الجمعة، 30 أكتوبر 2026

# الإخوان المسلمون تبرّؤوا من منصور عباس ببيان رسمي عام 2021: لماذا يُنسب إليهم اليوم؟

 



# الإخوان المسلمون تبرّؤوا من منصور عباس ببيان رسمي عام 2021: لماذا يُنسب إليهم اليوم؟

**الصورة المتداولة من انتخابات الكنيست الإسرائيلي عام 2026 أعادت اسم منصور عباس إلى الواجهة، لكن ثمة حقيقة ينبغي تذكير الناس بها: جماعة الإخوان المسلمين نفت رسميًا وجود أي صلة فكرية أو تنظيمية بينها وبين الحركة التي ينتمي إليها.**
تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لمنصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، وهو يدلي بصوته في الانتخابات الإسرائيلية لعام 2026، وقد أثارت الصورة نقاشًا حول مواقفه السياسية وانتمائه الفكري والتنظيمي.
لكن قبل أن يُسارع البعض إلى ربط الرجل بجماعة الإخوان المسلمين، أو تقديم مواقفه باعتبارها تعبيرًا عن الجماعة، من المهم الرجوع إلى موقف رسمي معلن صدر عنها قبل سنوات.
📌 **في 6 يونيو/حزيران 2021، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانًا رسميًا بعنوان «إنصافًا للحقيقة»، نفت فيه وجود أي صلة فكرية أو تنظيمية بينها وبين الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها منصور عباس.**
وجاء في البيان، المنشور عبر الموقع الرسمي للجماعة، تأكيد واضح على أن الجماعة لا تربطها بهذه الحركة صلة فكرية أو تنظيمية، وذلك بعد أن بدأت بعض وسائل الإعلام تنسب الحركة إليها.
🔹 **ما الذي يعنيه ذلك؟**
يعني أن من الإنصاف عدم الخلط بين جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وعدم نسبة كل موقف سياسي يتخذه منصور عباس إلى الجماعة، ما دامت قد أعلنت رسميًا نفي الصلة الفكرية والتنظيمية.
فالتشابه في بعض الأفكار أو الجذور التاريخية لا يكفي وحده لإثبات الانتماء التنظيمي، كما أن المواقف السياسية لأي شخصية لا يجوز تحميل مسؤوليتها لجهة أخرى من دون دليل واضح.
وهذا لا يمنع من نقد منصور عباس أو مناقشة خياراته السياسية ومواقفه من المشاركة في الحياة السياسية الإسرائيلية؛ فهذه مسائل تُناقش بأدلتها ووقائعها، بعيدًا عن الخلط في الانتماءات.
**الخلاصة:**
الصورة المتداولة في عام 2026 لا تلغي حقيقة موثقة تعود إلى عام 2021: جماعة الإخوان المسلمين أصدرت بيانًا رسميًا نفت فيه وجود صلة فكرية أو تنظيمية بينها وبين الحركة التي ينتمي إليها منصور عباس.
لذلك، فإن أراد أحدٌ نقد الرجل ومواقفه، فليكن النقد موجّهًا إليه وإلى قراراته، لا عبر نسبته تلقائيًا إلى جماعة نفت رسميًا تلك الصلة.
**الإنصاف يقتضي أن ننقل المواقف كما أعلنها أصحابها، وأن نفرّق بين الوقائع والانطباعات، وبين الانتماء الحقيقي ومجرد التصنيف الإعلامي.**
@أبرز المعجبين
📎 **المصدر:** الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، 6 يونيو/حزيران 2021:
https://www.ikhwanonline.com/article/245996

رسالة إلى السلفية المدخلية: السنة أوسع من اختياراتكم، ومنهج السلف أكبر من تصنيفاتكم وخصوماتكم!


لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف!


رسالة إلى السلفية المدخلية: السنة أوسع من اختياراتكم، ومنهج السلف أكبر من تصنيفاتكم وخصوماتكم!

من أعظم الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المنتسبون إلى الدعوة الإسلامية أن يتحولوا من دعاة يُحبِّبون الناس في الدين إلى أشخاص ينفّرونهم منه، ومن مصلحين يجمعون الكلمة إلى خصوم يوسّعون دوائر النزاع، ومن حَمَلة للعلم إلى حُرّاس على تصنيفات وولاءات لا تنتهي.

وهذه رسالة نوجّهها إلى بعض المنتسبين إلى التيار السلفي المدخلي، ممن غلب على خطابهم التشدد في مسائل الخلاف، والتوسع في الجرح والتبديع، والتضييق على المخالفين، حتى أصبحت بعض ممارساتهم سببًا في تنفير الناس من السنة التي يرفعون شعار الدفاع عنها.

فليس كل ما يُمارس باسم السنة من السنة، وليس كل ما يُقال باسم اتباع السلف تعبيرًا صحيحًا عن منهج السلف!

أولًا: أيُّ صورة تقدمونها عن الإسلام؟

إن المسلم لا يدعو إلى دينه بكلامه وحده، وإنما يدعو إليه أيضًا بأخلاقه وسلوكه وطريقة تعامله مع الناس.

وقد انتشر المسلمون في بلاد العالم، ومنها المجتمعات الأوروبية والأمريكية، وأتيحت لهم فرص واسعة للتعريف بدينهم، من خلال الحوار والتعارف والعمل والدراسة والتعامل اليومي.

لكن السؤال: ماذا يرى الناس فينا؟ وماذا يتعرفون عليه من خلال سلوكنا؟

هل يرون دينًا يدعو إلى الرحمة والعدل والإنصاف والتكافل، أم يرون تناقضًا بين الشعارات والممارسات؟ هل يرون أناسًا يوسعون دائرة الخير والإحسان، أم يرون جماعات منشغلة بتصنيف بعضها بعضًا، والطعن في العلماء والدعاة، وتتبع الأخطاء والزلات، وإثارة الخصومات؟

ومن المؤسف أن بعض الخطابات الدينية المعاصرة تقدم الإسلام للناس من خلال قائمة طويلة من الممنوعات، ومجموعة من المعارك حول الأسماء والانتسابات والمظاهر، وكأن أعظم ما يحتاج إليه المسلم هو أن يعرف من يُحذَّر منه، ومن يُهجَر، ومن يُبدَّع، ومن يجوز له أن يجالسه!

فأين الدعوة إلى مكارم الأخلاق؟ وأين تزكية النفوس؟ وأين العلم النافع؟ وأين الرحمة بالخلق؟ وأين الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى؟

إن المشكلة ليست في حرص المسلم على السنة، وإنما في أن تتحول الغيرة عليها إلى غلظة، وأن يتحول الدفاع عنها إلى خصومة، وأن يصبح بعض المنتسبين إليها سببًا في تشويه صورتها.

ثانيًا: اختزال السلفية في مظاهر واختيارات جزئية

لا شك أن الالتزام بالهدي النبوي في الهيئة واللباس والعبادة من الأمور التي يعتني بها المسلم، ولا يصح التقليل من شأن السنن الثابتة والآداب الشرعية.

لكن الخلل يبدأ حين يُختزل التدين في المظاهر، ويُجعل الاهتمام ببعض الجزئيات علامةً وحيدة على صحة الاتباع، بينما تُهمَل جوانب أعظم تتعلق بسلامة القلب، وتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، ونضج العقل، وحسن التعامل مع الناس.

فما قيمة المظهر الذي لا تصحبه أخلاق؟ وما فائدة الحرص على بعض الهيئات إذا كان صاحبه سريع الطعن، شديد الخصومة، ضيق الصدر بالخلاف، لا يعرف للإنصاف مكانًا، ولا يترك للمخالف مساحة للاجتهاد؟

ليس المقصود الاعتراض على اللحية أو اللباس أو غيرهما من السنن والآداب، وإنما الاعتراض على تحويل هذه الأمور إلى مقياس شامل لتقويم الناس، أو جعل بعض الاختيارات الفقهية الخاصة عنوانًا وحيدًا للانتساب إلى السنة.

وقد رأينا في بعض الخطابات المدخلية مبالغة في الاهتمام بالمظاهر والجزئيات، يقابلها ضعف في الاهتمام بفقه الاختلاف، ومقاصد الشريعة، وأدب الحوار، وأخلاق العلماء.

فالسنة ليست مظهرًا منفصلًا عن الأخلاق، وليست هيئة خارجية بمعزل عن العلم والرحمة والعدل؛ بل هي هدي متكامل في الاعتقاد والعبادة والسلوك والمعاملة.

ثالثًا: تحويل الجرح والتعديل إلى سلاح للخصومة والإقصاء

ومن أبرز الإشكالات التي تستحق المراجعة في الخطاب المدخلي التوسع في استعمال الجرح والتعديل، حتى تحول في بعض دوائره من علم له أصوله وضوابطه ومقاصده إلى وسيلة لتصفية الخلافات وإسقاط المخالفين.

فالجرح والتعديل علم جليل، نشأ لحماية الرواية وتمييز صحيح الأخبار من سقيمها، وله شروطه ومناهجه واعتباراته العلمية. لكن تطبيق أحكام النقد على الأشخاص والمناهج والدعاة ليس أمرًا مباحًا لكل أحد، ولا يصح أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتوزيع التهم والتصنيفات.

فليس كل خطأ بدعة، وليس كل اجتهاد انحرافًا، وليس كل اختلاف دليلًا على فساد المنهج، وليس كل من خالف عالمًا أو داعية يستحق أن يُحذَّر منه أو يُهجر.

ومن المؤسف أن بعض الخطابات المدخلية وسّعت دائرة التجريح حتى أصبح الخلاف مع بعض الرموز أو المشايخ سببًا في التشكيك في الأشخاص، والطعن في مقاصدهم، والتحذير من مجالستهم، وربما إسقاط تاريخهم العلمي والدعوي بسبب موقف أو عبارة أو اجتهاد.

وتُثار أحيانًا خصومات بين علماء ودعاة من أهل السنة، ثم تنتقل إلى أتباعهم، فتتشكل معسكرات متقابلة، ويصبح الولاء والبراء في نظر بعض المتحمسين مرتبطًا بالمواقف من أسماء معينة، لا بالحق والدليل والإنصاف.

وهنا نسأل:

أهذا هو المقصود من علم الجرح والتعديل؟ وهل وظيفته أن يتحول إلى أداة لتوسيع الخصومات بين المسلمين؟ وهل من الفقه أن تُشغَل أجيال من الشباب بتتبع زلات الدعاة وأخطائهم، بدل تعليمهم العلم النافع، وتربيتهم على العبادة والأخلاق، وإعدادهم لخدمة مجتمعاتهم؟

إن العلماء أنفسهم اختلفوا وانتقد بعضهم بعضًا، لكن النقد العلمي شيء، وتحويله إلى حملات تحذير وإقصاء وهدم للمكانة العلمية شيء آخر.

ليس كل من أخطأ يُسقط، وليس كل من خالفك يُهجر، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى معركة ولاء وبراء.

رابعًا: تضييق واسع الاجتهاد واحتكار فهم السنة

من أخطر مظاهر الخلل أن تتحول اختيارات بعض العلماء أو رموز التيار إلى أحكام يُطلب من جميع المسلمين الالتزام بها، وكأنها تمثل وحدها حقيقة السنة ومنهج السلف.

إن الشريعة جاءت بأصول ثابتة وأحكام قطعية، كما تركت مجالًا واسعًا للاجتهاد في مسائل كثيرة، واختلف العلماء في الفروع والاستنباطات وطرق تنزيل الأحكام على الوقائع.

وهذا الاختلاف لم يكن عيبًا في تاريخ الأمة، بل كان جزءًا من حركتها العلمية والفقهية.

فالأئمة الأربعة اختلفوا في مسائل عديدة، ولم يكن أحد منهم يزعم أن كل ما اختاره هو وحده الصواب الذي لا يحتمل غيره.

لكننا نجد في بعض الخطاب المدخلي تضييقًا في المسائل الاجتهادية، وتوسعًا في الإنكار على المخالف، وخلطًا بين مخالفة قول فقهي معين وبين مخالفة السنة أو منهج السلف.

فإذا أخذ عالم بقول فقهي معتبر، أو اختار اجتهادًا له دليله، لم يكن من الإنصاف أن يُجعل ذلك سببًا للطعن فيه أو التشكيك في اتباعه.

وإذا اختلف الدعاة في تقدير مصلحة عامة، أو وسيلة إصلاحية، أو موقف اجتهادي، فلا يصح أن يتحول ذلك تلقائيًا إلى اختبار للانتماء السلفي.

إن السنة ليست ملكًا لتيار، ولا حكرًا على مجموعة من المشايخ، ولا يجوز أن يُحتكر فهمها في دائرة ضيقة، ثم يُحاكم سائر العلماء والدعاة إلى اختيارات تلك الدائرة.

اتباع السلف يعني الاقتداء بعلمهم وفقههم وإنصافهم، لا تحويل اجتهادات بعض المعاصرين إلى نصوص لا تقبل المناقشة.

خامسًا: التوسع في التبديع والتحريم باسم المحافظة على السنة

ومن الإشكالات التي تتكرر في بعض الخطابات المتشددة التوسع في إطلاق أحكام البدعة والتحريم على وسائل وأمور مستجدة، لمجرد أنها لم تكن معروفة بصورتها المعاصرة في زمن النبوة.

وهنا لا بد من التفريق بين العبادات المحضة التي يُطلب فيها الاتباع والتوقيف، وبين العادات والمعاملات والوسائل والتنظيمات التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وتُدرس أحكامها في ضوء الأدلة والمقاصد والمصالح والمفاسد.

فليس كل جديد بدعة شرعية، وليس كل وسيلة مستحدثة محرمة، وليس كل نظام إداري أو سياسي مستورد من خارج البيئة الإسلامية مخالفًا للشريعة.

وقد تحتاج الأمة إلى تطوير نظمها الإدارية والتعليمية والاقتصادية، وإلى الاستفادة من التجارب الإنسانية في تنظيم المؤسسات، وتحقيق الرقابة، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتطوير وسائل الدفاع عن البلاد.

ولا يصح رفض هذه الوسائل جميعًا بمجرد وصفها بأنها وافدة أو مستوردة.

فالعلم النافع لا وطن له، والخبرة الإنسانية لا تُرفض لمجرد أن أصحابها غير مسلمين، وإنما تُعرض على أحكام الشريعة ومبادئها، فما وافق الحق والمصلحة المعتبرة انتُفع به، وما خالفهما رُدَّ.

وكذلك لا يجوز الخلط بين الحكم على الوسيلة وبين الحكم على غايتها؛ فقد تكون الوسيلة مباحة في أصلها، ويطرأ عليها ما يجعلها ممنوعة، وقد تكون وسيلة جديدة تحقق مصلحة معتبرة لم تكن متاحة من قبل.

ومن هنا، فإن إطلاق أحكام البدعة والتحريم دون تفصيل علمي، لا يخدم السنة، بل قد يجعلها في نظر الناس دينًا يرفض كل تطور، ويعادي كل تجربة جديدة.

سادسًا: الطاعة ليست ترخيصًا لإلغاء النصيحة والمحاسبة

ومن المسائل التي تحتاج إلى تحرير دقيق في الخطاب المدخلي مسألة السمع والطاعة لولاة الأمور.

فالسمع والطاعة في المعروف أصل شرعي معروف، وتجنب الفتن وسفك الدماء مقصد معتبر، ولا يدعو العقلاء إلى الفوضى أو التمرد المسلح أو تقويض استقرار المجتمعات.

لكن الخطأ يقع حين يُتوسع في تنزيل نصوص الطاعة على كل موقف سياسي، حتى تصبح النصيحة للحاكم أو نقد سياساته أو المطالبة بالإصلاح موضع ريبة، أو تُلحق كل معارضة سلمية أو مطالبة مشروعة بالعدل بمسالك الخوارج.

فالفرق كبير بين الخروج المسلح المحرم وما يترتب عليه من فتن، وبين النصيحة، وإظهار الخطأ، والمطالبة بالحقوق، ومحاسبة المسؤولين، والسعي إلى الإصلاح بالوسائل المشروعة.

وليس معنى المحافظة على استقرار المجتمع أن يُعطَّل واجب النصح، أو يُمنع بيان الظلم، أو تُجعل طاعة ولي الأمر بمعنى عصمته من الخطأ والنقد.

فالطاعة في المعروف لا تعني الطاعة في المعصية، ولا تعني إسقاط واجب العدل، ولا تمنح أحدًا حصانة شرعية من النصح والتقويم.

ومن الإنصاف أن يُفرّق بين من يدعو إلى الفوضى والعنف، ومن يدعو إلى الإصلاح السلمي، وبين من يستحل الدماء، ومن يناقش سياسات عامة أو يطالب بمحاسبة المسؤولين.

إن اختزال كل هذه المسائل في تهمة الخروج، أو التعامل مع كل نقد سياسي باعتباره انحرافًا عقديًا، توسع لا يصح أن يُنسب إلى مقتضيات النصوص الشرعية دون دليل وتفصيل.

سابعًا: إنكار الحزبية ظاهرًا وممارسة الاصطفاف عمليًا

ومن المفارقات التي تستحق التأمل في بعض البيئات المدخلية أنها ترفع شعار محاربة الحزبية والتحزب، وتحذّر من التنظيمات والولاءات الجماعية، لكنها قد تقع عمليًا في صور من الاصطفاف الضيق الذي يشبه ما تنتقده عند غيرها.

