الأحد، 19 أبريل 2026

خلاصه الكلام فى اللحيه ...(الالموني)

خلاصه الكلام فى اللحيه



--------------------------------------------------------------------------------

1-قول جمهور العلماء الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية تحريم حلق اللحية.

2-قول جمهور الشافعية وبعض المالكية بكراهةحلق اللحية وتبعهم بعض المعاصرين كالشيخ القرضاوي وغيره

3-قول بعض الحنفية المتأخرين باستحباب إعفاء اللحية وليس الوجوب وتبعهم عليه بعض المعاصرين كالشيخ جادالحق -شيخ الأزهر السابق

4-قول بعض المعاصرين بأنه اعفاء اللحية من العادات فقط كالشيخ شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة -رحمهما الله- وغيرهما.

 

وتفصيله: 

أولا:حكم اللحية:

جمهور الفقهاء من أحناف ومالكية وحنابلة وقول عند الشافعية على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها والكلام في هذه المسألة قليل جدا في كتب الفقه المذهبية والمستقلة وذلك لأنه لم يكن بهم حاجة للخوض في هذه المسألة لأن المجتمع كله-تقريبا-كان ملتحيا عادة أكثر منه عبادة فلم تكن بهم حاجة لحلقها.

 

,من المعروف أن المعتمد عند الشافعية كراهية حلق اللحية لا حرمته . 

ذكر ذلك شيخا المذهب الشافعي: الإمام النووي والإمام الرافعي، وأقرهم عليه المتأخرون كابن حجر الهيتمي والرملي وهما عمدة من جاء بعدهم في الفتوى على المذهب .

 وانظر كلام الرملي في الفتاوى المطبوعة بهامش فتاوى ابن حجر 4/ 69: 

‏( باب العقيقة ) ( سئل ) هل يحرم حلق الذقن ونتفها أو لا ؟ ( فأجاب ) بأن حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام , وقول الحليمي ‏في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف .‏

 

,والقول بالكراهة لحلق اللحية صرح به في كتاب الشهادات البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب لمتن أبي شجاع في الفقه الشافعي.

,وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى كما في شرح مسلم (1/154( :"يكره حلقها وقصها وتحريقها أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن". 

, وقد قال شطا الدمياطي في حاشيته النفيسة في المذهب "إعانة الطالبين" 2 / 240 عند قول الشارح (ويحرم حلق اللحية) ما نصه :

" المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام _ أي القاضي زكريا الأنصاري كما هو اصطلاح المتأخرين _ وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب _ أي الشربيني _ وغيرهم الكراهة ." 

وأما فتاوى العلماء المعاصرين فأغلب علماء السعودية على حرمة حلقها –

فتوى رقم 1:

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق -رحمه الله تعالى- : 

من المسائل الفقهية الفرعيَّة: موضوع اللحية، حيث تَكاثر الخلاف حولها بين الإعْفاء والحلْق، حتى اتَّخذ بعض الناس إعفاء اللحية شعارًا يُعرف به المؤمن من غيره.والحق أن الفقهاء اتفقوا على أن إعفاء اللحية، وعدم حلْقها مأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كانت له لِحيةٌ يُعنَى بتنظيفها وتخليلها، وتمشيطها، وتهذيبها لتكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.

وقد تابع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما كان يفعله وما يختاره.

وقد وردت أحاديثُ نبوية شريفة تُرغِّب في الإبقاء على اللحية، والعناية بنظافتها، وعدم حلْقها، كالأحاديث المُرغِّبة في السواك، وقصِّ الأظافر، واستنشاق الماء..

وممَّا اتفق الفقهاء عليه ـ أيضًاـ أن إعْفاء اللحية مَطلوب، لكنهم اختلفوا في تكييف هذا الإعفاء، هل يكون من الواجبات أو مِن المندوبات، وقد اختار فريق منهم الوجوب، وأقوى ما تمسَّكوا به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب".

وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "احْفُوا الشوارِبَ واعْفُو اللِّحَى". حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ، والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْ: إعفاءها واجبٌ.

وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأن إعفاء اللحية سُنَّة يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، وحلْقها مَكروه، وليس بحرام، ولا يُعَدُّ مِن الكبائر، وقد استندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف ". ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء). قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.

البدعةالثانية:

التخاصم والتفرق والتنابزبسبب هذا الاختلاف ورمى المخالف بالتبديع والتفسيق والتضليل والتكفير.

وهذافيه شق لأمر الأمة خاصة في مثل الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي اليوممنضعف واستهداف من قبل أعدائه، فهم بذلك يسهلون العدو دورة، بدلاً من التآلفوالتلاحمووحدة الصف.

وقدجاءت الآيات والأحاديث الكثيرة تدعو إلى الوحدة وتحذرمنالتفرق وتتوعد من يعمل على تفريق الأمة واضعاً فهما.

(واعتصموا بحبل اللهجميعاًولا تفرقوا).

(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ويحكم).

نخرجمن هذا بأناللحيةأوحلقها من الأمور المختلف فيها- كما تقدم-ولذلكفمن أطلق لحيته أخذاً برأي من قال بوجوب إطلاقها- جزاه الله على فعله إحساناًولكنلا يجوز له أن ينكر على من أخذ بالآراء الفقهية الأخرى أو رميه بالفسق أوالابتداعأو غيره لأنه يلزمه بذلك أن يرمى الصحابة والتابعين الذين أطالوا شواربهمأوحلقوها تماما أو تركوا الصبغ أو صلوا حفاة بأنهم مبتدعون أو واقعون في الحرام،وهذاخطر عظيم يقع فيه من لم يحيطوا بعموم المسائل.والله تعالى أعلى وأعلم.

 

بالنسبة لتطبيق الحكم فالأمر يختلف أنا شخصيا اعمل وافهم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية فيكتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)(ص 176-177) في معرض حديثه عنمخالفة الكفار في الهدي الظاهر يقول رحمه الله وأجزل مثوبته: 

((إن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كانالمسلمونفي أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرعذلكومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورابالمخالفةلهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجبعليهأن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلىالدينوالإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحوذلكمن المقاصد الصالحة.

فأمافي دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيهادينهوجعل على الكافرين بها الصغار والجزية:ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقةوالمخالفةلهم باختلاف الزمان ظهر حقيقة الأحاديث من هذا))أ.هـ. 

والله تعالى أعلم.

وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية ـ على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته ـ بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا "خالِفوا المُشركين..".

وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم". (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي) مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري، وعزَّزوا رأيهم بما جاء في كتاب نهج البلاغة : سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: "غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود". فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..

مِن أجل هذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحْية ما قيل في الصبْغ مِن عدم الخُروج على عرف أهل البلد لكان أولَى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظُروف الشخص وتقديره لمَا كان في ذلك بأس.

وقد قيل لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ وقد رُؤي لابسًا نَعْلَيْنِ مَخْصُوفيْن بمَسامير ـ إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرِهَا ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالرهبان فقال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبسُ النعال التي لها شعْر، وإنها مِن لبس الرهبان...

وقد جرَى على لسان العلماء القول: بأن كثيرًا ممَّا ورَد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذه الخِصال يُفيد أن الأمر كما يكون للوُجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدِّين إنما تَحرُم فيما يُقصد فيه الشبه بشيء مِن خصائصهم الدينية، أمَّا مُجرَّد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأْس بها ولا كَراهة فيها ولا حُرمة.

لمَّا كان ذلك كان القول بأن إعفاء اللحية أمر مَرغوب فيه، وأنه من سُنَن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها مقبولاً، وكان مَن أعفَى لحْيته مُثابًا، ويُؤجَر على ذلك، ومَن حلَقها، فقد فعل مَكروهًا، لا يأثَمُ بفِعله هذا اعتبارًا لأدلة هذا الفريق.

والله أعلم.

ويقول الدكتور/محمد سيد أحمد المسير-أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر-:

اختلف العلماء في حكم إطلاق اللحية، والذي نراه ونطمئن إليه أنها سنة تُفعل عند المقدرة وعدم الموانع، ويستطيع كل إنسان أن ينوي إطلاقها إذا كان غير مطلقٍ لها، ويتخير الوقت المناسب لإطلاقها إذا كان يجد في مجتمعه أو بيئته بعض الموانع والمضار، وليس الأمر يتوقف على المظهر وحده إنما نحن في حاجة إلى مخبر ومظهر، وإلى عقيدة وسلوك ولا ينبغي أن تكون مثل هذه الموضوعات المتعلقة باللحية أو الثوب القصير أو الإسبال مصادر خلافات ومنازعات، فإن قضايا الإسلام أعمق من ذلك كله، وهناك أولويات في فقه الدعوة يجب أن نراعيها حتى لا تتبدد الجهود ونستهلك الوقت والعقل فيما لا طائلة من ورائه، والله أعلم . 

 

,ويقول الشيخ عبد الرزاق القطان -مقرِّر هيئة الفتوى والرقابة الشرعيَّة ببيت التمويل الكويتي-:

اللحية معدودة في السنن المؤكدة عند جمهور العلماء، على خلاف في ذلك بين موجب وغير موجب، مع أنه لم ير بعض الفقهاء شيئاً في حلقها لغير عذر. 

وأما حلقها لعذر؛ سواء كان بدنياً من مرض حساسية مثلاً، أو غيره، أو كان عذراً عاماً: كمتطلبات مهنة، أو متطلبات أمن، فإن حالقها معذور.

 وأما طولها؛ فليس فيه نص يوجب حدًّا معيناً؛ لأن التوجيه في الحديث إلي مطلق الترك. ومعلوم أن من ترك لحيته، ولو شيئا يسيراً؛ فهو يقع في مفهوم مطلقي اللحية، إلا أنه ثبت أن لحية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت على عادة أهل زمانه عظيمة وافرة، وكذلك كانت لحى أصحابه (رضوان الله عليهم). 

وقد ورد أن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) كان إذا فرغ من موسم الحج قبض بيده على لحيته، ثم أخذ ما زاد عن ذلك. 

على أنه ينبغي التنبه إلي قضية هامة، وهي أنه لا يمكن إلزام جميع المسلمين بقول واحد في المسائل الخلافية، كما أنه لا يجوز أن يشنع المسلم على الآخرين إذا خالفوه في مسائل الخلاف.

ويقول فريق من الباحثين:

وردت أحاديث كثيرة في أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحية مقروناً بالأمر بمخالفة المشركين أو المجوس أو اليهود والنصارى كحديث ابن عمر مرفوعاً (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) متفق عليه وجاء في اللحية (اعفوا أوفوا وأرخوا وارجوا ووفروا) ومعناها كلها تركها على حالها.

ومع ذلك فقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الأخذ من اللحية أو نتفها أو حلقها أو إطلاقها دون أخذ منها، وما بين منكر لنتفها أو حلقها وجعل ذلك بدعة محرمة وبين مجيز لذلك وجعله من سنن الفطرة التي هي من المستحبات أو المكروهات ومنهم من قال هي سنة واجبة ومنهم من جعلها سنة مؤكدة ومنهم من جعلها من المستحبات ومنهم من جعلها من سنن العادات- عادت القوم والبيئة- ومنهم من جعلها من خصائص النبي.

وكل هؤلاء علماء مجتهدون على مختلف العصور، ولم ينكر بعضهم على بعض اجتهادهم وإنما قبلوا هذا الاختلاف الذي هو نوع اختلاف التنوع وليس التضاد.

