ماذا قال العلماء الذين أجازوا الاحتفال بالمولد النبوي؟
من الأخطاء الشائعة أن يُقال:
"لم يقل بجواز المولد أحد من علماء الأمة."
وهذه الدعوى لا تصح من الناحية التاريخية.
فقد ذهب عدد من كبار العلماء - مع اختلاف تعبيراتهم وشروطهم - إلى جواز الاحتفال بالمولد إذا خلا من المحرمات، واشتمل على الأعمال المشروعة.
وهنا نستعرض أشهر هذه الأقوال.
أولًا: الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)
يُعد الحافظ ابن حجر من كبار أئمة الحديث في الإسلام، وصاحب كتاب فتح الباري.
وقد سُئل عن الاحتفال بالمولد، فذكر أن أصله لم يُنقل عن السلف، ثم قال - بمعناه -:
إنه إذا اشتمل على أعمال صالحة، مثل:
- تلاوة القرآن.
- إطعام الطعام.
- الصدقة.
- ذكر السيرة.
- إظهار الفرح بمولد النبي ﷺ.
وكان خاليًا من المحرمات، فإنه يرجى أن يكون من البدع الحسنة التي يُثاب صاحبها على قصده.
وهذا يدل على أن ابن حجر لم ينظر إلى مجرد اسم "المولد"، وإنما نظر إلى مضمونه.
ثانيًا: الإمام جلال الدين السيوطي (ت 911هـ)
ألف الإمام السيوطي رسالة مستقلة في هذه المسألة، بعنوان:
"حسن المقصد في عمل المولد".
ورأى أن الاجتماع على:
- قراءة القرآن.
- رواية أخبار مولده ﷺ.
- ذكر سيرته.
- إطعام الطعام.
من الأعمال الحسنة إذا خلت من المنكرات.
واعتبر أن ذلك من باب إظهار الفرح بالنبي ﷺ، وهو مقصد تؤيده نصوص الشريعة.
ولم يجز ما قد يصاحب بعض الاحتفالات من مخالفات.
ثالثًا: ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ)
كان من كبار المحدثين في بلاد الشام.
وقد صنف في فضل المولد، ونقل عنه العلماء عنايته بهذه المناسبة، وعدّها وسيلة لإحياء محبة النبي ﷺ، مع الالتزام بالضوابط الشرعية.
رابعًا: شمس الدين السخاوي (ت 902هـ)
ذكر السخاوي أن الناس ما زالوا يحتفلون بالمولد في كثير من الأمصار، وأنهم يقرؤون فيه السيرة، ويطعمون الطعام، ويتصدقون.
وأشار إلى ما يحصل بسببه من إظهار محبة النبي ﷺ، مع إنكاره لما قد يقع فيه من تجاوزات.
خامسًا: لماذا أجاز هؤلاء العلماء؟
إذا تأملنا كلامهم وجدنا أنهم لم يبنوا الجواز على مجرد العاطفة.
بل اعتمدوا على عدة أصول، منها:
- أن الفرح بالنبي ﷺ مشروع.
- أن قراءة سيرته عبادة مشروعة.
- أن الصلاة عليه مأمور بها.
- أن إطعام الطعام والصدقة من القربات.
- أن الاجتماع على هذه الأعمال لا يكون ممنوعًا بمجرده، ما لم يشتمل على محرم أو اعتقاد غير مشروع.
إذن، فاستدلالهم كان أصوليًا، لا مجرد استحسان مجرد.
سادسًا: هل أجازوا كل ما يفعل في الموالد؟
وهنا يقع خطأ شائع.
فكثير من هؤلاء العلماء لم يجيزوا كل صورة تُنسب إلى المولد.
بل نصوا على إنكار ما يقع فيه من:
- الغلو في النبي ﷺ.
- الاستغاثة بغير الله.
- الاختلاط المحرم.
- اللهو المنكر.
- الإسراف.
- الاعتقادات الفاسدة.
فإجازتهم كانت مقيدة، لا مطلقة.
سابعًا: ماذا نستفيد من أقوالهم؟
تدل هذه الأقوال على أن المسألة ليست محل إجماع.
فإذا كان مثل:
- ابن حجر.
- والسيوطي.
- والسخاوي.
- وابن ناصر الدين.
قد أجازوا المولد بشروط، فلا يصح أن يُتهم كل من قال بالجواز بأنه خالف إجماع الأمة.
كما لا يصح أن تُنسب إليهم إجازة المنكرات التي أنكروها بأنفسهم.
الخلاصة
إن عددًا من كبار علماء الإسلام أجازوا الاحتفال بالمولد بشروط وضوابط، ولم يجعلوه عبادة مستقلة، وإنما نظروا إليه باعتباره اجتماعًا على أعمال مشروعة، بشرط أن يخلو من المخالفات الشرعية.
ومن هنا يتبين أن الخلاف في هذه المسألة هو خلاف اجتهادي بين علماء معتبرين، وليس صراعًا بين محب للسنة ومبتدع، كما يُصوَّر أحيانًا.