فحين يصبح الانتماء العملي مرتبطًا بمجموعة من الرموز، وتُبنى المواقف على موافقتهم ومخالفتهم، وتُوزع التزكيات والتحذيرات بحسب القرب والبعد من تلك الدائرة، وتنشأ شبكة من الولاءات والتصنيفات التي تحدد من يُقبل ومن يُرفض، فإننا نكون أمام حالة من الاصطفاف الجماعي، وإن لم تحمل اسم حزب أو تنظيم.

وحين يُمتحن الدعاة بمواقفهم من أشخاص معينين، وتُقاس سلامة المنهج بمقدار موافقتهم لبعض الرموز، فإن السؤال يصبح مشروعًا:

ما الفرق بين التحزب الذي ترفضونه، وبين هذا الاصطفاف الذي تمارسونه عمليًا؟

ليس المقصود أن كل تجمع أو تعاون تنظيمي حرام، ولا أن كل اتفاق بين مجموعة من الدعاة يدخل في الحزبية المذمومة؛ وإنما المقصود أن المعيار ينبغي أن يكون واحدًا، وأن تُرفض العصبية والولاءات المغلقة سواء ظهرت تحت اسم حزب أو ظهرت تحت شعار محاربة الأحزاب.

فلا يصح أن نرفض الحزبية عند الآخرين ثم نقع في روحها وممارساتها بأسماء أخرى.

ثامنًا: ليست كل وسيلة جديدة بدعة، ولا كل اختلاف تهديد لوحدة الأمة

إن الأمة الإسلامية تواجه تحديات علمية واقتصادية وسياسية وثقافية كبيرة، وهي بحاجة إلى تعاون أبنائها، وتنوع خبراتهم، وتعدد اجتهاداتهم، وتكامل جهودهم.

ولا يمكن أن تُبنى نهضة الأمة إذا ظل أبناؤها مشغولين بإسقاط بعضهم بعضًا، أو إذا أصبح كل اختلاف في الوسائل والمواقف سببًا للتخوين والتبديع والتصنيف.

إن تعدد الآراء في الشؤون العامة لا يعني بالضرورة تمزيق الأمة، كما أن اختلاف المذاهب الفقهية لم يكن سببًا في إلغاء وحدة الدين.

وليس كل تعدد حزبي أو سياسي مشروعًا في كل صورة، وليس كل تنظيم أو تحالف مقبولًا دون ضوابط؛ لكن الحكم على هذه الوسائل يحتاج إلى دراسة موضوعية، لا إلى أحكام جاهزة تُصدر قبل فهم الواقع وتقدير المصالح والمفاسد.

ومن المؤسف أن بعض المتشددين في الخطاب المدخلي يرفضون صورًا متعددة من العمل الجماعي والإصلاح السياسي، ويختزلونها في الحزبية والبدعة، دون التمييز الكافي بين الوسائل المشروعة والممارسات المنحرفة.

فالخلاف في وسيلة الإصلاح لا يعني الخلاف في أصل الدين، وتنوع الاجتهادات لا يعني بالضرورة التحزب المذموم، والتعاون على المصالح العامة لا يُقاس بمجرد الأسماء والشعارات.

تاسعًا: أين فقه الأولويات ومقاصد الشريعة؟

حين ننظر إلى واقع الأمة، نجد تحديات ضخمة تتعلق بالجهل والفقر والفساد والظلم وضعف التعليم والتخلف العلمي والتقني، فضلًا عن الحروب والتبعية والاستبداد وتفكك المجتمعات.

وفي مقابل هذه التحديات، نجد بعض الخطابات الدعوية تُهدر قدرًا كبيرًا من طاقتها في الخصومات حول أسماء الدعاة، والتحذير من المخالفين، والجدال في مسائل فرعية، والبحث عن أخطاء تُضاف إلى قوائم الجرح والتبديع.

فأين فقه الأولويات؟ وأين ترتيب الواجبات؟ وأين إدراك تفاوت المسائل بين الأصول والفروع، وبين القطعي والاجتهادي، وبين الواجب والمستحب، وبين ما يعود نفعه على الفرد وما تعم به المصلحة؟

إن من علامات الخلل في الفقه أن تُعطى المسائل الصغيرة أكبر من حجمها، وأن تُهمَل القضايا الكبرى، وأن يصبح الانتصار في معركة تصنيفية أهم من إصلاح واقع المسلمين.

ولا يعني هذا إهمال العقيدة أو السنة أو التحذير من الانحرافات الحقيقية، وإنما يعني وضع كل مسألة في موضعها، وعدم تحويل جزئيات الدين إلى معارك تستنزف طاقات الأمة.

فالدعوة تحتاج إلى علماء يفقهون النصوص والواقع، ودعاة يجمعون بين العلم والحكمة، وشباب يتعلمون بدل أن ينشغلوا بالخصومات، ومؤسسات تعمل للإصلاح بدل أن تتحول إلى ساحات لتبادل الاتهامات.

عاشرًا: رسالة إلى المنتسبين إلى السلفية المدخلية

إن محبتنا للسنة وحرصنا على اتباع السلف لا تمنعنا من نقد الممارسات التي تسيء إلى السنة باسم الدفاع عنها.

بل إن من الوفاء للسنة أن ننزه خطابها عن الغلو، وأن نرفض توظيف النصوص في الخصومات، وأن نرد التجاوزات إلى ميزان العلم والعدل والإنصاف.

يا من تنتسبون إلى السلفية المدخلية:

ليس من منهج السلف أن تجعلوا كل مخالف لكم مبتدعًا، ولا أن تحولوا كل خلاف فقهي إلى قضية ولاء وبراء، ولا أن تجعلوا الجرح والتعديل سلاحًا لتصفية الحسابات، ولا أن تضيقوا على المسلمين في مسائل وسّع فيها أهل العلم.

ليس من نصرة السنة أن تنشغلوا بالطعن في الدعاة أكثر من تعليم الناس دينهم، ولا أن تجعلوا التحذير من المخالفين أصلًا ثابتًا في خطابكم، بينما تتراجع مساحة التربية والإصلاح والتعاون.

وليس من تعظيم النصوص أن تمنحوا آراء بعض المعاصرين منزلة النص الشرعي، ثم تطالبوا الناس باتباعها دون مناقشة.

وليس من المحافظة على جماعة المسلمين أن تتحول طاعة الحاكم إلى منع للنصيحة والمحاسبة، أو أن تُستخدم تهمة الخروج لإسكات كل صوت يدعو إلى إصلاح مشروع.

وليس من محاربة الحزبية أن تُنشئوا اصطفافات مغلقة، وتربطوا قبول الأشخاص وردهم بمواقفهم من رموز محددين.

إن السلف الصالح كانوا أوسع علمًا، وأعمق فقهًا، وأشد إنصافًا، وأبعد عن الغلو في الأشخاص، وأعرف بمراتب الخلاف ومواطن الاجتهاد.

فراجعوا خطابكم، ووازنوا بين ما تدعون إليه وما تمارسونه، واسألوا أنفسكم: هل قرّبت هذه الطريقة الناس من السنة أم نفّرتهم منها؟ وهل جمعت كلمة المسلمين أم زادتهم تفرقًا؟ وهل خدمت الدعوة أم جعلتها أسيرة الخصومات والتصنيفات؟

الخاتمة: السنة تجمعنا، فلا تجعلوها وسيلة لتفريقنا

إن الإسلام لا يحتاج إلى من يضيف إلى أحكامه قيودًا لم يوجبها الله، ولا إلى من يجعل اجتهاداته الخاصة معيارًا للحكم على تدين الناس، ولا إلى من يحوّل الخلافات العلمية إلى خصومات شخصية ومعارك لا تنتهي.

نحن بحاجة إلى خطاب سلفي يعيد الاعتبار إلى العلم والفقه والأخلاق، ويضع النصوص في مواضعها، ويميّز بين الثوابت والمتغيرات، وبين القطعي والاجتهادي، وبين النص الشرعي وفهم البشر له.

ونحن بحاجة إلى سلفية تُعنى بتزكية النفوس، وتعليم الناس دينهم، ومحاربة الجهل والفساد، وبناء الإنسان، وتوحيد الصفوف على المشتركات، لا سلفية تستنزف طاقاتها في التصنيف والتحذير والتجريح وإثارة النزاعات.

فلا تجعلوا اتباع السلف شعارًا لاحتكار الحق، ولا تجعلوا السنة غطاءً للتعصب للأشخاص، ولا تجعلوا الجرح والتعديل بابًا للطعن بغير علم، ولا توسعوا دائرة التبديع حتى لا يبقى في الأمة إلا من يوافقكم في كل شيء.

إن نصرة السنة تكون باتباعها علمًا وعملًا وأخلاقًا، لا بمجرد رفع شعارها، وإن الاقتداء بالسلف يكون بالعلم والعدل والرحمة والإنصاف، لا بتكرار أسماء السلف مع مخالفة كثير من معاني منهجهم في التعامل مع المخالفين.

وتذكروا دائمًا:

ليس كل تضييق اتباعًا، وليس كل تشدد غيرةً على السنة، وليس كل مخالف مبتدعًا، وليس كل نقد خروجًا، وليس كل اجتهاد جديد بدعة.

فالدعوة إلى الله دعوة هداية ورحمة وإصلاح، لا مشروع خصومة وإقصاء.

لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف؛ فالسنة أوسع من اختياراتكم، ومنهج السلف أكبر من تصنيفاتكم وخصوماتكم!

لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف!

 


لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف!

الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى مزيد من القيود والتشدد، بقدر ما تحتاج إلى مسلمٍ يحسن فهم دينه، ويجسّد أخلاقه، ويقدّم للناس صورته الحقيقية المشرقة.

ليست الدعوة إلى الإسلام مجرد كلمات تُقال، أو شعارات تُرفع، أو مظاهر خارجية يُحرص على إظهارها؛ وإنما هي رسالة متكاملة، قوامها العلم الصحيح، والفهم السليم، والخلق الحسن، والحكمة في التعامل مع الناس، والقدرة على تقديم الإسلام في صورته التي أرادها الله: دين هداية ورحمة وعدل وإصلاح.

ومن هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: أيُّ صورة نقدمها عن الإسلام؟ وهل تعكس تصرفاتنا وأخلاقنا وطريقة تفكيرنا حقيقة هذا الدين، أم أننا نسيء إليه من حيث نظن أننا ندافع عنه؟

أولًا: المسلم سفيرٌ لدينه بسلوكه قبل كلامه

لقد أصبح المسلمون يعيشون في مختلف أنحاء العالم، وتتنوع أسباب انتقالهم إلى البلدان الغربية؛ فمنهم من يطلب الرزق، ومنهم من يفر من الحروب والاضطرابات، ومنهم من يسعى إلى العلم، أو يطلب فرصًا للعمل والاستقرار، ومنهم من يقصد السياحة والمتعة.

وفي المجتمعات التي انتقل إليها هؤلاء فرص واسعة للتعارف والحوار والتعريف بالإسلام، ولا سيما في ظل ما تتيحه كثير من تلك المجتمعات من حرية الاعتقاد والتعبير وممارسة الشعائر.

لكن السؤال المهم: هل أحسن المسلمون استثمار هذه الفرص؟

إن الحرية المتاحة لا تكفي وحدها لصناعة دعوة ناجحة، ولا يكفي أن يكون المسلم حاضرًا بجسده حتى يكون حاضرًا برسالته؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يتشرب حقيقة دينه، ولم تتربَّ نفسه على أخلاقه وقيمه، فكيف يقدم للآخرين نموذجًا مقنعًا عنه؟

إن الصورة التي تتكون لدى الناس عن الإسلام لا تتشكل من الكتب والخطب وحدها، بل تتأثر أيضًا بما يشاهدونه من سلوك المسلمين وتصرفاتهم.

ومما يؤسف له أن بعض التصرفات قد أساءت إلى هذه الصورة إساءة بالغة؛ فحين يرى الناس بعض أصحاب الأموال من المسلمين ينفقون بسخاء على اللهو المحرم والملذات، بينما يعيش إخوانهم في مجتمعات أخرى تحت وطأة الفقر والجوع والمرض، فإنهم يتساءلون عن حقيقة التكافل والرحمة والتراحم التي يتحدث عنها الإسلام.

وحين تتناقض الشعارات الدينية مع واقع أصحابها، وتغيب الأمانة والعدل والرحمة، وتظهر صور الإسراف والفساد والاستغلال، فإن الضرر لا يقف عند أصحاب تلك التصرفات، بل قد يمتد إلى صورة الدين الذي ينتسبون إليه.

فليس من العدل أن نحاكم الإسلام بأخطاء المسلمين، ولكن ليس من الحكمة أيضًا أن نتجاهل أثر أخطاء المسلمين في تشويه صورة الإسلام.

ثانيًا: ليست العبرة بالمظهر وحده، وإنما بحقيقة الإنسان

لا شك أن للهيئة الظاهرة والهدي النبوي مكانتهما في حياة المسلم، لكن الخلل يبدأ حين تتحول بعض المظاهر إلى معيار وحيد للحكم على التدين، ويُختزل الدين كله في تفاصيل اللباس والشعر والهيئات.

فقد ترى من يبالغ في العناية بشكل ظاهري معين، ويظن أنه بذلك قد استكمل حقيقة الاتباع، بينما لا يجد في نفسه المساحة الكافية للاهتمام بإصلاح أخلاقه، وتزكية قلبه، وتنمية عقله، وحسن تعامله مع الناس.

وقد ينشغل بعضهم بتفاصيل الهيئة إلى درجة تجعله يراقب مظاهر الآخرين، ويصنفهم على أساسها، ويغفل عن واجبات أعظم تتعلق بالصدق والأمانة والعدل والرحمة والإحسان.

وليس المقصود التقليل من شأن السنن والآداب الظاهرة، وإنما المقصود وضع كل شيء في موضعه، وعدم جعل بعض الجزئيات عنوانًا للدين كله.

فالسنة ليست تسريحة شعر، ولا لون ثوب، ولا هيئة جامدة يُمتحن بها الناس؛ وإنما هي هدي نبوي متكامل، يشمل الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملة.

وما قيمة أن يحرص الإنسان على صورة خارجية معينة، ثم يكون فظًّا في تعامله، ضيق الأفق في تفكيره، سيئ الظن بالآخرين، سريع الاتهام والتبديع، قليل الحلم والإنصاف؟

إن المطلوب هو المسلم الذي يجمع بين ظاهر صالح وباطن مستقيم، وبين العبادة والأخلاق، وبين سلامة الاعتقاد ونضج التفكير، وبين التمسك بالسنة وحسن تنزيلها على واقع الحياة.

ثالثًا: المشكلة حين تختلط الثوابت الشرعية بالاجتهادات البشرية

من أخطر ما أصاب الخطاب الديني في بعض البيئات المعاصرة الخلط بين ما ثبت بدليل شرعي ملزم، وبين ما قاله العلماء اجتهادًا، أو اختاره بعض الفقهاء فهمًا واستنباطًا.

إن القرآن الكريم أصل ديننا، والسنة النبوية مصدر هدايتنا وتشريعنا، ولا يجوز للمسلم أن يفرط في نص ثابت أو حكم شرعي لمجرد أن أهواء العصر لا توافقه.

لكن احترام النصوص لا يعني منح كل رأي فقهي أو اجتهاد بشري منزلة النص المعصوم.

فثمة فرق واضح بين الحكم القطعي الذي لا يسوغ إنكاره أو التلاعب به، وبين المسألة الاجتهادية التي تتعدد فيها أنظار العلماء، وتتفاوت فيها مداركهم، وتتباين فيها أدلتهم وطرق استنباطهم.

وفي المذاهب الفقهية آراء تقبل وأخرى ترد، واجتهادات يُرجح بعضها على بعض، ومسائل تتسع للخلاف المعتبر، وقد اختلف الأئمة المجتهدون في كثير منها، ولم يجعلوا اختلافهم سببًا للتباغض أو التنازع أو إسقاط مكانة بعضهم بعضًا.

ولم يدّعِ أولئك الأئمة العصمة لأنفسهم، ولم يطالبوا الناس بأن يجعلوا كل ما ذهبوا إليه دينًا لا يجوز مخالفته.

فكيف يأتي من بعدهم من يجعل رأيه أو فهمه الخاص بمنزلة النص الشرعي، ويطالب الناس بالتزامه، ويعامل المخالف له وكأنه خالف الوحي نفسه؟

إن احترام العلماء لا يكون بتقديس اجتهاداتهم، بل بمعرفة أقدارهم، وفهم مناهجهم، والانتفاع بعلمهم، مع الإقرار بأن العصمة للوحي، وأن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ.

فلا تجعلوا اجتهادات الرجال في مرتبة النصوص، ولا تجعلوا الخلاف الفقهي امتحانًا لصدق الإيمان واتباع السنة.

رابعًا: ليس كل جديد بدعة، وليس كل مستحدث محرّمًا

ومن مظاهر الخلل في بعض الخطابات الدينية التوسع في إطلاق أحكام البدعة والتحريم على أمور لمجرد أنها لم تكن موجودة بصورتها المعاصرة في زمن النبوة أو الخلافة الراشدة.

وهذا من الخلط بين مجال العبادات المحضة، الذي يُطلب فيه الاتباع والتوقيف، وبين شؤون الحياة والمعاملات والوسائل والتنظيمات التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والمصلحة.