وهذا الخلاف ناتج من فهم العلماء للأمر في الحديث; فالحديث يشتمل على نوعين من الأمور: الأمر الأول بمخالفة المشركين وهذا الأمر يفيد الوجوب حتماً لأن الكثير من الآيات والأحاديث شددت في ذلك وتوعدت عمن لا يخالفهم تديناً كما سردها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم. أما الأمر الآخر فهو مخالفتهم في بعض السمات والمظاهر كاللحية والشارب. فهل الأمر الأخير ينزل كالأول منزلة الوجوب أم أن للندب أم للعادة أم للإشادة. هذا هو مناط الإختلاف بين العلماء،.

ولكي نحرر موضع النزاع هذا ننظر إلى أقوال العلماء فيما شابه هذا الحديث، فقد وردت أحاديث أخرى فيها الأمران معاً الأول بالمخالفة والأخر بتعيين صفة ما لتحقيق هذه المخالفة، مثل حديث أبن عباس مرفوعاً وأن اليهـود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود، وفى رواية للترمذي (وغيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) ومع ذلك فقد اتفق الجميع على وجوب مخالفتهم خاصة في ما يتعلق بأمور دينهم، ولكن العلماء والصحابة والسلف الصالح قد اختلفوا في الخضاب وجنسه، فقال بعضهم ترك الخضاب أفضل، وبعض الصحابة خضب وأخرون لم يخضبوا.

وقال الطبري: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهى في ذلك للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض (نيل الأوطار 1/ 141) وشرح النووي على مسلم (14/80).

وقال القاضي عياض: وقال غيره يعنى غير الطبري من العلماء- هو على حالين فمن كان في موضوع عادة أهل الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكره، والثاني أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب، فمن كان شيبته تكون نقية احسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستبشع فالصبغ أولى. 

 

وكذلك حديث الصلاة في النعال ومخالفة اليهود.

فلم يقل أحد بوجوب الصلاة في النعال وإن كان الجميع متفقون على وجوب المخالفة.

بل حديث اللحية نفسه، جمع اللحية والشارب معاً في مخرج واحد (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى) رواه أحمد ومسلم عن أبى هريرة (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) متفق عليه عن ابن عمر.

ومع ذلك فقد اختلف العلماء في تطبيقه، فكثير من السلف والكوفيين كأبي حنيفة وزفر وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وكذلك أحمد وأصحاب الشافعي كالمزني والربيع المرادي كل هؤلاء ذهبوا إلى استئصال الشارب وحلقه لظاهر قوله (احفوا وانهكو) وذهب مالك وآخرون إلى منع الحلق والاستئصال، وكان مالك يرى تأديب من حلقه وروى عن ابن القاسم تلميذ مالك أنه قال (إحفاء الشارب مثله) وبعضهم يرى قص ما طال عن الشفتين، وهو ما اختاره مالك والنووي من المتأخرين، وفى رواية عن أحمد أنه ساوى بين الإحفاء والقص وما فيهما لا بأس.

راجع نيل الأوطار للشوكاني (1/138)

إذاً لماذا أختلف العلماء في فهم الأمر بإحفاء الشارب حتى قال بعضهم إن الإحفاء مُثْلَهَ وكلمة الإحفاء هي نص الحديث في إحدى الروايات، لعل ذلك راجع إلى العرف أو البيئة وفهم الأمر الذي هو عندهم للإرشاد كوسيلة من وسائل المخالفة وإلا ما اختلفوا هذا الاختلاف.

وفى مثل هذه الأحاديث عقب الأمر بالوصف المشتق المناسب وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع وهو العلة في هذا الحكم كما يقول ابن تيمية وغيره ويقول: ولهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبى من هدى المجوس، وضرب مثلاً بكراهة أحمد لحلق القفا لأنه من فعل المجوس وانزل المفهوم من حديث اللحية منزلة حديث صبغ الشيب فقال والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله (لا يصبغون فخالفوهم) (اقتضاء الصراط المستقيم/ 59) وهذا هو الحق فكل أحاديث المخالفة تحتوى شقين:

الأول: وجوب المخالفة للمشركين في هديهم وما يتعلق بدينهم وعبادتهم وهذا لا خلاف فيه.

الثاني: الإرشاد إلى بعض الجوانب والمظاهر التي بها يحصل التميز وتظهر المخالفة ويمكن الجمع بين الأمرين بأنه على المسلم أن يأتي عملاً أو مظهراً أو سلوكاً يظهر منه التميز عن المشركين وليس شرطاً وجوب الامتثال بالمخالفة في اللحية أو الصبغ أو الصلاة في النعال، بدليل أن الصحابة كثير منهم لم يصبغوا ولم يصلوا في النعال ولم يلتزموا هيئة واحدة في الشارب بل روى مالك عن عمر أنه كان إذا غضب برم شاربه لذلك يقول الشيخ محمود شلتوت ونحن لو تمشينا مع التحريم لمجرد المشابهة في كل ما عرف عنهم من العادات والمظاهر الزمنية لوجب علينا الآن تحريم إعفاء اللحى لأن شأن الرهبان في سائر الأمم التي تخالف في الدين، ولوجب الحكم بالحرمة على لبس القبعة وبذلك تعود مسألتها جذعة (أصلية ) بعد أن طوى الزمن صفحتها، وأخذت عن الناس مسلك الأعراف العامة التي لا تتصل بتدين ولا فسق ولا بإيمان وكفر.

ويقول: والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل على استحسان البيئة فمن(وجدت) بيئته على استحسان شئ منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة راجح الفتاوى للشيخ شلتوت ص( 129)

وقد روى ابن كثير في تاريخه في فتح بيت المقدس أن صلاح الدين أمر جنوده أن يحلقوا لحاهم ويغيروا من ثيابهم وهيئتهم لخداع العدو ولمصلحة المسلمين ولم ينكر عليه أحد مع العلم بأن صلاح الدين كان عالماً محدثاً وكان في عصره مئات العلماء والأئمة ولم يؤثر عن أحدهم إنكار ذلك، بل ابن كثير يسوق هذا الخبر سياق المشيد بحكمة صلاح الدين وحسن تصرفه.

بل قديماً طلب النبي من نعيم بن مسعود كتم خبر إسلامه لمصلحة الدعوة، وفى القرآن (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه رجلاً أن يقول ربى الله…) الآية.

ولا شك أن كتم الإسلام والإيمان أشد من كتم مظهر من مظاهرهما بل سمح النبي لمحمد بن مسلمة وصحبه أن يذكروه ببعض سوء حين أمرهم بقتل كعب الأشراف اليهودي، وذلك من أجل أن يتمكنوا منه.

الثانية: هناك بعض المتحمسين الذين لا يدركون دقائق العلم ولا يلمون بقول العلماء من السلف والخلف يسارعون بالإنكار على من خالف رأيهم بل يبدعونه ويضللونه ويكفرونه أحياناً لا لشئ إلا لمجرد خلافه لهم وقد يصل الحال إلى الخصومة والفرقة والتشتت والتنابز بالألقاب في الدروس وعلى المنابر.

وهؤلاء حتماً وقعوا في بدعتين عظيمتين:

البدعة الأولى: هي الإنكار على المخالف فيما اختلف فيه العلماء وفيما تطرق إليه الاحتمال والقاعدة الأصولية على أنه (ما اختلاف فيه لا إنكار فيه) وكذلك (ما يتطرق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال) والمأثور عن النبي والصحابة والسلف قبول الاختلاف في أمور كثيرة كقصة صلاة العصر في بنى قريظة وكذلك (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) وغير ذلك كثير وقول عمر بن عبد العزيز (اختلاف الأمة رحمة) وامتناع مالك عن جمع الناس على مذهب أو رأى واحد وقول الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب، وقول أبى حنيفة وأحمد إذا وافق قولي الحديث وإلا فاضربوا به عرض الحائط).

وإذاً الخلاف الفقهي أمر مقرر في الشريعة والتاريخ الإسلامي وفي عهد النبوة ورافض هذا الاختلاف مبتدع في الدين بدعة أصلية لا وكيل عليها إلا الانتصار للنفس واتباع ما تهوى الأنفس.

البدعة الثانية:

التخاصم والتفرق والتنابز بسبب هذا الاختلاف ورمى المخالف بالتبديع والتفسيق والتضليل والتكفير.

وهذا فيه شق لأمر الأمة خاصة في مثل الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي اليوم من ضعف واستهداف من قبل أعدائه، فهم بذلك يسهلون العدو دورة، بدلاً من التآلف والتلاحم ووحدة الصف.

وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة تدعو إلى الوحدة وتحذر من التفرق وتتوعد من يعمل على تفريق الأمة واضعاً فهما.

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).

(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ويحكم).

نخرج من هذا بأن اللحية أو حلقها من الأمور المختلف فيها- كما تقدم- ولذلك فمن أطلق لحيته أخذاً برأي من قال بوجوب إطلاقها- جزاه الله على فعله إحساناً ولكن لا يجوز له أن ينكر على من أخذ بالآراء الفقهية الأخرى أو رميه بالفسق أو الابتداع أو غيره لأنه يلزمه بذلك أن يرمى الصحابة والتابعين الذين أطالوا شواربهم أو حلقوها تماما أو تركوا الصبغ أو صلوا حفاة بأنهم مبتدعون أو واقعون في الحرام، وهذا خطر عظيم يقع فيه من لم يحيطوا بعموم المسائل.والله تعالى أعلى وأعلم. 

بالنسبةلتطبيقالحكم فالأمر يختلف أنا شخصيا اعمل وافهم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية فيكتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)(ص 176-1 77) في معرض حديثه عنمخالفةالكفار في الهدي الظاهر يقول رحمه الله وأجزل مثوبته:

 

 

((إن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كانالمسلمونفي أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرعذلكومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورابالمخالفةلهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجبعليهأن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلىالدينوالإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحوذلكمن المقاصد الصالحة.

 

فأمافي دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية:ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقةوالمخالفة  لهم باختلاف الزمان ظهر حقيقة الأحاديث من هذا))أ.هـ.

 

 

والله تعالى أعلم.

