #الحُڪم_على_الشيء_فرع_عن_تصوُّره فقد قال علماءنا علمــاء الأصـول :
فالعلة في الحديث خاصة بقطع الصُّفوف و التَّحلُّق في المسجد و التشويش على المصلين و الحديث في أمـور الدنيا و ڪل هاته العلل غائبة و زائلة فالعلَّـة إذا زائلة بزوال حڪما ، فدروس اليوم ما جُعـلَت إلا لتعليم الناس و تفقيههم و تثقيفهم ولله الحمد ، و يشهد لهذا الأخير ( أي التَّحلُّق بحلق ) دليل آخر ، فقد خرج النبيُّ ﷺ يوماً على أصحابه فوجدهم متفرقين في عدة حلقات في المسجد وهذا مخالف للمقصد الشرعي من وحدة المسلمين يوم الجُمعة التي تجمَع الناس ولا تفرقهم فقال لهم رسول اللهَّٰ ﷺ لما رآهم حِلقاً : مالي أراڪم عِزِيــنْ (أي متفرقين) .. (13)
• قال الحافظ ابن حجر رحمه اللهَّٰ تعالى :
فلا معارضة بينه ( أي حديق مالي أراڪم عزين ) وبين هذا ( يعني النهي عن التَّحلُّق ) لأنه إنما ڪره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله ﷺ فإنه ڪان لسماع العلم والتعلم منه .. (14) ، ومن المعلوم أن الڪراهة تزول بالحاجة ڪما أن الحُرمة تزول بالضرورة والحاجة اليوم ظاهرة أمـام استنڪاف الناس من حضور دروس العلم في غير الجُمعة ..
أما هذا القول فأصحابه يرون بدعية درس الجُمعة و حجتهم في ذلك نهيُه ﷺ ( عن التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) .. (15)
و هذا القول مجانب للصواب من عدة أوجــه :
أولاً: لما أثبتنــاه من فعل السلف و أقوالهم في القول الأول ..
ثانياً: أن هذا الحديث مختلف في صحته عند أهل الصنعة ..
ثالثاً: على فرض صحة الحديث ، فهو مُختلَف فيه من جهة المعنى و القصد من #علَّة_النهي عن التَّحلُّق ؟ ..
فمن تحدث عن الحِلق يوم الجُمعة #علّقه بمعنى التَّحلُّق حِلقاً ڪثيرة وذلك باتخاذ شڪل دائري ، وهو المعنى الثابت لغوياً ڪما قال الرازي عليه رحمة اللهَّٰ :
" و تَحلَّق القوم أي جلسوا حلقة حلقة " (16) ، فالتَّحلُّق " عند العرب هو الجلوس جماعات مستديرة .. (17)
فالنهي على هذا الاعتبار هو إقـامة الحلقات الڪثيرة للدروس في المسجد قبل خُطبة الجُمعة لڪونه قطعٌ للصُّفوف ، وهو الذي نبَّــه إليه الأئمة الأعلام ڪالإمام #البَـغوِي و #الــرَّازِي و #الخَطَّــابي ؛ ويزداد ذلك إذا ڪان المسجد صغيراً ڪما بيّنه الإمام #البيهقي و #النَّـووي و #الطَّحــاوي و #الخطيب_البغدادي على الجميع رحمة اللهَّٰ ..
و قد علل الإمـام الشوڪاني رحمه اللهَّٰ تعالى النهي بأن التَّحليق يؤدي لتقطيع الصَّفوف وحتى مع هذا فهو مڪروه فقط عند الجمهور ، قال الشوڪاني رحمه اللهَّٰ تعالى :
أَمَّا التَّحَلُّقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَحَمَلَ النَّهْيَ عَنْهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْڪرَاهَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَطَعَ الصُّفُوفَ مَعَ ڪوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالتَّبْڪيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ التَّرَاصِّ فِي الصُّفُوفِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ .. (18)
【 خلاصة الڪلام 】
و عليه و من خلال ما سبق تبين لنا جـواز درس الجُمعة لما تقدم من عمل السلف الصالح و عدم إنڪاره له خصوصاً إذا ڪانت فيه مصلحة و منفعة راجحة وقد خلا من المحاذير الشرعية من تَحلُّق دائري يمنع الناس من التبڪير للصلاة ، أو بڪلام في أمور الدنيا بين المصلين ، فدروس اليوم خالية من التَّحلُّق المذموم و الڪلام المشؤوم لأنهم يجلسون صفوفــاً مستعدون للجُمعة ..
أما إذا ڪانت هناك عدة حلقات للتدريس ، فالظاهر ڪراهتها قبل الجُمعة ، لنهيه ﷺ عن الحِلَق يوم الجُمعة قبل الصلاة ..
ولو تُـرِك أحيانـاً فحسنٌ لڪي لا يَظُـنَّ عوام الناس فريضته أو أنه سنة قبلية لخُطبة الجُمعة ..
وهنا أنبِّــه تنبيهـا مهمـا ، #احذروا يا إخوة يا من منَّ اللهَّٰ عليڪم بطلب العلم أن تقعوا في مستنقع التبديع في مثل هاته المسائل .. فمثلُ هاتـه المسائل لا إنڪار فيها لأن طريقَهـا طريق الاجتهاد ، فلا يُنڪر على من داوم على درس الجُمعة ولا يوصف فاعله بالمبتدع أو أنه مخــالف للسنة ، لأن فعله يدور في بَوْطَقَتِ و دائرة الخلاف
الفقهي ، فتتبع مثل هــاته الأمور لا يُبقي للودِّ بقية
فتنبَّهوا بارك اللهَّٰ فيڪم
╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾╼•╾
الهـامــــــش
(1) رواه الحاڪم في المستدرك برقم : ( 6173 ) و صححه و
وافقه الذهبي ؛ قال الحاڪم رحمه اللهَّٰ : هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين و لم يخرجاه هڪذا ، وليس الغرض منه
تصحيح حديث " ويل للعرب من شر قد اقترب " فقد أخرجاه ،
إنما الغرض فيه استحباب رواية الحديث على المنبر قبل خروج
الإمام ..
(2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم : (5590) بإسناد جيد ..
(3) رواه ابن خزيمة في صحيحه [ "ط/3" (2/ 876) ]
رقم : 1118 بإسناد صحيح و الحاڪم في المستدرك برقم :
( 1061 ) - وصححه و أقره الذهبي - ..
(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه ( 3/219 ) ..
(5) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 5409 ) ..
(6) المدونة (1/ 148 - 149) ..
(7) ڪتاب الفقيه والمتفقه (3/ 74) ..
(😎 صحيح ابن خزيمة و مصنف ابن ابي شيبة (5408) ..
(9) رواه أبو داود في صحيحه برقم : 1079 واللفظ له ، والترمذي
(322) مختصراً والنسائي (714، 715) مفرقا باختلاف يسير ..
(10) عارضة الحوذي بشرح سنن الترمذي (2/119) ..
(11) حاشية السِّندي على سنن النسائي (1/348) ..
(12) ڪشّاف القناع (2 / 48) ..
(13) رواه مسلم في صحيحه برقم : 430 ..
(14) فتح الباري ..
(15) رواه أبو داود في صحيحه برقم : (1079) ..
(16) مختار الصِّحـاح [ مادة : ح ل ق (1/79) ] ..
(17) تاج العروس (1/ 6264) ..
(18) نيل الأوطار (184 - 185 /2) ..