فليس كل ما استجد في حياة الناس بدعة مذمومة، وليس كل وسيلة لم تكن معروفة في عصر النبوة ممنوعة شرعًا.

والأصل في العادات والمعاملات الإباحة، ما لم يقم دليل معتبر على المنع، كما أن الوسائل تأخذ أحكامها بالنظر إلى مقاصدها ونتائجها وضوابطها الشرعية.

ولهذا لا يصح أن نسمع سؤالًا عن تنظيم إداري أو نظام سياسي معاصر، ثم نسارع إلى الإجابة: هذا بدعة، وهذا حرام، دون بحث وتفصيل ونظر في الأدلة والمصالح والمفاسد.

فمثلًا، تحديد مدة تولي المسؤوليات العامة، ووضع آليات للمحاسبة وتداول السلطة، وتنظيم عمل المؤسسات، كلها مسائل تحتاج إلى دراسة شرعية وسياسية تراعي العدل والشورى والمصلحة العامة، ولا يصح تحريمها لمجرد أن صورتها الإدارية الحديثة لم تكن معروفة في العصور الأولى.

فإذا قررت المؤسسات المختصة، في إطار الشورى والمصلحة المعتبرة، تنظيمًا يحقق مصلحة عامة ولا يصادم نصًّا شرعيًّا، فلا يجوز رفضه بمجرد إطلاق كلمة البدعة عليه.

فالجِدّة الزمنية ليست دليلًا على التحريم، كما أن قِدَم الشيء وحده ليس دليلًا على مشروعيته.

خامسًا: اختلاف وسائل الإصلاح لا يعني اختلاف الأمة في دينها

ومن المسائل التي تحتاج إلى فهم متوازن مسألة تعدد الأحزاب والاتجاهات السياسية ووسائل العمل والإصلاح.

قد يختلف الناس في تقدير الوسائل المناسبة لتحقيق العدل، ومحاربة الفساد، ورفع مستوى التعليم، وتحقيق الاستقرار، وحماية المجتمع، وتقوية قدرة الأمة على الدفاع عن نفسها.

وهذا الاختلاف لا يعني بالضرورة اختلافهم في أصول الدين أو أهدافه الكبرى.

فكما عرف المسلمون تعدد المدارس الفقهية، وتنوع طرائق الاستنباط، واختلاف المجتهدين في الفروع، فإنهم قد يختلفون أيضًا في الوسائل الإدارية والسياسية والتنظيمية التي يرونها أصلح لتحقيق المصالح العامة.

ولا يعني هذا أن كل نظام حزبي أو سياسي صالح، أو أن كل ممارسة باسم التعددية مقبولة؛ فهناك فرق بين اختلاف وجهات النظر المنضبط، وبين التحزب الأعمى، والتعصب للجماعة، وتقديم المصالح الخاصة على مصلحة الأمة.

إن تعدد الآراء قد يكون وسيلة للإثراء والإصلاح، وقد يتحول إلى سبب للتمزق إذا غابت الأخلاق والعدالة وقواعد التنافس النزيه.

فالمشكلة ليست في مجرد اختلاف الوسائل، وإنما في تحويل الاختلاف إلى عداوة، وتحويل الجماعات إلى هويات مغلقة، واعتبار كل من خالفنا خصمًا يجب إسقاطه.

ومن الخطأ أيضًا رفض تجربة إنسانية نافعة لمجرد أنها نشأت في مجتمع غير مسلم؛ فالحكمة لا تُرفض بسبب موطنها، والعلم النافع لا يُرد لمجرد أن أصحابه ليسوا من المسلمين.

لقد استفاد المسلمون عبر تاريخهم من خبرات الأمم الأخرى في الطب والفلك والهندسة والإدارة وغيرها، ولم يكن ذلك تنازلًا عن هويتهم أو تفريطًا في دينهم.

والضابط في ذلك واضح: أن تُعرض التجارب والوسائل على المبادئ الشرعية والمصالح المعتبرة، فما وافقها وانتفع الناس به أُخذ، وما خالفها رُفض.

كما ينبغي فهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» في موضعه، دون تحويله إلى ذريعة لتجاوز أحكام الشريعة، أو إلى حجة لإلغاء دور العلم والخبرة والاجتهاد.

سادسًا: لا تُثقِلوا الإسلام بما ليس منه

إن الإسلام يريد من المسلمين أن ينطلقوا برسالته الكبرى، وأن يقدموا للناس دينًا يجمع بين العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والأخلاق الرفيعة والعدل والرحمة والإصلاح.

لكن بعض الخطابات المتشددة تُضيف إلى هذه الأصول قوائم طويلة من الممنوعات والقيود، وتعرضها أحيانًا كما لو كانت من صلب العقيدة والثوابت التي لا يجوز الاختلاف فيها.

فتسمع من يضع مسائل مثل لبس الملابس الحديثة، أو كشف وجه المرأة، أو التصوير، أو الموسيقى، أو استخدام بعض أنواع العطور، أو ارتفاع المباني، أو ذهاب النساء إلى المساجد، في سلة واحدة من التحريم القطعي، مع أن هذه المسائل ليست في مرتبة واحدة، وفي كثير منها تفصيل وخلاف معروف بين أهل العلم.

ولا يصح أن نعرض المسائل الاجتهادية والخلافية على الناس وكأنها حقائق قطعية لا تقبل النقاش، أو أن نجعل اختيار قول فقهي معين جزءًا من حقيقة الإسلام التي لا يُتصور التدين إلا بها.

وقد يكون للقول الفقهي دليله ووجهته، وقد يكون الراجح فيه محل بحث ونظر، لكن ذلك كله لا يبرر تحويله إلى معيار وحيد لقياس إيمان الناس واستقامتهم.

والأشد خطورة أن تُزاحم هذه التفاصيلُ المقاصدَ الكبرى للدين، فتُقدَّم للناس قبل الحديث عن الصدق والأمانة والعدل والتراحم وحفظ الحقوق وإتقان العمل.

بل قد ينشأ جيل يحفظ قوائم الممنوعات أكثر مما يعرف مقاصد الشريعة، ويتقن تصنيف الآخرين أكثر مما يتقن نصحهم، ويشتد في مسائل الخلاف أكثر مما يشتد في مواجهة الظلم والفساد والتفريط في الواجبات.

وهنا تختل الأولويات، وتضيع موازين الفقه، ويصبح التدين عند بعض الناس مجموعة من القيود المتناثرة بدل أن يكون منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان وإصلاح الحياة.

إن الإسلام لا يحتاج إلى أن نضيف إلى أحكامه ما لم يوجبه الله، ولا إلى أن نضيّق على عباده فيما وسّع فيه الشرع.

سابعًا: اتباع السلف لا يعني تجميد الحياة ولا احتكار الفهم

وهنا ينبغي أن نتوجه إلى بعض المنتسبين إلى السلفية بخطاب أخوي صريح:

إن اتباع السلف الصالح شرف ومنهج معتبر، لكن هذا الانتساب لا يمنح أحدًا حق احتكار فهم الإسلام، ولا يجعل اجتهاداته الخاصة هي الفهم الوحيد الذي يجب على الأمة أن تلتزم به.

فالسلف الصالح لم يكونوا نسخة واحدة في اجتهاداتهم الفقهية، ولم يتعاملوا مع كل خلاف على أنه انحراف، ولم يجعلوا المسائل الاجتهادية أبوابًا للخصومة والهجر والتبديع.

وقد اختلف الصحابة والتابعون والأئمة في مسائل كثيرة، وبقيت بينهم أواصر الأخوة، وعرفوا أن اختلاف النظر في المسائل التي تحتمل الاجتهاد لا يساوي مخالفة النص القطعي.

أما أن يُختزل اتباع السلف في هيئة ظاهرة، أو مجموعة اختيارات فقهية، أو مواقف سياسية واجتماعية محددة، ثم يُمتحن المسلمون على أساسها، ويُصنفون بين سني ومبتدع، وبين سلفي وغير سلفي، فذلك يسيء إلى معنى الاتباع قبل أن يسيء إلى المخالفين.

ومن غير المقبول أن تتحول الغيرة على السنة إلى غلظة في التعامل، أو أن يصبح الدفاع عن منهج السلف مبررًا للطعن في العلماء والدعاة، وإثارة الخصومات، وتفريق الصفوف، وإشغال الأمة بمعارك جانبية لا تنتهي.

فليس كل من خالفك في اجتهاد فقهي عدوًّا للسنة، وليس كل من أخذ بقول عالم آخر مخالفًا لمنهج السلف، وليس من العلم أن تجعل رأيك الشخصي هو الميزان الذي تُوزن به عقائد الناس ومناهجهم.

إن كان اتباع السلف يعني التمسك بالوحي، وفهمه بفهم علمي راسخ، والإنصاف مع المخالف، والرحمة بالخلق، واحترام الاجتهاد المعتبر، فنحن جميعًا أحوج ما نكون إلى هذا الاتباع.

أما أن يتحول شعار اتباع السلف إلى وسيلة للتضييق والإقصاء وإشعال الخصومات، فليس ذلك مما تُعرف به سيرة السلف ولا أخلاقهم.

خاتمة: قدّموا الإسلام كما هو، لا كما تصنعه أهواؤكم واجتهاداتكم

إن العالم لا يحتاج إلى أن يرى المسلمين يختلفون في كل صغيرة وكبيرة، ويتخاصمون حول كل مسألة فرعية، ويتبادلون التهم والتصنيفات باسم الغيرة على الدين.

إنه يحتاج إلى أن يرى في المسلمين الصدق حين يتحدثون، والأمانة حين يتعاملون، والعدل حين يحكمون، والرحمة حين يختلفون، والإتقان حين يعملون، والإنصاف حين يناقشون.

ويحتاج إلى أن يرى دينًا يبني الإنسان، ويصون كرامته، ويهذب أخلاقه، ويحثه على العلم والعمل والإحسان، لا خطابًا يختزل الإسلام في قائمة من المظاهر والقيود والخصومات.

لسنا مطالبين بالتنازل عن ثوابت ديننا لإرضاء الآخرين، ولا بتغيير أحكام الشريعة حتى توافق أهواء العصر؛ لكننا مطالبون بأن نفهم ديننا فهمًا صحيحًا، وأن نميز بين أحكامه القطعية واجتهادات علمائنا، وبين غاياته الثابتة ووسائله المتغيرة، وأن نعرف متى يكون التشدد تمسكًا بالدليل، ومتى يكون تضييقًا لا يسنده دليل معتبر.

فلا تجعلوا السنة عنوانًا للغلظة، ولا تجعلوا اتباع السلف ذريعة لإقصاء المخالف، ولا تحولوا الخلاف الفقهي إلى معركة في العقيدة، ولا تُحمّلوا الإسلام أوزار ممارساتكم واجتهاداتكم.

إن أعظم خدمة نقدمها للإسلام أن نكون صورة صادقة عن هدايته، وأن ندعو إليه بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجمع بين الثبات على الحق والرحمة بالخلق.

فالدعوة التي تنفّر الناس بسوء عرضها تحتاج إلى مراجعة، والخطاب الذي يضيّق على الناس فيما وسّع فيه الشرع يحتاج إلى تصحيح، والانتساب إلى السنة لا يكتمل بمجرد رفع شعارها، بل بحسن فهمها والعمل بها.

فلا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف؛ فالسنة هداية ورحمة، واتباع السلف علمٌ وإنصاف، والدعوة إلى الله بناءٌ للقلوب والعقول، لا صناعةٌ للخصومات والإقصاء.

منهج الإمام حسن البنا في فقه الاختلاف: اجتهادٌ بلا تعصّب، وخلافٌ بلا خصومة!

منهج الإمام حسن البنا في فقه الاختلاف: اجتهادٌ بلا تعصّب، وخلافٌ بلا خصومة!

كيف نختلف في الرأي من غير أن نتخاصم؟ وكيف نتمسك بما نراه حقًّا من غير أن نجعل مخالفتنا للآخرين سببًا للطعن فيهم وإقصائهم؟

هذه من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تشغل العاملين للإسلام، ولا سيما في زمن تتعدد فيه الجماعات والاتجاهات، وتتسع فيه الخلافات حول مسائل كثيرة، حتى تتحول بعض القضايا الاجتهادية إلى معارك تستنزف الطاقات، وتبدد الجهود، وتضعف روابط الأخوة بين المسلمين.

ومن الشخصيات التي أولت هذه القضية اهتمامًا واضحًا في خطابها الدعوي الإمام حسن البنا، الذي أدرك أن إصلاح الأمة لا يتحقق بمجرد تكثير الجماعات، ولا برفع الشعارات، ولا بالانتصار في الجدل، وإنما يحتاج إلى فقه يجمع بين وضوح الموقف، وسعة الصدر، وحسن ترتيب الأولويات، والقدرة على التمييز بين ما يجب الاتفاق عليه وما يسع المسلمين الاختلاف فيه.

وليس المقصود من استحضار تجربته أن نجعلها فوق النقد والمراجعة، أو أن نوافقه في كل اجتهاداته ومواقفه؛ فالعبرة دائمًا بالدليل وصحة النظر. وإنما المقصود الوقوف عند معالم مهمة من حديثه عن الاختلاف، واستلهام ما فيها من دروس يحتاج إليها واقعنا الإسلامي اليوم.

أولًا: حين يتحول الاختلاف إلى أزمة في العمل الإسلامي

ظهرت دعوة حسن البنا في مرحلة شهدت اضطرابات سياسية وتحولات فكرية واجتماعية كبيرة، خصوصًا بعد سقوط الخلافة العثمانية، وتعدد المشاريع التي حاولت رسم مستقبل المجتمعات الإسلامية.

وفي المجال السياسي، تنافست اتجاهات وطنية وقومية وغيرها، واختلفت تصوراتها حول الهوية والدولة وعلاقة المجتمعات الإسلامية بحضارة الغرب.

وفي المجال الفكري، ظهرت دعوات إلى الاقتباس من النماذج الغربية، تراوحت بين الإفادة من منجزاتها العلمية والحضارية، وبين تبني تصوراتها الفكرية والسياسية والاجتماعية، في مقابل اتجاهات أخرى دعت إلى الانغلاق والابتعاد عنها.

أما في المجال الديني، فقد تعددت المدارس والجمعيات والاتجاهات، واختلفت مواقفها من المذاهب الفقهية، والتصوف، والتقليد والاجتهاد، وطرائق الدعوة والإصلاح.

ولم تكن المشكلة في مجرد تعدد هذه الاتجاهات؛ فالتنوع الفكري والفقهي معروف في تاريخ المسلمين، ولا يمكن اختزال الحياة الإسلامية في رأي واحد في جميع المسائل.

لكن المشكلة كانت حين يتجاوز الاختلاف حدود البحث العلمي، ويتحول إلى خصومة بين الجماعات، وتبادل للاتهامات، وتشدد في الحكم على المخالف، حتى تصبح المسائل الجزئية أحيانًا سببًا في التنازع والتنافر.

وقد لمس حسن البنا في بداية دعوته بالإسماعيلية صورًا من الخصومة بين بعض المنتسبين إلى الاتجاه السلفي وبعض المنتسبين إلى الطرق الصوفية، وانعكست هذه الخصومات على العلاقات بين المصلين في بعض المساجد.

وهنا تظهر أهمية الفقه الدعوي: فليس كافيًا أن يعرف الداعية ما يراه صوابًا، بل لا بد أن يعرف كيف يدعو إليه، وكيف يوازن بين بيان الحق ومراعاة المصالح، وكيف يمنع الخلاف من التحول إلى عائق أمام الإصلاح.

فقد تكون المشكلة أحيانًا في طريقة إدارة الخلاف، لا في أصل وجوده.

ثانيًا: فقه الاختلاف يبدأ من الاعتراف بطبيعته

من الأفكار المركزية التي أكدها حسن البنا في رسالته «دعوتنا» أن الإجماع على جميع المسائل الفرعية متعذر، وأن اختلاف العلماء في الاجتهاد له أسباب علمية معتبرة.

فالناس يتفاوتون في فهم النصوص، وفي معرفة الأدلة، وفي إدراك دلالاتها، وفي الجمع بينها، وفي تقدير ما يصلح للاستدلال به على حكم معين.

وقد يبلغ أحد العلماء دليلًا لا يبلغ غيره، أو يثبت عنده حديث لا يثبت عند الآخر، أو يختلفان في فهم دلالة النص، أو في مدى انطباقه على الواقعة محل البحث.

وقد تتغير الفتوى بتغير الأحوال والأعراف والوقائع التي تتعلق بها، وفق الضوابط الشرعية، من غير أن يعني ذلك تغير أصول الدين وثوابته.

ولهذا اختلف الأئمة المجتهدون في مسائل كثيرة، مع اشتراكهم في تعظيم الوحي، وطلب الحق، وبذل الوسع في فهم أحكام الشريعة.

ومن الأمثلة المشهورة اختلاف اجتهاد الإمام الشافعي بين مذهبه القديم في العراق ومذهبه الجديد في مصر، وما يعكسه ذلك من مراجعة للاجتهاد في ضوء ما ظهر له من أدلة واعتبارات.

كما نقل عن الإمام مالك تحذيره من حمل الناس على رأي واحد مع تفرق الصحابة في الأمصار، واختصاص كل قوم بشيء من العلم.

