الخميس، 1 أكتوبر 2026

من التعصّب للأشخاص إلى رفض الدليل… كيف يُصادَر العقل باسم المنهج؟



 


من التعصّب للأشخاص إلى رفض الدليل… كيف يُصادَر العقل باسم المنهج؟


السلفية المدخلية والجمود الفكري: حين تتحوّل القناعة إلى حاجزٍ أمام الحقيقة!

من التعصّب للأشخاص إلى رفض الدليل… كيف يُصادَر العقل باسم المنهج؟

ليس أخطر ما يُبتلى به الإنسان أن يجهل بعض الحقائق، وإنما الأخطر من ذلك أن يعتقد أنه امتلك الحقيقة كاملة، وأنه لم يعد بحاجة إلى مراجعة أفكاره أو اختبار قناعاته أو الاستماع إلى من يخالفه.

فالعلم يزداد بالحوار، والبصيرة تنمو بالنظر والتأمل، والإنسان المنصف لا يخشى مناقشة رأيه، ولا يرى في مراجعة اجتهاده انتقاصًا من قدره.

أما حين تتحوّل القناعة إلى حصنٍ مغلق، ويصبح الانتماء إلى تيارٍ معين معيارًا للحكم على الناس، ويُقدَّم كلام الأشخاص على قوة الدليل؛ فإننا نكون أمام مشكلة تتجاوز مجرد الاختلاف في الرأي، لتصل إلى الجمود الفكري والتعصّب المنهجي.

وهذه من الإشكالات التي تستحق التأمل والنقد في الخطاب المدخلي، بعيدًا عن التعميم على كل من ينتسب إلى السلفية، أو مصادرة حق أحد في اختيار منهجه وقناعاته.

🔹 أولًا: حين يصبح المنهج حاجزًا أمام التفكير

الأصل في المنهج العلمي أن يكون وسيلةً لفهم النصوص الشرعية، وضبط الاستدلال، والتمييز بين الصحيح والخطأ.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحوّل المنهج من أداةٍ للفهم إلى إطارٍ مغلق لا يُسمح بمراجعته، وحين تصبح بعض الأحكام المسبقة حاكمةً على الأدلة، بدلًا من أن تكون الأدلة هي التي تحكم على الأحكام.

فإذا خالف شخصٌ عالمًا من العلماء الذين يثق بهم أتباع تيارٍ معين، لم يُناقَش قوله دائمًا من جهة دليله وصحته، بل قد يُواجَه بالتشكيك في عقيدته أو منهجه أو انتمائه.

وإذا جاء بدليلٍ يخالف الرأي السائد داخل الجماعة، لم يكن السؤال عند بعض المتعصبين:

ما مدى صحة هذا الدليل؟ وما وجه الاستدلال به؟

بل يصبح السؤال:

من أين أتى بهذا القول؟ ومن وافقه؟ وإلى أي تيارٍ ينتسب؟

وهنا يقع الخلل؛ لأن قيمة الفكرة لا تُحدَّد بمجرد هوية قائلها، وإنما تُبحث من خلال أدلتها وحججها ومدى موافقتها للحق.

وليس معنى ذلك إلغاء مكانة العلماء أو التقليل من شأن التخصص، وإنما معناه أن احترام العالم لا يقتضي عصمته، وأن الثقة به لا تستلزم التسليم بكل اجتهاداته.

🔹 ثانيًا: الجمود الفكري… حين تصبح مراجعة الرأي تهمة!

الجمود الفكري ليس مجرد التمسك برأيٍ يراه الإنسان صحيحًا، فالثبات على الحق فضيلة، والتمسك بالمبادئ ليس عيبًا.

وإنما الجمود هو أن يتحوّل التمسك بالرأي إلى رفضٍ مسبق لكل ما يخالفه، وأن يصبح الإنسان مستعدًا لتأويل الأدلة وصرف النصوص عن دلالاتها، لا بحثًا عن الحقيقة، بل دفاعًا عن قناعةٍ قرّر مسبقًا أنها لا تقبل المراجعة.

وهذه هي الحالة التي تعبّر عنها الصورة الثانية المرفقة: التعصّب للفكرة إلى درجة رفض الأدلة المخالفة، ومحاولة تبرير الموقف مهما ظهرت من قرائن تستدعي إعادة النظر فيه.

وإذا تأملنا هذه الظاهرة، وجدنا أنها ليست حكرًا على تيارٍ ديني بعينه؛ فقد يقع فيها السلفي والأشعري والصوفي والحزبي وغيرهم.

لكنها تصبح أكثر خطورة حين تُغلَّف بعبارات دينية، ويُقدَّم التعصّب باعتباره ثباتًا على المنهج، ويُصوَّر التراجع عن الخطأ وكأنه ضعفٌ في العقيدة أو تنازلٌ عن الثوابت.

والحقيقة أن الرجوع عن الخطأ ليس هزيمة، والاعتراف بقوة حجة المخالف ليس انكسارًا، ومراجعة الاجتهاد ليست خروجًا عن الدين.

بل قد يكون ذلك من أعظم علامات الإنصاف والتجرد للحق.

🔹 ثالثًا: تقديس الأشخاص تحت شعار اتباع العلماء

من الإشكالات التي ينبغي التنبه إليها أن يتحوّل احترام العلماء إلى ارتباطٍ مطلق بأقوالهم، بحيث يصبح قول العالم معيارًا نهائيًا لا يجوز تجاوزه، حتى في المسائل الاجتهادية التي تحتمل النظر والمناقشة.

والسلفية، في أصل انتسابها، تقوم على الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة وفهم السلف، لا على جعل أقوال عالمٍ معاصر أو مجموعة من العلماء بمنزلة النصوص المعصومة.

ومع ذلك، قد يقع بعض المنتسبين إلى الخطاب المدخلي في صورة من صور التعصّب للأشخاص، حين تُوزن المواقف والأقوال بمدى موافقتها لأحكام مرجعياتهم، لا بمدى قوة أدلتها.

فإذا مدح العالم شخصًا، عُدَّ عند بعضهم من أهل الحق، وإذا ذمّه، أصبح ذمّه مبررًا لإسقاطه والتحذير منه، وربما تجاوز الأمر مناقشة قوله إلى الطعن في نيته ومقاصده.

وهنا ينبغي أن نطرح سؤالًا جوهريًا:

هل نتبع الدليل لأننا عرفنا حجته، أم نتبنى الموقف لأن الشخص الذي نثق به قد تبنّاه؟

إن العلماء يُحترمون بقدر علمهم وفضلهم، لكنهم ليسوا معصومين من الخطأ، ولا يجوز أن تتحول أقوالهم إلى حواجز تمنع الناس من النظر في الأدلة ومناقشة الاجتهادات.

وقد قرر أهل العلم أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ، وأن العصمة إنما هي للوحي الذي بلّغه.

🔹 رابعًا: من نقد الفكرة إلى تصنيف صاحبها

من أخطر مظاهر التعصّب أن يُستبدل الحوار العلمي بتصنيف المخالف.

فبدلًا من مناقشة قوله، يُبحث عن اسمه، وشيوخه، وارتباطاته، ومواقفه السابقة؛ ثم يُحكم عليه بناءً على انتمائه أو على موقف بعض العلماء منه.

وقد تتحول ألفاظ مثل «حزبي» و«مبتدع» و«منحرف» وغيرها من المصطلحات إلى أحكامٍ جاهزة تُستخدم لإغلاق باب النقاش، بدلًا من أن تكون أوصافًا علمية منضبطة تُستعمل وفق معايير واضحة وأدلة معتبرة.

ولا يعني هذا أن كل تصنيفٍ باطل، أو أن نقد المناهج والأفكار ممنوع؛ فالنقد العلمي حق، والتحذير من الخطأ قد يكون واجبًا بحسب الحال.

لكن الفارق كبير بين أن تقول:

هذا القول خطأ، ودليلي على ذلك كذا وكذا.

وبين أن تقول:

هذا الشخص مخالفٌ لمنهجنا، ولذلك لا يُلتفت إلى كلامه، مهما كانت حجته.

الأول نقاشٌ في الفكرة، والثاني قد يتحوّل إلى مصادرةٍ على المطلوب وإقصاءٍ للمخالف.

والميزان العادل يقتضي أن نناقش الأقوال بأدلتها، وألا نجعل الانتماء وحده بديلًا عن البحث والتحقيق.

🔹 خامسًا: التناقض بين الدعوة إلى الدليل ورفضه عند المخالفة

من المفارقات التي تستحق الوقوف عندها أن يرفع الإنسان شعار اتباع الدليل، ويطالب الآخرين بترك التقليد، ثم إذا جاء الدليل مخالفًا لما اعتاده أو لما قرره أحد شيوخه، بدأ يبحث عن المبررات لصرفه أو تضعيف دلالته دون أن يمنح حجة المخالف حقها من النظر.

وهذا ليس نقدًا لاتباع الدليل، بل هو نقدٌ للفجوة التي قد تقع بين الشعار والممارسة.

فالدليل لا تكون له قيمة حقيقية في سلوك الإنسان إذا كان يقبله حين يؤيد موقفه، ويرفض مقتضاه حين يخالفه.

والمنهج العلمي يقتضي أن يكون الإنسان مستعدًا لأن يقول:

لقد أخطأت في هذه المسألة.

أو:

ظهر لي من الدليل ما لم يكن ظاهرًا لي من قبل.

أو:

قول المخالف في هذه الجزئية أقوى حجةً من قولي.

وهذه المواقف لا تنقص من قدر صاحبها، بل تكشف عن قدرته على التحرر من أسر الهوى والتعصّب.

أما أن يكون الدليل مطلوبًا من المخالف وحده، وأن يُطالَب الآخرون بالبرهان بينما تُعفى الآراء الموروثة داخل التيار من المراجعة؛ فذلك ليس إنصافًا في طلب العلم.

🔹 سادسًا: هل نقد المدخلية يعني رفض السلفية؟

من المهم هنا التفريق بين أمرين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما:

الأول: الانتساب إلى السلفية بوصفها دعوةً إلى فهم الإسلام في ضوء الكتاب والسنة وتراث السلف.

والثاني: الانتساب إلى خطابٍ أو اتجاهٍ معاصر، وما قد يصاحبه من مواقف واجتهادات وأساليب في التعامل مع المخالفين.

فليس كل من انتسب إلى السلفية مدخليًا، وليس كل سلفي يتبنى جميع المواقف المنسوبة إلى التيار المدخلي.

كما أن النقد الموجّه إلى بعض ممارسات هذا التيار لا يصح أن يتحوّل إلى حكمٍ شامل على جميع أفراده، ولا إلى اتهامٍ للنوايا أو مصادرةٍ لحق الناس في اختيار ما يرونه مناهج علمية.

لكن هذا التفريق لا يمنع من نقد المواقف التي يظهر فيها التعصّب، أو التوسع في التبديع والتصنيف، أو جعل الولاء للأشخاص معيارًا للحكم على الأقوال والمواقف.

فالأفكار والمناهج ليست فوق النقد، والانتساب إلى مدرسةٍ علمية لا يمنحها حصانةً من المراجعة.

نحن لا نرفض فكرةً لمجرد أن مدخليًا قال بها، كما لا نقبلها لمجرد أن عالمًا نثق به قد قال بها؛ وإنما ننظر في الدليل والحجة.

وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف.

🔹 سابعًا: الاختلاف لا يبرر العداوة والإقصاء

من حق الإنسان أن يخالف غيره، وأن يدافع عن معتقده، وأن يردّ على ما يراه خطأً في أقوال الآخرين.

لكن ليس من حقه أن يجعل كل مخالفٍ عدوًا، أو أن يحوّل الخلاف العلمي إلى امتحانٍ للولاء والبراء، أو أن يختزل الناس في تصنيفاتٍ لا تنتهي.

فالاختلاف في مسائل الاجتهاد لا يعني بالضرورة فساد النية، ولا يدل وحده على الانحراف عن الدين.

وقد اختلف العلماء في مسائل كثيرة، وردّ بعضهم على بعض، ومع ذلك بقيت بينهم مراتب من الاحترام والتقدير، ولم يكن مجرد المخالفة سببًا كافيًا لإهدار العلم والفضل.

ومن الظلم أن نطالب الآخرين بالتجرد للحق، ثم نرفض منهم أي نقدٍ يوجَّه إلى جماعتنا أو علمائنا أو اختياراتنا.

ومن التناقض أن نعيب على غيرنا التعصّب لمذهبٍ أو شيخ، ثم نقع في التعصّب نفسه، ولكن تحت اسمٍ مختلف.

فالحق لا يصبح باطلًا لأن مخالفنا قال به، والباطل لا يصبح حقًا لأن من نحبّ قد تبنّاه.

🔹 ثامنًا: ما المعيار الذي ينبغي أن نحتكم إليه؟

إذا أردنا تجاوز الجمود الفكري والتعصّب المنهجي، فلا بد من إعادة الاعتبار إلى جملة من القواعد:

🔸 الدليل قبل الانتماء: فلا يُقبل القول لمجرد أن قائله من جماعتنا، ولا يُرفض لمجرد أن قائله من مخالفيها.

🔸 احترام العلماء دون عصمة: نستفيد من علمهم، ونحفظ فضلهم، ونناقش اجتهاداتهم دون غلوٍّ أو انتقاص.

🔸 التفريق بين القطعي والاجتهادي: فليس كل خلافٍ في مسألةٍ علمية خلافًا في أصلٍ من أصول الدين، وليس كل اجتهادٍ مخالفٍ لما نراه باطلًا أو بدعة.

🔸 العدل مع المخالف: فننقل كلامه بأمانة، ونناقش حجته كما عرضها، ولا ننسب إليه ما لم يقله.

🔸 الاستعداد لمراجعة المواقف: فمن ظهرت له الحجة وجب عليه أن يتبعها بقدر استطاعته، لا أن يبحث عن مخرجٍ يحفظ له موقفه السابق.

🔸 رفض تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية: فمخالفة الإنسان لنا لا تسقط حقوقه، ولا تبيح ظلمه أو التشهير به أو اتهام نيته بغير بيّنة.

هذه القواعد ليست دعوةً إلى التمييع، ولا إلى ترك الثوابت، ولا إلى التسوية بين الحق والباطل؛ بل هي دعوةٌ إلى أن يكون التمسك بالحق قائمًا على العلم والإنصاف، لا على الهوى والتعصّب.

✦ الخلاصة: هل نبحث عن الحق أم عن الانتصار لأنفسنا؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب طالب العلم أن يبدأ رحلته باحثًا عن الحقيقة، ثم ينتهي مدافعًا عن اختياراته السابقة مهما ظهر له من أدلة تخالفها.

وأن يبدأ داعيةً إلى اتباع الكتاب والسنة، ثم يصبح أسيرًا لأقوال الأشخاص والانتماءات، فيزن الحق بموقف الجماعة، ويزن الرجال بموافقتهم لها.