السبت، 11 أبريل 2026

لطلبة العلم خآصَّة(جديد 👇)

 لطلبة العلم خآصَّة(جديد

👇)
(جواب أبي الحسن السليماني على مؤاخذات_ المدخلي السابق_ عبدالمالك رمضاني)
بسم الله الرحمن الرحيم
(تمهيد)
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّهُ من خَلْقِهِ وخليلُه، أما بعد:
فقد وقفْتُ على ثمان مؤاخذات، سجَّلَها عليَّ أخونا عبدالمالك #رمضاني –حفظه الله- وشَنَّعَ وجَدَّع، وحَرَّف وأسْرَف، وسَلَكَ –وللأسف- مَسْلك الغلاة في التجريح، مع إظهاره البراءةَ من منهجهم ومَشْرَبِهم!! وقد كان الظن به مِنْ عَدَدٍ ممن لهم به معرفة خلافَ ذلك، أما أنا فلم أكنْ أعرف عنه إلا خيرًا؛ لسكوته وعدم خوضه فيما يخوض فيه الخائضون، والأصْلُ حَمْلُ المسلم على السلامة.
فلما وقفْتُ على مؤاخذاته؛ ظهر لي منه ما كان مخبوءًا، وانكشف لي من أمره ما كان مستورًا، ولله الأمر من قبل ومن بعد!!
فكتبْتُ هذا الجواب على مؤاخذاته، ودَحْر الكثير من تُرَّهاته وتخليطاته، وكشفْتُ الغطاء عن مسالكه التي سلكها؛ ليقوّي حجة الغلاة الطائشين، والظلمة الخسافين من هذه الفرقة الباغية!!
وسيظهر هذا بجلاء -إن شاء الله تعالى- في مواضعه من هذا الكتاب، وخلاصة ذلك:
أولًا: أنه ينتزع الكلمة من كلامي -التي يظن فيها ما يدل على مراده- من سياقها وسباقها ولحاقها؛ فيُظْهرها غايةً في الفُحْش والقُبْح، ولو ذكرها في سياقها؛ لم تكن كذلك، وهذا مخالف للأمانة العلمية أولًا، ومجانبٌ للعدل والإنصاف ثانيًا، ومجلبة لسوء الظن بفاعله ثالثًا، وعلى نفْسها جَنَتْ براقش!!
ثانيًا: أنه يُهمل القيود والاحترازات التي في كلامي، فيُطْلِق لنفسه العنان، وينسب إليّ من البهتان الذي تدفعه هذه الاحترازات، ولو تمهّل أو تأمّل؛ لرأى في كلامي ما يردُّ على إطلاقه، ولكن نَفَسه الحادَّ في الردِّ حال دون رؤية الصواب، وفي هذا دليل على سوء الفهم، وقد يكون ناتجًا عن سوء القصْد!!
ثالثًا: تقديمه لما تأخر من كلامي، وتأخيره لما تقدَّم أيضًا، فيأتي بسؤال قُدِّم إليَّ في آخر اللقاء التليفزيوني معي، والذي يُعوِّل عليه في تسويغ أحكامه الجائرة عليَّ، ثم يأتي بكلام في أول اللقاء أو في أوائله، ويجعل هذا جوابًا لذاك!! غير مبالٍ بأثر السياق في فهم الكلام.
رابعًا: جَزْمُهُ بالحكم عليّ بالانحراف بسبب مخالفتي له في مسائل اجتهادية، اختلف فيها من سبقنا من العلماء، بل أنا مُتَّبِعٌ فيها لقول عددٍ منهم، ومعلوم أن الخلاف في مسائل الاجتهاد غير الـمُجْمَع عليها؛ لا يسْتحق المبالغة في النكير، ولا التبديع والتشهير!!
خامسًا: تقحُّمُه وتهجُّمه على ما في سريرة قلبي، فيقول: قصَدَ بقوله كذا؛ كذا وكذا، وأراد بكذا؛ كذا وكذا، ولم يفعل كذا عن ديانة وعقيدة، إنما فَعَله عن رغبةٍ أو رهبة ...!! وهذا بعينه أَوْسَع بوابات الزيغ عند غلاة التجريح، الذين يتظاهر الرمضاني بذمِّ منهجهم، ونقض طريقتهم!!!
سادسًا: تَلمُّسُه للبراهين التي تُسوِّغ للغلاة حُكْمهم الجائر عليَّ بالتبديع والهجر، ونعْيُه عليهم: كيف يشتغلون بالرد عليّ بأدلة غير كافية لما يذهبون إليه، وما في ذلك اللقاء يكفيه ويكفيهم، أي في التبديع والهجر، فكيف يُسمّيهم غلاة في التجريح، ويعيب عليهم حالهم، ثم يدلُّهم على ما يستدلون به على كلامهم فيَّ؟ فإذا كان كلامهم صحيحًا لكن أخطأوا في الاستدلال؛ فلماذا يصفهم بالغلاة في التجريح؟! وعلى ذلك فهو كما قال القائل:
وما أنا إلا من غُزَيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غُزَيّةُ أَرْشُد!!
سابعًا: تفسيره لأحداث غيْبيَّة، لم يحضُرها، ولم يتكلم مع أهلها –وأنا منهم- ثم يحملها على أن الدافع لي ولغيري هو كذا وكذا من الانحراف والضلال، وقصْد الفتنة، والركض إليها.
ثامنًا: إطلاقه عبارات -على طريقة الغلاة- بدون قيْد أو زمام، كقوله عنِّي: "هذا رجل متحرر من الدين والعقيدة والأخلاق والعادات"!! وهذا حال أهل الكفر لا البدعة فقط!! وكقوله عن ذاك اللقاء: "لقاء في غاية السوء" مع أن هذا لا يُقال إلا في شرٍّ محقَّق (كُفْرًا كان، أو بدعة كبرى مناقضة للمعلوم من الدين بالضرورة ... ونحو ذلك) وسَلَفُه في ذلك: هم الذين يُظهِر الرمضانيُّ البراءةَ من طريقتهم!!
وعلى كل حال: فلا يَغْتَرُّ عاقلٌ بكثرة الغلاة الظلمة الجهلة، وقد قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين" (3/307): "والجاهل الظالم يخالفك بلا حُجة، ويُكَفِّرك أو يُبدِّعُك بلا حُجَّة، وذنْبُك: رغبتُك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة؛ فلا تغتر بكثرة هذا الضَّرْب؛ فإن الآلاف المؤلَّفة منهم لا يَعْدِلُون بشخص واحدٍ من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم" اهـ.
وفي صفحات هذا الكتاب النبأ اليقين، والخبر الفصْل الجزْل على أن هذه المؤاخذات ذهبَتْ أدراج الرياح {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.
هذا، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.
كتبه/
مقدمة
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، ومن بتركة نبيِّه وآثار السابقين اقْتَفَى واكْتَفَى، أما بعد:
 فقد وقَفْتُ على ثمان مؤاخذاتٍ -حسب تسمية كاتبها- انتقدها عليَّ أخونا عبد المالك الرمضاني الجزائري -حفظه الله- وذلك بعد وقوفه على مقابلة تليفزيونية معي على قناة "النيل الثقافية" بمصر -وإن كان قد ذَكَرَ أن المقابلة هذه كانت على "قناة الرحمة"- وقد ذكر -حفظه الله- أنه فوجئ بما ذَكَرْتُ في ذلك اللقاء -أيْ لشناعة ما قُلتُ في نظره!! حتى قال -حفظه الله-: "وساءني جدًّا جدًّا" يعني ما سمعه مني في ذلك اللقاء، وقال: "على معرفتي القاصرة بالشيخ المأربي؛ ما كنتُ أظن أنه بتلك المثابة، بتلك الأجوبة التي روَّعَتْنِي جدًّا، لقاءٌ في غاية السوء"!!!
قلت: سَيَظْهر للقارئ الكريم -إن شاء الله تعالى- بعد وقوفه على جوابي -تامًّا غير مبتور، وبسياقه ولحاقه دون تقديم أو تأخير-!! على هذه المؤاخذات والاستدراكات: هَلْ ما صَدَرَ مني كان مُرَوِّعًا حقًّا جدًّا جدًّا، وفي غاية السوء -كما يَدَّعِي الرمضاني-!! أم لا؟
 والحقُّ ضالةُ المؤمن؛ حيثما وَجَدَها أَخَذَها، والرجوعُ إلى الحق خير للعاقل من التمادي في الباطل، وصَديقُك مَنْ صَدَقَك لا من صَدَّقك في كل ما تقول، والمعاند للحق كمن يَنْطَح الجبالَ برأسه، فيضُرُّ نَفْسَهُ والجبالُ جبالُ!! وأعوذ بالله من أن أَدَعَ الحقَّ على عِلْمٍ وبصيرة، أو أُوثِرَ عليه هوىً مُتَّبَعًا، وليستْ هذه بأُولى الانتقادات الموجَّهة إليَّ من أقوام أكبر وأشهر من أخينا الشيخ عبد المالك -حفظه الله- وقد وقَفْتُ منها موقفًا -من توفيق الله لي- حَمِدَهُ الكثيرُ من العقلاء، وأما الغلاة الظالمون فلا عبرة بموافقتهم فضلاً عن مخالفتهم!!
وقد ظَهَرَتْ ثمارُ هذه الأجوبة العلمية خلال عدة سنوات، وآتتْ أُكُلَها بِكَسْر شوكة الغُلُوِّ، ودحْر صَوْلة الغلاة؛ حتى أَضْحَى كثير من حَمَلةِ هذه الأفكار يتوارَوْن بها، ولا يُظْهِرون حقيقة قولهم في كثير من المجالس، وإذا أرادوا أن يسألوا أهل العلم؛ لم يفصحوا عن حقيقة مشْربهم، واستعملوا عمومات وإطلاقات؛ لينتزعوا من العالم كلاما عامًّا، ثم هم ينزلوه بعد ذلك على من شاءوا، وقالوا: هذه فتوى فلان في فلان!! و "إذا لم تستحْي فاصْنَعْ ما شئتَ" !!
وقد فاءَ بهذه الأجوبة كثير من طلاب العلم إلى منهج الوسطية والاعتدال -حقًّا لا ادِّعَاءً وتشبُّعًا- كما هو حالُ الكثير ممن يظنون أنهم -في هذه القضايا- على صراط مستقيم، وصَدَقَ القائلُ: والدعاوَى إن لم تُقيموا عليها بيناتٍ فأبناؤها أدْعياء!!
*(الجواب على المؤاخذة الأولى)*
 وكان ينبغي -إن لم يَجِب- على أخينا الشيخ عبد المالك الرمضاني -حفظه الله- إذا كانت معرفته بي قاصرة -كما صرَّحَ بذلك- أن يكتفي برد القول الذي يراه خطأ مني دون تجريح القائل، ودون خوْضٍ أو غوصٍ في نيته وسريرته؛ فإن الكلام في الأعيان عامة فرعٌ عن معرفتهم، ودراسة طريقتهم ومنهجهم، والوقوف على ما أمكن من كلامهم ومواقفهم؛ حتى يَعْرِف المـُتكلِّمُ حالَ من سيتكلم فيه، وهل هو صادقٌ في البحث عن الحق، أو متلاعبٌ، مفتونٌ بالأتباع والأطْماع؟ وهل له مؤلفات تَكَلَّم فيها حول ما دار في ذلك اللقاء من كلام، أم لا؟ وهل الخطأ الذي صدرَ منه خطأ في صُلب العقيدة، وفي مسألة أجمع العلماء –سلفًا وخلفًا- فيها على خلاف قوله، أو أنه خطأ في مسألة اجتهادية، اختلف فيها قَبْلَهُ أهلُ العلم؟ وهل السبب في خطئه هذا سبْقُ لسان بتعبير غير دقيق، لا سيما وأن اللقاءات التلفزيونية والأشرطة المسجَّلة يكثر فيها سَبْقُ اللسان، وسوء التعبير، والعبارات غير الدقيقة المحررة، أم أنه خطأ قد ظهر فيه انحراف صاحبه، ونُوقش في ذلك، وأصرَّ على انحرافه، أو لهذا الخطأ أخوات وأمهات...؟! إلى غير ذلك من أسئلة لابد منها، فقد كان ينبغي لمن لم يعرف الشخص أن لا يتكلم فيه بعينه بصفة عامة -فضلًا عن غوْصِه وخَوْضِه في نيته وقصْده وسريرته ومراده، إنما يكتفي -عند قصور معرفته بحقيقة الشخص- بأن يقول: القول الفلاني خطأ بدليل كذا، وهذا -وللأسف- ما لم يُوفَّق له صاحب هذه المؤاخذات!!