وهذا كله يدل على أن تعدد الاجتهادات ليس أمرًا طارئًا على الفقه الإسلامي، ولا دليلًا في ذاته على ضعف الالتزام بالدليل.

لكن ينبغي التنبه إلى أمر مهم: الاعتراف بوجود الخلاف لا يعني أن جميع الأقوال صحيحة، أو أن الترجيح بينها غير مطلوب، وإنما يعني أن الخلاف المعتبر يُعالَج بالعلم والحجة والإنصاف، لا بالتعصب والتشهير.

ثالثًا: «نلتمس العذر» للمخالف، ولا نجعل الخلاف حاجزًا بين القلوب

من أبلغ ما جاء في حديث حسن البنا عن الخلاف الفقهي قوله:

«فنلتمس العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلًا دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير».

ثم يطرح تساؤلات تحمل معنى عميقًا في التعامل مع المخالف:

«ألسنا مسلمين وهم كذلك؟ وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟ وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟».

إن هذه الكلمات تؤكد أن الاختلاف في الاجتهاد لا يستلزم سقوط الأخوة، وأن اعتقاد الإنسان رجحان رأيه لا يمنحه الحق في الانتقاص من كل من خالفه.

فمن حق العالم أن يرجح قولًا على آخر، ومن حق الباحث أن يناقش الأدلة ويرد على ما يراه خطأ، ومن حق الداعية أن يبين ما يعتقد أنه أقرب إلى الصواب؛ لكن ذلك كله ينبغي أن يجري وفق ضوابط العلم والإنصاف، بعيدًا عن الظلم والتجريح والاتهامات التي لا تقوم على بينة.

وهنا لا بد من التفريق بين أمور ثلاثة:

  • التمسك بالرأي: وهو أن تعمل بما ترجح لديك من دليل.

  • التعصب للرأي: وهو أن تجعل الانتصار له أهم من معرفة الحق، أو ترفض النظر في حجج المخالف لمجرد مخالفته لك.

  • الخصومة مع المخالف: وهي أن تتحول المناقشة العلمية إلى عداوة شخصية أو إقصاء اجتماعي ودعوي.

الأول من مقتضيات الاجتهاد، والثاني آفة ينبغي الحذر منها، والثالث قد يترتب عليه من تفكك الصف وإهدار الحقوق ما لا يخفى.

وليس معنى التماس العذر أن نتوقف عن النقد أو أن نصحح كل قول؛ بل معناه أن نراعي احتمال الاجتهاد، ونفهم حجج المخالف قبل الرد عليها، وألا نتجاوز في الحكم عليه ما تسمح به الأدلة.

فالإنصاف لا يقتضي أن توافق المخالف، لكنه يقتضي ألا تظلمه.

رابعًا: إذا كان الصحابة قد اختلفوا، فلماذا نضيق باختلاف العلماء؟

استشهد حسن البنا باختلاف الصحابة في بعض مسائل الاجتهاد، ومن أشهر أمثلته حديث بني قريظة، حين قال النبي ﷺ:

«لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة».

ففهم بعض الصحابة الأمر على ظاهره، فأخروا الصلاة حتى وصلوا، وفهم آخرون أن المقصود الحث على الإسراع، فصلوا في الطريق قبل خروج الوقت.

ولما بلغ ذلك النبي ﷺ لم يعنف واحدًا من الفريقين.

وتكشف هذه الواقعة عن حقيقة مهمة: قد تختلف أفهام أهل العلم والفضل في فهم خطاب واحد، ويكون وراء كل اجتهاد وجه من النظر.

ولا يعني هذا أن كل فهم صحيح، أو أن البحث عن الراجح غير مطلوب؛ وإنما يعني أن مجرد اختلاف الاجتهاد لا يبرر اتهام المخالف في نيته، ولا يجيز تحويل المسألة العلمية إلى خصومة.

وإذا كان الاختلاف قد وقع بين الصحابة في فهم النص وتطبيقه، فإن اختلاف العلماء من بعدهم في مسائل الاجتهاد لا ينبغي أن يكون مدعاة إلى الاستغراب، فضلًا عن أن يصبح ذريعة إلى الطعن فيهم أو إهدار تراثهم العلمي.

فما الذي يجعل بعض المتأخرين يتعاملون مع مسائل اختلف فيها كبار الأئمة وكأنها من الوضوح بحيث لا تحتمل إلا رأيًا واحدًا، ثم يجعلون مخالفة ذلك الرأي دليلًا على فساد المنهج أو ضعف الاتباع؟

إن الواجب هو أن نبحث عن الحق بالدليل، وأن نعرف قدر أنفسنا، وأن نميز بين الخطأ الذي يمكن مناقشته علميًا، والخطأ الذي لا يجوز السكوت عن آثاره، وبين المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد والمسائل التي لا يسوغ فيها ذلك.

خامسًا: المذاهب الفقهية ليست خصمًا للوحي

من الأخطاء التي أضرت بالحوار الفقهي تصوير المذاهب الإسلامية وكأنها حواجز تحول بين المسلمين وبين الكتاب والسنة، أو أن الانتساب إلى مذهب فقهي يعني تقديم أقوال الرجال على النصوص.

والحقيقة أن المذاهب الفقهية تمثل مدارس علمية نشأت من جهود العلماء في فهم الأدلة واستنباط الأحكام، وتطورت عبر أجيال من البحث والتدريس والنقد والترجيح.

ولا يعني احترام هذه المدارس القول بعصمة أئمتها، ولا التسليم بصحة كل اجتهاد صدر عنهم، وإنما يعني الاعتراف بقيمة الجهد العلمي الذي بذلوه، وفهم مناهجهم قبل الاعتراض عليها.

وكذلك فإن الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة لا تمنح أحدًا حق تجاهل علوم الحديث وأصول الفقه وقواعد الاستنباط، أو التعامل مع النصوص بمعزل عن سياقاتها ودلالاتها ومجموع الأدلة المتعلقة بالمسألة.

فكم من مسألة يظن بعض الناس أن نصوصها واضحة لا تحتمل النقاش، ثم يتبين عند البحث أن الخلاف نشأ عن اختلاف في ثبوت الحديث، أو فهم دلالته، أو الجمع بينه وبين دليل آخر، أو تحقيق مناط الحكم.

ومن هنا فإن الطريق الصحيح ليس التعصب للمذهب، ولا الاستخفاف بالمذاهب، بل دراسة الأدلة، واحترام الاجتهاد المعتبر، وترجيح الأقوال بقدر العلم والأهلية.

فلا التقليد الأعمى هو طريق العلم، ولا الثقة بالنفس وحدها تغني عن أدوات الاجتهاد.

سادسًا: لماذا جعل حسن البنا القضايا الكبرى أولوية؟

أدرك حسن البنا أن الجماعات العاملة للإسلام قد تتفق في أصول واسعة ومقاصد كبرى، ثم تتفرق بسبب مسائل جزئية، وتستهلك في الخلاف حولها من الوقت والجهد ما كان يمكن أن يوجه إلى التعليم والإصلاح والعمل النافع.

ولذلك أكد في رسالته «دعوتنا» أهمية الاجتماع على المعاني المشتركة، وتجنب التعصب، والتعاون فيما يمكن التعاون فيه.

ومن هذا المنطلق وضع «الأصول العشرين» التي أراد بها تحديد معالم عامة لدعوته، وتقديم أرضية مشتركة تضبط الفهم والعمل داخلها.

كما اتجه في عدد من المسائل الخلافية إلى عدم جعلها محورًا للصراع الدعوي، ومنها مسائل تتعلق بالتوسل وبعض صور الالتزام في العبادات، رغبة في الحد من النزاع وتقريب الصفوف.

وينبغي فهم هذا التوجه في سياقه: فليس كل سكوت عن مسألة حكمة، ولا كل نقاش فيها مفسدة، وإنما يتوقف الأمر على طبيعة المسألة، وحاجة الناس إلى بيانها، وآثار الخوض فيها، ومدى أهلية من يتصدى لها.

لكن الأصل الذي يستحق التأمل هو أن ترتيب الأولويات من صميم الحكمة الدعوية.

فليس من المعقول أن تتحول كل مسألة فرعية إلى اختبار للانتماء، أو أن يصبح الاتفاق مع جماعة في بعض القضايا متوقفًا على تبني جميع اجتهاداتها.

قد نتفق على ضرورة تعليم الناس دينهم، ومحاربة الظلم، وإغاثة المحتاجين، والدفاع عن حقوق المظلومين، والإصلاح الاجتماعي، ثم نختلف في مسائل فقهية أو وسائل دعوية.

فلماذا نهدر مساحات الاتفاق بسبب مسائل يمكن أن تبقى محل بحث ونقاش؟

إن تقديم القضايا الكبرى لا يعني إهمال التفاصيل، وإنما يعني وضع كل قضية في حجمها المناسب، ومنحها من الوقت والاهتمام بقدر أهميتها وآثارها.

سابعًا: «نجمع ولا نفرق» لا تعني إلغاء النقد

من المهم أن نفهم الدعوة إلى وحدة الصف فهمًا متوازنًا؛ فالوحدة ليست ذوبانًا في رأي واحد، وليست إلغاءً للفروق العلمية، ولا تنازلًا عن الثوابت، ولا سكوتًا عن الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح.

كما أن احترام المخالف لا يعني اعتبار كل الأقوال صحيحة، أو منع العلماء من بيان الراجح، أو تعطيل النقد العلمي.

إنما المقصود أن نميز بين النقد الذي يقصد تصحيح الخطأ، والخصومة التي تجعل من الخطأ وسيلة لإسقاط الأشخاص والجماعات.

وبين بيان الدليل، والتشهير بالمخالف.

وبين التحذير المنضبط من ضرر ثابت، وتوزيع الألقاب والأحكام بغير علم كافٍ.

وبين الدفاع عن السنة، وتحويل مسائل الاجتهاد إلى معارك لإثبات من هو الأشد انتسابًا إليها.

وقد يختلف عالمان في مسألة، فيناقش أحدهما حجة الآخر ويرجح خلاف قوله، ومع ذلك يحفظ له علمه وقدره. وهذا هو الفرق بين الخلاف الذي يثري المعرفة والخلاف الذي يفسد العلاقات.

أما حين تصبح المخالفة في مسألة فرعية سببًا للطعن في الدين أو المنهج أو النية، فإننا نكون قد انتقلنا من ميدان العلم إلى ميدان التعصب.

ليس كل من خالفك خصمًا لك، وليس كل من أخطأ في اجتهاده مستحقًا للإقصاء، وليس كل من ناقشك في رأيك عدوًّا لما تدعو إليه.

ثامنًا: ماذا نقول لمن يجعل الخلاف وسيلة للإقصاء والتصنيف؟

إن من المؤسف أن تتحول بعض البيئات الدعوية إلى ساحات لمراقبة الآخرين وتصنيفهم، بحيث لا يكاد المرء يخالف في مسألة جزئية حتى تبدأ الأسئلة عن انتمائه، وشيوخه، وموقفه من الجماعة الفلانية، أو الشيخ الفلاني.

وبدلًا من أن يكون السؤال: ما الدليل؟ وكيف فهمه العلماء؟ وما وجه الخلاف؟ يصبح السؤال: مع من أنت؟ ومن تخالف؟ ومن توافق؟

وهكذا تنتقل الأولوية من البحث عن الحق إلى إثبات الولاء، ومن مناقشة الأقوال إلى امتحان الأشخاص، ومن تصحيح الأخطاء إلى توسيع دائرة الخصومة.

وهذا المسلك يحتاج إلى مراجعة علمية وتربوية جادة؛ لأن الانتصار للسنة لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بفهم النصوص، والعدل في الأحكام، ومعرفة مراتب الخلاف، والالتزام بأخلاق العلم.

ولا يصح أن نجعل نقد هذه الظاهرة حكمًا عامًا على كل من ينتسب إلى اتجاه سلفي أو دعوي؛ ففي كل اتجاه أفراد يتفاوتون في العلم والإنصاف، كما أن النقد العادل يتناول الأقوال والممارسات المحددة، لا مجرد الأسماء والانتماءات.

والنصيحة الصادقة لكل العاملين للإسلام أن يراجعوا طرائقهم في التعامل مع المخالف، وأن يسألوا أنفسهم: هل نقصد ببيان الخطأ إصلاحه، أم نبحث عن فرصة لإسقاط صاحبه؟ وهل نزن الأقوال بالأدلة، أم نزن الأدلة بمواقفنا المسبقة من القائلين بها؟

إن الدعوة التي ترفع شعار اتباع السلف ينبغي أن تستحضر كذلك ما كان عند علماء السلف من فقه في الاختلاف، وإنصاف للمخالف، ومعرفة بمراتب المسائل، وتحرز من القول بغير علم.

فلا يكفي أن نعلن الانتساب إلى منهج علمي؛ بل ينبغي أن يظهر أثره في عدلنا، وتواضعنا، وأدبنا، وطريقتنا في الحوار والنقد.

تاسعًا: دروس عملية من فقه الاختلاف

يمكن تلخيص أهم الدروس التي نحتاج إليها اليوم في ست قواعد:

1. نتمسك بما نراه حقًّا، دون ادعاء العصمة.

فقد نرجح قولًا بدليل، ثم يتبين لنا ما هو أقوى منه. والرجوع إلى الحق فضيلة، وليس هزيمة.

2. نفرّق بين القطعي والاجتهادي.

فلا نضخم الخلافات الظنية، ولا نعامل كل مسألة فرعية وكأنها أصل من أصول الدين.

3. نحترم العلماء والمذاهب، دون تقديس الأشخاص.

نستفيد من جهود العلماء، ونناقش أقوالهم بالدليل، ونعترف بأن الاجتهاد البشري يعتريه الصواب والخطأ.

4. ننتقد الأقوال بإنصاف، ونحفظ للمخالف كرامته.

فالحجة العلمية أقوى من التجريح، والبيان المنضبط أنفع من التشهير، والنصيحة الصادقة لا تحتاج إلى إهانة صاحبها.

5. نتعاون فيما نتفق عليه، وندير خلافنا فيما نختلف فيه.

فليس من الحكمة تعليق كل عمل نافع على اتفاق الجميع في جميع المسائل، ولا جعل الخلاف الجزئي سببًا لتعطيل المصالح المشتركة.

6. نرتب أولوياتنا وفق حاجات الأمة.

فالأمة التي تواجه تحديات فكرية واجتماعية وتعليمية وسياسية كبيرة تحتاج إلى توجيه الطاقات نحو الإصلاح، لا إلى استنزافها في خصومات لا تنتهي.

الخاتمة: اجتهادٌ بلا تعصّب، وخلافٌ بلا خصومة

إن من أهم ما نتعلمه من حديث الإمام حسن البنا عن فقه الاختلاف أن وحدة المسلمين لا تتطلب إلغاء اجتهاداتهم، وأن التمسك بالدليل لا يبرر التعصب، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة تستهلك جهود الدعاة والعلماء والعاملين للإسلام.

لسنا مطالبين بأن نتفق في كل مسألة، ولا بأن نتنازل عن قناعاتنا العلمية، وإنما نحن مطالبون بأن نعرف كيف نختلف، وكيف نناقش، وكيف نرجح، وكيف نحفظ حقوق المخالفين وروابط الأخوة معهم.

فلنتعاون فيما اتفقنا عليه، ولنتحاور فيما اختلفنا فيه، ولنجعل الدليل ميزاننا، والإنصاف منهجنا، والحكمة سبيلنا، ووحدة المسلمين مقصدًا نعمل له.

ولنتذكر أن بيان الحق لا يحتاج إلى ظلم المخالف، وأن قوة الحجة لا تقاس بحدة العبارة، وأن كثرة من نقصيهم لا تدل على صحة منهجنا، كما أن اختلافنا مع الآخرين لا يمنحنا حق احتكار الإسلام أو الحديث باسمه دون سوانا.

إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى علماء يعرفون أحكام الشرع، ودعاة يحسنون فهم الناس، وعاملين يدركون أن إصلاح الأمة أوسع من الانتصار في كل جدال.

فليكن اجتهادنا بلا تعصب، وخلافنا بلا خصومة، ونقدنا بلا ظلم، وتعاوننا أوسع من دائرة ما نتفق عليه في المسائل الجزئية.

فبهذا يظل الاختلاف مجالًا للبحث والاجتهاد، بدل أن يتحول إلى باب للفرقة والتنازع، وبهذا نستطيع أن نجمع بين الثبات على الحق، واحترام المخالف، والعمل لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

الإمام حسن البنا وفقه الاختلاف: الأصول العشرون ومحاولة بناء أرضية مشتركة

 

الإمام حسن البنا وفقه الاختلاف: كيف نجمع المسلمين رغم اختلافهم؟

حين يصبح الخلاف الفقهي سببًا للخصومة، ويُقدَّم الانتصار للرأي على وحدة الصف، نحتاج إلى استعادة فقه العلماء الذين أدركوا أن الاختلاف لا يقتضي العداوة، وأن خدمة الإسلام أكبر من الانتصار في كل مسألة جزئية.

من بين القضايا التي شغلت الإمام حسن البنا في مشروعه الإصلاحي قضيةُ الاختلاف بين المسلمين، وكيفية التعامل مع تعدد الآراء والمذاهب والجماعات الإسلامية.