وهنا لا تعود المشكلة مجرد خلافٍ بين السلفية المدخلية وغيرها من الاتجاهات الإسلامية، بل تصبح مشكلةً أعمق تتعلق بطريقة التفكير، وأخلاق الاختلاف، ومدى استعداد الإنسان للتجرد للحق.

فليس العيب أن تنتمي إلى مدرسةٍ علمية، ولا أن تثق بعالمٍ من العلماء، ولا أن تتمسك بما تعتقد أنه الحق.

إنما العيب أن يتحول الانتماء إلى تعصّب، والثقة إلى تقليدٍ أعمى، والثبات إلى جمود، والنصيحة إلى إقصاء، والنقد العلمي إلى تصفية حسابات.

ولنتذكر دائمًا أن الحق أكبر من الأشخاص، وأن الدليل لا تتغير قيمته بتغير قائله، وأن الرجوع إلى الصواب فضيلة لا مذلة.

وأن من أعظم علامات صدق الإنسان في طلب الحق أن يكون مستعدًا لمراجعة نفسه، حتى لو كان ذلك يعني أن يتراجع عن قولٍ دافع عنه طويلًا، أو أن يخالف رأيًا تبنّاه من قبل.

فالسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحدٍ منا على نفسه ليس: هل أنا على منهج الجماعة؟

بل:

هل أنا مستعدٌّ لاتباع الحق إذا ظهر لي، ولو خالف ما ألفتُه، وما اعتدتُ الدفاع عنه؟

فبهذا السؤال يبدأ التحرر من أسر التعصّب، وبه يستقيم طلب العلم، وبه يكون الانتصار للدليل لا للأشخاص.

ــــــــــــــــــــــــــــ

#المدخلية #السلفية #الجمود_الفكري #التعصب_المنهجي #أدب_الخلاف #اتباع_الدليل #الإنصاف #حرية_التفكير

كيف يجتمع الأشاعرة والسلفيون على خدمة الإسلام رغم الخلاف؟

الأشاعرة والسلفيون: من صراع المذاهب إلى تكامل المعرفة

خلافٌ في مسائل الاعتقاد، ومشتركاتٌ تجمع، وطاقاتٌ علمية ينبغي أن تتكامل لا أن تتصارع

من المؤسف أن تتحول بعض الخلافات العقدية بين المسلمين إلى خصومات تستنزف الطاقات، وتستهلك الأعمار، وتدفع أتباع المدارس العلمية إلى الانشغال بتتبع أخطاء بعضهم بعضًا، وكأن انتصار أحد الفريقين لا يتحقق إلا بإسقاط الآخر!

ولعل الخلاف بين الأشاعرة والسلفيين من أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ تتسع في بعض البيئات دائرة التنازع حول مسائل الصفات الإلهية، والتأويل، والتفويض، والاستدلال العقلي، حتى تطغى هذه الخلافات على مساحات واسعة من الاشتراك الديني، وعلى إمكانات التعاون في ميادين العلم والدعوة والإصلاح.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو:

هل يلزم من اختلاف الأشاعرة والسلفيين في بعض مسائل الاعتقاد أن يتحولوا إلى خصمين يتنافى وجود أحدهما مع وجود الآخر؟ أم يمكن أن يكون اختلافهم مجالًا للبحث والتصحيح والتكامل؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر إلى المسألة بعقل منصف، بعيدًا عن التهويل والتبسيط، وعن الأحكام العامة التي لا تميز بين الأقوال وأصحابها.


أولًا: خلافٌ في مسائل الاعتقاد، ومشتركاتٌ لا يجوز تجاهلها

الأشعري لا يقصد بعبادته إلا الله، والسلفي لا يقصد بعبادته إلا الله.

كلاهما يقرّ بأن الله سبحانه هو الخالق المستحق للعبادة، وأن محمدًا ﷺ رسول الله، وأن القرآن كتاب الله، وأن الإسلام دينه، وأن الصلاة والصيام والزكاة والحج من شعائر هذا الدين.

وكلاهما ينتسب إلى الأمة الإسلامية، ويؤمن بأصولها الكبرى، ويرجو رحمة الله وجنته، ويخشى عذابه، ويحب الله ورسوله، ويحرص ـ بحسب علمه واجتهاده ـ على نصرة الدين وخدمة المسلمين.

ولا يعني هذا أن الخلافات بينهما شكلية، أو أن المسائل العقدية المختلف فيها لا قيمة لها؛ بل قد تكون بعض هذه المسائل عميقة، ومتعلقة بمناهج الاستدلال وفهم النصوص وأصول الاعتقاد.

لكن الإنصاف يقتضي ألّا نسمح لهذه الخلافات بأن تحجب عنا المشتركات، أو أن نجعلها ذريعة للطعن في إسلام المخالف ونيته، أو الانتقاص من كل ما يقدمه من علم وخدمة.

فالاختلاف في مسألة لا يعني الاختلاف في كل شيء، والخطأ في اجتهاد لا يجعل صاحبه عدوًّا للدين بالضرورة.

ومن هنا ينبغي أن يبدأ الحوار: من الاعتراف بحقيقة الخلاف، دون تضخيمه، وبحقيقة الاتفاق، دون توظيفه لإنكار المسائل المختلف فيها.


ثانيًا: هل يلزم من القول ما يستخرجه الخصم منه؟

من القواعد المهمة في الجدل العلمي أن لازم القول ليس بالضرورة هو القول نفسه.

فقد يتبنى الإنسان مقدمة معينة، ثم يستخرج خصمه منها نتيجة يراها لازمة لها، بينما لا يسلّم صاحب القول بهذه النتيجة، بل قد يرفضها ويعدّها مناقضة لمقصوده.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:

  • ما يقوله الشخص صراحةً.

  • ما يلزم من قوله في نظر الناقد.

  • ما يلتزمه الشخص فعلًا بعد بيان ذلك اللازم له.

وهذا التمييز مهم في الخلاف بين الأشاعرة والسلفيين.

فالأشعري قد يرى أن بعض صيغ إثبات الصفات، أو بعض التفسيرات التي يطرحها خصمه، تفضي إلى التجسيم أو التركيب أو الحدوث؛ ولذلك يتحفظ عليها، أو يلجأ في بعض النصوص إلى التأويل أو التفويض.

لكن السلفي لا يقبل بالضرورة هذه المقدمات، ولا يرى أن إثبات الصفات على الوجه الذي يقرره يستلزم التجسيم أو التركيب أو الحدوث.

فهو يقول إن إثبات ما ورد في النصوص لا يعني تشبيه الخالق بالمخلوق، وإن الاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي التماثل في الحقيقة والكيفية.

وفي المقابل، قد يرى الأشعري أن بعض صيغ الإثبات التي يتبناها السلفي تحتاج إلى مزيد من التحرير؛ حتى يتضح وجه تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات.

وهكذا نجد أن الخلاف لا يدور دائمًا حول النتيجة النهائية وحدها، بل يدور أيضًا حول المقدمات التي يُبنى عليها الاستدلال، ومدى صحة اللوازم المستخرجة منها.

ومن الخطأ أن ينسب أحد الطرفين إلى الآخر لازمًا لا يقرّ به، ثم يعامله كما لو كان تصريحًا صادرًا عنه.

كما أن رفض الشخص للوازم قوله لا يكفي وحده لإثبات بطلان الإلزام؛ بل لا بد من فحص المقدمات، وبيان وجه اللزوم، ومناقشة الاعتراضات.

فالحوار العلمي لا يقوم على تكرار الاتهام، وإنما على تحرير محل النزاع.


ثالثًا: حين تختلف المدارس في مقدماتها العقلية

من المسائل التي تكشف عمق الخلاف بين المدرستين اختلافهما في بعض المقدمات الكلامية والفلسفية التي تتعلق بطبيعة الأجسام، ومعنى التركيب، وعلاقة ذلك بالحدوث.

ففي التراث الكلامي الأشعري حضورٌ لمباحث الجوهر والعَرَض، وأحكام الأجسام، والاستدلال بالحدوث على وجود الخالق. وقد تبنّى عدد من المتكلمين تصورات معينة في تركيب الأجسام، ومنها القول بالجوهر الفرد.

لكن هذه المباحث ليست محل اتفاق بين جميع المدارس، كما أن تفاصيلها وتطوراتها التاريخية ليست واحدة عند كل من انتسب إلى الأشعرية أو غيرها.

وفي المقابل، لا يتبنى علماء الاتجاه السلفي بالضرورة تلك المقدمات الكلامية، وقد يناقشونها من أساسها، ويرفضون بعض تصوراتها عن الأجسام والتركيب.

ومن هنا تنشأ إشكالات متبادلة:

فالأشعري قد يرى أن بعض صور الإثبات تفضي إلى لوازم لا يقبلها في حق الله سبحانه.

والسلفي قد يرى أن هذه اللوازم مبنية على مقدمات غير مسلّمة، وأن نفيها لا يستلزم نفي الصفات التي دل عليها الكتاب والسنة.

فهل يكفي أن يكرر كل فريق النتيجة التي انتهى إليها، أم ينبغي أن يعود الطرفان إلى المقدمات التي بُنيت عليها تلك النتائج؟

إن النقاش الجاد يبدأ من هنا.

أما الاكتفاء بعبارات من قبيل: «قولكم يستلزم كذا»، أو «دليلكم باطل»، دون تحرير محل النزاع، فلن ينتج إلا مزيدًا من الخصومة.

ومن المهم كذلك ألّا تُعرض المسائل الفلسفية الدقيقة على أنها بديهيات لا تقبل النقاش؛ فبعض المقدمات التي يراها فريق ضرورية قد ينازع فيها فريق آخر، ولا بد من إقامة الدليل عليها بدل افتراض التسليم بها.


رابعًا: لماذا لا يكون البحث في أدلة إثبات الخالق مجالًا للتعاون؟

يستعمل المتكلمون والفلاسفة وغيرهم من الباحثين أدلة عقلية متعددة في الاستدلال على وجود الله سبحانه، ومن بينها مباحث الحدوث والإمكان والحركة والتركيب، مع اختلافهم في صيغ هذه الأدلة ومقدماتها ونتائجها.

وقد يرى بعض الأشاعرة أن هذه الأدلة، بعد تحريرها، تسهم في دفع الاعتراضات العقلية وإثبات وجود الخالق.

بينما قد يتحفظ بعض السلفيين على مقدمات معينة فيها، أو على الطريقة التي تُبنى بها النتائج، ويرون أن النصوص الشرعية تقدم من الأدلة ما يغني عن كثير من المسالك الكلامية، أو يضبط استخدامها.

لكن لماذا ينبغي أن ينتهي هذا الاختلاف إلى رفض كل ما لدى الطرف الآخر؟

أليس من الممكن أن يجلس الباحثون من المدرستين لمناقشة هذه الأدلة، وفحص مقدماتها، والتمييز بين ما يصح منها وما يحتاج إلى تعديل؟

فإذا كانت هناك مقدمة غير دقيقة، أمكن تصحيحها.

وإذا كان هناك استدلال صحيح، أمكن الإفادة منه.

وإذا كانت النتيجة لا تلزم من مقدماتها، أمكن بيان ذلك.

وإذا كان الدليل صالحًا لإثبات وجود الخالق، لكنه لا يكفي وحده لإثبات قضية أخرى تتعلق بصحة دين معين، أمكن تحديد حدود دلالته.

إن نقد الدليل لا يعني هدم الغاية التي أُقيم من أجلها، كما أن المحافظة على الغاية لا تقتضي الدفاع عن كل مقدمة استُعملت في إثباتها.

وهنا يمكن أن يتحول الخلاف من معركة لإسقاط الخصم إلى مشروع مشترك لتحرير الأدلة، وتقوية الحجة، والرد على الاعتراضات.


خامسًا: بين وضوح النصوص والحاجة إلى النظر العقلي

يرى كثير من علماء الاتجاه السلفي أن نصوص الكتاب والسنة هي الأصل في باب الاعتقاد، وأن الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، على الوجه اللائق بالله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

ويتحفظون على بعض مسالك التأويل الكلامي؛ خشية أن تؤدي إلى صرف النصوص عن معانيها الراجحة، أو فتح الباب لتأويلات لا يضبطها دليل معتبر.

وفي المقابل، يرى علماء الأشاعرة أن التأويل في مواضعه ليس إنكارًا للنصوص، بل قد يكون وسيلة لفهمها على وجه يوافق أصول اللغة العربية، وقواعد الاستدلال، وما يرونه من أدلة التنزيه.

كما أن التفويض عندهم ليس بالضرورة قولًا واحدًا في جميع صوره؛ فقد يقع الخلاف في المراد به، وفيما يُفوَّض تحديدًا، وفي حدود المعرفة بمعاني النصوص.

ومن الإنصاف هنا أن نقول إن ليس كل تأويل تعطيلًا، كما أن مجرد التمسك بظاهر اللفظ لا يحسم وحده جميع الإشكالات المتعلقة بفهم النص.

فلا بد من النظر في دلالة اللفظ، وسياقه، واستعمال العرب له، وسائر النصوص المتعلقة بالمسألة، والقواعد التي تضبط فهمه.

وفي الوقت نفسه، لا يصح أن يتحول التأويل إلى وسيلة لصرف النصوص عن معانيها بلا ضابط، كما لا يصح أن يُتهم كل من خالف في تفسير نص بأنه معطّل أو محرّف.

أما الاستدلال العقلي، فليس من الدقة أن نجعله حكرًا على الأشاعرة، أو أن ننسب رفضه إلى جميع السلفيين.

ففي التراث السلفي نفسه حضور واسع للحجاج العقلي والرد على المخالفين، وإن اختلفت مناهج العلماء في استعماله وحدوده ومصادره.

كما أن الأشاعرة ليسوا كتلة واحدة في طرائق الاستدلال والتأويل والتعامل مع النصوص.

والسؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم العقل أم نتركه؟

بل: كيف نستخدم العقل في فهم النصوص والدفاع عن الاعتقاد، دون أن نجعل مقدماتنا النظرية حاكمة على النص بغير دليل، أو نجعل فهمنا للنصوص بمنأى عن النظر الصحيح؟

هذا هو موضع البحث الذي يستحق الجهد.


سادسًا: هل يمكن أن يتعلم كل فريق من الآخر؟

إن تاريخ العلوم الإسلامية لا يقدم لنا صورة جامدة عن المدارس والمناهج، بل يكشف عن علماء جمعوا بين علوم متعددة، واستفادوا من مناهج مختلفة، وتركوا آثارًا علمية تجاوزت حدود الخلافات المذهبية.

ومن الأمثلة التي تستحق الدراسة شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي خاض في المسائل العقلية والفلسفية والكلامية، مع تمسكه بما يراه دلالة النصوص الشرعية في باب الصفات.

كما نجد عند عدد من العلماء المنتسبين إلى الأشعرية عناية كبيرة بالحديث النبوي وعلومه، ومنهم ابن حجر العسقلاني والنووي وابن دقيق العيد، مع ضرورة مراعاة الفروق في انتساب هؤلاء العلماء ومواقفهم التفصيلية من المسائل العقدية.