هذا كله لو سَلَّمنا أن انتقاد صاحب هذه المؤاخذات صحيح معنىً ومَبْنىً، فكيف إذا اتضح للقارئ أنه جانب الصواب -إن لم يَكُن في كل مؤاخذاته الثمانية؛ فعلى الأقل في أكثرها، وأهمّها- وفي هذه الصفحات الخبر اليقين -إن شاء الله تعالى-.
 أضِف إلى ذلك أنَّ المعترِض بهذه المؤاخذات قد وقع فيما فرَّ منه، فقد قال -حفظه الله- في سياق السبب الذي حملَهُ على عدم الخوض في الفتنة التي أثارها غُلاة التجريح في هذا العصر -وعلى رأسهم الشيخ ربيع المدخلي وجلاوزته وجلَّادوه أحْسَن الله لنا ولهم الخاتمة- ضِدِّي، فقال الشيخ الرمضاني -بارك الله فيه-: "السبب الأول كما ذكرتُ: أنني لا أعرف الشيخ معرفة جيدة؛ زارني في بيتي مرة واحدة، ولقيتُهُ بعدها مرة أو مرتين فقط، لقاءً عابرًا، ولا يَحسُن بالمسلم أن يَدْخُل في شيء لا يُحسِنه، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
قلت: فهل عندما تكلم فيَّ الشيخ الرمضاني الآن في مؤاخذاته هذه قد عرفني معرفة تامة، أم لا زالت معرفته بي قاصرة؟ فإن قال: قد عرفتك معرفة تامة؛ فكيف تمَّ هذا بسبب ما سمعه من كلام لي في لقاء مدته عدة دقائق، ولم يقرأ لي كتابًا أو يسمع لي شريطًا -كما هو ظاهر كلامه-؟! وإن قال: لا زالتْ معرفتي بك قاصرة؛ فلماذا تكلم فيَّ الآن، وكان يرى أن الصمت والسكوت أسْلَمُ لدينه وللأدلة القرآنية التي ذكرها؛ لقلة معرفته بي؟!!
فيسْكتُ أولًا لقصور معرفته بي، ثم يطعن فيَّ أخيرًا، مع أن معرفته بي لا زالتْ قاصرة!! أليس في هذا الجمع بين النقيضين؟!
ثم هَلْ اتصل بي الشيخ -حفظه الله- وقال: يافلان، ما حمَلَك على القول الفلاني؟ وما دليلك عليه؟ ومن سبقك إليه من أهل العلم الموثوق بهم، ونحو ذلك؟ وهل عرف جوابي على كل ذلك؟ وهل هو جواب مقبولٌ أم لا؟ أم أنه حذَّر مَنْ سأله عن الدراسة في معاهد ومدارس ومراكز وحِلَق العلم في "رابطة أهل الحَدِيْث باليمن" لأني فقط رئيسُها؟ هَلْ عرف الكُتُبَ التي تُدرَّسُ في هذه المعاهد والمدارس والمساجد والحلقات التابعة للرابطة، أم لا؟ وهل هي كتب أهل السنة الموثوق بهم أم لا؟ وهل الدعاة وكبار طلاب العلم في الرابطة يأخذون بكل ما قلْتُ في ذلك اللقاء، ويسيرون حسب قولي فيه وفي غيره حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، أم أنهم طلابُ علم لا يُقلِّدون دينهم آراء الرجال، مهما عَلَتْ رُتْبتهم وعَظُمَتْ في نفوسهم منزلتهم إلا بالدليل؟
وهل ما جاء في تلك الحلقة التليفزيونية يُدرَّس في شيء في مساجد "رابطة أهل الحَدِيْث" أم لا؟ وإذا كان الرئيس لأي عمل أو مؤسسة -إذا سلَّمنا أنه قال قولًا يُنْكَر عليه- فهل يُحذَّر من كل المساجد والمعاهد التي يُدرِّس فيها إخوانُهُ وطلابُه في طول اليمن وعَرْضِها أم لا؟!
وإذا كان هذا فَهْم الشيخ الرمضاني، فهل حذَّر من الدراسة في كل المساجد والمراكز التي يُشْرِفُ عليها طلابٌ مُقَلِّدون تقليدًا فاحشًا للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، والشيخ رمضاني نفْسُه يصفهم بـ"الغلاة في التجريح"؟ أم أنه كال بمكيال المطففين، ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم ذاك السائل الذي أفتاه الشيخ رمضاني بعدم الدراسة في كل مدارس الرابطة، هَلْ عرف الشيخ حقيقة أمره، وأنه لا يَدْرُس في مدارسَ أهلُها أشدُّ انحرافًا من رئيس الرابطة -لو سلمنا بقول الرمضاني- أم لا؟ كُلُّ هذه أسئلة -وأضعافُها- يَرِدُ في هذا المقام!! وبالجواب عليها بطريقة علمية متينة يظهر حال أخينا عبدالمالك، والله المستعان.
 وقد ذَكَر الشيخُ عبد المالك رمضاني -حفظه الله- السبب الثاني في نَأْيِهِ عن الخوض في الخصومة والردود التي كانت بيني وبين أولئك الغلاة في التجريح، فذكر أحوالًا مشينة حَصَلَتْ في تلك الخصومة -والأمر كذلك- لكن مؤاخذتي عليه -سلمه الله- في هذا الموضع: أنه جعل الغُلُوَّ والشطَطَ والإسرافَ في الخصومة قد وقع من الجانبين، فقال -حفظه الله- "إن الخصومات التي كانت بين الشيخ المأربي وغيره بَلَغَتْ شيئًا من الغلو من الجانبين، غلوًّا شديدًا: بحيث عَمَرَتْ أوقات الناس"... إلخ. فإذا كان الشيخ -حفظه الله- معرفته بي قاصرة، فكيف يَعُدُّني ممن غلا غلوًّا شديدًا في الخصومة؟ فهل قرأ ما كَتَبْتُ؟ أو سَمِع ما سَجَّلْتُ؟ أو سألني ولو مرة واحدة خلال هذه السنوات المتعاقبات -كما وصفها حفظه الله- ونصحني أو ذكَّرني بالله، أو وَعَظَني لأتْرُكَ الغلوَّ الشديدَ في الرد؟ وقد لا يجب عليه هذا، أما وهو يَعُدُّ الجانبين -وأنا أحدهما- قد غلا كلٌّ منهما غلوًّا شديدًا؛ فكان من المتعيَّن عليه أن يَعْرِفَ كلامي وردودي المقروءة والمسموعة، ولا تكفي معرفته تلك القاصرة بي!! لأنه الآن وقع فيما وقع فيه من يَذُمُّهم ويَصِفُهم بالغلاة في التجريح، فقد عدَّني ممن غلا غلوًّا شديدًا، مع معرفته القاصرة بي!!
وهناك مؤاخذة يسيرة عليه في هذا المقام: إذ كيف يقول: "بَلَغَتْ شيئًا من الغلو" ثم يقول مباشرة: "غُلُوًّا شديدًا"؟! فأُحِبُّ لأخينا -حفظه الله- أن يكون دقيقًا في عباراته، ولعله ذَكَرَ مؤاخذاته هذه مسجِّلا إياها في الشريط -فإني لم أرها إلا مُفرَّغةً في أوراق- وتسجيل المادة في الشريط لا تُحرَّر فيه العبارة بدقة في بعض الحالات!!
ثم ها أنذا أذكر لك -أيها الشيخ الفاضل- ماذا قالوا فيَّ، وماذا قُلتُ فيهم، وهذا أمر شائع ذائع لا يحتاج إلى تكلُّف إثباته، فما سأذكره قَطْرة مِنْ مَطْرة مما وقع من أولئك الغلاة المسرفين، وبعد اطلاعك يا أخانا على ذلك -ولا أستبعد أنك قد اطلعْت على الكثير من ذلك- فاحْكُم بعد ذلك: هَلْ الغلو الشديد وقع من الجانبين أم لا؟ علمًا بأن ما سأذكره عني وعنهم موجود في الكتب والأشرطة، ومعلوم لدَى الكثير ممن اطلع على هذه الخصومة، وما جرى فيها!!
فقد قالوا عني: إنني رافضيٌ خبيثٌ، أسبُّ الصحابة -رضي الله عنهم- بل وأنني على الإسلام أَضَرُّ من اليهود والنصارى، وأن النصارى أشْرَفُ من أبي الحسن؟! وأن الدجال لو ظَهَرَ فأول من سَيَتْبَعُه هم أصحابُ أبي الحسن!! وأن أبا الحسن أَضَرُّ على الإسلام من فرعون، وأن أبا الحسن مبتدعٌ ضالٌّ، وليس من أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!! وأن أبا الحسن كذاب مراوغ، وحزبيٌّ مُتَسَتِّر، وإخوانيٌّ مُنْدَسٌّ بين السلفيين، ويقول بمقالات أهل البدع في الموازنات، والـمُجْمَل والمفصَّل، وخبر الآحاد... وأن عند أبي الحسن بضْعًا وعشرين أصْلًا فاسدًا من أصول أهل البدع، إلى غير ذلك مما شاع وذاع عنهم!!!
وكانوا ولا زالوا يمتحنون الناس بأبي الحسن -كما ذَكَرْتَ أيها الشيخ الفاضل في مؤاخذتك الأُولى عليَّ- وأن من بَلَغهُم أنه زارني، أو كَلَّمني؛ قاطعوه وهَجَروه، بل يَهْجُرون من لم يَهْجُرْني، ومن لم يهجر من لم يهجرني.. إلى نهاية هذه السلسلة الكهربائية، التي من أخذ حِلْقَةً منها؛ صُعِقَ!! ويحذِّرون الناس مني في خطبة عرفة -كما ذَكَرْتَ في مؤاخذتك- ومنهم العربي والأعجمي ومن لا يعرف لي عينًا ولا أثرًا، ولا سمع بي قط- وكذلك في خُطَب الجمعة والجماعات والكلمات والمحاضرات، في مسجد، أو عزاءٍ، أو زواج... إلى غير ذلك مما أشار إليه الشيخ الرمضاني نفسه.
وأما كلامي فيهم: فأقول: إنهم غلاة في التجريح، وأنهم أهل جرح وتجريح، وليس عندهم تعديل إلا لمن كان على مَشْرَبهم، وأنهم مُسْرِفون في الجرح -دون أهلية لذلك- لمن يظنون أو يزعمون أنه منحرف، وإن كان أقْوَمَ منهم قِيلًا وأهدى سبيلًا، وأنهم طائشون مُسرفون، لا يَفْقَهون فِقْهَ تزاحم المصالح والمفاسد، وفقه المآلات، وإن فهموه؛ أنزلوه على أصحابهم، وأما من يخالفهم؛ قالوا: فلان قد فَرَغْنا منه، لكنهم مع ذلك هم –عندي- من جملة أهل السنة والجماعة، وأنهم وإن خالفوا أهل السنة في جوانب معينة؛ إلا أنهم لا زالوا في دائرة السُّنَّة، وأن الله قد نفع بهم في جوانب عِدَّة في اليمن وغيره، بخلاف تلك الجوانب التي انحرفوا فيها عن الجادة، وأنني كثيرا ما أدْعُو لهم في صلاتي ومواطن إجابة الدعاء -زمانًا ومكانًا- بأن يغفر الله لهم ظُلْمَهم وبَغْيَهُم عليَّ، بل أدعو الله أن يُبَدِّل سيئاتهم حسنات، وهذا مما اسْتَنْكَره عليَّ بعضُ من يجالسني، وكم اتصل بي أناسٌ تابوا من طريقتهم الفاسدة، وأرادوا أن يتحلَّلوا منِّي؛ فكان جوابي على كل منهم: لقد سامَحْتُك قبل أن تطلب مني، وعفوتُ عنك، وأنا لم أكن أعرف من أنت، ولا زلْتُ لا أعرفك، لكني أجاهد نفسي لأسير على سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي ذكر نبيًّا من الأنبياء –عليهم السلام- شجَّهُ قومُه، فكان يغسل الدم عن وجهه، ويقول: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون"!! ( ).