فقد أدرك مبكرًا أن الأمة لا تعاني من نقص في الدعاة والمنتسبين إلى العمل الإسلامي فحسب، بل تعاني كذلك من تشتت الجهود، وتنازع الاتجاهات، وتحول بعض الخلافات الفكرية والفقهية إلى خصومات تستنزف الطاقات وتضعف القدرة على الإصلاح.

ولذلك سعى إلى بناء منهج يقوم على توحيد الكلمة في القضايا الكبرى، واحترام الاجتهاد في المسائل التي تحتمل الخلاف، وتجنب التعصب الذي يحوّل الاختلاف العلمي إلى صراع بين المسلمين.

وهذه القضية ليست مجرد صفحة من تاريخ الدعوة الإسلامية الحديثة، بل هي سؤال يتجدد في واقعنا: كيف نختلف من غير أن نتباغض؟ وكيف نتمسك بما نراه حقًّا من غير أن نجعل آراءنا معيارًا للحكم على إسلام الآخرين واستقامتهم؟

أولًا: واقعٌ مثقل بالانقسام

ظهرت دعوة الإمام حسن البنا في مرحلة كانت الأمة الإسلامية تعيش فيها تحولات سياسية وفكرية ودينية عميقة، ولا سيما بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، وما أعقب ذلك من تغيرات في بنية العالم الإسلامي وتعدد المشاريع السياسية والفكرية.

ففي المجال السياسي، تنافست الاتجاهات الوطنية والقومية وغيرها، واختلفت تصوراتها حول مستقبل المجتمعات الإسلامية وعلاقتها بدينها وهويتها.

وفي المجال الفكري، ظهرت دعوات إلى الاقتباس من الحضارة الغربية، تفاوتت في مواقفها بين الانتفاع بإنجازاتها، وتبنّي نماذجها السياسية والاجتماعية، ومواقف أخرى رأت أن الانغلاق عنها هو الطريق الأسلم.

وفي المجال الديني، تعددت المدارس والجمعيات والاتجاهات، واختلفت مواقفها من المذاهب الفقهية، والتصوف، والتمسك بظواهر النصوص، وحدود التقليد والاجتهاد.

ولم يكن مجرد وجود هذا التنوع هو المشكلة؛ فالتنوع في الاجتهاد والمدارس الفكرية أمر معروف في تاريخ المسلمين. وإنما كانت المشكلة حين يتجاوز الاختلاف حدود البحث والنقاش، ويتحول إلى تنازع على الشرعية، وتبادل للاتهامات، وامتناع عن التعاون فيما يمكن التعاون فيه.

وفي مدينة الإسماعيلية، حيث بدأت دعوة حسن البنا، لمس هذا الواقع عن قرب، ورأى مظاهر من الخصومة بين بعض المنتسبين إلى الاتجاهات السلفية وبعض المنتسبين إلى الطرق الصوفية، حتى انعكست الخلافات على المساجد والمصلين، وبلغت في بعض الحالات حد التنازع والتشدد في الحكم على المخالف.

وكان من دروس تلك التجربة أن الدعوة إلى الله لا يكفيها أن تمتلك خطابًا صحيحًا في نظر أصحابها؛ بل تحتاج أيضًا إلى فقه في ترتيب الأولويات، ومعرفة بطبيعة الناس، وحكمة في اختيار الوسائل التي تقرّب ولا تنفّر، وتجمع ولا تفرّق.

ثانيًا: ليس كل ما عند المخالف باطلًا

من الجوانب المهمة في منهج حسن البنا أنه لم يتعامل مع الاتجاهات الفكرية والسياسية بمنطق القبول المطلق أو الرفض المطلق، بل حاول التمييز بين المعاني والمواقف، فيقبل ما يراه موافقًا للإسلام، ويرفض ما يتعارض معه.

فلم يكن مجرد الانتساب إلى مفهوم القومية أو الوطنية كافيًا عنده للحكم على الفكرة كلها، بل كان ينظر في مضمونها وما تتضمنه من معانٍ ومواقف.

وهذا أصل مهم في الحوار الفكري: أن نناقش الأفكار بحسب مضامينها، لا أن نحكم عليها جميعًا من خلال أسمائها أو بعض ما يقوله المنتسبون إليها.

والمنهج نفسه نحتاج إليه في الخلاف الديني؛ فلا يصح أن نختزل مدرسة فقهية أو دعوية كاملة في خطأ بعض أفرادها، ولا أن نجعل مخالفة رأينا في مسألة اجتهادية دليلًا على فساد منهج المخالف كله.

فالإنصاف يقتضي التفريق بين الخطأ والصواب، وبين المسألة الجزئية والأصل الكلي، وبين نقد القول والحكم على قائله.

ثالثًا: الخلاف في الفروع لا يبرر القطيعة

من أبرز ما قرره حسن البنا في رسالته «دعوتنا» حديثه عن الخلافات الدينية والآراء المذهبية، حيث رفض أن يكون الاختلاف في المسائل الفرعية حائلًا دون المحبة والتعاون بين المسلمين.

ومما جاء في كلامه:

نعتقد هذا فنلتمس العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلًا دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير.

ثم يطرح سؤالًا بليغًا في معناه:

ألسنا مسلمين وهم كذلك؟ وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟ وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟

هذه الكلمات تلخص جانبًا مهمًّا من فقه الاختلاف: أن الإنسان قد يعتقد رجحان رأي معين، ويعمل به ويدعو إليه، من غير أن يجعل مخالفة الآخرين له سببًا للقطيعة أو الانتقاص.

فليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا العلمية، أو أن نساوي بين جميع الأقوال، أو أن نمتنع عن بيان ما نراه صوابًا؛ وإنما المطلوب أن نفرّق بين الثبات على الرأي والتعصب له، وبين مناقشة المخالف وإقصائه، وبين الدعوة إلى الحق واحتكار الحق لأنفسنا.

وإذا كان الخلاف لا يخرج عن دائرة الاجتهاد المعتبر، فإن من الخطأ تحويله إلى معركة ولاء وبراء، أو امتحان الناس في مسائل لا يسوغ فيها هذا التشدد.

أما المسائل القطعية، والأخطاء التي يترتب عليها ضرر أو اعتداء على الحقوق، فلها أحكامها وضوابطها، ولا يصح أن تُسوّى بالخلافات الاجتهادية التي وسع فيها أهل العلم.

رابعًا: لماذا اختلف العلماء؟

لم يكن اختلاف الفقهاء دليلًا على جهلهم بالدين، ولا على أن أحدهم يتعمد مخالفة النصوص، بل نشأ عن أسباب علمية معروفة، أشار حسن البنا إلى جملة منها.

1. تفاوت العقول وطرائق الاستنباط

تتفاوت قدرات العلماء في فهم النصوص، والجمع بين الأدلة، واستنباط الأحكام، والنظر في دلالات الألفاظ والقرائن.

وقد يتفق العالمان على النص، ثم يختلفان في دلالته أو في كيفية تنزيله على الواقعة.

2. تفاوت ما بلغهم من العلم

قد يبلغ العالمَ دليلٌ لا يبلغ غيره، أو يطّلع أحدهما على رواية أو أثر لا يكون الآخر قد وقف عليه، فيختلف اجتهادهما بناءً على ما توفر لكل منهما من العلم.

ولهذا نُقل عن الإمام مالك، في حديثه مع الخليفة أبي جعفر المنصور، التحذير من حمل الناس على رأي واحد مع تفرق الصحابة في الأمصار، واختصاص كل قوم بشيء من العلم.

3. اختلاف البيئات والأحوال

قد تتغير بعض الفتاوى تبعًا لتغير الظروف والأعراف والوقائع التي تتعلق بها، مع بقاء الأصول الشرعية ثابتة.

ومن أشهر الأمثلة اختلاف اجتهاد الإمام الشافعي بين مذهبه القديم في العراق ومذهبه الجديد في مصر، بما يعكس ما انتهى إليه نظره بعد تغير معطيات الاجتهاد وما ظهر له من أدلة ووجوه استدلال.

4. الاختلاف في ثبوت الروايات وقبولها

قد يطمئن إمام إلى رواية بناءً على ما عرفه من حال راويها وطرق نقلها، ولا يطمئن إليها غيره لأسباب تتعلق بالإسناد أو النقد الحديثي.

فلا يكون كل اختلاف في الحكم ناشئًا عن اختلاف في فهم النص؛ فقد يكون سببه اختلاف العلماء في ثبوت الدليل نفسه.

5. الاختلاف في دلالات الأدلة ومراتبها

قد يختلف الفقهاء في دلالة الأمر والنهي، أو في العموم والخصوص، أو في تقديم بعض الأدلة عند التعارض الظاهري، أو في الاحتجاج ببعض أنواع الأخبار، أو في اعتبار العرف وعمل الناس ضمن الضوابط المقررة.

وهذه مسائل علمية لها مناهجها وقواعدها، ولا يصح اختزالها في اتهام هذا العالم باتباع الهوى، أو ذاك بتقديم رأيه على النص.

ومن هنا نفهم أن اختلاف الفقهاء ليس أمرًا غريبًا على تاريخ الإسلام، وأن وجود الخلاف لا يعني بالضرورة غياب المنهج أو ضعف الالتزام بالدليل.

خامسًا: أصحاب النبي ﷺ اختلفوا، ولم يجعلوا كل خلاف خصومة

استشهد حسن البنا باختلاف الصحابة في بعض مسائل الاجتهاد، ومن أشهر أمثلته حديث بني قريظة، حين قال النبي ﷺ:

«لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة».

ففهم بعض الصحابة الأمر على ظاهره، فأخّروا الصلاة حتى وصلوا، وفهم آخرون أن المقصود الحث على الإسراع، فصلوا في الطريق قبل خروج الوقت.

ولما بلغ ذلك النبي ﷺ لم يعنّف واحدًا من الفريقين.

ويُستفاد من هذه الواقعة أن اختلاف الفهم قد يقع بين أهل العلم والفضل، وأن النظر في مقاصد الكلام وقرائنه قد يؤدي إلى اجتهادات مختلفة.

لكن الدرس ليس أن كل تفسير صحيح، أو أن كل خلاف لا يحتاج إلى ترجيح؛ بل إن وجود الخلاف لا يبيح اتهام المخالف في نيته، ولا يجعل مجرد مخالفته لاجتهادنا دليلًا على انحرافه.

وإذا كان هذا مما وقع بين الصحابة، وهم أقرب الناس إلى عهد النبوة وأعلمهم بأحوالها، فإن اختلاف العلماء من بعدهم لا ينبغي أن يفاجئنا، ولا أن يدفعنا إلى إلغاء تراث الاجتهاد الفقهي أو التعامل معه بعقلية الخصومة.

سادسًا: الأئمة الأربعة لم يجعلوا اختلافهم سببًا لإهدار علم بعضهم

اختلف الأئمة المجتهدون في مسائل كثيرة، وناظر بعضهم بعضًا، وتعددت المذاهب الفقهية التي نشأت عن اجتهاداتهم واجتهادات تلاميذهم.

ولم يكن معنى ذلك أن كل قول متساوٍ في القوة، ولا أن الترجيح بين الأقوال ممنوع؛ بل كان الاختلاف جزءًا من حركة العلم والبحث والاستدلال.

ومن الخطأ أن نقرأ هذا التراث بعقلية معاصرة تجعل الانتصار لمذهب أو شيخ مبررًا لانتقاص بقية العلماء، أو تتعامل مع تاريخ الفقه الإسلامي وكأنه سلسلة من الانحرافات التي لا يصححها إلا رأي واحد.

كما أنه ليس من الإنصاف أن نجعل احترام المذاهب مرادفًا للتقليد الأعمى، أو أن نجعل الدعوة إلى الدليل ذريعة للاستخفاف بأئمة الفقه وقواعد الاستنباط التي وضعوها.

فالمنهج العلمي يقتضي احترام العلماء، وفهم أدلتهم، والنظر في حججهم، والترجيح بقدر العلم والأهلية، لا بمجرد الحماسة أو الثقة بالنفس.

سابعًا: الأصول العشرون ومحاولة بناء أرضية مشتركة

حرص حسن البنا على وضع أصول عامة لدعوته، عُرفت باسم «الأصول العشرين»، قصد بها تحديد جملة من المعالم التي تساعد على ضبط الفهم والعمل، وتقريب وجهات النظر بين العاملين للإسلام.

وكان من معالم منهجه الدعوي عدم جعل كل مسألة فرعية محل نزاع يستهلك الجهد ويشتت الصف.

وتبرز أهمية هذا التوجه حين ندرك أن العاملين للإسلام قد يتفقون على أصول كبرى ومقاصد عامة، ثم يختلفون في مسائل فقهية أو اجتهادية لا تستلزم إلغاء ما بينهم من روابط.

ومن هذا المنطلق، فإن ترك بعض المسائل المختلف فيها دون تحويلها إلى معارك عامة قد يكون من الحكمة الدعوية، متى كانت المسألة تحتمل الاجتهاد، ولم تكن هناك حاجة علمية أو عملية ملحّة إلى حسمها.

وهذا لا يعني إخفاء الحق، ولا منع البحث العلمي، ولا تعطيل النقد؛ وإنما يعني أن نعرف متى يكون بيان المسألة ضرورة، ومتى يكون تأجيل الجدال حولها أولى بمصلحة الدعوة ووحدة المسلمين.

فليست كل مسألة تستحق أن نجعلها عنوانًا لهويتنا، ولا كل خطأ محتمل سببًا لإهدار ما بين المسلمين من اتفاق وتعاون.

ثامنًا: نجمع ولا نفرّق

من العبارات البارزة في رسالة حسن البنا «دعوتنا» تأكيده أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة، وأنها تسعى إلى توحيد وجهة الأنظار والهمم، وأن الفرقة من أعظم ما أضعف المسلمين، وأن المحبة والوحدة من أسباب قوتهم.

والمعنى الذي يستحق التأمل هنا هو أن العمل الإسلامي لا ينبغي أن يُبنى على تضخيم الفروق الجزئية، وإنما على إدراك المشتركات، وترتيب الأولويات، والتعاون فيما يمكن التعاون فيه.

ولا يعني هذا إلغاء الخصوصيات العلمية، أو مطالبة الجميع بالانضواء تحت جماعة واحدة، أو منع النقد والمراجعة؛ فالوحدة المنشودة ليست تطابقًا كاملًا في الآراء، وإنما هي اجتماع على الأصول المشتركة، واحترام للاجتهاد المعتبر، وتعاون في ميادين الخير، وإدارة للخلاف بما يمنع تحوله إلى عداوة.

وقد يجتمع المسلمون على خدمة المجتمع، وتعليم الناس، ومقاومة الظلم، وإغاثة المحتاجين، والدفاع عن قضايا الأمة، مع اختلافهم في بعض الفروع الفقهية أو الخيارات الاجتهادية.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نُحسن توظيف ما نتفق عليه، أم نهدر طاقاتنا في النزاع حول كل ما نختلف فيه؟

تاسعًا: ماذا نحتاج اليوم من فقه الاختلاف؟

إن استحضار هذا الجانب من منهج حسن البنا لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد غير نقدي لشخصية تاريخية، أو إلى دعوة لقبول كل ما قاله أو تبنّاه؛ فكل عالم وداعية يؤخذ من قوله ويُترك، والعبرة بوزن الأفكار والأقوال بالعلم والدليل.

لكن من الممكن أن نستفيد من المعاني التي أكدها في معالجة الخلاف، وأن نجعلها قواعد عملية في واقعنا الإسلامي.

أولًا: أن نفرّق بين القطعي والاجتهادي.

فليس كل خلاف في منزلة واحدة، ولا يصح أن نتعامل مع المسائل الظنية كما نتعامل مع الأصول القطعية.

ثانيًا: أن نترك التعصب للأشخاص والجماعات.

فلا عصمة لشيخ، ولا لجماعة، ولا لمذهب في كل اجتهاداته، كما لا يجوز أن تتحول أخطاء الأفراد إلى أحكام شاملة على الجميع.

ثالثًا: أن نحترم المذاهب الفقهية وتراث العلماء.

فالدعوة إلى اتباع الدليل لا تعني إهدار جهود الفقهاء، كما أن احترام المذاهب لا يعني منع النظر والترجيح.

رابعًا: أن نرفض التبديع والتضليل بغير علم.

فالأحكام الشرعية لها ضوابطها، ولا يجوز أن تكون الألقاب وسيلة لإسكات المخالف أو إخراجه من دائرة أهل السنة لمجرد مخالفته في مسألة اجتهادية.

خامسًا: أن نتعاون فيما نتفق عليه.

فالمسلمون أحوج ما يكونون إلى توحيد جهودهم في القضايا الكبرى، وإلى تقليل الخصومات التي لا تزيد واقعهم إلا ضعفًا وتشتتًا.

سادسًا: أن نجمع بين وضوح الموقف وحسن التعامل.

فالحوار الهادئ لا يعني التنازل عن الحق، والرفق لا يعني السكوت عن الخطأ، كما أن قوة الحجة لا تحتاج إلى التجريح، وبيان الصواب لا يستلزم الانتقاص من المخالف.

الخاتمة: الاختلاف لا يمنع الأخوة

إن الدرس الأهم الذي نستحضره من حديث حسن البنا عن فقه الاختلاف هو أن العمل للإسلام يحتاج إلى علم يميز بين مراتب المسائل، وبصيرة تحسن ترتيب الأولويات، وأخلاق تمنع الخلاف من التحول إلى خصومة وعداوة.

فليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، فهذا لا يتحقق في كثير من مسائل الاجتهاد؛ وليس المطلوب أن نتنازل عن قناعاتنا، بل أن نعرف كيف نتمسك بها من غير أن نظلم المخالف أو نبخس علمه.

نتفق حيث يكون الاتفاق ممكنًا، ونتحاور حيث يكون الحوار نافعًا، ونختلف بأدب حين يختلف الاجتهاد، ونرفض أن تتحول الفروع إلى حواجز تقطع ما بين المسلمين من أخوة وتعاون.

فالأمة التي تجعل كل اختلاف معركة لن تجد وقتًا كافيًا لمعالجة قضاياها الكبرى، والدعوة التي تنشغل بإقصاء المخالفين أكثر من انشغالها بإصلاح الناس ستستنزف كثيرًا من طاقتها في الداخل.

وليس من فقه الدعوة أن ننتصر في كل جدال، بل أن نعرف أي القضايا تستحق أن نبذل فيها الجهد، وأي الخلافات يمكن احتواؤها، وكيف نحفظ للحق مكانته وللمخالف كرامته وللأمة وحدتها.

فلنجعل اختلافنا مجالًا للبحث والاجتهاد، لا ذريعة للتنازع؛ ولنجعل اتفاقنا منطلقًا للعمل، لا مجرد شعار نردده؛ ولنتذكر دائمًا أن وحدة المسلمين لا تعني إلغاء عقولهم، وأن احترام الاختلاف لا يعني إلغاء الحق، وأن الجمع بين العلم والإنصاف والأخوة هو الطريق الأجدر بخدمة الإسلام والمسلمين.

لنتعاون على المتفق عليه، ونتسامح فيما اختلفنا فيه… نداء إلى وحدة الصف الإسلامي!

 

لنتعاون على المتفق عليه، ونتسامح فيما اختلفنا فيه… نداء إلى وحدة الصف الإسلامي!

أمتنا أكبر من خلافاتنا، ورسالتنا أعظم من خصوماتنا، وما يجمع المسلمين من أصول الدين وقضايا الأمة ومصالحها الكبرى أوسع بكثير مما يختلفون فيه من مسائل الاجتهاد والفروع.

إن من أعظم ما تحتاج إليه الأمة الإسلامية اليوم أن تتعلم كيف تختلف دون أن تتفرق، وكيف تتحاور دون أن تتباغض، وكيف تتعاون دون أن يشترط بعضها على بعض التطابق في كل رأي واجتهاد وموقف.

إننا بحاجة إلى أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نراجع طرائق تعاملنا مع المخالفين، وأن ندرك أن نصرة الإسلام وخدمة المسلمين لا تتحققان بتبديد الطاقات في الخصومات، ولا بتحويل كل اختلاف إلى معركة، ولا بجعل كل مسألة اجتهادية ميدانًا للتصنيف والتجريح والإقصاء.

فلنتعاون على المتفق عليه، ولنتحاور فيما اختلفنا فيه، ولنتبادل العذر فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فليس من الحكمة أن نترك ميادين العمل المشترك لننشغل بمعارك تستنزف جهودنا وتُضعف صفوفنا.

أولًا: الاختلاف لا يعني العداوة، والتعاون لا يشترط التطابق

إن الاختلاف في الفهم والاجتهاد والتقدير أمر عرفته الأمة منذ عصورها الأولى، ولم يكن كل اختلاف سببًا للفرقة، ولا كل تباين في الرأي موجبًا للقطيعة والخصومة.

فقد يتفق العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية على أصول الدين وثوابته، وعلى جملة واسعة من المقاصد والغايات، ثم يختلفون في بعض الفروع الفقهية، أو الوسائل الدعوية، أو تقدير المصالح والمفاسد، أو فهم بعض الوقائع وتنزيل الأحكام عليها.

وهذا التفاوت لا يقتضي بالضرورة أن يتحول المختلفون إلى خصوم، أو أن يتبادلوا الاتهامات، أو أن يسعى كل فريق إلى إسقاط الآخر وإقصائه من ميدان العمل الإسلامي.

إن الخلل لا يكمن دائمًا في وجود الاختلاف، بل في تحويله إلى خصومة دائمة، وفي المبالغة في تضخيم المسائل الجزئية، حتى تصبح عند بعض الناس أهم من القضايا الكبرى التي اجتمعوا أصلًا على خدمتها.

فليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، وإنما أن نعرف كيف نتعامل مع ما نختلف فيه، وأن نُحسن التعاون فيما نتفق عليه.

وهذا هو جوهر فقه الاختلاف: أن نعرف مواضع الاتفاق فنحفظها وننميها، ومواضع الاجتهاد فنحترمها ونناقشها بالحجة، وأسباب النزاع فنعالجها بالعلم والإنصاف والحكمة.

ثانيًا: لا تجعلوا الخلافات الفرعية تبتلع القضايا الكبرى!

ما أحوج الأمة الإسلامية إلى أن تنظر إلى واقعها بعين البصيرة، وأن تدرك حجم التحديات التي تواجهها في ميادين الإصلاح والبناء والتعليم والدعوة والوحدة والتقدم!

فليس من المعقول أن تمتلك الأمة هذا الرصيد الكبير من العلماء والدعاة والطاقات والخبرات، ثم تبدد جانبًا معتبرًا منه في معارك متبادلة، وردود لا تنتهي، وخصومات تتجدد لأسباب كان يمكن تجاوز كثير منها بالحوار والتفاهم.

وليس من الحكمة أن تنشغل الجماعات الإسلامية بتتبع أخطاء بعضها، وتضخيم هفواتها، والتنافس في نقدها، بينما تتعطل فرص التعاون في ميادين العلم والتربية والإصلاح وخدمة المجتمع.

إن الأمة تحتاج إلى من يبني، كما تحتاج إلى من يصحح؛ وإلى من يعلّم، كما تحتاج إلى من يناقش؛ وإلى من ينكر الخطأ، كما تحتاج إلى من يعرف قدره وحدوده، فلا يحوّل كل خطأ إلى قضية مصيرية، ولا كل خلاف إلى معركة فاصلة.

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة في التحذير من التنازع، فقال الله تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

فالتنازع لا يقتصر أثره على إفساد العلاقات بين المختلفين، بل قد يمتد إلى إضعاف قدرتهم على الإنجاز، وإهدار جهودهم، وتفويت مصالح كان يمكن تحقيقها بالتعاون والتنسيق.

وحين تصبح الخصومة غاية، يتراجع العمل، وحين يتحول المخالف إلى عدو دائم، تضيع فرص الإصلاح، وحين تُستنزف الطاقات في الداخل، تضعف القدرة على مواجهة التحديات في الخارج.

ثالثًا: وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف

ينبغي أن نتحرر من تصور خاطئ، مفاده أن وحدة المسلمين لا تتحقق إلا إذا اتفقوا في جميع المسائل، أو أن التعاون لا يجوز إلا بعد حسم كل خلافاتهم.

فهذا التصور يجعل الوحدة غاية مؤجلة إلى أجل غير معلوم؛ لأن الاختلاف في الاجتهادات والوسائل والتقديرات سيظل موجودًا ما دامت العقول تتفاوت في الفهم، والأدلة تحتاج إلى نظر، والوقائع تتجدد، والمصالح تختلف باختلاف الأحوال.

أما الوحدة الراشدة، فلا تقوم على فرض رأي واحد في كل مسألة، ولا على إلغاء الاجتهاد، وإنما تقوم على اجتماع الكلمة في الأصول المشتركة، واحترام الخلاف المعتبر، والتعاون على المصالح المشروعة، وإدارة النزاع بما يمنع تحوله إلى عداوة وانقسام.

لقد اختلف أئمة الإسلام في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقي لهم قدرهم العلمي، ومكانتهم في الأمة، وفضلهم في خدمة الشريعة. ولم يكن اختلافهم في الاجتهاد مبررًا لإهدار علومهم، أو إسقاط منزلتهم، أو تحويل المسائل المختلف فيها إلى حواجز تمنع الانتفاع بعلمهم.

فكيف نرضى لأنفسنا اليوم أن نضيّق ما وسّعه الاجتهاد المعتبر، وأن نجعل من بعض المسائل الفرعية سببًا للقطيعة، مع أن بين المسلمين مساحات واسعة من الاتفاق والعمل المشترك؟

إن احترام الاختلاف لا يعني أن جميع الآراء صحيحة، ولا أن الحق نسبي لا يمكن معرفته، وإنما يعني أن طلب الحق ينبغي أن يقترن بالتواضع العلمي، والعدل مع المخالف، والتمييز بين الخطأ الذي يناقش بالدليل والخلاف الذي يسوغ فيه الاجتهاد.

رابعًا: من التنازع إلى التكامل… كيف نستعيد قوة العمل الإسلامي؟

إن تشتت الجهود من أبرز أسباب ضعف كثير من الأعمال والمشروعات الإسلامية؛ فبدلًا من أن تتكامل الطاقات، قد تتنافس في غير موضع التنافس، وبدلًا من أن يستفيد بعضها من خبرات بعض، قد تنشغل بتتبع العيوب وإبراز النقائص.

وكم من مشروع نافع تعطل بسبب خصومة بين القائمين عليه! وكم من فرصة للتعاون ضاعت لأن كل طرف أراد أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة! وكم من علاقة علمية أو دعوية أفسدتها أحكام متسرعة، أو اتهامات لم تُبنَ على تثبت وإنصاف!

إننا لا نحتاج إلى أن تتخلى كل جماعة عن هويتها، أو أن تتنازل عن اجتهاداتها، أو أن تذوب في غيرها؛ وإنما نحتاج إلى أن تدرك حدود دورها، وأن تحترم جهود الآخرين، وأن تعرف أن ميادين خدمة الإسلام أوسع من أن تحتكرها جماعة، وأن أبواب الإصلاح أكثر من أن ينهض بها فريق واحد.

فليعمل كل طرف فيما يحسنه، وليستفد من خبرات غيره، وليتعاون الجميع في المشروعات التي تجمعهم، وليتركوا أبواب الحوار مفتوحة فيما يختلفون فيه.

إن تعدد الجهود يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أحسنّا تنسيقها، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف حين نجعلها تتصادم وتتآكل من الداخل.

وما أجمل أن تتنافس الجماعات في خدمة القرآن، وتعليم السنة، وتربية الأجيال، وإغاثة المحتاجين، ونشر العلم، وإصلاح المجتمع؛ بدلًا من أن تتنافس في التشنيع بعضها على بعض، وكأن نجاح فريق لا يتحقق إلا بفشل الفريق الآخر!

خامسًا: رسالة أخوية إلى غلاة التصنيف والتجريح والإقصاء

إن من أخطر ما يصيب العمل الإسلامي أن يتحول الخلاف العلمي إلى ميزان للولاء والبراء بين العاملين، وأن يصبح الانتماء إلى جماعة أو تيار سببًا للحكم على الآخرين قبل سماع حججهم وفهم مقاصدهم.

ومن المؤسف أن ينشغل بعض الدعاة بتصنيف المخالفين، والتحذير المتبادل منهم، وتتبع زلاتهم، حتى يطغى هذا الانشغال على الدعوة والتعليم والإصلاح، وتصبح الخصومة مع المخالف أشد حضورًا من العمل للقضايا التي يتفق الجميع على أهميتها.

إن النقد العلمي حق، وبيان الخطأ واجب في موضعه، والتحذير من الضرر الحقيقي قد يكون مطلوبًا؛ لكن هذه الأمور لا تبيح الظلم، ولا تبرر التعميم، ولا تجعل كل خلاف دليل انحراف، ولا تمنح أحدًا حق احتكار السنة أو المنهج الصحيح لنفسه وجماعته.

فليس كل من خالفنا مبتدعًا، ولا كل من أخطأ في اجتهاده مستحقًّا للإقصاء، ولا كل اختلاف في تقدير المواقف دليل على فساد النية أو الانحراف عن الدين.

والواجب أن نزن الأقوال والأفعال بالعلم والعدل، وأن نميز بين الخطأ الواضح والخلاف الاجتهادي، وبين النقد المخلص والتشهير، وبين النصيحة التي تقصد الإصلاح والخصومة التي لا تريد إلا الانتصار للنفس أو للجماعة.

كما ينبغي أن ندرك أن من حقنا مناقشة أفكار الآخرين، ومن حقهم مناقشة أفكارنا؛ وأن الرد على الرأي لا يستلزم الطعن في صاحبه، وأن مخالفة العالم في مسألة لا تسقط علمه وفضله، كما أن الانتساب إلى منهج معين لا يعصم صاحبه من الخطأ.

فمن أراد نصرة الحق، فليكن عادلًا حتى مع مخالفه؛ ومن أراد جمع الكلمة، فليبدأ بإصلاح طريقته في إدارة الخلاف؛ ومن أراد خدمة السنة، فلا يجعل الخلاف في فهمها ذريعة إلى تمزيق صفوف أهل القبلة.

سادسًا: كيف نتعاون عمليًّا رغم اختلافنا؟

إن الدعوة إلى وحدة الصف لا ينبغي أن تبقى أمنية جميلة أو شعارًا يتكرر في المناسبات، بل يجب أن تتحول إلى منهج عملي في العلاقات والمواقف والمشروعات.

ويمكن أن نبدأ بخطوات واضحة:

١. نوسّع دائرة المشتركات: فنبحث عما يجمعنا من قضايا العلم والدعوة والإصلاح وخدمة المجتمع، بدلًا من حصر الاهتمام فيما يفرقنا.

٢. نفتح أبواب الحوار: فالمسائل المختلف فيها تُناقش بالحجة والبرهان، لا بالتشهير والتخوين، ولا بإصدار الأحكام قبل فهم أقوال المخالفين.

٣. نحترم الاجتهاد المعتبر: فلا نجعل مسائل الخلاف الفقهي أو التقديرات الاجتهادية معيارًا وحيدًا للحكم على الأشخاص والجماعات.

٤. نراجع أحكامنا بإنصاف: فمن حق الإنسان أن يراجع رأيه إذا ظهر له الدليل، ومن واجبه أن يعترف بخطئه إذا تبين له، وليس في ذلك انتقاص من قدره.

٥. نميز بين الخطأ وصاحبه: فنناقش الفكرة، ونبين وجه الخطأ، ونحفظ للناس حقوقهم، ولا نجعل كل نقد مقدمة للقطيعة أو إسقاط المكانة.

٦. نبدأ بما نستطيع الاتفاق عليه: فلا نعلّق كل تعاون على حل جميع الخلافات، بل ننجز الأعمال المشتركة الممكنة، ونواصل الحوار فيما بقي من اختلاف.

٧. نجعل الأخوة ضابطًا للخلاف: فلا يحملنا اختلاف الرأي على الظلم، ولا يمنعنا النقد من الاعتراف بالفضل، ولا يجعلنا الحرص على الصواب ننسى واجب العدل والإحسان.

إن هذه الخطوات لا تلغي الخلاف، لكنها تمنعه من التحول إلى خصومة مدمرة، وتفتح الطريق أمام تعاون أكثر نضجًا واتزانًا.

سابعًا: لا نطلب من الجميع أن يتطابقوا، بل أن يحسنوا التعاون

إن الدعوة إلى وحدة الصف ليست دعوة إلى تمييع الثوابت، ولا إلى السكوت عن الأخطاء، ولا إلى جمع المتناقضات على حساب الحق؛ وإنما هي دعوة إلى وضع كل مسألة في موضعها، وإعطاء كل خلاف حجمه الحقيقي، وعدم السماح للقضايا الاجتهادية بأن تطغى على الواجبات المشتركة.

فقد نختلف في مسألة، ونتحاور فيها طويلًا، ولا نصل إلى رأي واحد؛ ومع ذلك نستطيع أن نتعاون في تعليم الناس، وخدمة المحتاجين، ونشر العلم، وإصلاح المجتمع، وسائر الأعمال المشروعة التي لا يتوقف إنجازها على حسم ذلك الخلاف.

وقد نرى خطأً في موقف جماعة أو اجتهاد داعية، فننصح ونناقش ونبين ما نراه صوابًا، دون أن نجعل ذلك مبررًا لإهدار كل ما لديهم من خير أو قطع كل سبيل للتعاون معهم.

وهذا هو التوازن الذي نحتاج إليه: ثبات في الأصول، وإنصاف في الأحكام، وسعة في مسائل الاجتهاد، وحكمة في إدارة الخلاف، وحرص على المصالح العامة.

أما أن نرفع شعار الوحدة، ثم نمارس الإقصاء عند أول خلاف؛ أو ندعو إلى الأخوة، ثم نطعن في النيات؛ أو نتحدث عن جمع الكلمة، ثم نجعل من كل مسألة فرعية معركة لا تنتهي، فذلك تناقض يحتاج إلى مراجعة صادقة.

إن وحدة الصف تبدأ حين نكف عن اشتراط التطابق الكامل، ونتعلم كيف نعمل معًا رغم اختلافنا، ونحفظ للأخوة مكانتها رغم تباين اجتهاداتنا.

خاتمة: لنجعل ما يجمعنا جسرًا للتعاون، لا ما يفرقنا جدارًا للخصومة

يا أهل العلم والدعوة والعمل الإسلامي، إن أمتنا أحوج ما تكون إلى جمع الطاقات، وتنسيق الجهود، وترشيد الخلافات، وتقديم ما ينفع الناس على ما يشبع رغبة الانتصار في الخصومات.