والمقصود من هذه الأمثلة ليس إلغاء الخلافات، أو الادعاء بأن هؤلاء العلماء كانوا متفقين في مناهجهم، بل بيان أن الانتماء إلى مدرسة علمية لا يمنع صاحبه من التميز في علوم أخرى، ولا يجعل الإفادة من تراثه متوقفة على موافقة جميع آرائه.

فقد يستفيد الباحث من تحقيق حديثي عند عالم يخالفه في بعض مسائل الاعتقاد.

وقد ينتفع بدراسة عقلية أو لغوية عند عالم يختلف معه في منهجه.

وقد يصحح اعتراضًا وجّهه إليه مخالفه، دون أن يضطر إلى تبني مذهبه كله.

فلماذا نتعامل مع التراث العلمي وكأنه حزمة واحدة: إما أن نقبلها كلها، وإما أن نرفضها كلها؟

إن النضج العلمي يقتضي القدرة على التفريق بين المسائل، والأدلة، والمناهج، والأشخاص.


سابعًا: ليس كل ما عند فريق صوابًا، ولا كل ما عند الآخر خطأ

قد يصيب الأشعري في مسألة ويخطئ في أخرى، وقد يصيب السلفي في مسألة ويخطئ في أخرى.

وقد تكون الفكرة صحيحة في أصلها، لكن صاحبها لا يحسن عرضها أو الاستدلال لها.

وقد يكون الاعتراض قويًا في بعض جوانبه، لكنه يعتمد على مقدمة تحتاج إلى مراجعة.

وقد يملك أحد الباحثين دليلًا مهمًا، ثم يضعفه سوء التعبير أو التسرع في إطلاق الأحكام.

وهذا كله لا يختص بالأشاعرة والسلفيين، بل هو من طبيعة البحث البشري؛ إذ لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ولا تتحول صحة الفكرة إلى بطلان لمجرد أن قائلها ينتسب إلى مدرسة نختلف معها.

ومن هنا فإنني لا أرى أن الانتماء إلى إحدى المدرستين ينبغي أن يكون شرطًا للاستفادة من جهودها، ولا أن يكون الانتساب إلى مدرسة معينة مانعًا من نقدها.

بل إن من حق الباحث أن يقبل من هذا ويرد على ذاك، وأن يخالفهما معًا إذا ظهر له الدليل على خلاف ما ذهبا إليه.

فالحق لا يُعرف بمجرد أسماء الرجال، ولا يُوزن بمدى قرب صاحبه من جماعتنا، وإنما يُنظر في دليله وحجته.

وليس معنى ذلك أن كل الأقوال متساوية، أو أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها؛ بل معناه أن الوصول إليها يحتاج إلى علم، وصبر، وإنصاف، واستعداد لمراجعة المواقف.


ثامنًا: من عقلية الهدم إلى ثقافة البناء

لنتأمل قليلًا في طريقة تطور العلوم والصناعات.

إن كثيرًا من المنجزات البشرية لم تظهر مكتملة منذ البداية، بل مرت بمراحل من التجربة والخطأ، والنقد والتصحيح، والإضافة والتطوير.

وقد يبني باحث على جهد من سبقه، فيصحح خطأً، أو يكشف نقصًا، أو يضيف فكرة جديدة.

ولو جعل كل باحث غايته إلغاء جهود الآخرين لمجرد أنهم سبقوه أو خالفوه، لتعطلت مساحات واسعة من التطور العلمي.

والأمر نفسه يمكن أن نستفيد منه في البحث الشرعي والعقدي، مع مراعاة خصوصية العلوم الدينية ومناهجها وأدلتها.

فليس المطلوب أن نتعامل مع المذاهب العقدية كما نتعامل مع المنتجات التقنية، ولا أن نجعل صحة الاعتقاد مسألة تجريبية محضة؛ وإنما المقصود أن نستفيد من قيمة التراكم العلمي، ومن أهمية النقد المنضبط، ومن ضرورة تصحيح الأخطاء بدل الاكتفاء بالتشهير بأصحابها.

فإذا اكتشف باحث خللًا في دليل، فليبيّن موضعه.

وإذا وجد آخر جوابًا عن إشكال، فليعرضه.

وإذا ظهر أن بعض المقدمات غير صحيحة، فلتُراجع.

وإذا كان لدى المخالف علم نافع، فلا ينبغي أن نحرم أنفسنا منه لمجرد اختلافنا معه.

إن النقد الذي يكشف الخطأ ويفتح طريق التصحيح يبني المعرفة، أما النقد الذي لا غاية له إلا إسقاط الأشخاص وتشويه المدارس، فإنه قد يستهلك الجهد دون أن يقدم بديلًا علميًا نافعًا.


أخيرًا: ماذا تحتاج الأمة اليوم؟

تحتاج الأمة الإسلامية إلى علماء وباحثين يجمعون بين رسوخ العلم، وسعة الاطلاع، والقدرة على الحوار، والاستعداد لمراجعة الأفكار.

تحتاج إلى من يدرسون العقيدة دراسة عميقة، ويفهمون النصوص وأدوات الاستدلال، ويعرفون تاريخ الأفكار ومناهج أصحابها.

وتحتاج كذلك إلى من يقتحمون ميادين العلوم التجريبية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ويقدمون إسهامات نافعة للبشرية، دون أن ينفصلوا عن قيمهم الدينية والأخلاقية.

ولا يعني ذلك أن تنصرف الأمة عن دراسة العقيدة، أو أن تتوقف عن نقد الأخطاء والانحرافات، بل يعني أن تضع كل جهد في موضعه، وأن توازن بين واجب تصحيح الاعتقاد وواجب بناء المعرفة وخدمة الإنسان.

إن الخلاف العلمي قد يكون نافعًا إذا دفع إلى مزيد من البحث، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى خصومة دائمة، ويغدو الانتصار للنفس أو للجماعة أهم من الوصول إلى الحقيقة.

وليس المطلوب أن يتنازل الأشعري عن كل ما يعتقده إرضاءً للسلفي، ولا أن يتخلى السلفي عن أصوله إرضاءً للأشعري؛ وإنما المطلوب أن يتحاور الطرفان بصدق، وأن يحرر كل منهما محل النزاع، وأن يزن الأقوال بالأدلة، وأن يميز بين الخطأ وصاحبه، وبين الخلاف العلمي والعداوة الشخصية.

وقد أجد الصواب عند الأشعري في مسألة، وعند السلفي في أخرى، وقد أرى أن كليهما يحتاج إلى مراجعة في مسألة ثالثة.

فلا أرى أن الانتماء المذهبي ينبغي أن يحجب عني الحق حيث ظهر، ولا أن يمنعني من الانتفاع بجهد علمي نافع.

إن الأمة لا تحتاج إلى أن يتطابق علماؤها في كل اجتهاد، بقدر ما تحتاج إلى أن يتحرروا من التعصب، وأن يتقنوا البحث، وأن يحسنوا الاختلاف، وأن يكمل بعضهم ما نقص عند بعض.

فبدلًا من أن تكون طاقات الأشاعرة والسلفيين مستنزفة في تبادل الاتهامات، لماذا لا تتجه إلى حوار علمي جاد، وإلى دراسة مشتركة للمسائل المختلف فيها، وإلى مواجهة الإلحاد والتشكيك، وإلى تطوير العلوم التي تحتاج إليها الأمة والإنسانية؟

إن اختلاف العقول لا يمنع اجتماع الجهود، وتعدد المناهج لا يبرر هدم المنجزات، والإنصاف لا يعني التنازل عن الحقيقة، بل يعني البحث عنها دون تعصب.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذا الخلاف أن ننتقل من سؤال: «كيف نُسقط المخالف؟» إلى سؤال أكثر نفعًا:

كيف نجعل اختلافنا بابًا للعلم، لا سببًا في هدم بعضنا بعضًا؟

فذلك أنفع للدين، وأبقى للعلم، وأجدى للأمة من معارك لا تنتهي، لا ينتصر فيها إلا التعصب، ويخسر فيها الجميع فرصًا كان يمكن أن تُستثمر في البناء والإصلاح.

#كيف_يجتمع_الأشاعرة_والسلفيون_على_عمل_مفيد؟

 #كيف_يجتمع_الأشاعرة_والسلفيون_على_عمل_مفيد؟ (بقلم صهيب بوزيدي)

#أولا: الأشعري لا يعبد عدما بل يعبد الله الفرد الصمد ولا يشرك به شيئا
والسلفي لا يعبد صنما بل يعبد الله الفرد الصمد ولا يشرك به شيئا.
دينهما الإسلام ونبيهما محمد صلى الله عليه وسلم، يصلّون نفس الصلاة ويصومون نفس الشهر ويزكون بنفس المقدار ويحجون إلى نفس البيت ويلتزمون باعتقاد اجتناب نفس الكبائر ومعظم المحرمات ويتفقون على أكثر الواجبات وينتمون لنفس الأمة الإسلامية وهم جزء من الناس الذين خلقهم الله وكرّمهم وأنعم عليهم كلاهما يخوض اختبار العبادة ويريد كل منهما الفوز بالجنة والنجاة من النار، يحبون الله ورسوله ويكرهون الشيطان وجنوده وعند الضرورة كلاهما يقاتل في سبيل الله لصد العدوان ضد ديار المسلمين.
#ثانيا: الصراع بين الفريقين مبني على إلزامات لا يلتزم بها أي منهم سواء كانت لازمة أم غير لازمة فالقاعدة المعروفة (لازم القول ليس هو القول نفسه).
ورغم وجود فرقٍ بين الحالتين من حيث التقرير العلمي والنظري وخاصة اللفظي إلا أن ذلك لا ينسحب بالضرورة إلى الحكم العيني على الأفراد القائلين به.
فلو قُلتَ للسلفي هل تعتقد أن الله حادث مسبوق بعدم ؟ لقال "حاشَ لله" لكن الأشعري يتجنب أقوال السلفيين لأنه يرى أن اللازم منها حدوث الله، فإن إثبات الصفات على ظاهرها عند الأشعري يقتضي التجسيم والتجسيم عنده يقتضي وجود أجزاء للجسم وذلك يقتضي التركيب والتركيب عنده يقتضي الحدوث إذ يرى أن اللازم منه وجود أعضاء منفصلة قائمة بذاتها ثم بعد ذلك رُكّبت لتتحد في ذات واحدة.
والسلفي لا يُقرّ بهذا الإلزام إذ يراه مبنيا على مقدمة غير مسلّم بها وهي وجوب انفصال الجزئين بالفعل إن كانا قابلين للانفصال بالقوة، وهذا يلزم منه تركيب الأجسام من جسيمات نقطية لا حجم لها وهي ما يُعرف عند الطرف المخالف للسلفيين "أي الأشاعرة" بالجواهر المنفردة وهي جمع الجوهر الفرد الذي يرونه نقطة صفرية الأبعاد (أي بلا حجم).
والأشعري يقرّ بوجود الجواهر المنفردة ويبني عليها تركيب الأجسام جميعا والسلفي لا يُقرّ بوجودها فضلا على تركيب الأجسام منها وذلك لأن حجم الجوهر الفرد مساوٍ للصفر واجتماع أعداد من الأحجام الصفرية لن يعطي إلا حجما صفريا (0+0+0.......+0= 0) وبما أن الأجسام المخلوقة التي نراها لها أحجام أكبر من الصفر فيستحيل أن تكون مركبة من جواهر منفردة ابتدائية صفرية الحجم إذ اجتماع الأصفار لن يعطي إلا صفرا.
كذلك لو قلتَ للأشعري هل تعتقد أن الله عبارة عن شيء معنوي لا وجود له في الحقيقة ؟ فإنه لن يقول بذلك أبدا وإنما هو يعتقد بأن الله خالق عليم حكيم قوي عزيز جبار له وجود حقيقي كما أنه يسمع ما نقوله ويرانا وكل ما سوى ذلك من المسائل التي يحاول الأشعري تأويلها أو تفويضها فإنها تسبب له إشكالا في بعض الأدلة التي يعتمد عليها لإثبات وجود الله مثل دليل التحريك والتركيب والحدوث، وهذه الأدلة من حيث أصلها صحيحة إلا أنها تحتاج التعديل على بعض مقدماتها وإخراج ما لا يلزم منها وكان من المفترض أن يجلس السلفيون مع الأشاعرة على طاولة واحدة يتباحثون أدلة إثبات وجود الخالق حتى يصلوا إلى أدلة متقنة لا يلزم منها ما يرونه خللا في العقيدة الداخلية الإسلامية، ولكن كثيرا من السلفيين رفضوا الخوض في النقاشات العقلية من الأساس مما لم يعط للأشاعرة بديلا أو خيارا آخر غير التمسك بأدلتهم وما يلزم منها.
فالأشعري في نظره لا يدافع عن عقيدة جزئية داخل الوسط الإسلامي فحسب وإنما هو يدافع عن طريقته واستدلالاته التي يدافع بها عن جنس الإيمان والإسلام، فلا يمكن للسلفي أن يقنعه بالعدول عنها إلا إن أعطاه أدلّة بديلة لا يلزم منها ما التزم به الأشعري من أقوال، عندها لن يضطر الأشعري إلى التأويل ولا التفويض إن وجد ظاهر النصوص موافقا للأدلة العقلية المدافعة عنها.
في الجانب الآخر يرى السلفي أن نصوص الكتاب والسنة واضحة صريحة لا تحتاج إلى التفلسف فيها وينبغي التسليم بها كما جاءت دون الحاجة إلى التعديل على معانيها إذ يعتبر ذلك نوعا من التحريف المعنوي، ويرى أن الإسلام قوي بما يكفي لأن يدافع عن نفسه في نصوصه لذلك فلابد من استقاء الأدلة عليه فيها بدل استيراد أدلّةٍ من الحضارة اليونانية القديمة التي أُسّست على قواعد قد تخالف مضمون ما جاء في النصوص الشرعية، فإن كثرة التأويل وليّ أعناق النصوص تظهر الدين بالمظهر الضعيف إذ مع التأويل يمكن التبرير لأي دين ولو كان باطلا فيمكننا تأويل التثليث النصراني إلى أنه مجرد تعدد في صفات الإله الواحد لا تعدد الآلهة ويمكن تأويل أي كلام باطل في أي دين باطل ليصبح حقا وعندها يستحيل الحوار بين الأديان مادامت النصوص تؤول أو تفوض على حسب أهواء أصحابها.
لذلك يرى السلفي أن الدليل العقلي يكون أقرب للقلب اطمئنانا إن كان موافقا للمعاني الراجحة من الألفاظ الواردة في القرآن والسنة إذ يكون الدليل عندها غير مقتصر على إثبات وجود الله فحسب وإنما يشمل إثبات صحة الإسلام أيضا.
في المقابل يرى الأشعري أن الأساليب المجازية واستعمال التأويل أمرٌ بديهي معروف عند العرب ولو أننا أخذنا بكل نص على ظاهره لما اقتصرت المشكلة على نصوص الصفات فحسب وإنما سيلزم الآخذين بها القول بكثير من الأشياء التي يقرون ببطلانها، بينما يرى الأشاعرة أن السلفيين أهملوا جانب المنطق والآنطولوجيا والابستمولوجيا وهي من أهم الأركان الفلسفية الضرورية في مواجهة موجات التشكيك الإلحادية واللادينية وغيرها، ويرى الأشاعرة أن السلفيين أهملوا حتى علوم الآلة الدلالية مثل أصول الفقه مما نتج عنه سطحية كبيرة في الإدراك والفهم
#ثالثا: وبين هذا وذاك يحاول بعض السلفيين الخروج من النمط الكلاسيكي للسلفية في الوقت نفسه الذي يحاول بعض الأشاعرة الاقتراب من النصوص النقلية أكثر، فكان شيخ الإسلام ابن تيمية من الذين اقتحموا مجال العقليات مع الحفاظ على الموروث النقلي على ظاهره في باب الصفات، وكان من علماء الأشاعرة من حافظوا على العناية بالمنقول كابن حجر العسقلاني الذي شرح صحيح البخاري والنووي الذي شرح صحيح مسلم وابن دقيق العيد الذي كان مهتما بعلم الحديث وغيرهم كثير، لذلك فقد يصح أن يقال (ابن تيمية متكلّمٌ من السلفيين، وابن دقيق العيد وابن حجر والنووي من أهل الحديث من الأشاعرة).
والرجل العاقل ينبذ التعصب وينظر فيما عند الفريقين من صواب فيأخذه أينما كان وقد يجد عندهما ما يتفقان عليه وقد يجد ما يخالفهما فيه معا، المهم أن يعطي مجالا أوسع للتعلم، وذلك لأن الطعن والتشغيب يتقنه كل الناس لكن من الذي يصبر على التعلم والتفكير والتعقّل ؟
#رابعا: هناك أقوال قد يصيب فيها الأشاعرة ويخطئ السلفيون والعكس صحيح وهناك أقوال قد يصيب فيها أحد الفريقين لكنه رغم إصابته لا يحسن التعبير أو الدفاع عنها بالأدلة القوية المطلوبة فيضيع حقه، كذلك قد يأتي أحدهما بأدلة في غاية القوة والإتقان والبراعة ويكون الخطأ واردا في بعض مقدماتها الدقيقة التي لا يُنتبه إليها فتنتج منها إلزامات كبيرة قد تتسبب بمخالفات كثيرة، لذلك أعتبر نفسي غير منتمٍ لا للسلفية ولا للأشاعرة وأرى أن في جهود كل من الفريقين خير لهذه الأمة لو أن المسائل نوقشت بعلم، ولا بأس أن يرد الخطأ من بعضهم إن كان ذلك يحفز أهل العلم والباحثين على المزيد من البحث والتفكير فيكمّل بعضهم بعضا بدلَ أن يهدموا بعضهم بعضا.
#أخيرا: من المعلوم أن العلوم التكنلوجية كلها بدأت بمشاريع مليئة بالأخطاء والثغرات ولكن لما كمّل العلماء بعضهم بعضا أغلقوا تلك الثغرات وطوروا المشاريع فنجحت ولو أن كل واحد منهم عمل على هدم مشروعِ من جاء قبله أو معه ليستبدله بمشروع جديد لمازال العالم يتخبط مختلفا حول نوعية الدراجة الناجية أهي الدراجة التي يشجعها فريق العالم الفلاني أم الدراجة التي يشجعها فريق العالم العلّاني، أما بالتكامل وسد الثغرات والنقد البناء لا الهدّام تطورت الدراجة إلى الصواريخ والمككوات الفضائية، كذلك ينبغي على المسلمين التكامل فيما بينهم ليكون الناتج العلمي والفلسفي عندهم قويا يمكن التعويل عليه، وحبذا لو استطاع المسلمون اقتحام بقية العلوم التجريبية والعقلية والاقتصادية والسياسية والسيكولوجية بشكل أوسع مما هو عليه الآن وبنية أصدق يراد منها الانتصار لدين الله والسعي إلى المساهمة في تطوير البشرية وتحصيل رضا الله، لو أنه يحصل فإنه سيكو مفيدا أكثر للأمة الإسلامية أكثر من التراشق بالسب والشتم والتعيير بين الفرق والمذاهب، وبالتجربة لم تستفد الأمة الإسلامية شيئا من هذا الأسلوب الأخير.