وأقول: لو عاملناهم بأصولهم التي أحَدْثُوها؛ لبدَّعْناهم وأخرجناهم من دائرة أهل السنة -كما يفعلون بنا- لكن نعوذ بالله أن نَضِلَّ أو نَزِلَّ أو نَجْهل، وجُلُّ جُهدي في هذه المحنة حَشْدُ الأدلة والآثار السلفية على إظهار مخالفتهم وانحرافهم عن السنة في هذه الجوانب، وإنما قمتُ بهذا لأن الشبهات خَطّافة، والقلوب ضعيفة، وأدعو أبناء الأمة إلى لزوم منهج العلماء، القائم على الوسطية والاعتدال -حقًّا لا ادّعاءً وتَشَبُّعًا- وكُتُبي ورسائلي موجودة منشورة، فجزى الله خيرًا من بيَّن لي خطئي فيها؛ لأرجع عنه قبل الممات.
فهل بعد هذا كله: يليق بالشيخ عبد المالك -حفظه الله- أن يقول: الغلو الشديد وقع من الجانبين؟ دون أدنى إشارة إلى الـمُحِقِّ أو المـُبطل منَّا، أو على الأقل: دون أدنى إشارة إلى من هو أَقَلُّ غلوًّا وانحرافًا من الجانبين، فهل هذا حَكَمٌ تُرْضَى حَكُومتُهُ؟!!
 ومما ذَكَره الشيخ الرمضاني -حفظه الله- في المؤاخذة الأولى: أنه نَعَى على هؤلاء الغلاة في التجريح الذين أَشْعَلوا الدنيا ضِدِّي قيلًا وقالًا... إلخ. لماذا يَكْثُر حديثُهم عن خبر الآحاد، والمجمل والمـُفصل، والموازنات -وهي جملة ما اعترضوا به عليَّ ظُلمًا وجهلًا- ، ولماذا يَضْطَّرون إلى اختراع قواعد في المجمل والمفصل، والموازنات، ويُخْرِجُون من دائرة السنة من لا يقول بقولهم، ثم قال: "كلام ما له لُزوم!! ذاك اللقاء -يعني اللقاء الذي كان معي في "قناة النيل" بمصر- كان يكفي: قيل، قال، قيل، قال، وَنُضيِّع أنفسنا، ونُضيِّع إخواننا" ثم قال: "أنا كفاني ذلك اللقاء؛ لهذا ما أخَذْتُ أَبْحَثُ عما قالوا فيه، وهذا سَبَبُ جوابي لمن سألني: كيف تَذْهَب إلى الرابطة، وتتعلَّم عندهم، وتدْرُس في معاهدهم، وعندهم أشياء خطيرة جدًّا، فاليوم أنت طالبُ علمٍ، وغدًا يُلقُونَك في أحضان الثورات التي ليس فيها إلا إراقة دماء المسلمين". اهـ.
والجواب على هذه الفقرة من وجوه:
الأول: معلوم أن الغلاة في التجريح المقلِّدين للشيخ ربيع المدخلي- حفظه الله وختم لنا وله بخير وستر- يَحْكُمون بإخراجي من دائرة أهل السنة، بل وإخراج كل من لم يَحْكُم بإخراجي من دائرة السنة -ناهيك عن إخواني وطلابي ومن هو قريب مني- ويستدلون على ذلك بكلام باطل، قد رددتُ عليهم زُورَهم وباطِلَهُم بكتبٍ مُصَنَّفةٍ، وأشرطةٍ مُسَجَّلةٍ، وكل ذلك منشور وذائع في السوق العلمية، ومن كان عنده من أهل العلم تعقُّبٌ عليها في كثير أو قليل، ومعه دليل على ذلك؛ فَفَوْق رأسي، وأرجع إليه راغمًا أنْفي، والحقُّ ضالةُ المؤمن، حيثما وجدها أخذها، سواءً من صديقٍ وليٍّ، أو عدوٍّ شَقِيًّ.
والشيخ عبد المالك -حفظه الله- يرى أن كلامي في هذا اللقاء كان يكفي هؤلاء الغلاةَ -أي في حُكْمِهم عليَّ، وهو بلا شك عندهم: إخراجي من دائرة السنة والجماعة!!
فما كان عليهم إلا أن يرجعوا إلى ما قلته في هذا اللقاء -حسب قول الشيخ الرمضاني- بدل اشتغالهم بكلامٍ لي اعترضوا عليَّ به، مثل: خبر الواحد، والمجمل والمفصل، والموازنات، فكأنه -حفظه الله- يقول لهم: لماذا تشتغلون -يا هؤلاء- بما ترونه أخطاء عند الرجل، وتُتْعِبُون أنفسكم في اختراع قواعد تُسوِّغ لكم الحكم على الرجل بما تحكمون به، وهو كونه مبتدعًا، خارجًا من أهل السنة، محشورًا في جملة أهل البدع الكبار والفتنة، ثم هو يَرْدُّ عليكم قولَكُم، وقد لا تظهر حجتكم بجلاء، فيبقى النزاعُ والسجال، والأخذ والردُّ والقيلُ والقَال بينكم، وفي هذا اللقاء من الكلام ما يكفيكم -أي في الحكم بما تَحْكُمون به على الرجل- هذا مع علمه -على الأقل- بأنهم يَحْكُمون عليَّ بأني خارج من دائرة أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة، أما أحكامهم الأخرى عليَّ؛ فلا أستبعد عِلْمَهُ بها، أو بكثيرٍ منها؛ لأن في كلامه الذي يَصِفُ به الحالَ الذي وصل إليه كل من الجانبين -على حدِّ تعبيره- من الغلو الشديد يدل على أنه إن لم يكن يعرف كل أحكامهم عليَّ؛ فعلى الأقل أنه يَعْرِف جُلَّها وأفحشها!!
وسؤالي الذي أُوَجِّهه لأخي الشيخ عبد المالك الرمضاني: هَلْ أنت تُقِرُّهم على أحكامهم فيَّ أم لا؟ فإن قال: نعم؛ فلا أَدْرِي ما هو الفرق إذًا بينه وبين الغلاة في التجريح -في هذا الباب على الأقل- وهو يُسميهم في مؤاخذاته بالغلاة في التجريح!! ثم أقول له: أتَحْكُم بهذا عليَّ لمجرد ما جاء في كلامي في ذلك اللقاء؟ -وإن كنتُ سأوضح للقارئ الكريم كيف صَدَرَ مني هذا الكلام، وما الذي حَمَلَني على ذلك، سواءً كان مقبولًا في نفسه أم لا؟ وسواءٌ كان مقبولًا عند القارئ أم لا؟ وسيتضح بإذن الله لمن قرأ ما في هذا الجواب بإنصاف، كم جَانَبَ أخونا الرمضانيُّ الصوابَ والأدبَ فيما ذهب إليه-!!! أما إذا قال: أنا لا أُقِرُّهم على حُكْمِهِم فيك؛ فظاهر كلامه يدلُّ على خلافه، وما سيأتي بعده من كلامه أوْضَحُ في إقراره لهم على حُكْمِهِم الجائر فيَّ!! فيؤسفني أن يَلْحق أخونا الرمضاني -حفظه الله- بركْب الشيخ ربيع وجلاوزته في مسائل تكْفي في بيان غلوِّ صاحبها في التجريح!!
الثاني: قال الشيخ الرمضاني: "أنا كفاني ذلك اللقاء؛ لهذا ما أخَذْتُ أبَحَثُ عَمَّا قالوا فيه".
فيقال للشيخ: ذاك اللقاء كفاك في ماذا؟! ولماذا اقْتَصَرْتَ عليه في عدم مطالبتك للغلاة في التجريح بالدليل على قولهم فيَّ؟ فهل كلام الشيخ هذا لا يدل -ولو بعد التأمل- على أنه يوافق الغلاة في التجريح على تبديعي وإخراجي من دائرة أهل السنة؟
أقولُ هذا ليتضح للقارئ ماذا عند الشيخ الرمضاني من رواسب الغلو التي لم يستطع التخلص منها بعد، وإلا فأنا لا أسْتَجْديه ولا غيْرَه –سواء كان أكبر منه أو أصغر منه- أن يَحْكُم لي بالسُّنة، فالسنة هي منهج أهل السنة الموثوق بهم، والذي طفَحَتْ به كتبهم، وهم كثير، ولله الحمد، ولذلك تبرؤوا من منهج الغلاة فيما انحرفوا فيه!! لكن الغلاة لا يقرؤون، وإذا قرأوا لا يَفْهَمون، وإذا فهموا لا يرْعَوون ولا يفيئون ولا يتأدبون -إلا من رحم الله- وليست السنة محصورون في منهج فلان أو فلان!! ولم أَكْتَرِثْ -ولله الحمد والمنة- بكلام من هو أكبر وأشهر وأعْتَى وأنْكى من الشيخ الرمضاني لما سلك هذا المسلك، وكان منحرفًا عن طريق الحق، لكن هذه الكلمات كشفتْ عن مخبوء أخينا عبدالمالك، والأمر كما قال من سبق:
وَمَهْمَا تَكُنْ عند امرئٍ مِنْ خَليقةٍ
وَإِنْ خَالَها تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ
الثالث:كون الشيخ -حفظه الله- يكتفي بذاك اللقاء في الحكم عليَّ بالخروج من دائرة أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة؛ فهذا أمرٌ يخصُّه، وهو الذي سيُسأل عن ذلك: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وإن كان يشقُّ عليَّ أن الشيخ عبد المالك -حفظه الله- يقول بقول الغلاة في التجريح -عندي وعنده- لأنه كان عندي مستورا، وإلا فما أكثر الذين قالوا بذلك فيَّ، ولا يضيرني إلا سوءُ عَملي، أو فسادُ قصْدي، وإلا فدائرة أهل السنة ليست حِكْرًا عليَّ ولا على الشيخ الرمضاني، فَنُخْرِجُ مَنْ شِئْنا، ونُدْخِل مَنْ شِئنا!! فالحكم الشرعي تبليغٌ وبيانٌ للشريعة، وله ضوابط، ولأهله صفاتٌ ومؤهلاتٌ، فمن أتى البيت من بابه -وإن أخطأ- فهو مأجور غير موزور، وهذا ما كُنْتُ أرجوه في أخينا الشيخ عبد المالك -أكرمني الله وإياه بالحسنى في الدارين- لكن الأمر كما قيل:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدركُهُ
تأتي الرياحُ بما لا تشْتَهي السُّفُنُ
الرَّابع: -وقد سبقَتْ الإشارةُ إليه- هَلْ يلزم مما وقف عليه أخونا الشيخ عبد المالك الرمضاني من ذلك اللقاء التحذيرُ من الدراسة في مدارسَ ومراكز ومعاهد "الرابطة" وهي بطول اليمن وعرضه، لمجرد أنني رئيسٌ للرابطة، فهل كان علماء السنة يُحذرون من كل المدارس االتي تُدرَّس فيها العلوم الشرعية في عدة تخصصات؛ لكون المؤسِّس أو الواقف لها، أو الناظر أو المشرف عليها، عليه بعض المؤاخذات -لو سلمنا بدعوى الرمضاني وسلفِهِ في ذلك- فهل حَذَّر علماء السنة من جميع المدارس النِّظَامية، مع أن المؤسِّسَ لها، والواقف لها الأوقاف هو نِظَامُ الملك، وهو أشعري في العقيدة، واشترط في الوقف أنها وقف على أصحاب الشافعي أصلا وفرعًا!! وعليه مؤاخذات كثيرة كتعظيم المتصوفة -على ما عنده من الفضل والمحامد والمواقف المشهودة في نصرة الإسلام وأهله، وفي نصح الولاة والدفاع عن العلماء وغير ذلك؟!( ).
وهل حذَّر العلماء بإطلاق راويًا من الأخذ عن رواة عُرفوا بالبدع المتفق عليها: كالتشيع والقَدَر والنصْب والإرجاء؟ وهم منتشرون في الكوفة والبصرة وخراسان والشام؟ ولو فعلوا ذلك؛ لضَاعَتْ السُّنن، وخَطَبتْ الدجاجلُة من فوق المنابر!!( ).
وهل حذَّروا من مدارس الأحنافِ لِما أُخِذَ على أبي حنيفة -رحمه الله- من مسائل عقدية مثل الإرجاء، والفتوى بالخروج على الحكام في زمانه، ومبالغته في إعمال الرأي، حتى سًمِّي الأحناف بأصحاب الرأي!! وغير ذلك( )؟
وهل حذَّر علماء السنة من كتب ابن حزم مطلقًا، أم حذروا مما أخطأ فيه فقط في المعتقد، ونَفْي القياس، ونحو ذلك، ومدحوه وكتبه فيما أصاب فيه؟
وهل حذروا من مدارس المالكية التي ملأتها كتب أبي بكر بن العربي، لما أُخذ على ابن العربي من مؤاخذات تراها في ترجمته؟
بل روى ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- أنه قال: "إذا خَرَج على الإمام العَدْل خارجٌ؛ وجب الدفْعُ عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره؛ فدَعْهُ؛ ينتقم الله من ظالمٍ بمثله، ثم ينتقم من كليهما، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾" وقال مالك -أيضًا-: «إذا بُويع للإمام، وقام عليه إخوانه؛ قوتلوا إذا كان الأولُ عدلًا؛ فأما هؤلاء -يعني أبا جعفر المنصور- فلا بيعة لهم؛ إذا كان بويع لهم على الخوف"!! يريد بذلك أن الناس بايعوهم مُكْرَهين، وهذا خلاف ما عليه جمهور السلف: من السمع والطاعة لمن تولى بقوته وقهره؛ دفعًا لمفسدة الفوضى وسفك الدماء!!
ففي هذا القول تسهيلٌ من الإمام مالك –رحمه الله- في عدم التصدي للفئة الباغية على إمام جائر، وهذا بخلاف القول المشهور عند أهل السنة بالتصدي للفئة الباغية، وإن كان المتولِّي جائرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.
وللإمام مالك قولٌ آخر بعدم الخروج على الإمام، وإن كان ظالـمًا جائرًا، وهذا القول منه –رحمه الله- موافق لما عليه السلف، ولعل قوله الأول كان قبل استقرار إجماع السلف على عدم الخروج على الإمام الجائر، والذي قويتْ شوكته ووطأته، فوجبت طاعته، ويُجاب عن مالك بما سبق من الجواب عن أبي حنيفة –رحمهما الله- ولا حجة في صنيعهما اليوم لخارجي؛ فقد استقر الإجماع على خلاف ما قالاه، والله أعلم.
لكن هل أطلق أحد من السلف الطعن في الإمام مالك لقوله الذي لم يُغْلِقْ فيه البابَ بالكلية في وجه من خرج على الإمام الظالم؟ أم اكتفوا ببيان خطئه في ذلك، مع انعقاد الإجماع على أنه من أئمة السنة أصلاً وفرعا؟ وهل حذَّر أحدٌ من مدارس المذهب المالكي لذلك؟ كما يفعل الغلاة وأذنابهم في زماننا؟
وهاهو الأزهرُ الشريف في مصر، وجامعاتُه ومعاهدُه ومدارسُه ومساجدُه منتشرة في مصر وغيرها من دول العالَم شرقًا وغربًا في هذا العصر، فهَلْ حذَّر علماء السنة كسماحة الشيخ ابن باز، والعلامة المحقق ابن عثيمين، ومحدث العصر الألباني -رحمهم الله جميعًا- وغيرهم من كبار علماء المملكة والعالم الإسلامي، هَلْ حذروا بإطلاق من الدراسة في مدارسه ومعاهده وجامعاته للتمشعر أو للتصوف الموجود فيه؟ أم أن العلماء حَذَّروا من يستطيع التمييز بين الغَثِّ والسمين مِنْ أَخْذ المسائل المخالفة للسنة فقط، وكذلك ما أخطأ فيه العالم من العلماء، مع الاستفادة منه، ومن كتبه ومدارسه في الجوانب المضيئة؟ كما قال سفيان بن سعيد الثوري في ثَوْر بن يزيد الكلاعي الشامي، الذي كان ثقةً ثبتًا في الحديث، لكنه يقول ببدعة القدرية، فقال سفيان كلمة تمثِّل منهجًا لأهل السنة في كثير من الحالات، حيث قال: «خُذُوا عن ثَوْرٍ، واتَّقُوا قَرْنَيْه»( )، وكما قالوا في قتادة بن دعامة السدوسي الذي كان يصيح بالقدر صياحًا -أي يدعو إليه- والأعمش سليمان بن مهران الكوفي الشيعي، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير المرجئ، والشعبي عامر بن شراحيل الذي خرج في فتنة ابن الأشعث، والذي قال: أصابَتْنَا فتنةٌ، لم نكن فيها بررةً أتقياءَ، ولا فجرةً أقوياءَ( )...»( ).
فهذا هو موقف علماء السنة ممن وقع في مقالة من مقالات أهل البدع الكبرى حقًّا، فكيف موقفهم ممن لم يقع في عُشْر مِعْشار ذلك بل وأقلّ: إلا مجرد الافتراء والتقوُّل عليه؟!
والذي أريده مِن سَرْد هذا وغيره -وهو كثير جدًّا في كُتب التراجم والتاريخ- أن أوضِّح أن منهج السلف فيه تفصيل، ويراعي مآلات الأمور، وفقه وتزاحم المصالح والمفاسد، أما الغلاة فمحرومون من هذا الخير، ومسلوبون نعمة الانتفاع بالعقل الراجح، ولذا تجد كلامهم لا خطام له ولا زمام، فالواجب على كلٍّ مِنَّا أن يَزِنَ نَفْسَهُ وكلامه ومواقفه وفتاواه بالأدلة الشرعية، وبما كان عليه جمهور سلف الأمة، وقواعدهم المطّردة، ولا تستفزَّه الأهواء، ولا ينخدع بمن يؤزُّه ممن حوله من الطلبة الفارغين العاطلين من العلم والأدب مع أهله؛ لأنه سيجني على نفسه ما لا تُحْمَدُ عاقبته، وعلى نَفْسِها جنتْ براقش!! والله أعلم.
 قال الشيخ الرمضاني في مؤاخذته الأولى: "وكان المذيع مُحنَّكًا جدًّا، ومُطَّلِعًا على الخلاف بين الجماعات، سأله: (إلى أي جماعة ينتسب)؟ فقال -أي المذيع- له: (أَوْقَعْتُم العقلَ المصري في حيرة: من يتَّبع؟! السلفيين، ولَّا الإخوان، ولَّا التبليغ، اقْعُدوا مع بعض، واجتمعوا كِدهْ، وشوفوا مَنْ الصَّحْ، وقولوا لنا، واحْنا نمشي وراكُم).
ثم نقل الشيخ عبد المالك الرمضاني جوابي عليه فقال: كلام الشيخ أبي الحسن: "جميل، نحن نُحِبُّ من العقل المصري أن لا يَسْمَعَ عنَّا من غيرنا، إنما يَسَمَع منَّا مباشرة".
فقال الشيخ عبد المالك: "تَعَجَّبْتُ أن الشيخ ما أجابه، والمذيع من حينٍ لآخر يُكرِّر عليه، والشيخُ المأربي يتَهَرَّب من الجواب، ويَتَهَرَّب وما أجابه، الرجلُ السلفيُّ لا يَسْتَحْيِي أن يقول: كُنْ سلفيًّا على الجادة، الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» ولما قال: «ستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة» قال: «كلها في النار إلا واحدة» قيل: من هي؟ قال: «الجماعة» أي الجماعة الموجودة ذلك اليوم منهم، وفي رواية قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» كان عليه أن يقول هذا الكلام: السلفيون الذين يُمثِّلُون هَدْيَ الصحابة -رضي الله عنهم- وهَدْيَ الرسول صلى الله عليه وسلم هم معروفون اليوم، يُبَيّنُ لهم، لكن ما أراد أن يُجيب، هذه مؤاخذة، حتى أن المذيع اعترف في الأخير بأن السلفيين ما عندهم مراوغات، لكنه مع الشيخ المأربي رأى شيئًا آخر، فقال له: (أنا مع ضيف دبلوماسي مناور)!!
ثم قال الشيخ عبد المالك -حفظه الله-: "كلام مُقدِّم البرنامج: (حَضْرتك ما في سؤال أسألك إياه إلا بتفصِّلُه لي: وفيه رَأْيُ كذا، وَرأْيُ كذا، وتُفَصِّله، فيه أغلب نجوم الفضائيات من دعاة السلفيين وفلاسفتها: ردودٌ واضحةٌ، وقاطعةٌ، وصادمةٌ في نفس الوقت، فأنا في هذا الوقت توَّرطْتُ مع ضَيْفٍ دبلوماسي ومناور) اهـ.
قلت: الجواب على هذه الفقرة من وجوه:
الأول: من وَقَفَ على سياق كلام الشيخ عبد المالك -حفظه الله- وطريقة عَرضِهِ لكلام مقدم البرنامج وجوابي عليه -والرمضاني يأتي بكلام من أول اللقاء، ويقفز إلى آخر اللقاء، ويترك جوابي الأول، ويجمع بين كلام لا صلة له ببعضه، وينسبه إليّ، وبعدُّه جوابي على السؤال الذي ليس له وجود إلا في مخيلة الشيخ الرمضاني فقط، كما سيظهر لك -إن شاء الله- بعد قليل!!! من وقف على عرض الرمضاني لكلامي؛ يَظُنُّ صِحَّةَ ما قال الشيخ عَنِّي، بأنني مراوغ، وأتهرب من الجواب على السؤال الصريح، مع كون المذيع يُكرِّرُ عليَّ السؤال من حينٍ لآخر، ومع ذلك فأنا أتهرب من الجواب -حسب دعوى الرمضاني التي لا أصل لها في الواقع-!! ولم أُجِبْ عن السؤال الذي سألني إياه مُقَدِّم البرنامج، بكل صراحة، وهو قوله لي: (إلى أي الجماعات تنتسب)؟!
ونظرًا لأن هذا اللقاء كان مُنْذُ عشْر سنوات، وقد نسيتُ كثيرًا من كلامي فيه- فضلًا عن ترتيب وسياق الأسئلة الـمُقَدَّمة إليَّ وجوابي عنها؛ فقد طَلَبْتُ من بعض إخواني أن يبحثوا لي عن ذلك اللقاء، وأن يكتبوه لي مُفرَّغًا في أوراق؛ لأعيد استماعه أو قراءته، فما كان فيه من خطأ مني؛ رجعتُ عنه، وشَكَرتُ لأخي الشيخ عبد المالك الرمضاني -أكرمه الله- انتقاده، دون تفسير أو تأويل لموقفه، فالناصح للمرء العاقل فيما أخطأ فيه أنفعُ له من كثير من الذين يَخْدمونه ويمدحونه ويُجلُّونه؛ لأنه يعينُه على تصفية ساحته، وبراءة ذمته، وعافيته من اتِّباع غيره له على ما خالف فيه الحق، خشية أن يَحْمِلَ وِزْرُه وَوِزْرَ مَنْ تَبِعَهُ إلى يوم القيامة ( ).