فلنفتح صفحة جديدة، لا نتنازل فيها عن الحق، ولا نهمل فيها واجب النصيحة، ولكن نتحرر فيها من التعصب، ونبتعد عن الغلو في الخصومة، ونعرف قدر المسائل الاجتهادية، ونحفظ للمخالف حقه في الحوار والإنصاف.

لنتعاون على ما يجمعنا، ونتحاور فيما يختلف فيه نظرنا، ونتناصح فيما نخطئ فيه، ونتكامل فيما تتفاوت فيه قدراتنا، ولنجعل نجاح أحدنا مكسبًا للعمل الإسلامي كله، لا تهديدًا لمكانة الآخرين.

ولنتذكر أن خدمة الإسلام لا تتحقق بكثرة الردود وحدها، ولا بقسوة العبارات، ولا بتوسيع دوائر التصنيف؛ وإنما تتحقق بالعلم النافع، والعمل الصالح، والحكمة في الدعوة، والعدل مع الناس، وحسن التعاون على البر والتقوى.

فلنتعاون على المتفق عليه، ونتسامح فيما اختلفنا فيه، ولنجعل خلافاتنا مجالًا للحوار والتبصر، لا سببًا للعداوة والتنازع والإقصاء.

فأمتنا أكبر من جماعاتنا، والإسلام أوسع من انتماءاتنا، ورسالتنا أعظم من خصوماتنا.

نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يصلح ذات بينهم، وأن يهدينا إلى الحق، وأن يرزقنا الإنصاف والحكمة، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأن يعيننا على خدمة دينه وأمته بما يرضيه.

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

التعصب للفئة أو الحزب

 

التعصب للفئة أو الحزب

 

ومن التعصب الذي ينبغي أن نحذر منه: التعصب للفئة أو الحزب أو للجماعة التي ينتسب إليها المسلم، تعصبا يجعله ينتصر لها بالحق وبالباطل على نحو ما قاله العرب في الجاهلية (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قبل أن يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم مفهوم الجملة، ويعطيها تفسيرا جديدا يتفق مع قيم الإسلام.

ومن التعصب للجماعة أو الحزب، أن يضفي عليها من الصفات ما يشبه القداسة أو العصمة، فكل ما تقوله فهو حق، وكل ما تفعله فهو جميل، وكل ما يصدر عنها فهو صواب، وكل تاريخها أمجاد، وكل رجالها ملائكة!

وهذا ليس بصحيح فكل جماعة قامت لنصرة الإسلام وتجديده في العقول والأنفس والحياة والمجتمع، ليست أكثر من مجموعة من المسلمين تجتهد في خدمة الإسلام وإعلاء كلمته، وهي في اجتهادها تصيب وتخطئ، وهي مأجورة على كل حال أصابت أم أخطأت، فلكل مجتهد نصيب، ولكل امرئ ما نوى.

ومن مظاهر هذا التعصب: أن لا يذكر لجماعته أو لحزبه، إلا المزايا والحسنات، ولا يذكر للجماعات الأخرى إلا العيوب والسيئات، وأن يعظم رجال مجموعته مهما يكن فيهم من تقصير أو قصور، ويحقر رجال الآخرين مهما يكن فيهم من سمو في العلم والعمل.

والإسلام يوجب على المسلم، أن يكون عدلا مع من يحب ومن يكره، يقول لله شهيدا بالقسط ولو على نفسه، ولا يخرجه غضبه عن الحق، ولا يدخله رضاه في الباطل، ولا تمنعه الخصومة من الشهادة لخصمه بما فيه من خير، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (سورة النساء: 135).

وقال: (لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) (سورة المائدة: 8).

ومن مظاهره: أن يفرح بأخطاء الآخرين، وقد يشنع بها، ويضرب بها الطبل، في حين يتعامى عن أخطاء فئته وجماعته، وإذا اعترف بها حاول أن يهون منها، ويعتذر لها، ويدافع عنها.

ومن مظاهر التعصب: المبالغة في المحافظة على الأشكال التنظيمية للحزب أو للجماعة، كأنها أمور تعبدية، حتى يضحي ـ في بعض الأحيان ـ بمصلحة الدعوة الإسلامية، والأمة الإسلامية، كيلا تخدش الصورة التنظيمية.

وهذا خطأ شنيع في الفهم، فالأشكال التنظيمية (وسائل وأدوات) تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان، وليست (أصناما تعبد) أو غايات تقصد لذاتها، كما يفهم ذلك من تصرفات بعض الغلاة في احترام التنظيم!

 

* أخلاقيات التحرر من التعصب

 

ومن الضروري هنا: التنبه والتنبيه على جملة من الأخلاقيات التي نراها لازمة للدلالة على التحرر من أسر التعصب حقا، ومن الواجب لفت النظر إليها والتذكير بها، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

ومن هذه الأخلاقيات: أن ينظر إلى القول لا إلى قائله، وأن تكون لديه الشجاعة لنقد الذات، والاعتراف بالخطأ، والترحيب بالنقد من الآخرين، وطلب النصح والتقويم منهم، والاستفادة مما عند الآخرين من علم وحكمة، والثناء على المخالف فيما أحسن فيه، والدفاع عنه إذا اتهم بالباطل، أو تطاول عليه أحد بغير حق.

وكل واحد من هذه الآداب أو الفضائل يحتاج إلى حديث، نرجئه لدراستنا القادمة بإذن الله عن (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) أسأل الله أن يعيننا على إتمامه عن قريب.

 

* إحسان الظن بالآخرين

 

ومن المبادئ الأخلاقية المهمة في التعامل بين الإسلاميين مع بعضهم البعض: إحسان الظن بالآخرين، وخلع المنظار الأسود، عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائما على تزكية نفسه، واتهام غيره..

والله تعالى ينهانا أن نزكي أنفسنا، فيقول: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم، فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى) (سورة النجم: 32).

ويذم اليهود الذين زكوا أنفسهم وقالوا: إنهم أبناء الله وأحباؤه، فقال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم، بل الله يزكي من يشاء) (سورة النساء: 49).

والمؤمن ـ كما قال بعض السلف ـ أشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح!

فهو أبدا متهم لنفسه لا يتسامح معها، ولا يسوغ لها خطأها، يغلب عليه شعور التفريط في جنب الله، والتقصير في حقوق عباد الله.

وهو يعمل الخير، ويجتهد في الطاعة، ويقول: أخشى أن لا يقبل مني. فإنما يتقبل الله من المتقين، وما يدريني أني منهم؟!

وهو في الجانب المقابل يلتمس المعاذير لخلق الله، وخصوصا لإخوانه والعاملين معه لنصرة دين الله، فهو يقول ما قال بعض السلف الصالح: ألتمس لأخي من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه!

وإن من أعظم شعب الإيمان حسن الظن بالله، وحسن الظن بالناس، وفي مقابلهما: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله.

إن سوء الظن من خصال الشر التي حذر منها القرآن والسنة، فالأصل حمل المسلم على الصلاح، وأن لا تظن به إلا خيرا، وأن تحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها، تغليبا لجانب الخير على جانب الشر.

والله تعالى يقول: (يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم) (سورة الحجرات: 12) والمراد به: ظن السوء الذي لم يقم عليه دليل حاسم.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.."

والمفروض في المسلم إذا سمع شرا عن أخيه أن يطرد عن نفسه تصور أي سوء عنه، وأن لا يظن به إلا خيرا، كما قال تعالى في سياق حديث الإفك: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وقالوا: هذا إفك مبين) (سورة النور:12).

صحيح إن سوء الظن من الأشياء التي لا يكاد يسلم منها أحد، كما روي ذلك في حديث ضعيف، ولكن يقويه ما ثبت في الصحيح، قول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه الذين رأوه في الاعتكاف يكلم امرأة في المسجد، فأسرعا الخطا، فقال: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي (زوجته)" فقالا: وهل نظن بك إلا خيرا يا رسول الله؟ قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا".

ومع هذا ينبغي للمؤمن أن لا يستسلم لوسوسة الشيطان في إساءة الظن بالمسلمين، بل عليه أن يلتمس لهم المعاذير والمخارج فيما يراهم أخطؤوا فيه، بدل أن يتطلب لهم العثرات والعيوب.

فإن من أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبعدهم منه مجالس يوم القيامة الباغين للبرآء العثرات.

فإذا كان العمل الصادر عن المسلم يحتمل وجها يكون فيه خيرا، وعشرين وجها لا يكون فيها إلا شرا، فينبغي حمل هذا العمل على وجه الخير الممكن والمحتمل.

وإذا لم يجد وجها واحدا للخير يحمله عليه ـ فيجمل به أن يتريث، ولا يستعجل في الاتهام، فقد يبدو له شيء عن قريب، وما أصدق ما قاله الشاعر هنا:

تأن ولا تعجل بلومك صاحبا لعل له عذرا وأنت تلوم!

ومما يجب التحذير منه: ما يتصل باتهام النيات، والحكم على السرائر، وإنما علمها عند الله، الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سر ولا علانية.

وهذا مطلوب للمسلم أي مسلم، من عامة الناس، فكيف بالمسلم الذي يعمل للإسلام والذي ضم إلى الإسلام العام: الدعوة إليه، والغيرة عليه، والدفاع عنه، والتضحية في سبيله؟

ومن أجل هذا يعجب المرء غاية العجب، ويتألم كل الألم، إذا وجد بعض العاملين للإسلام يتهم بعضهم بالعمالة أو الخيانة، جريا وراء العلمانيين وأعداء الإسلام فيقول أحدهم عن الآخر: هذا عميل للغرب أو للشرق أو للنظام الفلاني، لمجرد أنه خالفه في رأي أو في موقف، أو في اتخاذ وسيلة للعمل مخالفة له، ومثل هذا لا يجوز بحال لمن فقه عن الله ورسوله.

إن مجال السياسة الشرعية رحب، وفيه تتفاوت الأنظار، ما بين مضيق وموسع وبخاصة إن تقدير المصالح والمفاسد وراء الشيء الواحد يختلف الناس فيه اختلافا شاسعا.

وينبغي أن نقدم دائما حسن الظن ولا نتبع ظنون السوء فإنها لا تغني من الحق شيئا. فهذا يرى السكوت عن الحاكم في هذه المرحلة أولى، وآخر يرى وجوب المواجهة. وهذا يراها مواجهة سياسية، وآخر يراها عسكرية.

وهذا يرى الدخول في الانتخابات، وغيره ينكر المشاركة فيها.

وهذه كلها مجالات للاجتهاد لا ينبغي أن تمس دين شخص أو إيمانه أو تقواه بحال من الأحوال.

ويشتد الخطر حينما يجتمع أتباع الظن، وأتباع الهوى، كالذي ذم الله به المشركين في قوله: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (سورة النجم: 28).

(ومن أضل ممن اتبع هواه، بغير هدى من الله) (سورة القصص: 50).

ومن أجل ذلك حذر الله الرسل ـ مع مالهم من مقام عنده ـ من اتباع الأهواء فقال تعالى لداود: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (سورة ص: 26).

وقال لخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن المكي: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) (سورة الجاثية: 18).

وفي القرآن المدني: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) (سورة المائدة: 49).

إن الإخلاص لله يجمع يوحد، أما اتباع الهوى فهو يفرق ويمزق، لأن الحق واحد، والأهواء بعدد رؤوس الناس.

وإن أكثر ما فرق الأمة الإسلامية إلى فرق وطوائف شتى في القديم والحديث هو اتباع هوى النفس أو أهواء الغير، ولهذا أطلق (أهل السنة) على الفرق التي حادت عن (الصراط المستقيم) هذا العنوان المعبر (أهل الأهواء) فكثيرا ما كان الخلاف غير جذري، أو غير حقيقي، ولكن الذي ضخمه وخلده هو الهوى، نسأل الله السلامة.

 

* ترك الطعن والتجريح للمخالفين

 

ومن أسباب التواصل والتقارب: ترك الطعن والتجريح للمخالف، والتماس العذر له، وإن كان مخطئا في ظنك.

وذلك لأنه قد يكون مصيبا وأنت المخطئ، إذ لا يقين في الاجتهادات بصواب أحد القولين، كل ما تملك في هذا المجال هو الترجيح، والترجيح لا يعني القطع واليقين.

كما أن المخطئ في هذه القضايا لا يجوز الطعن عليه بحال، لأنه معذور في خطئه، بل مأجور عليه بنص الحديث النبوي الشريف.

فكيف يجرح أن يطعن عليه في أمر هو مأجور عليه من الله تعالى، وإن كان أجرا واحدا غير مضاعف، ولكن يكفي أنه مثاب ومأجور غير مأزور؟

وهذا هو نهج السلف في اختلافهم في الاجتهاد، فلم يجرح بعضهم بعضا، بل أثنى بعضهم على بعض برغم ما اختلفوا فيه.

نموذج من أدب كبار العلماء مع مخالفيهم:

ولعل من أفضل وأحسن أمثلة أدب الاختلاف: تلك الرسالة العلمية الرائعة، التي بعث بها فقيه مصر وإمامها وعالمها الليث بن سعد إلى الإمام مالك، يعرض عليه فيها وجهة نظره في أدب جم رفيع، حول كثير مما كان الإمام مالك يذهب إليه، ويخالفه فيه الليث بن سعد، ونظرا لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير إلى ذلك الأدب الرفيع، الذي اختلف في ظله سلف هذه الأمة، وكرام علمائها، يقول الليث بن سعد:

(... سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره، والزيادة من إحسانه.. ثم يقول: وأنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك ـ إن شاء الله تعالى ـ ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له).

ثم يمضي الإمام الليث بن سعد في رسالته موردا أوجه الاختلاف بينه وبين الإمام مالك رحمهما الله تعالى حول حجية عمل أهل المدينة مبينا أن كثيرا من السابقين الأولين الذين تخرجوا في مدرسة النبوة حملوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، وهم يجاهدون، ما تعلموه من كتاب الله وسنة نبيه، وبين أن التابعين قد اختلفوا في أشياء وكذلك من أتى بعدهم من أمثال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن حيث يذكر بعض مآخذه عليه، ثم يقول: (ومع ذلك ـ بحمد الله ـ عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله وغفر له وجزاه بأحسن ما عمله)، ثم يذكر من أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة مثل: الجمع ليلة المطر ـ والقضاء بشاهد ويمين ـ ومؤخر الصداق لا يقبض إلا عند الفراق ـ وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء.. وقضايا خلافية أخرى، ثم قال في نهاية الرسالة: (وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي، ورأيي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله).

وإن من المؤسف اليوم أن نجد من بين المشتغلين بالدعوة إلى الإسلام من يشهر سيف الذم والتجريح لكل من يخالفه، متهما إياه بقلة الدين، أو باتباع الهوى أو بالابتداع والانحراف، أو بالنفاق، وربما بالكفر!

وكثير من هؤلاء لا يقتصرون في الحكم على الظواهر، بل يتهمون النيات والسرائر، التي لا يعلم حقيقة ما فيها إلا الله سبحانه، كأنما شقوا عن قلوب العباد واطلعوا على دخائلها!

ولم يكد يسلم من ألسنة هؤلاء أحد من القدامى، أو المحدثين، أو المعاصرين ممن لا يقول بقولهم في قضايا معينة، حتى وجدنا من يسب بعض الأئمة الأربعة في الفقه، ومن يسب بعض أئمة السلوك والزهد.

هذا مع أن حملة العلم قد عدلهم النبي صلى الله عليه وسلم وزكاهم، بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله".

وهذه من المزالق التي يتورط فيها كثير من المنتسبين إلى التيار الديني: الطعن والتجريح، فيمن يخالف وجهتهم، أو مذهبهم في الاعتقاد أو الفقه أو السلوك.

فتجد بعض المنتمين إلى مذهب يطعنون في المذهب الآخر وإمامه.

ومن ينتمون إلى الحديث أو السلف يطعنون في الفقهاء كالأئمة الأربعة وكبار أتباعهم ممن لا يشك أحد في علمهم واجتهادهم ودينهم وورعهم.

أو يطعنون في كبار الصوفية الذين أثنى عليهم الربانيون والعلماء المحققون من خيار الأمة، وربما طعنوا في الصوفية جميعا.

وكذلك قد يطعنون في كبار علماء الأشاعرة ويجرحونهم تجريحا منكرا، وهم من لهم منزلة وفضلا في الذب عن هذا الدين، وعن الكتاب والسنة.

وانظر إلى موقف الإمام ابن القيم من شيخ الإسلام الهروي الأنصاري صاحب كتاب (منازل السائرين إلى مقامات "إياك نعبد وإياك نستعين") الذي شرحه ابن القيم بكتابه (مدارج السالكين) فكثيرا ما خالف الشارح (صاحب المدارج) المؤلف (صاحب المنازل) وبين خطأه فيما ذهب إليه، وذلك حين لا يجد أي مجال لتأويل كلامه وحمله على أحسن الوجوه الممكنة، ومع ذلك يلتمس له العذر بعد العذر، ويثني عليه وعلى علمه وفضله ومنزلته.

خذ مثلا لذلك ما قاله الهروي في حقائق التوبة، حيث جعل منها (طلب أعذار الخليقة) على نحو ما يقوله كثير من الصوفية أن من نظر إلى الخلق بعين الحقيقة عذرهم، على حين أن من نظر إليهم بعين الشريعة لامهم.