حين يتصدر غير المتأهلين للفتوى: كارثة اختزال الفقه في شعار «الدليل»

 

أنقذوا الفقه من المتطفلين عليه!

هناك مشكلة تتكرر في زماننا، ولا تتعلق بقلة الرغبة في معرفة الدين، وإنما بسوء تقدير الطريق الذي يُوصِل إلى معرفة الحكم الشرعي.

فبمجرد أن يسمع بعض الناس فتوى فيها أكثر من قول، أو يجد خلافًا بين الفقهاء، يسارع إلى الاعتراض:

«لماذا تذكر الأقوال المختلفة؟ قل لنا القول الراجح فقط!»

وهنا تبدأ المشكلة.

فالفقه الإسلامي لم يكن يومًا مجموعة من الإجابات الجاهزة التي يتوارثها الناس، وإنما هو علم له أصوله وقواعده ومناهجه ومدارسه وأدواته.

ومن يجهل هذه الحقيقة قد يتصور أن تعدد الأقوال دليل اضطراب، وأن ذكر الخلاف ضعف، وأن الاقتصار على قول واحد هو عين الاتباع.

والحال أن المسألة التي يظنها بعض الناس «قولًا غريبًا» قد تكون مذهب جمهور الفقهاء، وربما كانت هي القول المنقول عن أكثر من مدرسة فقهية، بينما يكون القول الذي اعتاده السامع قولًا واحدًا اختاره بعض المتأخرين.

فالمشكلة ليست دائمًا في غرابة القول…

بل أحيانًا في ضيق دائرة ما سمعناه.


المشكلة الثانية: متى أصبح المظهر تأهيلًا للفتوى؟

ومن الظواهر التي تستحق التوقف أن يلتزم شخص ببعض مظاهر التدين، كإعفاء اللحية أو لبس القميص، ثم يبدأ الناس ينادونه:

«يا شيخ، عندي سؤال…»

ومع تكرار هذا النداء قد يتسلل إلى صاحبه شعور بأنه أصبح مؤهلًا للإجابة عن مسائل الدين.

فيبدأ بالفتوى، وهو لم يدرس أصول الفقه، ولا القواعد الفقهية، ولا طرق الاستدلال، ولا علوم الحديث، ولا مباحث دلالات الألفاظ، وربما لم يقرأ في الفقه قراءة منظمة أصلًا.

ثم إذا ناقشته في مسألة قال لك بكل ثقة:

«العبرة بالدليل!»

ولا شك أن الدليل معتبر، بل لا يصح الاجتهاد الشرعي بغير دليل.

لكن السؤال الذي يغيب هنا:

هل مجرد معرفة وجود الدليل تجعل الإنسان قادرًا على الاستدلال به؟

بالطبع لا.

فبين معرفة النص وبين استخراج الحكم منه مسافة علمية واسعة.


الدليل لا يتكلم وحده

حين يقول شخص:

«أنا لا أريد أقوال العلماء، أعطني الدليل!»

فالسؤال ليس: هل نريد الدليل أم لا؟

بل السؤال الأهم:

من الذي يفهم الدليل؟ وكيف يفهمه؟ وما دلالته؟ وهل ثبت أصلًا؟ وهل هو عام أم خاص؟ مطلق أم مقيد؟ ناسخ أم منسوخ؟ وهل عارضه دليل آخر؟ وكيف تجمع بين الأدلة؟ وما وجه دلالته على الحكم محل النزاع؟

هذه ليست تعقيدات اخترعها الفقهاء لإبعاد الناس عن الكتاب والسنة.

بل هي أدوات نشأت أصلًا لحماية الاستدلال بالنص من الخطأ والتعجل.

ولهذا فإن قول:

«العبرة بالدليل»

صحيح من حيث الأصل، لكنه لا يُغني عن السؤال:

ومن الذي يملك أدوات فهم الدليل والاستنباط منه؟


حين يتحول المسموع إلى إجماع!

هناك صنف آخر لم يتوسع في دراسة الفقه، ولم يبحث في المسألة من مصادرها، وإنما سمع قولًا من أحد معارفه أو من بعض المشايخ الذين يتابعهم.

فيصبح ما سمعه هو الحقيقة الوحيدة.

فإذا سمع قولًا مخالفًا قال فورًا:

«من أين أتيت بهذا الكلام؟ اتق الله! لم أسمع في حياتي أحدًا يقول بهذا!»

وهذه الجملة في حقيقتها لا تثبت شيئًا.

فكونك لم تسمع بالقول لا يعني أن القول لم يقل به أحد.

بل قد يكون القول الذي لم تسمع به من قبل قولًا معروفًا عند الفقهاء، وربما قال به جمهورهم.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

«هذا قول لم أسمع به»

و

«هذا قول لا أصل له».

فالأول خبر عن حدود معرفتك أنت.

أما الثاني فهو حكم علمي يحتاج إلى بحث وتوثيق.


وحين يُكتشف الجهل… تبدأ الخطة البديلة!

وقد يحدث أن يُحرج المتحدث حين يُقال له:

«هذا القول ليس جديدًا، بل قال به علماء من مذاهب متعددة».

فبدل أن يراجع معلوماته، ينتقل إلى سؤال آخر:

«وهل العبرة بأقوال العلماء أم بالدليل؟ هل نترك كلام الله ورسوله ونأخذ بكلام البشر؟»

وهنا تختلط قضيتان مختلفتان تمامًا.

فالرجوع إلى العلماء ليس تركًا للكتاب والسنة.

والاستفادة من أقوال الفقهاء ليست عبادةً للأشخاص.

والبحث في المذاهب والخلاف الفقهي ليس استبدالًا للوحي بكلام البشر.

بل السؤال الحقيقي هو:

كيف فهم العلماء النص؟ وما وجه استدلالهم به؟ وما القواعد التي اعتمدوا عليها؟


الفقه ليس حفظ نصوص

لو كان الفقه مجرد معرفة النصوص، لكان كل من حفظ عددًا كبيرًا من الأحاديث فقيهًا بالضرورة.

لكن الواقع العلمي أعمق من ذلك بكثير.

فالفقيه يحتاج إلى معرفة:

  • ثبوت النصوص ودرجاتها.

  • طرق الجمع بين الأدلة.

  • دلالات الألفاظ.

  • العام والخاص.

  • المطلق والمقيد.

  • الأمر والنهي.

  • الناسخ والمنسوخ.

  • الإجماع والخلاف.

  • القياس ومناط الحكم.

  • القواعد والأصول التي تضبط عملية الاستنباط.

  • اختلاف السياقات والقرائن.

  • وكيفية تنزيل الحكم على الواقعة محل السؤال.

ولهذا فإن معرفة الحديث شيء، والفقه بالحديث شيء آخر.

ومعرفة الآية شيء، ومعرفة ما تدل عليه في محل النزاع شيء آخر.


حتى المصطلح البسيط قد يكون وراءه علم كامل

قد تسأل من يكثر من الحديث عن «الدليل»:

ما شروط الدليل الصحيح؟

ما وجه دلالته على المسألة؟

ما الفرق بين المنطوق والمفهوم؟

ما الاستصحاب؟

ما مناط الحكم؟

ما التمييز بين الحقيقة والمجاز؟

ما دلالة اللفظ؟

ما وجه التخريج الحديثي؟

فإذا كان لا يعرف هذه المصطلحات ولا يفهم وظائفها، فكيف انتقل مباشرة من قراءة النص إلى إصدار الحكم؟

المشكلة هنا ليست أن الإنسان غير متخصص.

فليس مطلوبًا من كل مسلم أن يكون فقيهًا أو مجتهدًا.

المشكلة أن يجهل الإنسان حدود علمه، ثم يتجاوزها إلى الفتوى.


ليس العيب أن تقول: لا أعلم

من أجمل ما يمكن أن يتعلمه طالب العلم أن يعرف حدود معرفته.

أن يقول:

«لا أدري».

وأن يقول:

«هذه المسألة تحتاج إلى مراجعة».

وأن يقول:

«فيها خلاف بين أهل العلم».

وأن ينقل الأقوال بأمانة، بدل أن يحوّل ما سمعه من شيخ أو صديق إلى إجماع، ثم يحوّل ما جهله إلى بدعة، وما خالف عادته إلى انحراف.

فالجهل بالمسألة ليس عيبًا.

إنما العيب أن يتحول الجهل إلى ثقة زائفة، والثقة الزائفة إلى فتوى، والفتوى إلى إلزام للناس.


احترموا علم الفقه

الفقه الإسلامي ليس مجموعة «فتاوى متداولة» في المجالس، ولا مقاطع قصيرة تُسمع ثم تُنقل، ولا شعارًا يقال عند كل خلاف:

«هات الدليل!»

الفقه علم له أصوله وأدواته وتاريخه ومدارسه ورجاله.

والاختلاف الفقهي ليس بالضرورة دليلًا على ضياع الحق، كما أن الاتفاق على قول واحد في محيطك الاجتماعي لا يجعله إجماعًا.

فإذا أردنا أن نحترم الكتاب والسنة حقًا، فعلينا أن نحترم كذلك العلم الذي يعين على فهمهما والاستدلال بهما.

وليس المطلوب أن يتحول كل مسلم إلى فقيه.

بل المطلوب أن يعرف كل إنسان مقامه العلمي:

أن يتعلم إن كان طالب علم…

وأن يسأل إن كان مستفتيًا…

وأن ينقل بأمانة إن كان ناقلًا…

وأن يفتي إذا استكمل أدوات الفتوى.

أما أن يتحول مجرد الاطلاع على بعض النصوص إلى تصريح مفتوح بالفتوى، فذلك ليس انتصارًا للكتاب والسنة.

بل قد يكون من أكثر الأشياء التي تسيء إلى الفقه، وإلى فهم الكتاب والسنة معًا.

فالفقه أمانة… وليس كل من عرف النص عرف الحكم.

السلفية المدخلية تنكر الحزبية والتنظيم ظاهرًا… وتمارسهما خفيًا بأبشع صورهما!

 


السلفية المدخلية تنكر الحزبية والتنظيم ظاهرًا… وتمارسهما خفيًا بأبشع صورهما!

من المرجعية العليا إلى أصغر تابع: كيف يعمل الهرم المدخلي؟

من أكثر المفارقات إثارة للتأمل في الخطاب المدخلي أنهم يكثرون من الحديث عن الحزبية، ويحذرون من التنظيمات والجماعات، ويؤكدون أن دعوتهم ليست حزبًا ولا تنظيمًا ولا جماعة لها هيكل أو قيادة أو عضوية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس:

ماذا يسمون أنفسهم؟

وإنما:

كيف يعمل هذا التيار على أرض الواقع؟

كيف تنتقل المواقف من الأعلى إلى الأسفل؟

كيف يعرف الأتباع من يُسمع له ومن لا يُسمع له؟

كيف تنتشر أحكام التجريح والتحذير؟

كيف يُعرف المسموح به والممنوع؟

وكيف يتحول موقف يصدر عن شيخ بعيد إلى قرار اجتماعي يطبقه أتباعه في مسجد أو حي أو مدينة؟

إذا تركنا الأسماء والشعارات جانبًا، ونظرنا إلى آليات العمل والتأثير، فإننا نجد أمامنا بنية هرمية متدرجة، تتفاوت فيها المواقع والأدوار، حتى تصل في نهايتها إلى العامي الذي قد لا يعرف من تفاصيل القضية شيئًا، لكنه يعرف جيدًا: من يجب أن يتبعه، ومن يجب أن يحذر منه.

وهنا تبدأ قصة الطبقات المدخلية.


أولًا: قمة الهرم… المرجعية

في أعلى الهرم تأتي المرجعية التي يمثلها ربيع المدخلي في الوعي المدخلي المعاصر.

وهنا لا نتحدث فقط عن عالم له كتب ودروس وآراء، وإنما عن مرجعية يُستأنس بأقوالها في تحديد المواقف من الأشخاص والتيارات والدعاة، ولا سيما في قضايا التجريح والتبديع والهجر والتحذير.

ومن هذه النقطة يبدأ نزول التأثير عبر شبكة واسعة من المشايخ والدعاة والأتباع.

فالموقف لا يبقى في مكانه.

إنه ينتقل.

ثم ينتقل مرة أخرى.

ثم يتحول من رأي إلى موقف.

ومن موقف إلى تحذير.

ومن تحذير إلى هجر.

ومن هجر إلى ثقافة اجتماعية كاملة تجاه الشخص المخالف.


ثانيًا: الحلقة الأقرب إلى المرجعية

ثم تأتي طبقة من المشايخ الذين ارتبطوا بالخطاب المدخلي، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:

محمد بن ربيع المدخلي، وعبيد الجابري، وأحمد بازمول وغيرهم.

وهذه الطبقة تقوم بدور مهم في نقل الخطاب وتفسيره وتوسيعه.

وهنا تبدأ الحلقة الثانية من السلسلة:

مرجعية → مشايخ → أتباع.

لكن الأمر لا يتوقف هنا.

فلا يمكن لأي تيار أن ينتشر بمجرد وجود شيخ أو مجموعة من المشايخ.

لا بد من طبقات وسيطة تحمل الأفكار إلى الجمهور.


ثالثًا: طبقة الدعاة والواجهات المؤثرة

ثم تأتي طبقة من الدعاة الذين لعبوا أدوارًا بارزة في نشر الخطاب المدخلي في العالم العربي، ومن الأسماء التي ارتبطت بهذا الخطاب:

محمد سعيد رسلان، محمود الرضواني، طلعت زهران وغيرهم.

وهنا تنتقل الأفكار من مجالس المشايخ إلى الجمهور الواسع.

محاضرات.

دروس.

ردود.

مقاطع.

تحذيرات.

تصنيفات.

نقاشات على وسائل التواصل.

وبهذه الوسائل يصبح الخطاب أكثر انتشارًا، وأكثر قدرة على تشكيل وعي الأتباع.


رابعًا: الحلقة المحلية

ثم نصل إلى مستوى آخر:

المشايخ والدعاة المعروفون في البيئات المحلية.

وفي الجزائر، مثلًا، يظهر في هذا السياق عدد من الأسماء التي ارتبطت بالتيار السلفي المدخلي بدرجات مختلفة، ومن بينها محمد علي فركوس ولزهر سنيقرة وعبد الغني عويسات وغيرهم.

وهنا يحدث أمر مهم:

فالعامي لا يعيش مع الشيخ الموجود في أعلى الهرم.

ولا يستطيع متابعة كل كتبه ودروسه وردوده.

بل يحتاج إلى شخص أقرب إليه.

شيخ في مدينته.

إمام في مسجده.

داعية في حيه.

شخص يتابع خطاب المرجعيات ويقدمه له في صورة مبسطة.

وهكذا يصبح الوسيط المحلي عنصرًا أساسيًا في استمرار المنظومة.


خامسًا: أئمة المساجد والدعاة المحليون

ثم تأتي طبقة أوسع:

أئمة المساجد، والمدرسون، وطلبة العلم، والدعاة الذين يتأثرون بهذا الخطاب.

وهؤلاء هم الذين يتعامل معهم الجمهور بصورة مباشرة.

ومن خلالهم تتحول القضايا الكبرى إلى ممارسات يومية:

من يُسمع له؟

من لا يُسمع له؟

من يُدعى إلى المجلس؟

من يُستبعد؟

من يُنصح بعدم متابعته؟

من يُقال عنه إنه "منحرف"؟

من يُطلب من الشباب ترك مجالسته؟

هنا تنتقل القضية من الفكر إلى السلوك.

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها التنظيم — بمعناه العملي — أكثر وضوحًا من أي تعريف نظري.


سادسًا: حراس البوابة

وهذه طبقة شديدة الأهمية.

ففي بعض البيئات المدخلية تظهر فئة من الأتباع تتحول عمليًا إلى حراس للبوابة.

ليسوا بالضرورة علماء.

وليسوا بالضرورة أصحاب مؤلفات.

لكنهم يعرفون:

من معنا… ومن ضدنا.

من يُسمع له… ومن لا يُسمع له.

من نقترب منه… ومن نبتعد عنه.

من نمدحه… ومن نحذر منه.

وقد يصبح رأي هذه الدائرة المحلية مؤثرًا جدًا في علاقات الأشخاص داخل البيئة الدعوية.

وهنا تظهر المفارقة:

تيار يرفض الحزبية نظريًا، لكنه قد ينتج في بعض البيئات آليات شديدة الشبه بآليات العمل الحزبي: مرجعية، ودوائر نفوذ، وتدرج في الأدوار، ومراكز تأثير، وآلية للقبول والاستبعاد.

وهذه ليست مسألة أسماء.

إنها مسألة آليات عمل.


سابعًا: المنفذون

ثم تأتي طبقة الأتباع الذين لا يملكون قرارًا كبيرًا، لكنهم يملكون شيئًا آخر:

القدرة على التنفيذ.

فإذا قيل لهم:

احذروا من فلان.

حذروا منه.

وإذا قيل:

لا تجلسوا معه.

ابتعدوا عنه.

وإذا قيل:

لا تسمعوا له.

أغلقوا المقاطع.

وإذا قيل:

فلان مبتدع أو منحرف.

انتقل الحكم إلى الآخرين دون أن يسأل كثير منهم:

ما الدليل؟

ما سياق كلام العالم؟

هل ثبت النقل؟

هل الحكم على الشخص نفسه أم على قول محدد؟

وهنا تتحول القضية إلى ثقافة تنفيذ.


ثامنًا: جامعو التجريحات

وهذه فئة يعرفها كل من عاش طويلًا في أجواء الخصومات السلفية.

هاتف ممتلئ بالمقاطع.

ملفات بأسماء الدعاة.

مئات التسجيلات للردود.

عشرات القضايا في:

فلان حُذّر منه.

فلان رُد عليه.

فلان بُدّع.

فلان تراجع.

فلان لا يُسمع له.

حتى يصبح بعض الأتباع يعرف عن أخطاء العلماء والدعاة أكثر مما يعرف عن مسائل العلم التي يحتاج إليها هو في حياته.

وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال:

هل غاية طالب العلم أن يعرف من أخطأ؟ أم أن يعرف الحق؟

فالاشتغال الدائم بملفات الأشخاص قد يصنع إنسانًا شديد المعرفة بالخصومات، لكنه ضعيف المعرفة بالعلم نفسه.


تاسعًا: واجهة التدين الهادئة

وهناك فئة أخرى أكثر هدوءًا.

لا تبدأ معك بالتجريح.

ولا تملأ حديثها بالتحذيرات.

بل قد تجد عندها:

حسن خلق،
وانضباطًا،
وحرصًا على الصلاة،
ومعرفة ببعض مسائل الفقه،
وحديثًا عن التوحيد والسنة.

وهذا يجعلها قادرة على الاقتراب من المتدين الجديد بصورة أكثر سهولة.

فيبدأ الحديث عن الصلاة.

ثم الوضوء.

ثم اللحية.

ثم اللباس.

ثم التوحيد.

ثم:

من هم العلماء الذين ينبغي أن تسمع لهم؟

ثم:

من هم الذين ينبغي أن تحذر منهم؟

وبالتدريج ينتقل الشخص من مجرد التدين إلى الانتماء إلى منظومة معينة من المرجعيات والمواقف.

وهنا لا يدخل بعض الناس إلى التيار دفعة واحدة.

بل يدخلون إليه خطوة بعد خطوة.


عاشرًا: أتباع الخوف

وهؤلاء يتبعون المجموعة أحيانًا لا لأنهم درسوا كل أصولها، وإنما لأنهم يخافون من نتائج مخالفتها.

يخاف أن يقال عنه:

مميع.

حزبي.

منحرف.

صاحب بدعة.

لا يعرف السلفية.

فيصبح السؤال عنده:

"ما الحق؟"

أقل حضورًا من السؤال:

"ماذا سيقول الإخوة عني؟"

وهنا تتحول الجماعة من مجرد بيئة علمية إلى سلطة اجتماعية ونفسية على أتباعها.

وهذا أخطر من مجرد الخلاف العلمي.


أما الطبقة الأخيرة… فهي المتمدخل الجديد

وهؤلاء أكثر الناس ترديدًا لعبارات مثل:

"يا أخي أنا لست طالب علم."

"أنا لا أعرف شيئًا."

"اسأل العلماء."

"نحن عوام."

"لولا العلماء لما عرفنا السلفية."

والاعتراف بعدم العلم ليس عيبًا.

بل هو من علامات التواضع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاعتراف إلى حصانة ضد المراجعة.

فهو لا يعرف الدليل…

لكنه يعرف أن فلانًا مبتدع.

ولا يعرف المصدر…

لكنه يعرف أن فلانًا لا يُسمع له.

ولا يستطيع مناقشة المسألة…

لكنه يستطيع الحكم على صاحبها.

فإذا قلت له:

ما دليلك؟

قال:

أنا لا أعلم.

وإذا قلت:

من قال لك؟

قال:

أحد الإخوة.

وإذا قلت:

أين المصدر؟

قال:

سمعته من المشايخ.

وهكذا تصبح مصادر المعرفة دائرة مغلقة:

شيخ ← أخ ← أخ ← عامي ← أخ

ثم تعود المعلومة مرة أخرى إلى الدائرة نفسها.


وهنا نصل إلى الفئة التي نكتب من أجلها

المتمدخل الذي لم يكتمل تمدخله

هذه الفئة مختلفة.

فقد تجد شخصًا:

يحب القرآن.

يحب السنة.

يحترم العلماء.

يكره الخصومات.

لا يحب التجريح.

لا يرتاح للهجر.

يكره التنفير.

ويرفض كثيرًا من صور التبديع والتصنيف.

وقد تجد عنده رغبة حقيقية في طلب العلم.

لكن مشكلته أنه لا يزال محاصرًا داخل دائرة ضيقة من التلقي.

وهؤلاء تحديدًا لا نريد أن نهاجمهم.

ولا نريد أن ننتصر عليهم في جدال.

بل نريد أن نقول لهم:

لا تجعلوا احترامكم للعلماء سببًا لإغلاق أبواب العلم.

اقرؤوا.

قارنوا.

اسألوا.

تثبتوا.

اعرفوا اختلاف العلماء.

اطلعوا على المذاهب.

اقرؤوا في الفقه وأصوله.

اقرؤوا الحديث وعلومه.

اقرؤوا التفسير.

اقرؤوا السيرة.

وتعلموا كيف يفكر العلماء عندما يختلفون.


حين يتحول التخصص إلى سجن

قد تجد طالبًا مجتهدًا يحفظ القرآن، ويحفظ المتون، ويعيد دراسة بعض الكتب مرات ومرات.

وهذا في أصله خير.

لكن العلم ليس أن تظل تدور حول كتاب واحد إلى ما لا نهاية.

ولا أن تجعل مرحلة المبتدئ إقامة دائمة.

فطالب العلم يحتاج إلى أن ينتقل من:

العقيدة إلى الفقه،

ومن الفقه إلى أصوله،

ومن الحديث إلى مصطلحه،

ومن النص إلى فهم أقوال العلماء،

ومن الحفظ إلى الفهم،

ومن التلقي إلى المقارنة،

ومن التقليد إلى الملكة العلمية.

أما أن يظل الإنسان يعيد المرحلة نفسها سنوات طويلة، لأن محيطه أقنعه أن هذه هي نهاية الطريق، فهنا يجب أن يتوقف ويسأل:

هل أنا أتقدم في العلم… أم أدور في المكان نفسه؟


الحزبية ليست اسمًا فقط

وهنا أصل المسألة.

الحزبية ليست بالضرورة بطاقة عضوية.

وليست شرطًا أن يكون لها مكتب رسمي.

وليست ضرورية أن تكتب لائحة داخلية وتعلن عن نفسها.

فقد توجد روح حزبية وآليات حزبية داخل جماعة لا تسمي نفسها حزبًا.

والعبرة ليست بالاسم.

العبرة بكيفية العمل.

إذا وجدت:

مرجعية محددة،

ودوائر متدرجة من التابعين،

وشبكة من العلاقات،

ومعايير للقبول والاستبعاد،

ومواقف تنتقل من الأعلى إلى الأسفل،

وأحكامًا على الأشخاص يجري تعميمها بين الأتباع،

ورقابة اجتماعية على من يخالف،

وخوفًا من الخروج عن موقف المجموعة،

فهنا يصبح من المشروع أن نسأل:

ما الفرق بين هذا وبين البنية التنظيمية التي ينتقدونها عند الآخرين؟

قد يختلف الاسم.

وقد تختلف الشعارات.

لكن الآليات هي التي تكشف حقيقة الممارسة.


الخلاصة: المشكلة ليست في كلمة «حزب»… بل في صناعة التبعية

لسنا أمام مشكلة اسمية.

وليست القضية أن نسأل:

هل توجد بطاقة عضوية؟

بل:

هل توجد تبعية؟

هل توجد مرجعية لا يكاد الأتباع يتجاوزونها؟

هل توجد شبكة تنقل المواقف من الأعلى إلى الأسفل؟

هل يوجد تصنيف للناس وفق قربهم وبعدهم؟

هل يوجد هجر وتحذير يجري تداوله بين الأتباع؟

هل يخشى الفرد أن يسأل حتى لا يُتهم بالمخالفة؟

هل يصبح موقف المجموعة أهم من قوة الدليل؟

إذا كان الجواب نعم في واقعٍ معين، فالمشكلة ليست في الاسم الذي اختارته الجماعة لنفسها.

المشكلة في الآلية التي تعمل بها.

وهنا تظهر المفارقة التي يستحق هذا الموضوع أن يُناقش من أجلها:

قد تنكر الحزبية في خطابك، بينما تمارس بعض آلياتها في واقعك.

وقد ترفع شعار:

"نحن لا نتبع الأشخاص."

ثم يصبح الخروج عن رأي أشخاص بعينهم سببًا في الهجر والتحذير.

وقد تقول:

"نحن مع الدليل."

ثم يصبح السؤال عن الدليل نفسه نوعًا من الجرأة على "العلماء".

وقد تقول:

"نحن لا نُقدس الأشخاص."

ثم يتحول موقف الشخص إلى معيار لقبول الحق أو رده.

وهنا ينبغي لطالب العلم أن يتحرر من سؤال:

من قال؟

إلى سؤال أعمق:

ماذا قال؟ وما دليله؟ وكيف فهمه العلماء؟

فالعلم أوسع من شيخ.

والسنة أوسع من جماعة.

والحق أوسع من دائرة مغلقة.

وأكبر خدمة يمكن أن تقدمها لشاب صادق محب للعلم، ليست أن تستبدل له شيخًا بشيخ… وإنما أن تساعده على امتلاك أدوات العلم التي تجعله قادرًا على النظر والفهم والتمييز.

فربما كان بين هؤلاء الأتباع شابٌ يملك عقلًا ناضجًا، وحافظة قوية، وهمّة عالية، وقدرة على البحث…

لكن طاقته لم تجد طريقها بعد.

فلا تحطموا هذه الطاقات بالتصنيف.

ولا تحاصروها بالخوف.

ولا تجعلوا "الإخوة" نهاية الطريق.

افتحوا لها أبواب العلم…

فربما خرج من بين هؤلاء التابعين يومًا طالب علم مستقل، يعرف قدر العلماء، ويحفظ مكانة السلف، لكنه لا يجعل أحدًا فوق النقد، ولا جماعة فوق الدليل، ولا تنظيمًا فوق الحق.

📌 تناقضات المنهج: قراءة نقدية في أدبيات السلفية المعاصرة

 📌 تناقضات المنهج: قراءة نقدية في أدبيات السلفية المعاصرة

يتضمن الخطاب السلفي المعاصر عدداً من التناقضات المنطقية والتاريخية عند تعاطيه مع التراث الإسلامي ورجاله، ومن أبرز هذه التناقضات:

🔹 1. كثرة الأشاعرة: بين الاعتذار والإنكار عندما يُضطرون للاعتراف بأشعرية أئمة كبار (كالنووي، وابن حجر، والبيهقي)، يعتذرون بـ "تأثرهم بالبيئة وغلبة الأشعرية على الوسط العلمي". لكنهم في المقابل يرفضون الاعتراف بأن الأشعرية هم غالبية علماء الأمة! فكيف تكون بيئة حاسمة ومسيطرة ثم يُنكر وجودها؟

🔹 2. توحيد العبادة: تناقض الاستشهاد والجهل يردون على من يتهمهم بالابتداع في مسألة التكفير بأنهم مسبوقون بنقليات عن علماء المذاهب (الحنفية والمالكية والشافعية)، ويؤلفون في ذلك رسائل علمية ملأى بأقوال أئمة الأشعرية والماتريدية. ثم تجدهم في باب آخر يقررون أن الأشاعرة والماتريدية لا يعرفون "توحيد العبادة" وأنهم جهلة به! فكيف يُستشهد بكلام من يُرمى بالجهل في أصل الدين؟

🔹 3. علم الكلام: (مأكول ومذموم) ينقلون عبارات السلف في ذم "علم الكلام" حظراً مطلقاً، بينما يمارسونه عملياً بالأدلة العقلية في كتبهم وردودهم على الملاحدة واللادينيين منذ عهد الدارمي وابن تيمية إلى اليوم. فصار علم الكلام عندهم كالشعير: مذموم علناً، ومأكول عند الحاجة!

🔹 4. الجدال والمناظرات: النهي والممارسة يرددون دائماً أنهم مأمورون باجتناب مجادلة "أهل البدع" ويحكون في ذلك الآثار، بينما يملؤون الفضاء الرقمي والمجالس بالمناظرات والمجادلات مع مخالفيهم.

🔹 5. اتّهام الكبار بالجهل بالسنة يزعمون أن الأشعرية نشأت بسبب "الجهل بالسنة"، ثم يعترفون بأن أعظم أئمة السنة وخُدامها المتأخرين (كابن عساكر، والنووي، وابن الصلاح، وابن حجر، والسيوطي) كانوا أشاعرة أو متأثرين بهم! فكيف يُوصف خُدام السنة الحافظون لها بالجهل بها؟

🔹 6. نقد الفلسفة والافتخار بـ "فيلسوف الإسلام" يحذرون من الفلسفة والمنطق ويُدرّسون مقالات في نقدهما قبل تصور المادة ذاتها. ثم في المقابل، يفرحون بوصف الاستشراق لابن تيمية بـ "الفيلسوف" وأنه أتى بفلسفة ناقض بها اليونان! فهل الفلسفة مذمومة لذاتها أم محمودة إن جاءت من متبوعهم؟

🔹 7. موقف مزدوج من التصوف يذمون التصوف والصوفية ذماً مطلقاً ويحذرون من كتبهم (حتى مثل "منازل السائرين" وشرحه "مدارج السالكين"). وفي الوقت نفسه، ينقلون ثناء ابن تيمية على الصوفية الملتزمين بالشرع وتوسعه في أعمال القلوب، في انفصام واضح بين التطرف في الطرح والتحقيق التاريخي.

🔹 8. الفرح بردود المخالفين بناءً على المصلحة يفرحون بردود أصحاب المقالات البعيدة عن السنة (كابن رشد الفيلسوف) على الإمام الغزالي، لمجرد نكايته بالأشعرية. كما يمتدحون الهروي لتكفيره الأشاعرة ويؤولون كلامه المتضمن للحلول والاتحاد لكونه ألف "ذم الكلام"، بينما يرفضون التجميع أو الاعتذار للأشاعرة الذين هم أقرب للشرع منه.

💬 ختاماً: إن إعمال الموازين القسط والإتصف في نقد الأفكار والأشخاص هو المنهج العلمي الراشد، أما الانتقائية وتوظيف الخصومات وفق الحاجة، فهو يسقط الخطاب في تناقضات منهجية لا تخفى على منصف.

هرمٌ من الطاعة: كيف تتوزع الأدوار داخل المنظومة الحزبية المدخلية؟

 

هرم المداخلة: من يصنع الحكم؟ ومن ينفّذ الهجر والتحذير؟

قراءة في طبقات النفوذ داخل البيئة المدخلية — من القمة إلى القاعدة

عندما نتحدث عن التيار المدخلي، فإن من الخطأ أن نتصوره كتجمع متجانس لا فرق بين أفراده، أو أن نضع الشيخ المعروف، والداعية المحلي، وإمام المسجد، والشاب المتدين حديثًا، في مرتبة واحدة.

فالواقع — ولا سيما في بعض البيئات المحلية في الجزائر — يكشف عن سُلَّم من الطبقات والتأثيرات، تختلف فيه درجة العلم، ومقدار القرب من المرجعيات، وحجم القدرة على التأثير في الآخرين.

وهذا التقسيم ليس تقسيمًا رسميًا معلنًا لدى المداخلة، وإنما هو قراءة نقدية في واقع الممارسة كما يظهر في بعض البيئات المدخلية.

واللافت أن النفوذ لا يتوقف عند أصحاب الأسماء المعروفة، بل يمتد إلى مستويات أدنى بكثير، حتى يصبح بعض الأفراد الذين لا يملكون تكوينًا علميًا معتبرًا قادرين على إصدار أحكام اجتماعية على الآخرين:
هذا يُهجر، وهذا يُحذَّر منه، وهذا يُنصح بالابتعاد عنه، وهذا يُقرَّب، وهذا يُزكّى.

فكيف يتشكل هذا الهرم؟


الطبقة الأولى: المرجعية العليا

في قمة الهرم يأتي ربيع المدخلي بوصفه المرجعية الأكثر حضورًا في تشكيل الخطاب المدخلي المعاصر.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد عالم له مؤلفات وآراء، وإنما بموقع رمزي أصبح له تأثير واضح في تحديد المواقف من الأشخاص والجماعات والتيارات، وخصوصًا في مسائل التبديع والتجريح والهجر والتحذير.

ومن هنا تبدأ الحلقة الأولى في سلسلة النفوذ.


الطبقة الثانية: الحلقة الأقرب

ثم تأتي مجموعة من المشايخ والدعاة الذين يمثلون الحلقة الأقرب إلى المرجعية المدخلية، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:

محمد بن ربيع المدخلي، عبيد الجابري، أحمد بازمول وغيرهم.

وهذه الطبقة لا تقتصر وظيفتها على التعليم والشرح، بل يظهر لها حضور في نقل المواقف والتصنيفات وتحديد الموقف من عدد من الأشخاص والتيارات.

وهنا يبدأ انتقال السلطة من المرجعية الأصلية إلى شبكة أوسع من المتابعين.


الطبقة الثالثة: الدعاة والواجهات الإعلامية

ثم تأتي طبقة من الدعاة المعروفين في العالم العربي، ومن الأسماء التي ارتبطت بالخطاب المدخلي بدرجات متفاوتة:

محمد سعيد رسلان، محمود الرضواني، طلعت زهران وغيرهم.

وهذه الطبقة تؤدي وظيفة مهمة؛ لأنها تنقل الخطاب من دائرة المشايخ المتخصصين إلى جمهور أوسع، وتقدمه في صورة دروس ومحاضرات وردود وتحذيرات ومواقف من الأشخاص والجماعات.

وهنا يتحول الخطاب من مجرد أفكار إلى منظومة دعوية لها جمهورها ومصطلحاتها وطريقة خاصة في التعامل مع المخالف.


الطبقة الرابعة: المرجعيات المحلية

ثم نصل إلى طبقة المشايخ المعروفين داخل بيئاتهم المحلية، ومن الأسماء التي تبرز في الجزائر في هذا السياق:

محمد علي فركوس، وسليمان الرحيلي وغيرهما، مع اختلاف مواقع هؤلاء وأدوارهم العلمية والدعوية، وعدم افتراض تطابقهم في كل التفاصيل.

وهذه الطبقة مهمة لأنها تمثل بالنسبة إلى كثير من الأتباع الجسر بين الخطاب العام والواقع المحلي.

فالعامي لا يتعامل غالبًا مع المرجعية العليا مباشرة، وإنما يتلقى تصوراته من الشيخ الذي يراه ويسمعه ويقرأ له ويثق به.


الطبقة الخامسة: المشايخ المحليون

ثم تأتي طبقة المشايخ والدعاة المحليين، ومن الأسماء التي تُذكر في الجزائر:

لزهر سنيقرة، عبد الغني عويسات وغيرهما.

وهنا يصبح التصنيف أكثر ارتباطًا بالواقع اليومي.

فالقضية لم تعد مجرد نقاشات علمية بعيدة عن الناس، وإنما تبدأ في الظهور داخل المساجد، والدروس، والمجموعات المحلية، ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن هنا يبدأ الموقف من الشخص في التأثير على علاقاته الاجتماعية والدعوية، وعلى من يجالسه ومن يسمع له ومن يُنصح بالابتعاد عنه.


الطبقة السادسة: أئمة المساجد والناشطون المحليون

ثم تأتي طبقة أئمة المساجد والدعاة والناشطين الذين يتأثرون بالطبقات السابقة ويقومون بنقل خطابها إلى الجمهور المحلي.

وهؤلاء هم الأقرب إلى الناس.

فإذا صدر موقف من شخصية أعلى، فإن وصوله إلى عامة الناس لا يحتاج إلى أن يصلهم من المصدر الأصلي؛ إذ يكفي أن ينتقل عبر هذه الشبكة المحلية حتى يصبح:

"موقف المشايخ"
ثم يتحول إلى:
"موقف الإخوة"
ثم يصبح عند بعض الأتباع:
"الحق الذي لا يجوز مخالفته".

وهنا تكمن المشكلة التي تستحق التأمل.


الطبقة السابعة: حراس البوابة المحلية

وهذه من أكثر الطبقات إثارة للاهتمام.

ففي بعض البيئات المحلية تظهر فئة من الأتباع تتحول عمليًا إلى ما يشبه حراس البوابة.

ليسوا بالضرورة من أهل العلم، ولا أصحاب مؤلفات أو دراسات، لكنهم يعرفون:

من يُسمع له،
ومن لا يُسمع له،
ومن يُهجر،
ومن يُحذَّر منه،
ومن يُقرَّب،
ومن يُبعد.

وقد يصل الأمر في بعض البيئات إلى أن يصبح الاعتراف بالشخص داخل المجموعة مرتبطًا برضا هذه الدائرة الصغيرة عنه.

وهنا تظهر مفارقة عجيبة:

كلما ابتعد الشخص عن مراكز العلم، قد يقترب أحيانًا من مراكز النفوذ المحلي.

فيصبح الشخص الذي لا يستطيع مناقشة مسألة علمية معقدة قادرًا على إصدار حكم اجتماعي على عالم أو داعية.


الطبقة الثامنة: العوام المتمدخلون

وهؤلاء هم موضوعنا الأهم.

ويمكن تقسيمهم إلى عدة أنماط:

1 ـ المنفذون

وهم الذين يتعاملون مع الهجر والتحذير باعتبارهما مهمة فورية.

فبمجرد أن يسمع أحدهم حكمًا على شخص، ينتقل مباشرة إلى التنفيذ:

لا تجلس معه.
لا تسمع له.
لا تتابعه.
لا تأخذ منه.
احذّر منه.

ويصبح تنفيذ الحكم أهم من فهم أسبابه وأدلته.


2 ـ جامعو التجريحات

وهؤلاء لا يكاد يكون لهم شغل إلا متابعة:

من جُرّح؟
ومن رُدَّ عليه؟
ومن بُدِّع؟
ومن حُذِّر منه؟

وقد يتحول الهاتف عند أحدهم إلى أرشيف ضخم من المقاطع التي تتناول أسماء لا تكاد تنتهي.

ويصبح مقدار ما يحفظه من ملفات التجريح أكبر بكثير مما يحفظه من العلم الذي يحتاجه في عباداته ومعاملاته وأخلاقه.

وهنا يصبح السؤال:

هل الغاية من طلب العلم أن تعرف أخطاء الناس، أم أن تعرف الحق وتعمل به؟


3 ـ دعاة الواجهة الحسنة

وهؤلاء يختلفون عن النمط السابق.

فلا يبدأون معك بالتحذير والتجريح، ولا يفتحون معك أبواب الخصومة.

بل قد تجد عند بعضهم أخلاقًا حسنة، وانضباطًا، وحرصًا على الصلاة والعبادة، ومعرفة ببعض المسائل الشرعية البسيطة.

وهذا يجعلهم أكثر قدرة على جذب المتدين الجديد.

يبدأ الشاب معهم بحديث عن الصلاة والوضوء واللحية واللباس والتوحيد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى:

من هم العلماء الذين ينبغي أن يسمع لهم؟

ثم:

من هم العلماء الذين ينبغي الحذر منهم؟

وهكذا لا يدخل الشاب في المنظومة دفعة واحدة، وإنما قد يدخل إليها بالتدرج.

وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم ظاهرة التمدخل.


4 ـ أتباع الخوف

وهؤلاء لا يتبعون المنظومة دائمًا عن قناعة علمية راسخة، وإنما خوفًا من أن يُقال عنهم:

مميعون.
حزبيون.
أهل بدع.
منحرفون.
لا يعرفون السلفية.

فيتحول الخوف من التصنيف إلى وسيلة لضبط السلوك.

والمشكلة هنا أن الإنسان قد لا يسأل:

ما الدليل؟

بل يسأل:

ماذا سيقول الإخوة عني إذا خالفتهم؟

وهنا يتحول الاتباع من قناعة علمية إلى رقابة اجتماعية داخلية.


الطبقة التاسعة: المتمدخل الجديد

وهذه هي القاعدة الأوسع.

وهو الشخص الذي دخل حديثًا إلى البيئة المدخلية، وغالبًا ما يكرر عبارات من قبيل:

"يا أخي، أنا لست طالب علم."

"أنا لا أفهم في هذه الأمور."

"اسأل العلماء، نحن لا نعرف شيئًا."

"لولا العلماء لما عرفنا السلفية."

ولا مشكلة في أن يعترف الإنسان بجهله.

بل إن الاعتراف بالجهل فضيلة إذا كان طريقًا إلى التعلم.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الجهل إلى حصانة ضد المراجعة.

فهو لا يملك العلم الكافي للحكم على المسألة، ولكنه يملك الثقة الكافية للحكم على الأشخاص.

فإذا سألته:

ما دليلك؟

قال:

أنا لا أعلم.

وإذا سألته:

من قال لك ذلك؟

قال:

أحد الإخوة.

وإذا سألته:

أين المصدر؟

قال:

سمعته من المشايخ.

وهكذا تصبح دائرة المعلومات مغلقة:

شيخ → أخ → أخ → عامي → أخ.

ولا يكاد يدخل إليها مصدر خارجي إلا بعد المرور عبر البوابة نفسها.


المفارقة الأخطر

قد تجد شخصًا يقول:

"أنا لا أستطيع أن أفتي، أنا لست طالب علم."

ثم تجده في اللحظة نفسها يتحدث بثقة شديدة عن:

فلان مبتدع،
وفلان حزبي،
وفلان منحرف،
وفلان لا يُسمع له،
وفلان يجب هجره.

فإذا سألته عن الدليل قال:

"أنا لا أفتي، أنا فقط أنقل كلام العلماء!"

لكن أين النقل؟

ومن هو العالم؟

وأين كلامه؟

وما سياقه؟

وهل فهمه صحيح؟

وهل الحكم الذي نُقل عنه ثابت أصلًا؟

هنا تظهر المشكلة.

فـ التواضع العلمي الحقيقي يقتضي التثبت، لا مجرد ترديد ما تسمعه.


وهناك طبقة مختلفة تمامًا...

الطبقة المميزة: المتمدخل الذي لم يكتمل تمدخله

وهذه الفئة هي الأهم في نظري.

لأنها ليست بالضرورة فئة معاندة، ولا فئة متعصبة، ولا فئة مولعة بالتجريح.

بل قد يكون صاحبها:

محبًا للعلم،
حسن الخلق،
محبًا للقرآن والسنة،
حريصًا على اتباع السلف،
كارهًا للخصومات،
رافضًا للتنفير،
ومستنكراً لكثير من ممارسات الهجر والتبديع.

وقد تجده يقول بالموازنة، ويفرق بين الخطأ والبدعة، ولا يرى أن كل من وقع في البدعة يصبح مبتدعًا، ويستثقل الدخول في أعراض العلماء والدعاة.

وهذا الشخص ليس هو المشكلة الأساسية.

بل على العكس:

هذا هو الشخص الذي نكتب من أجله.

لأننا لا نريد أن ننتصر عليه في جدال.

ولا نريد أن نثبت له أنه سيئ.

ولا نريد أن نسقطه في خصومة جديدة.

بل نريد أن نقول له:

لقد يكون فيك من القدرة على طلب العلم أكثر مما تتصور، فلماذا تحبس نفسك داخل دائرة ضيقة؟


حين يتحول التخصص إلى سجن

قد تجد شابًا مجتهدًا في طلب العلم، يحفظ القرآن، ويحفظ المتون، ويقرأ في العقيدة، ويكرر دراسة بعض الكتب الأساسية مرات متعددة.

وهذا كله خير من حيث الأصل.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البدء بالعلم إلى نهاية للعلم.

فيظل الطالب يدور حول الكتاب نفسه، والمتن نفسه، والدائرة نفسها، سنوات طويلة، لأنه تلقى فكرة مفادها:

"تخصص في هذا الكتاب."

ولا بأس بالتخصص إذا كان مرحلة ضمن مشروع علمي متكامل.

لكن التخصص الذي يمنع الطالب من الانتقال إلى:

الفقه،
وأصول الفقه،
والحديث،
وعلوم القرآن،
والتفسير،
واللغة،
والسيرة،
ومقارنة الأقوال،
وفهم اختلاف العلماء،

ليس تخصصًا بقدر ما قد يصبح دورانًا داخل دائرة مغلقة.

والطالب الذي يحفظ كتابًا واحدًا ويكرر المتون نفسها عشرات المرات، بينما لا يتقدم في بقية العلوم، يحتاج إلى أن يسأل نفسه:

هل أنا أتقدم فعلًا في العلم، أم أكرر المرحلة نفسها؟


المشكلة ليست في حفظ القرآن ولا في دراسة المتون

بل العكس تمامًا.

حفظ القرآن من أعظم ما يمكن أن يشتغل به المسلم، ودراسة المتون المختصرة نافعة في بناء الملكة العلمية.

لكن العلم ليس حفظًا بلا توسع.

العلم أن تتعلم كيف:

تفهم النص،
وتجمع الأدلة،
وتعرف أقوال العلماء،
وتفهم أسباب اختلافهم،
وتفرق بين القطعي والظني،
وتعرف مواضع الاتفاق والخلاف،
وتتعلم أدب الإنصاف.

وهنا يبدأ الطالب في الانتقال من مرحلة:

"قال لي الشيخ"

إلى مرحلة:

"هذا هو الدليل، وهذه أقوال العلماء، وهذا وجه الاستدلال، وهذا سبب الاختلاف."

وهذا هو الانتقال الحقيقي من التلقي إلى الملكة العلمية.


لماذا نهتم بهذه الفئة تحديدًا؟

لأن بعض هؤلاء الشباب قد يمتلكون طاقات علمية حقيقية، لكنهم لم يكتشفوها بعد.

وقد يكون أكبر عائق أمامهم ليس ضعف القدرة، وإنما ضيق الدائرة التي يتحركون داخلها.

فتجد الشاب يملك الحماس، والوقت، والقدرة على الحفظ، والرغبة في التعلم، لكنه لا يرى أمامه إلا مجموعة محددة من الكتب والمشايخ والقضايا.

فتتكرر أمامه الأسماء نفسها، والقضايا نفسها، والردود نفسها.

ثم يظن أن العالم كله هو هذه الدائرة.

وهنا تأتي الحاجة إلى فتح الأبواب:

اقرأ أكثر.
اسمع أكثر.
قارن.
اسأل.
تثبت.
لا تجعل شخصًا واحدًا معيارًا لكل شيء.
ولا تجعل الانتماء إلى مجموعة بديلًا عن بناء العقل العلمي.


الخلاصة

المشكلة ليست أن يكون للإنسان شيخ يحبه، أو عالم يثق بعلمه، أو مدرسة علمية ينتسب إليها.

فهذه أمور عرفها تاريخ العلم الإسلامي.

المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام العالم إلى عصمة، والانتماء إلى جماعة إلى معيار للحق، ونقل الأحكام إلى بديل عن الدليل، والخوف من التصنيف إلى وسيلة لإسكات السؤال.

فليس كل من قال:

"أنا مع العلماء"

قد أصبح عالمًا.

وليس كل من قال:

"أنا لا أعرف"

قد امتنع عن الحكم.

وليس كل من رفع شعار:

"نحن نتبع السلف"

قد فهم فعلًا كيف كان السلف يتعاملون مع اختلاف العلماء وأخطائهم.

والأهم من ذلك كله:

لا تجعل ولاءك لمجموعة يمنعك من التعلم خارجها.

فالحق لا يحتاج إلى جدار يحميه من الأسئلة.

والعلم لا يخاف من المقارنة.

والعالم الراسخ لا يحتاج إلى أن يحبس طلابه داخل دائرة مغلقة حتى يحافظ على مكانته.

أما الطالب الذي يملك عقلًا متوقدًا، ورغبة صادقة في العلم، وحبًا للقرآن والسنة، فلا ينبغي أن يبقى أسيرًا لمرحلة واحدة من مراحل التلقي طوال حياته.

افتح له أبواب العلم.

دعه يقرأ.

دعه يقارن.

دعه يسأل.

دعه يكتشف بنفسه أن العلم أوسع من الأشخاص، وأكبر من الجماعات، وأرحب من دائرة "الإخوة".

فربما كان في هذا الشاب الذي ظن أنه مجرد تابع...

عالمٌ لم يجد بعدُ الطريق الذي يحرر طاقته.

سوسيولوجيا "التمدخل": قراءة في طبقات التيار المدخلي وهرمية أتباعه في الجزائر.

 

📌 طبقات المداخلة في الجزائر: سوسيولوجيا التبعية وتفريغ الطاقات (من الدرجة الخامسة فما تحتاً)

الواقع الدعوي للتيار المدخلي ليس كتلة واحدة، بل هو أشبه بنظام طبقي هرمي دقيق، تتوزع فيه الأدوار بدقة متناهية من الرأس إلى القاعدة. دعونا ن تفكك هذا الهرم لنرى كيف تبدو الصورة من الداخل:

🔹 الطبقة الأولى: ربيع المدخلي (المرجع الأعلى). 🔹 الطبقة الثانية: محمد المدخلي، عبيد الجابري، بازمول... ومن في فلكهم. 🔹 الطبقة الثالثة: محمد سعيد رسلان، الرضواني، طلعت زهران... الخ. 🔹 الطبقة الرابعة: فركوس، سليمان الرحيلي... الخ (مع ملاحظة صراع خفي يرفع "سنيقرة" للرابعة ويخفض "فركوس" للخامسة، رغم أن الأخير أعمق علماً بمراحل من مشايخ الطبقة الثانية، لكنها حسابات الولاء والواقع!). 🔹 الطبقة الخامسة: لزهر سنيقرة، عبد الغني عويسات... الخ. 🔹 الطبقة السادسة: أئمة المساجد الموالون لأصحاب الطبقة الخامسة. 🔹 الطبقة السابعة: أصحاب المهن البسيطة (باعة الفول، الشاي، والأقمصة في المدن والبلديات). علاقتهم بالسلطة الأمنية أو العسكرية محلية وضيقة (على مستوى البلدية أو الحي). ⚠️ (هذه الطبقة الخطيرة هي التي تصدر "قرارات الهجر والتحذير" محلياً! عندها تُعلن توبة "الطبقة الثامنة" ويُوثق الانتماء، فإن رضوا عنك، زكوك عند أئمة الطبقة السادسة لتصبح "معروفاً" لديهم).

🛑 الطبقة الثامنة: "عوام المداخلة" (موضوع مقالنا)

وهؤلاء أصناف شتى، يتصدرون المشهد بالتعطيل والتنفير، وينقسمون إلى:

  1. المنفذون الأوائل: سدنة الهجر الفوري، والمبالغون في إظهار الحقد، وسب المخالفين والتنفير منهم محلياً.

  2. أرشيف الجرح والتعديل: قوم لا هم لهم سوى تناقل قضايا التجريح! تجد في هواتفهم (64 جيجابايت) ممتلئة بفيديوهات تجريح لأشخاص لا تكاد تستوعب وجودهم على وجه الأرض.

  3. صيادو المتدينين الجدد (وجه الصلاح): وظيفتهم تحسين صورة المشايخ وتجنب الكلام في المخالفين إلا ضرورة. يتمتعون بقدر من الأخلاق والهدوء يطمئن إليه المتدين الجديد، فيستدرجونه لكتب ومشايخ التيار، ولديهم حصيلة علمية خفيفة (أحكام اللحية، الجلباب، الوضوء) مع دعوة توحيد سطحية توافق الحق في كلياتها، فينقاد لهم العامي ويتحول للطبقة التاسعة.

  4. الإمعة الخائفون: قوم اتبعوا التيار خوفاً من التبديع أو التجريح! مهووسون بفكرة "الإخوة"؛ فكل ما يفعله الإخوة.. يفعله هؤلاء بلا تفكير.

🧩 الطبقة التاسعة: "العوام المتمدخلون حديثاً"

هم أولئك الذين يصدعون رأسك بعبارات جاهزة ومحفوظة:

  • "يا أخي أنا لست حتى طويلب علم!"

  • "يا أخي ليس لدي علم، اسأل العلماء!"

  • "لولا العلماء لما عرفنا السلفية!"

هم محاطون بحصن منيع من الجهل يحميهم من أي فكرة دخيلة (سواء كانت حقاً أو باطلاً). ومن حسناتهم أنك لا تخاف عليهم من التصوف أو التشيع، ليس لأنهم حققوا المسائل، بل لأنهم "أغلقوا آذانهم تماماً". تجده يبدع عالماً قضى عمره كله في طلب العلم، وحين تناقشه يردد: "أنا لا علم لي!"

ومما يثير العجب، أن أحدهم يفتي بكل أريحية في مسألة "يتصبب الألباني عرقاً" قبل الخوض فيها، فإن سألته عن الدليل قال: "لا أعلم!"، عن العالم قال: "لا أعلم!"، وعن المصدر؟ يقول لك بفخر: (#قال_لي_أخ)! فليس لهم شيوخ حقيقيون سوى أفراد (الطبقة الثامنة)، وكأن باقي علماء المسلمين أعداء لهم.

💎 "الطبقة المميزة": المكبولون في قفص الوهم

هذا الصنف هو الذي نكتب من أجله هذه الكلمات، راجين الله أن يفك قيودهم: هم أناس طيبو الأخلاق، سلفيو الأصول بسلامة فطرة، يقولون بالموازنات، وحمل المجمل على المفصل، ويستنكرون الهجر ويحبون التراحم، ويرون عوار المداخلة لكنهم يظنونها "أخطاء أفراد" لا منهج تيار!

ووالله، لقد عرفت رجُلاً منهم يفوق اجتهاده في طلب العلم اجتهاد ربيع المدخلي نفسه، لكنه "حُطِم ومُلك استباقياً"! منذ خمس سنوات وهو يعيد قراءة "كتاب التوحيد" وحدة تلو الأخرى بشروح مختلفة، ويمنعونه من الانتقال بحجة كذبة "التخصص في كتاب التوحيد"! يحفظ المتون الصغيرة والقرآن الكريم بغزارة، لكنه أسير تلك المرحلة لأنه فاق أصحابه علما وهو لا يدري، وهم لا يسمحون له بالمرور فتعطل!

رسالتي لهذا الصنف: نكتب لكم لا لنراكم في ضلال، بل لكي تتفجر طاقاتكم المكبوحة فتُبهروا العالم. أنتم تكرهون التجريح وتمقتون التبديع، لكنكم ترفضون الاستماع لغيرهم وتسقطون عند أول نقاش جاد. لو حررتم هذه الطاقات في قراءة الكتب العلمية الرصينة لبلغتم شأناً عظيماً، بدلاً من اجترار التكرار الدائم (اللهم إلا حفظ القرآن وتجويده، وتفسير السعدي المبارك). حرروا عقولكم، فالعلم أوسع بكثير من أسوار "التمدخل".

ربيع المدخلي يحذّر من الفرقة… يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟

 

ربيع المدخلي يحذّر من الفرقة…

ولكن ماذا عن قواعد التجريح والتصنيف؟

من أكثر المفارقات التي تستحق التوقف في الخطاب المدخلي المعاصر أن الحديث عن الفرقة والتشتت والانقسام يزداد كلما ازداد الانقسام داخل التيار نفسه.

وفي سياق الخلافات التي وقعت بين بعض رموز التيار المدخلي في الجزائر، نُقل عن ربيع المدخلي قوله:

«نحن ما عرفنا مثل هذا التمزق والتفرق، والله الفتنة الآن تكتنف السلفية والسلفيين في العالم».

وقال أيضًا:

«ما مر مثلها؛ لأن الرؤوس كثرت، وحب الزعامات انتشر مع الأسف».

ثم قال:

«والمدسوسون بين صفوف السلفيين كثر فمزقوا السلفيين شذر مذر».

ثم دعا إلى الحذر من الفرقة والتآخي.

وهنا لا بد من التوقف قليلًا…

ليس اعتراضنا على الدعوة إلى الأخوة ونبذ الفرقة؛ فهذه دعوة صحيحة في أصلها.

لكن السؤال الأهم هو:

كيف نعالج الفرقة إذا كانت بعض قواعد التعامل مع الخلاف نفسها قابلة لإنتاجها؟


أولًا: لماذا أصبحت قضية «الفرقة» مرتبطة بالسلفيين وحدهم؟

حين يقول ربيع المدخلي:

«الفتنة الآن تكتنف السلفية والسلفيين في العالم»

فإن أول سؤال يطرح نفسه:

ماذا عن الأمة الإسلامية كلها؟

فالفرقة ليست مشكلة جماعة محددة، والوحدة ليست مشروعًا خاصًا بتيار بعينه.

وإذا كان المقصود بالسلفية جميع من ينتسب إلى منهج السلف، فإن دائرة الخلاف ينبغي أن تتسع للنقد والنقاش والاجتهاد.

أما إذا أصبح اسم «السلفية» لا يطلق إلا على من وافق مجموعة معينة في الأشخاص والمواقف والتصنيفات، فإن الأمر يتحول تدريجيًا من:

الاجتماع على منهج

إلى:

الاجتماع حول دائرة من الأشخاص.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالسؤال ليس فقط:

من هو السلفي؟

بل الأهم:

من يملك حق إخراج المسلم من هذه الدائرة؟ وبأي معيار؟


ثانيًا: هل هذه أول فتنة في تاريخ التيار المدخلي؟

يصف ربيع المدخلي الخلاف الحالي بأنه من أشد ما مر بالسلفيين.

لكن هذا الوصف يفتح بابًا آخر للسؤال:

وماذا عن الخلافات والانقسامات السابقة؟

لقد عرف التيار خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من النزاعات، وظهرت فيه أسماء وتصنيفات متعددة:

فالح الحربي… أبو الحسن المأربي… علي الحلبي… يحيى الحجوري… ثم الصعافقة والمصعفقة… وغيرهم.

وقد تختلف الأطراف في تفسير كل قضية من هذه القضايا، وفي تحديد المسؤولية عنها.

لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها:

الانقسام ليس حادثة طارئة.

فإذا تكررت الظاهرة مرة بعد أخرى، فإن الاقتصار على البحث عن «المتسبب في الفتنة الأخيرة» لا يكفي.

بل ينبغي أن نسأل سؤالًا أعمق:

هل المشكلة في الأشخاص فقط، أم أن في طريقة إدارة الخلاف نفسها ما يسمح بإعادة إنتاج الانقسام؟


ثالثًا: «كثرة الرؤوس»… أم غياب ثقافة الاختلاف؟

يقول ربيع:

«الرؤوس كثرت، وحب الزعامات انتشر».

قد يكون حب الزعامة سببًا من أسباب النزاع في أي جماعة بشرية.

لكن هناك سؤالًا لا يقل أهمية:

هل علاج التعدد هو إلغاء التعدد؟

وهل وجود أكثر من عالم أو داعية أو طالب علم يعني بالضرورة أن الجماعة ستتفرق؟

إن الاختلاف في الفهم والاجتهاد أمر عرفته الأمة منذ عصر الصحابة والتابعين، ولم يكن كل اختلاف يؤدي إلى القطيعة والتبديع والهجر.

المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود رأي مستقل عن رأي الشخص أو المجموعة المركزية تهديدًا للهوية بدل أن يكون اختلافًا علميًا قابلًا للنقاش.

فإذا كان كل من استقل برأيه عُدَّ «رأسًا» مذمومًا، وكل من خالف المركز عُدَّ سببًا للفرقة، فإن الوحدة تصبح في النهاية مرادفة للتبعية.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل نريد وحدةً تقوم على الدليل، أم وحدةً تقوم على الأشخاص؟


رابعًا: «المدسوسون»… هل يفسرون كل الانقسامات؟

من العبارات التي تستوقف النظر أيضًا:

«المدسوسون بين صفوف السلفيين كثر فمزقوا السلفيين شذر مذر».

قد يوجد في أي خلاف من يستغل النزاع أو يزيده اشتعالًا.

لكن هل يكفي هذا لتفسير ظاهرة الانقسام المتكرر؟

إذا وقعت المشكلة مرة، فقد يكون التدخل الخارجي تفسيرًا محتملًا.

أما إذا تكررت الخلافات عشرات المرات، وتكرر معها السيناريو نفسه:

خلاف → تجريح → تصنيف → اصطفاف → هجر → انقسام → ظهور مجموعة جديدة

فهنا يصبح من المشروع أن نراجع البنية الداخلية التي أنتجت هذا النمط.

فبدل أن نسأل دائمًا:

من دسَّ بيننا؟

ينبغي أن نسأل أيضًا:

ما القواعد التي تجعل خلافنا قابلًا للتحول إلى انقسام؟


خامسًا: هنا تكمن المشكلة… في «قواعد» التعامل مع المخالف

من أكثر القواعد إثارة للجدل في هذا الباب قاعدة:

«من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع».

وكذلك امتحان الناس بمواقفهم من أشخاص معينين، بحيث يصبح موقف الإنسان من فلان أو علان معيارًا للحكم عليه.

وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:

نقد الخطأ

وبين:

تحويل الأشخاص إلى موازين للولاء والبراء.

فالعالم قد يخطئ.

والداعية قد يخطئ.

وطالب العلم قد يخطئ.

وقد يختلف المسلم مع حكم عالم أو نقده لشخص آخر دون أن يلزم من ذلك أن يكون قد أصبح مبتدعًا أو ضالًا.

أما عندما يصبح التسلسل هكذا:

لم توافقني → إذن أنت مخطئ → لم توافق حكمي على فلان → إذن أنت منحرف → دافعت عنه → إذن أنت مبتدع → لم تتبرأ منه → فأنت مثله…

فإن دائرة الخلاف لن تتوقف عند أحد.

بل ستتوسع باستمرار.


سادسًا: لا تجعلوا الأشخاص ميزانًا للحق

المشكلة الأكبر تظهر عندما تتحول مكانة شخص معين إلى ميزان يُقاس به الناس.

فليس من أصول الإسلام أن يكون موقف الإنسان من عالم أو داعية معين هو الذي يحدد مصيره الديني.

قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[النجم: 32]

وقال سبحانه:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: 44]

وهذه الآية الأخيرة تضع أمامنا قاعدة عظيمة في مراجعة الخطاب الديني:

قبل أن نطالب الآخرين بما نطالب به، علينا أن ننظر: هل نطبّق المعيار نفسه على أنفسنا؟

فإذا كانت الدعوة:

«لا تتفرقوا».

فالسؤال:

هل طريقة التعامل مع المخالف تساعد على الاجتماع أم تزيد الانقسام؟

وإذا كانت الدعوة:

«تآخوا».

فالسؤال:

هل قبول المخالف والنقد المتبادل جزء من هذه الأخوة، أم أن الأخوة مشروطة بالموافقة؟

وهنا تكون الآية تذكيرًا بالمبدأ، لا حكمًا على نيات الأشخاص.


سابعًا: المفارقة الكبرى: «لا تتفرقوا»… ولكن بشرط!

لنفرض أن شخصًا اختلف مع ربيع المدخلي في الحكم على عالم أو داعية.

هل يستطيع أن يبقى أخًا، مع بقاء الخلاف؟

أم يجب أن يتخذ موقفًا محددًا؟

وإذا اختار موقفًا مخالفًا، فهل يصبح:

مبتدعًا؟

أو:

ضالًا؟

أو:

خارجًا عن السلفية؟

إذا كان الأمر كذلك، فكيف نطلب بعد ذلك من الناس ألا يتفرقوا؟

إن الدعوة إلى الوحدة لا تكون مؤثرة بمجرد تكرار عبارة:

«لا تتفرقوا… تآخوا».

بل تحتاج إلى منهج يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى قطيعة.

فالناس ليسوا ملزمين بأن يتطابقوا في كل مسألة.

والعلماء ليسوا معصومين.

والاختلاف العلمي لا يساوي بالضرورة الانحراف.


ثامنًا: «الفرقان» لا يعني تحويل الأمة إلى جماعات متناحرة

وقد يقول قائل:

نحن لا نفرق بين المسلمين، وإنما نفرق بين الحق والباطل، والقرآن هو الفرقان.

وهذا صحيح من حيث الأصل.

لكن ينبغي الانتباه إلى الفرق الكبير بين:

التفريق بين الحق والباطل

وبين:

التفريق بين المسلمين بسبب مسائل الخلاف والاجتهاد.

القرآن يبين الحق من الباطل.

لكن تنزيل الأحكام على الأشخاص ليس عملية آلية بمجرد العثور على خطأ أو مخالفة.

فالقول قد يكون باطلًا، ولا يلزم من ذلك أن كل من قاله يأخذ الحكم نفسه في كل حال.

والخطأ قد يقع فيه العالم، ولا يلزم من وقوعه فيه أن تُهدم مكانته كلها.

والاختلاف مع العالم لا يعني إسقاطه.

وهذه المساحات الدقيقة هي التي تضيق كلما اتسعت ثقافة التصنيف.


تاسعًا: من الذي يصنع الفرقة؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب:

إذا كانت كل مجموعة تلقي مسؤولية الانقسام على خصومها، فمن الذي يراجع المنهج نفسه؟

حين ينقسم أتباع التيار إلى:

هذا مع فلان… وهذا مع فلان… وهذا مع الصعافقة… وهذا مع المصعفقة…

ثم يبدأ كل فريق في إسقاط الآخر وتصنيفه؛ فإن تكرار هذه الظاهرة يستحق دراسة أعمق من مجرد اتهام الطرف الآخر.

لأن المشكلة قد لا تكون في أن:

«فلانًا خرج عن المنهج».

بل ربما يكون السؤال:

لماذا يسمح هذا المنهج بإخراج كل مخالف بسرعة من دائرته؟

ولماذا يصبح الخلاف في بعض المسائل سببًا في انهيار العلاقات العلمية والدعوية؟

ولماذا يتحول النقد من مناقشة فكرة إلى محاكمة شخص؟


عاشرًا: لا يمكن أن تعالج الفرقة بالأدوات التي صنعتها

وهنا تظهر المفارقة كاملة.

إذا كانت الأدوات المستخدمة في التعامل مع الخلاف هي:

التصنيف، والتجريح، والامتحان بالأشخاص، والهجر، والإقصاء، وربط الولاء بالمواقف من أفراد معينين…

ثم قيل بعد ذلك:

«لماذا تفرقتم؟»

فالسؤال الذي يفرض نفسه:

أليست بعض هذه الأدوات نفسها جزءًا من المشكلة؟

إن من يضع الناس دائمًا أمام خيارين:

إما أن توافقني… أو أنت ضدي

سيكتشف في النهاية أن الذين كانوا معه قد يصبحون ضده، ثم ينقسم الذين بقوا معه إلى مجموعات أصغر، وهكذا تستمر الدائرة.


الخلاصة

ليست المشكلة في أن يحذر ربيع المدخلي من الفرقة.

ولا في أن يدعو إلى الأخوة.

ولا في أن يحذر من التعصب للزعامات.

كل هذه المعاني صحيحة من حيث الأصل.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو:

هل تكفي الدعوة إلى الوحدة إذا بقيت قواعد التعامل مع الخلاف على حالها؟

إذا كان المطلوب فعلًا هو جمع الكلمة، فلا بد من مراجعة:

ثقافة التصنيف.

وثقافة الامتحان بالأشخاص.

وثقافة التبديع عند الخلاف.

وثقافة الهجر والإقصاء.

وتحويل الموقف من الدعاة والعلماء إلى معيار للولاء والبراء.

فالاجتماع الحقيقي لا يعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة.

والأخوة لا تعني إلغاء الاختلاف.

والسلفية — إن أريد بها اتباع السلف — لا ينبغي أن تتحول إلى أسماء وأشخاص ودوائر مغلقة.

فإذا كنا نأمر الناس بالبر، فلنسأل أنفسنا أولًا: هل نمارس ما نأمر به؟

وإذا كنا نحذر الناس من الفرقة، فلنسأل:

هل راجعنا القواعد التي تجعل الفرقة تتكرر؟

فربما لا يكون علاج الانقسام في البحث عن «مفرّقين» جدد…

بل في مراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف من أساسها.

لأن الأمة لا تجتمع بإلغاء المخالف، وإنما تجتمع بالعدل معه، والرجوع إلى الدليل، وتوسيع دائرة الأخوة، وعدم جعل الأشخاص موازين للحق.