وما كان في ذلك اللقاء من حقِّ قد اعتراه سوءُ تعبيرٍ؛ رجعتُ عن اللفظ دون المعنى، وما كان فيه من حقٍّ؛ لكن ظَنَّ أخونا عبد المالك -حفظه الله- أنه ليس بحق؛ وضَّحْتُ له دليلي وبرهاني على ما أَرَى، والحقُّ ضالتنا جميعًا.
فلما رَجَعْتُ إلى اللقاء المفرَّغ المكتوب؛ وجدتُ الأمْر على خلاف ما نَقَله الشيخ الرمضاني -حفظه الله- تمامًا؛ فالشيخ ذَكَرَ في هذه الفقرة كلامًا كان في الدقائق الأخيرة من هذا اللقاء، واللقاء كان ساخنًا بيني وبين "مُذيع مُحنَّكٍ، ومُطَّلعٍ على الخلافات بين الجماعات" -كما وَصَفَهُ بذلك الشيخ عبد المالك- وقد سبق في الربع الأول من اللقاء -حسب ظني وتقديري- الكلامُ مني على الدعوة السلفية بوضوح، وبدون خَجَلٍ أو اسْتِحْياء -كما ظن ذلك الشيخ عبد المالك!! وإذا نقلتْ لك -أخي القارئ- الحوار بسياقه غير مبتور ولا مفصول بعضه عن بعض -كما فعل الرمضاني وللأسف!!!- سيظهر لك صِدْقُ ما أقول، لا ما يقول أخونا عبد المالك!!
فالمـُقدم قال: (نُرِيد أن نعرف ما هي السلفية)؟
فكان جوابي: "أما عن السلفية: فالسلفية ليست منهجًا بديلًا عن منهج الإسلام، وليست شيئًا في جانب والإسلام في جانب، والسلفية عبارة عن أن الإنسان يرجع في دينه وفي البلاغ عن الله -عز وجل- وفي ذِكْرِ الحلال والحرام إلى ثلاثة مصادر:
المصدر الأول: كتاب الله.
المصدر الثاني: سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.
ولما كان النصُّ قد يحتمل أَوْجُهًا، وقد أَخْتَلِفُ أنا وأنت في فهم هذا النص؛ فاحْتَجْنَا إلى ميزان نَزِنْ به هذه المفاهيمَ المختلفةَ، وقد طال العهدُ بآثار الرِّسَالَة الأولى -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فعند ذاك لابد من أن يكون هناك قَيْدٌ نفهم به هذه النصوص التي تحتمل أوجهًا، وللعلم أنه ليست كل النصوص تحتمل أوجُهًا، فهناك نصوصٌ مُحْكَمَة، ما فيها إلا قولٌ واحدٌ، مثلُ تحريم الزِّنى، وتحريم الرِّبا، وتحريم الظلم، وتحريم الجور، وتحريم الغِيبة... ما فيها أقوال، ولا تحتمل أوجُهًا، ولكن هناك نصوص -لا سيما في المسائل الاجتهادية- تحتمل أوجُهًا، فهنا اخْتَلَفَ النظرُ في فَهْمِ هذه الوجوه والمفاهيم، فما هو الـمُرجِّح؟ فنحن بين ثلاثة أمور:
إما أن نرجع إلى فهم السلف الصالح، وإما أن نرجع إلى فهم الخلف الذين لَحِقُوهم، وإما أن نرجع إلى فهمنا نحن معشر المعاصرين، والقول بأن الخلف يؤخذ بقولهم، وأما السلف فيُردُّ قولهم؛ قول لا يَشْهَد له النقْلُ ولا العَقْلُ، أولًا: لأن السلف يبتدئون بالصحابة -رضي الله عنهم- والصحابة عاشروا النبي -صلى الله عليه وسلم- وعاصروا تنزُّل القرآن، وعاينوا الأحداث والوقائع، كقول أحدهم: كنا نمشي في مسيرة كذا، أو في غزوة كذا، أي فَنَزَل كذا وكذا من القرآن-" (... ثم قاطعني مُقدِّم البرنامج!!).
فقال: (لكنهم لم يعيشوا في ظروف كظروفنا، ولا في أماكن كالتي نعيش فيها، لكنهم في مناخ مُخَتَلِفٍ تمامًا؟ وأنت قلت قبل قليل: بأنه عندما نتحدث عن الدين؛ نرجع إلى مصادره الثلاثة، لماذا الثلاثة، وهناك خمسة مصادر للتشريع، هناك القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والمصالح المرسَلة)... ؟ فَذَكَرْتُ للمُقدم أن القياس والمصالح المرسلة يرجعان إلى الكتاب والسنة، والقواعد المستنبطة منهما.. ثم رَجَعتُ إلى إتمام جوابي عن المصادر الثلاثة، وذكرتُ الأدلة على صحة فَهْمِ السلف، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ الناس قَرْني، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلُونهم» وذكرتُ له أن هذه الخيرية لهذه القرون ليْسَتْ لكونهم أطْوَلَ قامةً وأَجْمَل وُجوهًا، وإنما هذه الخيرية بسبب عُمْقِ فهمهم، وأفئدتهم البارة التقية، والمعرفة الصحيحة للكتاب والسنة، وبقَدْر قُرْبِ المتأخرين في الفهم من القرون الأُولى؛ فهم مَحْمُودون، وبِقَدْرِ بُعْدِهم؛ فهم مَذْمُومون... ثم أَجَبْتُ عن اعتراض المقدِّم بكون ظروفنا تختلف عن ظروف الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضَّلة، بأننا نرجع إلى أصلٍ آخر مُهمٍّ جدًّا، وهو: هَلْ الشريعة نزلتْ لعصر الصحابة فقط؟... إلى آخر كلامي.
أقول: فهل دفاعي هذا عن السلفية، وتقريري لضرورة الرجوع إلى فهم السلف عبارة عن هروبٍ من الجواب عن السؤال، وخَجلٍ واسْتِحْياء من الانتماء إلى السلفية، في الإجابة عن السؤال الذي وُجِّه إليَّ عدة مرات من الـمُقدِّم، كما يَدَّعي أخونا عبد المالك؟!
الوجه الثاني: لا أَدْرِي من أين فَهِمَ الشيخ عبد المالك -حفظه الله- أن المـُقدِّم سألني سؤالًا صريحًا، ومُفَادُهُ: (إلى أي الجماعات تنتسب)؟، فضلًا عن تكراره للسؤال عليَّ من حينٍ لآخر، ومع ذلك فأنا أتهرب عن الجواب ولا أجيب؟! فاللقاء موجود عند الشيخ -حفظه الله- وأطالبه بأن يُخْرِج للقراء أو المستمعين هذا السؤال منه بصوت مُقدِّم البرنامج: (إلى أي الجماعات تنتسب)؟ ويُخْرِج لي تَكْرارَهُ السؤالَ هذا عليَّ في عدة مواضع، ويُخرج جوابي بصوتي عن هذا السؤال!! فاللقاء المفرغ المكتوب عندي ليس فيه عن هذا السؤال شيء يُذْكَر في موضع واحد -فضلًا عن عِدَّة مواضع-!! ومع ذلك فإني أُنزِّهُ الشيخَ -حفظه الله- عن تعمُّد ذلك، بل لعله توهَّم ذلك؛ أو قلّد أحد طلابه الغلاة، فأوهمه وجود ذلك السؤال في اللقاء، والمرء إذا عَزَم على انتقاد أخيه بنفَسٍ حادٍّ، وكان قصْده تشويهه، ولم تبْق له حرمة في نفسه؛ يُحْرَمُ التأمل والإدراك لكثير مما يتكلم به، ومهما بلغ المرءُ من العلم، والتُّقى؛ فإنه غير معصوم من الوهم أو حرمان التوفيق، كما لا يخفى.
وأسْتَبعِد أن من فرَّغ لي اللقاء قد أَسْقَطَ هذا السؤال عمدًا أو توهُّما؛ لأنه لا حاجة له في ذلك، ولأن بقية الوجوه ستوضِّح أن الشيخ -حفظه الله- لم يُصِبْ في هذا الاستدلال أصلًا، وأنه أَكْثَرَ من هذا الصنيع، وهو: انتزاع كلمة من بين سياقها ولحاقها، والتقديم والتأخير للكلمات، ووضع الكلام في غير موضعه، ولم يتفطَّن للقيود الدقيقة التي تكلمتُ بها، وهذا جزاء من اعترض من أجل الانتقاد، ورحم الله البلقيني إذ قال في "مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح" (ص240): "ولكن الانتهاض لمجرد الاعتراض؛ من جملة الأمراض"!! اهـ.
ولو سلَّمنا أن السؤال الذي ذكره الرمضاني عن مقدِّم البرنامج موجود في ذاك اللقاء؛ ففي كلامي السابق جواب جليٌّ عنه، وليس الخجل والاستحياء اللذان حملاني على الهروب وعدم الجواب، بل أجَبْتُ بكل وضوح وثقة بسلامة منهج السلف!!
الوجه الثالث: أن مقدِّم البرنامج سألني عن الدعوة السلفية في الثلث الأخير تقريبًا من ذاك اللقاء، وذلك عندما رأى مني المنافحة عن السلفية، لا التهرب من الدفاع عنها، والخجل والاستحياء من الانتساب إليها، كما يَدَّعي أخونا الرمضاني دعوَى لا وجود لها إلا في مخْيلته!!!
فقد قال المذيع: ( كيف يَنْضَمُّ الإنسانُ إلى التيار السلفي، أو الحركة السلفية، هَلْ هناك طقوسٌ معينة)؟
فقلتُ له: "أنت نشَأْتَ سلفيًّا" (وذلك باعتبار أن أهل مصر مسلمون أهل سنة).
فقال: (بمفهومي)؟
قلت: "بمفهومك، ِمِشْ لابد أن يكون بمفهومي أنا" فقال: (وهذا شَرَفٌ لا أدَّعِيه).
فقلت: "إذا كنتَ لا تريد أن تكون سلفيًّا؛ فاخْتَرْ لنفسك أنت!! هَلْ أنت تأخذ بكتاب الله أم لا؟ وتأخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟ والعلماء عندك موضع إجلال واحترام، وفتاواهم موضع إجلال واحترام، أم لا؟ خلاص، هذه هي السلفية، وأنت بذلك سلفي، وانتهينا"!!
فقال الـمُقدِّم: (ما فيه طقوسٌ معينة)؟".
فقلت: "ليس هناك طقوس".
فقال: (ولا هناك بيعة)؟
ثم قال: (الإخوان فيه بيعة، وفيه انضمام، وفيه طقوسٌ معينة، وعدمُ الخروج عن رأْي المرشد العام).
فقلت: "نتفق الآن على السلفيين، السلفيون لا يدْعُون إلى بيعة، ولا يَدْعون إلى ولاء وبراء على فكرة معينة، إنما أهم شيء عندهم أن يتمسك الرجل بالكتاب والسنة، ويسير على قواعد أهل العلم".
فقال المقدم: (نَقْضُ العَهْد)؟ فقلتُ: "قد يكون بعض السلفيين يفعل هذا -أي أخْذُ العَهْد- أما أنا عن نفسي؛ فلا أرى هذا، لكن قد يكون بعض السلفيين يفعل هذا من باب مسائل إجرائية في الالتزام بما اتفقنا عليه.. إلى غير ذلك!!" اهـ.
قلت: فهَلْ يقف أحد على هذا الحوار، وبهذا السياق التام، ويقول: هذا المجيب يَسْتَحْيِي أن ينتسب إلى الدعوة السلفية؟! وكلما يُسْأل: "إلى أي الجماعات تنتسب"؟: السلفية أو الإخوان، أو التبليغ؟ فإنه يتهرب عن الجواب، ولا يُجيب على هذا السؤال الصريح، مع تكرار السائل لطرح السؤال، أي وإلحاحه على المسؤول، ومع ذلك لم يَظْفَر السائلُ من المسؤول المراوغ المناور بأي جواب؟! كل هذه الدعاوى المجردة صَدَرَتْ من الرمضاني، ذاك الرجل الذي يقول: هو سلفي يدافع ويغار على الدعوة السلفية!!، ومما قال: -إمعانًا في ظُلْمِه لي- "وأما السلفيون الآخرون فلا يَسْتحْيون من الجواب ..." إلخ.
فإن كان الشيخ عبد المالك سيراجع نفسه في هذه المؤاخذة؛ وإلا فالكلام مطروح مني ومنه على من وقف عليه من أهل العلم وطلبته، والله هو الهادي إلى سواء الصراط، لكن يجب أن يَعْلَم هو وغيره أنه قد أُتيَ من بَتْرِهِ الكلامَ، وعدم المبالاة بسياق الكلام ولحاقه اللذَيْن لا يُفْهَم الكلام إلا بهما، وأنه أَتَى بسؤال في بداية اللقاء، وبجواب على سؤال آخر في نهاية اللقاء، وجعل هذا جوابًا لذاك، وهذا حال مخالف للإنصاف والأمانة ولزوم منهج العلماء، والنصح لعباد الله!!!
الرابع: أما ما نقله الشيخ عبد المالك -حفظه الله- عن مقدم البرنامج وهو قوله: (أوقَعْتُم العقلَ المصري في حيرة).. إلخ. فهذا كلام ذَكَرهُ المقدِّم في الدقائق الأخيرة من اللقاء –وليس في هذا الموضع الذي ذكره الرمضاني- وبعد مناقشات ساخنة بيني وبينه طيلة اللقاء، والمذيع -كما هي عادة مقدِّمي البرامج الفضائية- يحرص على إثارة الخلاف بين الضيف وجمهوره والمخالفين لهم من طوائف المجتمع، فيسأل أسئلة تثير هذه الكوامن، ولِعِلْمي أن الإعلاميين فوجئوا بوجود الدعوة السلفية في المجتمع المصري، وبكثرة المحبين لها، وثِقِلِهم في البلاد، ولم يكن لها كبير ذِكْرٍ أو شَأن من قبل، ولم يكن هذا مما يرضيهم أو يُعجبهم -وإن كنت سمعتُ بعد ذلك عن ذاك المذيع أنه ليس على طريقة الإعلاميين المشوِّهين للدعوة، أو للعمل الدعوي- لما كان ظني قبل اللقاء كذلك عن الإعلاميين؛ فلم يكن هناك فائدة من ذِكْرِ كل ما أعرفه على الهواء في ذلك اللقاء، فكما قيل: ليس كلُّ ما يُعرَفُ يُقال، وليس كلُّ ما يُقال قد جاء وقْتُهُ، وليس كل ما قد جاء وقْتُهُ قد حَضَرَ أهْلُهُ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ -رضي الله عنه- لما قال له: «أفلا أُبشِّرُ الناسَ؟» أي بفضل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ فقال له: «لا تُبَشِّرْهم؛ فيتَّكِلُوا» ولما أَنْكَر عمر -رضي الله عنه- على أبي هريرة -رضي الله عنه- ذَهَابَهُ ليُبَشِّر الناسَ بنحو ذلك؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصديقًا لرأي عمر -رضي الله عنه-: «خَلَّهم يَعْمَلُون»( ) وبوَّب بعض العلماء -رحمهم الله- (باب جواز كتمان العلم للمصلحة)( ) فهل يلزمني أن أُجيب بكل ما أعْرِفُ إذا سألني سائل، قد غَلَبَ على ظنِّي -وإن أخطأتُ في التقدير آنذاك- أنه سيُوظِّف جوابي لإثارة خلافات وُترَّهَات بين العاملين في ساحة الدعوة، وإن كان بعضهم أقرب للحق من بعض، لكن المستفيد من الخلاف هُمْ مَنْ أعلنوا الحرب على الدعوة، إما عن بصيرة، أو عن جهل وتغرير وخداع، أو عن تأويل خاطئ؟
الخامس: كَوْنُ المذيع الذي كان يسألني قد تعوَّد على لهجةٍ معينة يجيب بها الكثير من نجوم الفضائيات من دعاة وفلاسفة السلفيين -حسب تعبير المذيع- وأن ردودهم واضحة وقاطعة وصادمة -حسب قول المذيع-: هَلْ يلزمني أن أَسْلُكَ طريقتهم حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة في الجواب؟ وأَذْكُرَ أجوبةً صادمة -كما وصفها المذيع- فأقول: فلان مبتدع ضال، والجماعة الفلانية من الفرق الهالكة، وإلا كنت مراوغًا متهربًا، لا أُجيب ولا أُوضِّح هَلْ أنا سلفي أم لا عند عبد المالك رمضاني ومن كان على شاكلته من الغلاة؟ الذين طاروا فرحًا بمؤاخذاته، ولم يكن له ذِكْرٌ عند أكثرهم في اليمن وغيره إلا عندما ردَّ عليَّ، لكن ما كان لغير الله –من تشنيع الغلاة بهذه المؤاخذات- لا يُبارَكُ فيه، وهذا الجواب على تلك المؤاخذات تَقَرُّ به عيونُ الصادقين الثابتين من أهل الحديث، وتَسْخَن به عيون الغلاة ومَنْ لَحِقَ بركْبهم!!
فالذي أراه: أنَّ الحق في ذلك: أن يُنظر إلى إجابتي على مقدّم البرنامج: هَلْ هي كافية شرعًا أم لا؟ فقد قررتُ في ذلك اللقاء أصول الدعوة السلفية، وأجَبْتُ عن شبهة ذَكَرها المذيع: إن عصر الصحابة يختلف عن عصرنا، فلا نُلزم بِفَهمِهِم، وذكرتُ أن حَمَلَةَ السلفية ليس لهم طقوس معينة -كالبيعة أو العَهْد- كما لغيرها من الجماعات -وإن تأثر بهم في ذلك بعض السلفيين- وأنها ليست منهجًا غير منهج الإسلام، أو بديلًا عنه، بل هي الإسلام بصفائه ونقائه، وذكرت الأدلة على ضرورة لزوم الخلف لمنهج السلف، فكون المذيع يرى بعد ذلك أن هذه دبلوماسية ومناورة؛ فَلْيَقُلْ المذيع وعبدالمالك وغيرهما ما شاءوا، المهم: هَلْ قلتُ الحقّ الذي يجب عليَّ أن أقوله في ذلك المقام، أم لا؟
ولو سلَّمنا أنني ما أجَبْتُ على سؤال المذيع؛ هل هذا يسوّغ لعبدالمالك رمضاني والغلاة إخراجي من السلفية، والحكم بتبديعي والدعوة إلى هجْري وهجْر من لم يهجرني ... وهلمّ جرًّا؟! أليس هذا هو مسلك الغلاة يا عبدالمالك؟!
لا تنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلهُ عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ!!
السادس: ما نقله الشيخ الرمضاني -حفظه الله- عن قول المذيع مستدلًّا به على عدم إجابتي عليه بالطريقة التي يجيب بها غيري من الدعاة، والتي يراها –وحدها- عبدالمالك الجواب السلفي!! فقال: (حَضرِتك ما فيه سؤال أسألك إياه إلا بِتْفصِّلهُ لي، وفيه رَأْيُ كذا، ورَأْيُ كذا، وتُفصِّلُه...) إلخ.
قلت: فما هو العيب في التفصيل لِـمَا يحتاج -في نظري إلى التفصيل، وإن سلمنا أنني أخطأتُ في التقدير- هَلْ هذا يكفي الشيخَ عبد المالك الرمضاني في إخراجي من السلفية، كما يقول الغلاة في التجريح، أو بعبارة أدقَّ: هَلْ هذا دليل من جملة ثمانية أدلة على ذلك؟!
ونظرًا لأني أعلم أن كثيرًا من الإعلاميين يحرصون على تشويه الدعوة السلفية، ويحصُرونها في لِحْيةٍ طويلة، وسواكٍ، وثوبٍ قصير، وحجابٍ كامل للمرأة كالخيمة!! حسب تعبيرهم!!
فلما قال لي المذيع: (اقعدوا مع بعض، واجتمعوا كِدهْ، وشوفوا من الصَّحْ، وقولوا لنا، وحْنا نمشي وراكم).
فقلت له: "جميل، ونحن نُحب من العقل المصري ألا يسمع عنا من غيرنا، إنما يسمع منا مباشرة".
فأردت بذلك أن أرد على من يُشَوِّه الدعوة السلفية، ويَسْمَع من خصومهم -إسلاميين وعلمانيين وغيرهم- إنما يلزمه أن يسمع من السلفيين مباشرة، وقلت له هذا الكلام في أواخر اللقاء بعد شرحي الـمُطَوَّل للدعوة السلفية، فهل في هذا هروب من الجواب أيها العقلاء المجردون من الهوى والحميَّة الجاهلية؟!!
ثم لماذا يَحْمَدُ الإسلاميون وغيرهم رئيسَ البلاد -وإن كان علمانيًا- إذا سُئل أسئلة يُراد من ورائها إيقاعُ المسؤولِ في فَخٍّ، أو توظيفُ جوابه في غير ما تُحْمَدُ عاقبته، فحاد في الجواب -مع أنني لم أَحِدْ في الجواب- فالناس يَصِفُونه بالفطنة، وأنه لم يتمكن الإعلاميون في استغفاله... إلى آخر، ولما لم يتمكن المذيع من تحقيق مراده مني في تشويه الدعوة؛ فَهِمَ الأخ الرمضاني أن هذه حِيدَةٌ وهروبٌ، وخَجَلٌ واستحياءٌ من الانتساب للسلفية!!!
يقول الرمضاني هذا كلَّه في رجُلٍ قد بُحَّ صوتُه وهو ينادي الناس في لزوم الخلف منهجَ السلف، وفي رجل تشهد كتبه ودروسه ومؤلفاته وطلابُهُ وجُلَساؤه مبْلغًا كريما في الانتصار لمنهج السلف: عقيدة، وحديثا، وفقها، وتربية، ودعوة، ودفاعا عن علماء هذه الدعوة: الأحياء منهم والأموات، ولولا بخْس الباخسين، وإهدار المسرفين؛ لما احتجْتُ لهذا الجواب، ولكنه من باب قوله تعالى –حاكيًا عن يوسف عليه السلام-: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾!!!
والواقع أن كلام المذيع هنا في طلبه جلوسَ الدعاة، واتفاقَهُم على قول واحد... إلخ. عبارة عن عَرْضٍ أو نصيحة أو اقتراح من المذيع، وليس سؤالًا يحتاج مني إلى جواب، كما لا يخفى، فمِنَ المعيب دعوى التهرُّب من الجواب، مع أنه خرج من المذيع مَخْرج العَرْض والاقتراح لا مخرج السؤال!!
(انتهى الجواب عن المؤاخذة الأولى بتوفيق الله ورحمته، ويليه -بمشيئة الله- الجواب عن المؤاخذة الثانية)
كتبه/ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
مدير دار الحديث بمأرب
ورئيس رابطة أهل الحديث باليمن