وقد بين ابن القيم أنه لا وجه لعذر العصاة بالقدر، وليس عذرهم من التوبة في شيء، فلا هم معذورون، ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة.

قال: لا سيما أنه يدخل في هذا عذر عباد الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان، ونمرود بن كنعان، وأبي جهل وأصحابه، وكل كافر وظالم، ومتعد حدود الله، ومنتهك محارم الله، فإنهم كلهم تحت القدر، وهم من الخليقة أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة؟

ثم يقول ابن القيم: ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل. وكل أحد فمأخوذ من قوله ومترك إلا المعصوم، صلوات الله وسلامه عليه. والكامل من عد خطؤه. ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب، الذي زلت فيه أقدام. وضلت فيه أفهام. وافترقت بالسالكين فيه الطرقات، وأشرفوا ـ إلا أقلهم ـ على أودية الهلكات.

ومن الخطأ الذي يقع فيه بعض المتدينين: أنهم لا يسمحون للشخص الذي يثقون بمنزلته في العلم أو في الدين، بأي زلة تزلها قدمه في الفكر أو في السلوك، وتراهم بمنزلة واحدة يهدمون جهاد إنسان وجهوده طوال عمره، ويهيلون التراب على تاريخه كله.

ولو عامل الله عباده كما يعامل هؤلاء غيرهم، ما نجا أحد ـ بعد الأنبياء ـ من الهلاك في الدنيا ولا من العذاب في الآخرة، ولكنه تعالى خاطب المكلفين بقوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير) (سورة الشورى: 30).

وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (سورة النساء: 31).

ووصف الذين أحسنوا من عباده بقوله: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (سورة النجم: 32).

إن الله تعالى يحكم على الناس بغالب أعمالهم، فمن ثقلت موازينه فهو المفلح ومن خفت موازينه فقد خاب وخسر، مع أن الله تعالى ـ بفضله ورحمته ـ يضاعف الحسنات، ولا يضاعف السيئات (إن الله لا يظلم مثقال ذرة إن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) (سورة النساء: 40).

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".

ويقول: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم".

ومن المأثور:

أن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما؟

ومن الوقائع التي لها دلالتها: ما وقع من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قبيل غزوة الفتح، حين أراد إرسال كتاب إلى أهل مكة، ينبئهم بتهيؤ الرسول لغزوهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يباغتهم فيجبرهم على التسليم بأقل ما يمكن من الخسائر والدماء.

وقد بعث حاطب بالكتاب بالفعل مع امرأة مسافرة إلى مكة، واستطاع علي رضي الله عنه أن يستخرجه منها، وقال عمر رضي الله عنه، حين اكتشف هذا الأمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه (يعني حاطبا) فقد نافق! ولكن النبي الكريم أبي ذلك وقال: "وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم".

ومعنى هذا أن سوابق هذا الصحابي شفعت له، مع عظم الذنب الذي اقترفه مما يشبه أن يكون خيانة عظمى.

ومن الكلمات الحكيمة هنا ما رواه أبو دواد في سننه عن الفقيه الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقد قال: إياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق! قال يزيد بن عميرة، راوي الحديث، وهو من أصحاب معاذ: قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم (المشتهرات) التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا.

وفي رواية: (المشبهات) مكان (المشتهرات) وفسرها بقوله: ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟!

والشاهد هنا قول معاذ بعد التحذير من زيغة الحكيم: ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، فلا ينبغي أن يسقط المرء بسبب كلمة يزيغ فيها عن الحق.

ومن القواعد المسلمة: أن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة كالنسيان، وهو ما علمه الله للمؤمنين أن يدعوا به ختام سورة البقرة، وهو قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (سورة البقرة:286) وقد صح في الحديث: أن الله تعالى قال: قد فعلت.

وأكد هذا الحديث النبوي: "إن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

وقال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم) (سورة الأحزاب: 5).

يؤكد هذا قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (سورة البقرة: 286).

ومن بذل جهده في معرفة الحق، فأخطأ الطريق إليه، لم يكن عليه جناح ولم يوجه إليه لوم، وإلا كلفناه ما لا طاقة له به، وهو منفي أيضا بما دلت عليه الآية السابقة (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به).

 

* البعد عن المراء واللدد في الخصومة

 

وعامل آخر يقرب بين أصحاب الرأي المختلف، وهو: البعد عن المراء المذموم واللدد في الخصومة.

فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء، الذي يراد منه الغلبة على الخصم بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزان بين الطرفين.

وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) (سورة الحج: 8،9).

(ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) (سورة الكهف: 56).

(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت).

فهذا المماري المتجبر يزعم أنه يحيي ويميت، لأنه يحكم على بعض الناس بالموت، ثم يعفو عنهم فيقول: قد أحييتهم! ويحكم على آخرين وينفذ الحكم. فيقول: قد أمتهم! فهو يفسر الإحياء والإماتة كما يشاء، وليس هذا هو التفسير الذي يعرفه الناس، والذي قصده إبراهيم عليه السلام بقوله: (ربي الذي يحيي ويميت).

ومن هنا جاء في الحديث ذم المراء، والترغيب في البعد عنه.

فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، ويبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، ويبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".

وعن أبي أمامة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم تلا: (بل هم قوم خصمون) (سورة الزخرف: 85).

وهذا أمر ملاحظ: أن القوم إذا حرموا التوفيق، تركوا العمل، وغرقوا في الجدل، وبخاصة أن هذا موافق لطبيعة الإنسان التي لم يهذبها الإيمان (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) (سورة الكهف: 54).

ونحن نشاهد على الساحة الإسلامية أناسا لا هم لهم إلا الجدل في كل شيء وليس لديهم أدنى استعداد لأن يعدلوا عن أي رأي من آرائهم، وإنما يريدون للآخرين أن يتبعوهم فيما يقولون. فهم على حق دائما، وغيرهم على باطل أبدا. منهم من يجادل في كلمات أعطاها اصطلاحا خاصا، خالفه فيه غيره، ويريد أن يلزم الآخرين برأيه، مع أن علماءنا قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح.

ومنهم من يذم التعصب للمذاهب، وهو يقيم مذهبا جديدا، يقاتل الآخرين عليه!

ومن يحرم التقليد ويطلب من الناس أن يقلدوه! أو يمنع تقليد القدامى وهو يقلد بعض المعاصرين!

ومن يقيم معركة من أجل مسائل فرعية، وجزئية، اختلف السلف فيها وفي أمثالها، ولم تعكر لعلاقاتهم صفوا.

إن آفتهم هي المراء، أو اللدد في الخصومة، وهو أمر ذمه الله ورسوله.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" والألد: الشديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي أي جانبيه، لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر.

والخصم: الحاذق بالخصومة.

وقد ذم الله المشركين بقوله في شأن القرآن: (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر قوما لدا) (سورة مريم: 97).

ولدا: جمع ألد.

وقال في شأن مشركي قريش: (ما ضربوه لك إلا جدلا، بل هم قوم خصمون) (سورة الزخرف: 58).

وذم القرآن بعض أصناف الناس بقوله: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه، وهو ألد الخصام) (سورة البقرة: 204).

وأكره ما يكون المراء واللدد في الخصومة حينما يكون حول (القرآن) الذي أنزله الله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فإذا أصبح هو مثارا للاختلاف فما المعيار الذي يحتكم الناس إليه؟ وما المرجع الذي يعولون عليه؟

وهذا سر ما روي من شدة غضب النبي صلى الله عليه وسلم على الذين اختصموا في القرآن، وضربوا آياته بعضها ببعض.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: هجرت (أي بكرت) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".

قال النووي: المراد بهلاك من قبلنا: هلاكهم في الدين بكفرهم وابتداعهم فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل فعلهم.

ومن طريق آخر، عن عبد الله بن عمرو أيضا قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يتدارؤون (أي يتدافعون القول)، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتهم فكلوه إلى عالمه".

وفي بعض روايات الحديث: أنهم كانوا يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية وهذا ينزع آية.

وفي رواية: أن بعضهم قال: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟

وفصلت رواية أخرى عن ابن عمرو قال: "لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم. أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة (أي ناحية منفردين) إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، مغضبا، قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب ويقول: مهلا يا قوم: بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه".

 

* الحوار بالتي هي أحسن

 

ومن الدعائم الأساسية في أدب الاختلاف: الحوار بالحسنى، وإذا استخدمنا التعبير القرآني قلنا: الجدال بالتي هي أحسن، وهو ما أمر الله تعالى به في كتابه حين قال: (ادع إلى سبيل ربك الحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125).

وهنا نجد تفرقة في التعبير بين المطلوب في الموعظة والمطلوب في الجدال. ففي الموعظة اكتفى بأن تكون حسنة، أما في الجدال فلم يرض إلا أن يكون بالتي هي أحسن، بمعنى أنه إذا كان هناك أسلوبان، أو طريقتان إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها وأفضل، فالمأمور به أن نتبع التي هي أحسن.

وسر ذلك: أن الموعظة ترجع ـ عادة ـ إلى الموافقين الملتزمين بالمبدأ والفكرة، فهم لا يحتاجون إلا إلى موعظة تذكرهم، وترقق قلوبهم وتجلو صدأهم، وتقوي عزائمهم، على حين يوجه الجدال ـ عادة ـ إلى المخالفين، الذين قد يدفع الخلاف معهم إلى شيء من القسوة في التعبير، أو الخشونة في التعامل، أو العنف في الجدل، فكان من الحكمة أن يطلب القرآن اتخاذ أحسن الطرائق وأمثلها للجدال أو الحوار، حتى يؤتي أكله.

ومن هذه الطرائق أو الأساليب أن يختار المجادل أرق التعبيرات وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر.

ولهذا استخدم القرآن في مخاطبة اليهود، والنصارى، تعبيرا له إيحاؤه ودلالته في التقريب بينهم وبين المسلمين، وهو تعبير (أهل الكتاب) أو (الذين أوتوا الكتاب) ولهذا جاء في القرآن مثل قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) (سورة النساء: 171).

(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم) (سورة المائدة: 15).

(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) (سورة آل عمران: 64). إلى آخر الآية التي كان يرسل بها النبي صلى الله عليه وسلم، إلى ملوك النصارى وأمرائهم، مثل قيصر والنجاشي والمقوقس.

(وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم؟) (آل عمران:20).

حتى المشركون الوثنيون لم يخاطبهم القرآن بقوله: "يأيها المشركون" بل كان يناديهم بقوله: "يأيها الناس".

ولم يرد في القرآن خطاب للمشركين بعنوان الشرك أو الكفر، إلا في سورة (الكافرون) وذلك لمناسبة خاصة هي قطع الأمل عند المشركين أن يتنازل المسلمون عن أساس عقيدتهم، وهو التوحيد، ولهذا كرر فيها المعنى الواحد بصيغ عدة تأكيدا وتثبيتا ومع هذا ختمها بهذه الآية الكريمة التي تعد غاية في السماحة: (لكم دينكم ولي دين).

ومثلها قوله تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم علمكم، أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون) (سورة يونس: 41).

وإنما اصطدم الإسلام بالشرك، واقتتل الرسول والمشركون، لأنهم لم يقابلوه بمثل منطقه، بل قالوا: لنا ديننا، وليس لك دينك، ولنا علمنا، وليس لك عملك، من حقنا أن نعبد الأوثان، وندعو إليها، وليس من حقك أن تعبد الله وتدعو إليه، ومن اتبعك على دينك بإرادته واختياره كان علينا أن نفتنه عن دينه.

ومن أساليب الحوار بالحسنى: التركيز على نقاط الالتقاء، ومواضع الاتفاق بينك وبين من تحاوره.

وهو أسلوب قرآني يجب أن نتعرف عليه، فهو يقول في حوار أهل الكتاب من اليهود والنصارى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). (وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) (سورة العنكبوت: 46).

ومثل ذلك قوله في سورة أخرى: (قل: أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم) (سورة البقرة: 139).

فإذا كان هذا موقف المسلم ممن يجادله من أهل الكتاب الذين يخالفونه في عقيدته، وأصل دينه، ولا يؤمنون بأن محمدا رسول الله، ولا أن القرآن كتاب الله، ولا أن الإسلام شريعة الله، فكيف ينبغي أن يكون موقفه من أخيه المسلم الذي يؤمن بكل ما يؤمن به من عقيدة وشريعة، ورسول وكتاب؟

وأذكر هنا نموذجا رائعا من نماذج حوار القرآن مع المخالفين وكيف يتنزل معهم في الكلام، ويرخي لهم العنان، ليستميلهم إليه، ويقربهم إلى ساحته ولا يستثير دوافع الخصومة، وحب الجدل في نفوسهم، بل يحاول بأسلوبه الرفيق الحكيم تهدئتها، وتقليم أظافرها.

يقول تعالى في سورة (سبأ) مخاطبا المشركين: (قل: من يرزقكم من السموات والأرض؟ قل: الله، وأنا أو إياكم لعي هدى أو في ضلال مبين.

قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم).

يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآيات:

هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وذلك لأن أحد المتناظرين، إذا قال للآخر: هذا الذي تقوله خطأ، وأنت فيه مخطئ، يغضبه، وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطئ والتمادي في الباطل قبيح، والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق، فنجتهد ونبصر رأينا على الخطأ ليحترز، فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر، ويترك التعصب، وذلك لا يوجب نقصا في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك. ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه: (إنا وإياكم) مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي، وهم الضالون والمضلون.

ثم قال تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون) أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم: (ولا نسأل عما تعملون) ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله (لا تسألون) (ولا نسأل) زيادة حث على النظر، وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذا بجرمه، فإذا احترز نجا ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر.

ثم قال تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) أكد ما يوجب النظر والتفكير، فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب، فكيف إذا كان يوم عرض وحساب وثواب وعذاب.

ومجادلات الرسل مع أقوامهم، كما حكاها القرآن، تحمل هذا المعنى بكل جلاء، معنى الفرق والتلطف واستخدام ألين العبارات في الدعوة والحوار.

وحسبنا أن نذكر نموذجا لذلك حوار نوح عليه السلام مع قومه لنتمثل فيه أدب النبوة، وهديها.

يقول تعالى في سورة هود: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين. أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم. فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري ؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري لا على الله، وما أنا بطارد الذين آمنوا، إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون. ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون. ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا، الله أعلم بما في أنفسهم. إني إذا لمن الظالمين. قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين. ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون) (الآيات: 25-34).

إن بعض المتحاورين في مسائل العلم والدين، يخيل إليك أنهم يتقاتلون لا أنهم يتجادلون، وإن الذي في إيمانهم ليس قلما يقطر مدادا أسود بل سيفا يقطر دما أحمر.

وكان الأولى أن يغلب الجو العلمي بهدوئه ورزانته على الجو الانفعالي بشدته وسخونته، وأن تهب الكلمات من الجانبين نسائم تنعش، لا أعاصير تدمر.

إن الكلمة العنيفة لا لزوم لها، ولا ثمرة تجتني من ورائها، إلا أنها تجرح المشاعر، وتغير مودة القلوب، وإن قال شوقي: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

ولكن هذا إنما يكون في الاختلاف الملتزم بآداب الحوار وموضوعيته، والبعد عن الإثارة والتهييج، أما الحوار الذي يصحبه العنف والاتهام والتجريح فالأغلب أنه يفسد الود، ويعكر صفاء الأنفس بل قد يخشى إذا ذهب الود أن لا يعود مرة أخرى، على نحو ما قال الشاعر:

إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر!

إن حسن اختيار بعض الجمل أو العبارات المناسبة في بعض الأحيان يحل مشكلات، ويفض اشتباكات.

وهذا ما يحسن بالدعاة والمفكرين المسلمين أن يحرصوا عليه، ويدققوا فيه.

ففي الآونة الأخيرة، علق الملك حسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية على نجاح التيار الإسلامي في الانتخابات الأردنية نجاحا فاق كل التوقعات بقوله: إنه يعتبر هذا النجاح (تقدما إلى الإسلام) ولا يوافق على التعبير الذي يسميه (رجوعا إلى الإسلام).

وذلك أن التعبير الأخير قد يوحي بأن الأمة تركت الإسلام، وهي الآن ترجع إليه مع أن الأمة لم تتخل عن دينها يوما. أما التعبير الآخر فيوحي بأن الأمة ـ وهي مسلمة ـ تتقدم أكثر وأكثر إلى الإسلام من حيث حسن الفهم والإيمان والسلوك والتطبيق.

وقد لاقت عبارة الملك استحسان كثيرين، حتى كتب الأستاذ أحمد بهاء الدين في (يومياته) بالأهرام 13/11/1989 يقول: كنت أحاول أن أصوغ المعنى الذي قاله الملك، فلم أعثر عليه. وربما لو عثرت عليه لفضت اشتباكات كثيرة مع كتاب ومفكري التيار الإسلامي، وسوء التفاهم لا مبرر له.

ولا ضرورة تدعو الدعاة والعاملين للإسلام إلى اتخاذ الكلمات أو العبارات التي من شأنها أن تنفر ولا تبشر، وأن تفرق ولا تجمع.

كيف والتوجهات النبوية تأمر بالتبشير وتنهى عن التنفير، ففي الحديث المتفق عليه عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا