السبت، 2 مايو 2026

الرد على من يدعى أن أبا حنيفة كان يخالف السنة و يقدم القياس عليها

 الرد على من يدعى أن أبا حنيفة كان يخالف السنة و يقدم القياس عليها


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم
لقد رُمى الإمام أبو حنيفة فى حياته بمخالفة السنة, وأنه يقدم القياس على السنة, ولقد نفى هذه التهمة عن نفسه:
- فكان يقول "كذب والله وافترى علينا من يقول أننا نقدم القياس على النص, وهل يُحتاج بعد النص إلى قياس" (الميزان للشعرانى صـ 51).
- ويقول "نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة , وذلك أننا ننظر فى دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة, فإن لم نجد دليلا قسنا حينئذ مسكوتا عنه على منطوق به". (الميزان للشعرانى صـ 51).
- ويقول "إنا نعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله  ثم بأحاديث أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم".
- ويقول "ما جاء عن رسول الله  فعلى الرأس والعين بأبى وأمى وليس لنا مخالفته, وما جاء عن أصحابه تخيرنا, وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال".
- ومما كان كتبه الخليفة أبو جعفر المنصور إلى الإمام أبي حنيفة :"بلغني أنك تقدم القياس على الحديث فقال ليس الأمر كما بلغك يا أمير المؤمنين إنما أعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله  ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ثم بأقضية بقية الصحابة ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا وليس بين الله وبين خلقه قرابة ".
أسباب تشدد أبى حنيفة فى قبول ما يرويه له الرواة
لا يعني اشتهار أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يهمل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قبول الحديث شروطا متشددة؛ للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله ، وهذا التشدد في قبول الحديث هو ما حمله على التوسع في تفسير ما صح عنده منها، والإكثار من القياس عليها حتى يواجه النوازل والمشكلات المتجددة. ويرجع هذا إلى أمرين:
1- كان تشدد العراقيين فى قبول الرواية وهو الأمر الذى ورثوه عن ابن مسعود وعن على وعمر بن الخطاب , سببا فى أن يؤثروا فتوى الصحابى على رواية يشكون فى نسبتها إلى صاحب الرسالة .
2- كثرة واضعى الحديث من أهل البدع والأهواء فى العراق, كالشيعة بكل فرقهم والخوارج والمرجئة والجهمية والقدرية, ثم بعد ذلك الزنادقة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

تشجيع النبيّ ﷺ ( للبدعة الحسنة ) ؟!

 تشجيع النبيّ ﷺ ( للبدعة الحسنة ) ؟!


على هدي الآيات المباركة ، والأحاديث النبوية الشريفة تعلّم الصحابة وتفقهوا ، فذهبوا يعملون من الصالحات ، ما لا نص خاص صريح فيه ، والنبيّ r يحثُّهم ، ويُشجِّعهم بصورة غير مباشرة !
فتربَّوا ، تربية عالية ، سامية ، وأُشرِبوا روح الإسلام ، ولبّه ، فاجتهدوا في الصالحات ! منها – على سبيل المثال – :
1 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: « فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ» صحيح مسلم
هذا حثٌّ ، وتشجيع للصالحات ؟ !
[ الظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة ، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك ، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من ذلك الصحابي ، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد ، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقال له كيف تفعل في الصلاة شيئاً قبل أن آذن لك فيه ؟ ! ]
ونلاحظ أنه اجتهاد في العبادة ؛ الصلاة !
2 - و( عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ) صحيح مسلم.
هل هناك أفضل من هذا الحثّ ، والتشجيع ؟ !
و( عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ : فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ ) صحيح البخاري .
جواز إحداث ذكر في الصلاة !
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، رحمه الله :
[ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذا كَانَ غير مُخَالف للمأثور ]
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله :
[ وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - ]
3 - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ - قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ r . متفق عليه .
4 - وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِ - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سَلُوهُ لأَىِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ . متفق عليه .
وهذا الحديث ظاهر في أن أمير السـرية كان يختم القراءة في الصلاة بـ { قل هو اللهُ أحد } اجتهاداً منه ، لأنه صفة الرحمن جل وعلا ، فكان جزاؤه أن يحبه الله تعالى لحبه إياها .
عن أنس بن مالك: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:1] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها إما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكان يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبروه الخبر. فقال (( يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ )) قال: إني أحبها قال: (( حبك إياها أدخلك الجنة )) .
5 - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَك [1] .
وكان عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، يزيد فيها !
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَزِيدُ فِيهَا: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. صحيح مسلم
كان النبيّ r لا يزيد على هذه الكلمات !
قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، :
[ وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضا عِنْده عَن نَافِع عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَعرف أَن بن عمر اقتدي فِي ذَلِك بِأَبِيهِ
وَأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ وَزَادَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَن أخرجه من حَدِيث بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ وبن ماجة وَصَححهُ بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحق لبيْك وَبِزِيَادَة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يزِيد عَن بن مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا تقدم عَن عمر وبن عُمَرَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِلَخْ .
قَالَ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ
قَالَ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِه صرح أَشهب وَحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ .
فهل إستأذن الصحابة رسول الله r في هذه الأعمال قبل أن يعملوها ؟ !
وهذه الزيادات على تلبية النبيّ r ؛ التي جاء بها الناس من عند أنفسهم ، هي زيادات في العبادة ؛ وهي الحج ! والتي قَبْلها كانت في الصلاة ! وهما ركنان من أركان الإسلام ، أعني : الصلاة والحج ! !
موضع الشاهد
وموضع الشاهد من هذه الأحاديث هو : أن الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كانوا يعملون أعمالاً صالحة ، من غير أن يكون فيها نص خاص من القرآن ، ومن السنة ، بل على العكس ، كانت هناك سنة ، وعهد منه r ! فزادوا على ذلك باجتهاداتهم ، قبل إقرار النبيّ r ذلك ! !
تنبيه على عدم الخروج عن الموضوع !
هذا هو لب موضوعنا ! فلا يخرج عنه أحد فيقول : لقد أقرّهم النبي r ، فأصبحت هذه الزيادات سنة ، بإقرار النبيّ r ! !
فنحن نتحدث عن تربية ، وفهم ، وفقه الصحابة ، رضي الله عنهم ، في عمل الصالحات ، قبل إقرار النبيّ r ! !
بل نتيجة تربية القرآن ، والنبيّ r ، للصحابة ، رضي الله عنهم ، أصبحت أعمالهم الصالحة الإجتهادية - التي لا تخالف نصا ً، وهدياً عاماً ، أو قاعدة شرعية ، وتخدم إحدى المصالح الضرورية – أصبحت جزءاً من سنة النبيّ r !
فالسنة في إصطلاح الأصوليين هو : ما صدر عن النبيّ r ، غير القرآن ، من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، فهي بهذا الإعتبار دليل من أدلة الأحكام ، ومصدر من مصادر التشريع .
السنة التقريرية !
[ وهي سكوت النبيّ r عن إنكار قول ، أو فعل صدر في حضرته ، أو في غيبته ، وعلم به .
فهذا السكوت يدل على جواز الفعل ، وإباحته ، لأن الرسول r لا يسكت عن باطل ، أو منكر .
ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته ، وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن غناء جاريتين ، كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد .
هل الغلمان ، والجاريتان أخذوا الإذن من النبيّ r قبل أن يعملوا تلك الأعمال ؟ !

تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان

 

《تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان 》
ساقني لهذا الموضوع خوض عوام الناس في مسألة زكاة الفطر بعلم وبغير علم واتهام المخالف بأنه يجتهد برأية مع وجود النص،وهذا من أعجب ما سمعت.
فأنتم بهذا الادعاء يتهمون كبار الصحابة والتابعين ويرمونهم بمخالفة القرآن والسنة ،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن من أصول السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية مجال تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان، وهي قاعدة صاغها الفقهاء قديماً وتناولها عدد منهم بالشرح والتوضيح، وهذه القاعدة قاعدةٌ مهمة جداً عقد لها الإمام ابن القيّم فصلاً بقوله: ( فصل في تغيّر الفتوى بحسب الأمكنة والأزمنة والأحوال والنيّات والعوائد ). إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/11 .
-------☆☆-------☆☆----
《أمثلة تطبيقية لتغير الفتوى》:
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا أذكر منها حتى لا أطيل الآتي:
1- تغير الفتوى بتغيّر الحال:
ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ((كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء شاب، فقال: يا رسول الله أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال نعم؟ قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علمت لمَ نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه )).رواه أحمد وغيره.
فقد اختلفت فتواه - صلى الله عليه وسلم - في حكم واحد، وذلك لاختلاف الحالين.
2- تغيّر الفتوى بسبب تغيّر الزمان :
1- ما ورد في عهد عثمان رضي الله عنه أنه أمر بالتقاط ضالة الإبل فقد روى مالك في الموطّأ ابن شهاب يقول: (( كانت ضَوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبَّلة تنََاتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنها)).
((فقد رأى عثمان رضي الله عنه أن التقاط ضالة الإبل أولى من إرسالها ترعى الشجر وترد الماء لأنه رأى في زمانه تبدلاً في حالة الناس أورث خوفاً على أموال الرعية من أن تمتد إليها يد الخيانة ، فكانت المصلحة في أمره بالتقاطها وتعريفها كسائر الأموال )).
فعثمان - رضي الله عنه - فقد أمر بتعريف الإبل الضالة ثم بيعها، على الرغم من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التقاطها،فهل نقول أن الصحابة خالفوا السنة !!
جاء في الحديث الصحيح عن زيد بن خالد أنه سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ضوال الإبل فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ما لك ولها، دعها فإن معها غذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها»، فالحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل.
2- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ضمن قوتهم التمر والزبيب وهي في زماننا لا تعتبر قوتا إنما هي من التفكه.فقد كانوا يعيشون عليه الأشهر ذوات العدد.
فعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ : " ابْنَ أُخْتِي ، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ " فَقُلْتُ : مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ : " الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ"رواه البخاري.
ومن خلال ما سبق يمكن القول أن الفتوى قد تختلف من بيئة إلى أخرى في النازلة الواحدة حسب الظروف والأحوال، وبحسب الأعراف والعادات.
3-فرض الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهم في الزكاة المفروضة على المسلمين بقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) التوبة 60.
فقد اقتضت المصلحة الشرعية إيقاف هذا السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم ومنعه عنهم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته بعد أن تبين له أن علة الإعطاء الخاصة بهذا السهم قد زالت وأن المصلحة للمسلمين في منع هذا السهم عن المؤلفة قلوبهم وإعطائه لمصارفه الشرعية من المسلمين.
فهل نقول أن عمر بن الخطاب رضي الله اجتهد وأعمل عقله في مخالفة النص؟؟؟
4- التين لم يكن مما يقتات في المدينة، لكن هو مما يقتات في الأندلس، فكان الإمام مالك رحمه الله تعالى لا يرى فيه الزكاة لأنه في بلده لا يقتات أي أنه غير قوت.
▪︎قال الباجي: “فأما التين فإنه عندنا بالأندلس قوت وقد ألحقه مالك بما لا زكاة فيه...".
ثم قال (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَى التَّفَكُّهِ لَا عَلَى مَعْنَى الْقُوتِ).كتاب المنتقى شرح الموطإ
،أبو الوليد الباجي.
5- ومما هو مقرر أن الإمام الشافعي قد غير مذهبه عندما سافر من العراق إلى مصر وهذا التغيير لا بد له من أسباب ينبغي دراستها وبيان الظروف التي من أجلها تتغيير الاحكام بتغير الزمان والمكان .
5- جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة صيانة للمسجد من السرقة.وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تغلق فهل نقول لمن يغلقها في تلك الأوقات انت خالفت ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟
3- أورد النووي في "المجموع"(9/253) " أن ابن أبي زيد القيرواني اتخذ كلبا في داره حين وقع حائطها، وكان يخاف على نفسه، فقيل له في ذلك-أي نقلوا له قول الإمام مالك بعدم الجواز-، فقال:لو أدرك مالك زماننا لأتخذ أسدا ضاريا." اهـ.
قال الحافظ احمد الغماري رحمه الله ان الإمام مالك رحمه الله لو كان في عصرنا لأفتى بجواز دفع زكاة الفطر نقدا.
---☆☆---------☆☆-----
3- تغير الفتوى وفق المعطيات العصرية
معرفة مدارك الأحكام وعللها تجلى نوعية الحكم الشرعي ممكن تغير الفتوى فيه بتغير ما أنيط به، ومع تطور الزمن الراهن وتجدد التقنيات المخترعة الحديثة؛ قد يكون لها أثرا في تغيير بعض المسائل الدينية:
ومن الأمثلة على ذلك:
1- قديما كان المؤذن يرتقى فوق السور والبيوت للأذان، واليوم مع وجود مكبر الصوت لم يكد يوجد من يؤذن فوق المسجد، فتغير شأن الأذان من هذه الحيثية وفق المعطيات العصرية.
2- وسئل الشيخ عبد اﷲ جبران رحمه اﷲ عن الإبراد في صلاة الظهر، هل العلة هي شدة الحر، فإذا كان كذلك فهل تطبق في هذا العصر مع وجود المكيفات؟
فقال رحمه اﷲ: صحيح أن العلة هي شدة الحر، وفي هذه الأزمنة لما وجدت هذه المكيفات فالصحيح أنه لا حاجة إلى الإبراد الذي كانوا يفعلونه في العهد القديم، لزوال العلة، وجود المبردات التي تخفف من شدة الحر.
-------------
أقول في هذا الصدد حول زكاة الفطر بالمال
1- هل نغنى فقراءنا في المدن إذا أعطيناهم أقطاً وشعيراً وبراً؟”
2- وهل يعقل أن نأمر مسلمي ألمانيا وسويسرا وانجلترا …إلخ أن يتعاملوا مع الأقط والشعير والتمر والزبيب؟

-----☆☆---------☆☆-----
والله تعالى أعلى وأعلم
جمع وترتيب
أبوبكر الزايدي.

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

بيان لطلبة العلم ... ان المعلقات البخارى لاتدخل فى شرط الصحيح كحديث المعازف.

 

بيان لطلبة العلم ... ان المعلقات البخارى لاتدخل فى شرط الصحيح كحديث المعازف.
بيان ان المعلقات البخارى لاتدخل فى شرط الصحيح كحديث المعازف
كلام عن معلقات البخارى هام جدا من بحث للشيخ احمد الاقطش
سيحسم الكلام عن حديث المعازف ومدى صحته بالكلام عن ثلاث نقط
النقطة الاولى هل يروي البخاريّ بواسطة عن شيوخه؟
قال ابن حجر في الفتح: ((قال الإسماعيلي: قد يصنع البخاريّ ذلك إمّا لأنه سمعه من ذلك الشيخ بواسطة مَن يثق به عنه، وهو معروف مشهور عن ذلك الشيخ. أو لأنه سمعه مِمَّن ليس مِن شرط...
الكتاب)). اهـ
- وقال في مقدمة الفتح في أسباب عدم وصل البخاريّ لمثل هذه المعلقات: ((وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعاً، أو سمعه وشكّ في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرةً. فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل. وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه .... وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة "قال فلان" ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم .... ولكن ليس ذلك مطرداً في كلّ ما أورده بهذه الصيغة. لكن مع هذا الاحتمال لا يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك من شيوخه. ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلساً عنهم)). اهـ
- ومِن الأمثلة التي ضربها الحافظ للأحاديث التي لم يسمعها البخاريّ مِن شيوخه:
@ حديث أبي هريرة في الثلاثة في بني إسرائيل. علَّقه بقوله: "قال عمرو بن عاصم". قال ابن حجر في التغليق: ((وقد أسنده المؤلف في أواخر أحاديث الأنبياء في ذكر بني إسرائيل عن أحمد بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم. وهو أحد الأحاديث التي يُستدلّ بها على أنّ البخاريّ ربما علَّق عن بعض شيوخه الذين سمع منهم ما لم يسمعه منهم)). اهـ
@ حديث أبي هريرة في وكالة زكاة رمضان. قال: ((فمِن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة: قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف: حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وكَّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة رمضان" الحديث بطوله. وأورده في مواضع أخرى، منها في فضائل وفي ذكر إبليس. ولم يقل في موضع منها: "حدثنا عثمان". فالظاهر أنه لم يسمعه منه)). اهـ @ حديث جندب بن عبد الله في الرجل الذي قتل نفسه. قال في الفتح: ((حديث جندب - وهو ابن عبد الله البجلي - قال فيه: "قال حجاج بن منهال: حدثنا جرير بن حازم". وقد وصله في ذكر بني إسرائيل فقال: "حدثنا محمد: حدثنا حجاج بن منهال" فذكره. وهو أحد المواضع التي يُستدلّ بها على أنه ربما علَّق عن بعض شيوخه ما بينه وبينه فيه واسطة)). اهـ وقال في التغليق: ((وهذا من المواضع التي يُستدلّ بها على أنه قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما لم يسمعه منهم)). اهـ
@ حديث عمرو بن تغلب. قال في الفتح: ((قوله: "زاد أبو عاصم، عن جرير" هو ابن حازم. وقد تقدم موصولاً في أواخر الجمعة عن محمد بن معمر، عن أبي عاصم. وهو مِن المواضع التي تمسك بها مَن زعم أنّ البخاري قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة، مثل هذا: فإنّ أبا عاصم شيخه، وقد علَّق عنه هذا هنا. ولـمَّا ساقه موصولاً، أدخل بينه وبين أبي عاصم واسطة)). اهـ
@ حديث زيد بن ثابت في صلاة الليل. قال في التغليق: ((وقال عَقِبَه: "قال عفان: ثنا وهيب: ثنا موسى: سمعتُ أبا النضر، عن بسر، عن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم". ثم أسنده في كتاب الاعتصام عن إسحاق، عن عفان به. وهو أحد المواضع التي يُستدلّ بها على أنه يعلِّق عن شيوخه ما لم يسمع منهم)). اهـ
قلتُ: فالجواب: نعم، قد يروي البخاريّ عن شيوخه بواسطةٍ ما لم يسمعه منهم. وقد يَذكر الواسطةَ في موضعٍ آخر، وقد لا يَذكر.
(4) إذن هل حديث المعازف مجزومٌ أنّ البخاريّ سمعه مِن شيخه؟
والجواب مِن كلّ ما سبق: كلا، وأنَّى لنا الجزم! فالأصلُ في هذا الحديث أنه معلَّقٌ لا خلاف في ذلك، إذ لم يَذكُر البخاريّ تحديثاً عن شيخه. ومِثل هذا لا يُحكم له بالاتصال، بل هو في حُكم المنقطع لدى أئمة الحديث قبل ابن الصلاح. ولذلك قال الذهبي: ((أخرجه البخاريّ عن هشام عن غير سماع)). اهـ فالذين حَكَموا عليه بالانقطاع إنما مشوا على الأصل احتكاماً إلى قواعد التحديث، فهُم في حيِّز الصواب ابتداءً. أمّا القائلون بالاتصال، فليس لديهم إلاّ الاحتمال والافتراض.
والله أعلى وأعلم
النقطة الثانية
هل المعلقات داخلة في شرط الصحيح؟
ذهب ابن القطان إلى أنّ معلقات البخاريّ التي لم يوصلها ليست داخلة في شرطه. وذهب ابن الصلاح إلى أنّ قليلاً منها فقط هو الذي ليس على شرطه. وتوسّط ابن حجر فنبّه على أنّ مِن معلقات البخاريّ ما هو على شرطه، ومنها ما ليس كذلك. وإن كانت هذه المعلقات ليست مِن مقاصد الكتاب، بل ساقها البخاريّ استئناساً واستشهاداً. وإليك البيان:
- قال ابن الصلاح في مقدمته: ((وأما المعلَّق وهو الذي حُذف من مبتدإ إسناده واحدٌ أو أكثر - وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاريّ، وهو في كتاب مسلم قليلٌ جداً - ففي بعضه نظر)). ثم قال: ((ثم إنّ ما يتقاعد مِن ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاريّ في مواضع مِن تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعِه الذي يُشعر به اسمه الذي سمّاه به وهو "الجامع المسند الصحيح المختصر مِن أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه")). اهـ
- وتعقَّبه ابن حجر في نكته فقال: ((بل الذي يتقاعد عن شرط البخاريّ ليس بالقليل، إلاّ أن يريد بالقلة قلة نسبية إلى باقي ما في الكتاب، فيتجه. بل جزم أبو الحسن ابن القطان بأن التعاليق التي لم يوصل البخاريّ إسنادها ليست على شرطه، وإن كان ذلك لا يُقبل مِن ابن القطان)). اهـ
- وقال ابن حجر في نكته في الفرق بين موطأ مالك وصحيح البخاريّ مِن حيث الأحاديث غير المتصلة الإسناد: ((والفرق بين ما فيه من المقطوع والمنقطع وبين ما في البخاريّ مِن ذلك واضحٌ: لأن الذي في الموطأ مِن ذلك هو مسموعٌ لمالك كذلك في الغالب، وهو حجّةٌ عنده وعند مَن تبعه. والذي في البخاريّ مِن ذلك قد حذف البخاريّ أسانيدها عمداً ليخرجها عن موضوع الكتاب، وإنما يسوقها في تراجم الأبواب تنبيهاً واستشهاداً واستئناساً وتفسيراً لبعض الآيات. وكأنه أراد أن يكون كتابه كتاباً جامعاً لأبواب الفقه وغير ذلك مِن المعاني التي قصد جمعه فيها. وقد بيَّنتُ في كتاب "تغليق التعليق" كثيراً مِن الأحاديث التي يعلِّقها البخاريّ في الصحيح فيحذف إسنادها أو بعضها، وتوجد موصولةً عنده في موضع آخر مِن تصانيفه التي هي خارج الصحيح)). اهـ
قلتُ: فمعلقات البخاري التي لم يوصلها في أيِّ موضعٍ مِن صحيحه ليست داخلةً في موضوع كتابه الذي خصَّصه للأحاديث المسندة الموصولة، ومِن ثمّ فليست على شرطه في الصحيح.
والله أعلى وأعلم
ثالثا هل ما اسلفناه يعنى ان البخارى مدلس
قال ابن حجر : وهذا ليس مطردا في كل ما أورده بهذه الصيغة لكن مع هذا الاحتمال لا
يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على انه سمع ذلك من شيوخه ، ولا
يلزم من ذلك أن يكون مدلسا عنهم فقد صرح الخطيب وغيره بأن لفظ قال لا يحمل
على السماع إلا ممن عرف من عادته انه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع

-=-=-=-
أورد البخاري الحديث في باب «من يستحل الخمر ويسميها بغير اسمها»، مما يدل بوضوح على أنه لم يورده ليحتج بتحريم المعازف، بل ليستأنس به في وصف حال قومٍ من أهل اللهو الذين يغرقون في الفساد حتى يستحلوا ما حرّم الله. فلو كان البخاري يراه نصًا في التحريم، لأفرد له بابًا بعنوان «تحريم المعازف»، كما فعل في سائر الأبواب التي تضمنّت أحاديث الأحكام.
وهذا من فقهه الدقيق في التبويب الذي اشتهر بين المحدثين بقولهم: «فقه البخاري في تراجمه». فغياب الترجمة الخاصة بالمعازف مع وجود الحديث بين يديه أقوى شاهد على أنه لم يعتبره نصًا تشريعيًا يُبنى عليه التحريم.
ثالثًا: الرواية الموازية — حديث مالك بن أبي مريم
لقد جمع البخاري بين حديث عطية بن قيس، وحديث آخر رواه في التاريخ الكبير عن مالك بن أبي مريم، وفيه: «ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير».
هذه الرواية، وإن كانت تقوّي المعنى العام، فهي أيضًا ضعيفة الإسناد لجهالة مالك بن أبي مريم، لكنها تخلو من لفظة «يستحلون المعازف» التي انفرد بها عطية. فالمعازف في هذا السياق وصفٌ لحالهم أثناء استحلالهم الخمر، لا علةٌ للعقوبة.
قال ابن حزم في المحلى: «ليس في الحديث أن الوعيد إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها، والديانة لا تؤخذ بالظن».
ومن هنا يتضح أن اللفظة المختلف عليها — «يستحلون المعازف» — شاذة انفرد بها راوٍ ضعيف، وأن الأصل في الحديث إنما هو بيان غفلة القوم وانغماسهم في الخمر والملاهي، لا تشريع حكمٍ في ذات المعازف.
رابعًا: لماذا لم يخرّجه مسلم؟
لو كان الحديث صحيحًا على شرط البخاري، لأخرجه مسلم، وهو الذي قال عنه الدارقطني: «لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء». بل وصفه بأنه اقتفى أثر البخاري وجعل كتابه مستخرجًا عليه. فإعراض مسلم عن إخراجه قرينة قوية على أنه لا يراه مستوفيًا لشروط الصحة، سواء من حيث الإسناد أو من حيث المتن.
خامسًا: بين الرواية والدلالة — التمايز بين النص والتأويل
حتى لو افترضنا صحة الحديث سندًا، فإن دلالته لا تنهض على التحريم القطعي. إذ جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين الحرير والخمر والفرج والمعازف، وهذه المفردات تختلف في أحكامها اختلافًا بيّنًا. فالحرير حلال للنساء محرم على الرجال، والخمر محرمة مطلقًا لا يباح منها قليل ولا كثير، والفرج حلال بالزواج وملك اليمين، حرام في غيرهما، أما المعازف فلم يأت نصٌّ قطعي بتحريمها في الكتاب ولا في السنة الصحيحة.

-=-=-=-=-=-==-=-=-=-=- هل الموسيقى حرام؟ قراءة شرعية في حديث المعازف المعلّق عند البخاري
بقلم / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
من بين النصوص التي طال حولها الجدل في تاريخ الفقه الإسلامي حديث البخاري المشهور: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرّ والحرير والخمر والمعازف»، وهو الحديث الذي صار ركناً عند من حرّموا المعازف واتخذوه دليلًا قطعيًا في تحريم الموسيقى. غير أن المنهج العلمي والقراءة النقدية للنصوص تقتضي التفريق بين ما يُبنى عليه الحكم، وما يُستأنس به في الفهم والتصوير، وبين دلالة اللفظ في ذاته، وموقعه في سياق الخطاب النبوي الشامل.
هذا البحث ليس جدالًا في الهوى، بل محاولة لفهم كيف يَتشكّل النص في ضوء الرواية والنقد والواقع، وكيف تنعكس المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية في تفاعل الناس مع الفن والموسيقى، بين من يراها صوت الشيطان، ومن يراها تنفّس الروح في فضاء الجمال الإلهي.
أولًا: بين الرواية والتحقيق — عطية بن قيس في ميزان الشرعي
لم يكن إعلال الحديث من جهة الانقطاع فقط، كما فعل ابن حزم، هو العلة الوحيدة التي تمس متنه وسنده. فهناك علةٌ خفية أدق وأعمق، غفل عنها كثير من المتأخرين، وهي حال الراوي عطية بن قيس.
عطية من القراء الصالحين، عرف بالزهد والعبادة، لكن علم الرجال لا يقف عند العدالة وحدها، بل يشترط إلى جانبها الضبط، لأن الصدق في النفس لا يعصم اللسان من الوهم في النقل. فكم من صالحٍ ضعيف الحفظ، وكم من زاهدٍ ليس متقنًا للرواية.
عند مراجعة أقوال الأئمة، نرى أن عطية لم يبلغ مرتبة الاحتجاج. فأبو حاتم الرازي قال فيه: «صالح الحديث»، وهذه العبارة عنده ليست توثيقًا بل تليينًا. وقد شرح الألباني ذلك في السلسلة الضعيفة قائلًا إن أبا حاتم جعل «صالح الحديث» في منزلة من يُكتب حديثه للاعتبار لا للاحتجاج، فهي بمنزلة قوله «لين الحديث».
وقال ابن سعد: «كان معروفًا وله أحاديث»، وليس في هذا توثيق لضبطه، بل إشارة إلى شهرته فقط. أما ابن حبان فقد ذكره في الثقات، لكنه يوثّق المجاهيل، وهذا منهجه المعروف الذي نبه عليه غير واحدٍ من العلماء، منهم المعلمي والوادعي. وكذلك البزار قال: «لا بأس به»، وهي عبارة لا تدل على التوثيق المطلق، بل على قبول حديثه في المتابعات والشواهد.
إن هذه الأقوال، مجتمعة، تُخرج عطية بن قيس من دائرة الثقات، وتجعله في مرتبة من يُعتبر به لا من يُحتج به. ولهذا قال ابن حزم إنه مجهول، ووصفه الأرناؤوط وبشار عواد بأنه «صدوق حسن الحديث» دون أن ينسبا إليه توثيقًا معتبرًا.
وابن حجر حين وصفه في التقريب بأنه «ثقة مقريء» فاعتماده على فهمٍ غير دقيق لكلام أبي حاتم. فالظاهر أنه ظنّ أن كلمة «صالح الحديث» توثيق، بينما مراد أبي حاتم عكس ذلك. ومن هنا جاء الخلط في أحكام المتأخرين الذين نقلوا توثيق ابن حجر دون مراجعةٍ للمصدر الأصلي في نقد الرجال.
ثانياً: موضع الحديث في الصحيح — بين الاستشهاد والاحتجاج
من المهم إدراك أن عطية بن قيس ليس من رجال البخاري الذين احتج بهم في صحيحه، وإنما ورد حديثه على سبيل التعليق والاستشهاد. وقد نص المزي في تهذيب الكمال على ذلك فقال: «استشهد له البخاري بحديث واحد»، وبيّن ابن حجر أن المعلقات عند البخاري ليست داخلة في شرط الصحيح، بل يسوقها استئناسًا وتفسيرًا لبعض المعاني.
وقد أورد البخاري الحديث في باب «من يستحل الخمر ويسميها بغير اسمها»، مما يدل بوضوح على أنه لم يورده ليحتج بتحريم المعازف، بل ليستأنس به في وصف حال قومٍ من أهل اللهو الذين يغرقون في الفساد حتى يستحلوا ما حرّم الله. فلو كان البخاري يراه نصًا في التحريم، لأفرد له بابًا بعنوان «تحريم المعازف»، كما فعل في سائر الأبواب التي تضمنّت أحاديث الأحكام.
وهذا من فقهه الدقيق في التبويب الذي اشتهر بين المحدثين بقولهم: «فقه البخاري في تراجمه». فغياب الترجمة الخاصة بالمعازف مع وجود الحديث بين يديه أقوى شاهد على أنه لم يعتبره نصًا تشريعيًا يُبنى عليه التحريم.
ثالثًا: الرواية الموازية — حديث مالك بن أبي مريم
لقد جمع البخاري بين حديث عطية بن قيس، وحديث آخر رواه في التاريخ الكبير عن مالك بن أبي مريم، وفيه: «ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير».
هذه الرواية، وإن كانت تقوّي المعنى العام، فهي أيضًا ضعيفة الإسناد لجهالة مالك بن أبي مريم، لكنها تخلو من لفظة «يستحلون المعازف» التي انفرد بها عطية. فالمعازف في هذا السياق وصفٌ لحالهم أثناء استحلالهم الخمر، لا علةٌ للعقوبة.
قال ابن حزم في المحلى: «ليس في الحديث أن الوعيد إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها، والديانة لا تؤخذ بالظن».
ومن هنا يتضح أن اللفظة المختلف عليها — «يستحلون المعازف» — شاذة انفرد بها راوٍ ضعيف، وأن الأصل في الحديث إنما هو بيان غفلة القوم وانغماسهم في الخمر والملاهي، لا تشريع حكمٍ في ذات المعازف.
رابعًا: لماذا لم يخرّجه مسلم؟
لو كان الحديث صحيحًا على شرط البخاري، لأخرجه مسلم، وهو الذي قال عنه الدارقطني: «لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء». بل وصفه بأنه اقتفى أثر البخاري وجعل كتابه مستخرجًا عليه. فإعراض مسلم عن إخراجه قرينة قوية على أنه لا يراه مستوفيًا لشروط الصحة، سواء من حيث الإسناد أو من حيث المتن.
خامسًا: بين الرواية والدلالة — التمايز بين النص والتأويل
حتى لو افترضنا صحة الحديث سندًا، فإن دلالته لا تنهض على التحريم القطعي. إذ جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين الحرير والخمر والفرج والمعازف، وهذه المفردات تختلف في أحكامها اختلافًا بيّنًا. فالحرير حلال للنساء محرم على الرجال، والخمر محرمة مطلقًا لا يباح منها قليل ولا كثير، والفرج حلال بالزواج وملك اليمين، حرام في غيرهما، أما المعازف فلم يأت نصٌّ قطعي بتحريمها في الكتاب ولا في السنة الصحيحة.
ولو كانت محرّمة لذاتها كتحريم الخمر، لبيّن الرسول حدّها وعقوبتها كما بيّن حدود الزنا وشرب الخمر والسرقة. وإنما ورد ذكرها هنا على سبيل التوصيف لحال أولئك القوم الذين غرقوا في اللهو والترف حتى صارت حواسهم كلها مشغولة باللذة، فكانت المعازف رمزًا لحالة الانغماس الكلي في الغفلة لا نصًا تشريعيًا في ذاته.
سادسًا: في البعد الفلسفي والاجتماعي — من تحريم الصوت إلى قمع الجمال
إن إصرار بعض المتشددين على قراءة هذا الحديث قراءةً تحريمية صارمة يتجاوز الجانب السندي إلى بناء رؤية فكرية تُجرّم الجمال والفن. فالموسيقى — في حقيقتها — ليست آلة للهو بقدر ما هي لغة الروح، وإذا كان بعض الناس يوظفها في الباطل، فإن آخرين يجعلونها وسيلة للسمو والوجدان والتأمل.
إن التحريم المطلق للموسيقى كان في جوهره انعكاسًا لثقافة الخوف من الجمال، تلك الثقافة التي خافت من الفرح لأنه يقوّض سلطة الكآبة. أما الإسلام في جوهره، فهو دين الجمال والإتقان والتوازن، لا دين القمع والحرمان.
ولعلّ الخطورة هنا ليست في تحريم آلةٍ أو صوت، بل في تحوّل النصوص الظنية إلى أدوات قمعٍ اجتماعي وثقافي، باسم الدين. فكل نصٍّ يحتمل التأويل ينبغي أن يُقرأ في ضوء المقاصد الكبرى: الرحمة، والتيسير، وإحياء القلب.
إن الفقيه حين يتعامل مع النص، لا ينبغي أن يعزله عن سياقه الإنساني، لأن النص بلا وعيٍ بالإنسان يصبح أداة قتلٍ لا هداية. والموسيقى، بوصفها تعبيرًا عن الوجدان، قد تكون طريقًا إلى الصفاء بقدر ما تكون طريقًا إلى اللهو، كما أن الكلمة نفسها قد تكون ذكرًا وقد تكون لغوًا، والعبرة بالمقاصد لا بالآلات.
سابعًا: البعد المنطقي في الاستدلال
المنطق لا يقبل التعميم من الخاص، ولا التسوية بين المختلفات. فإذا كانت الخمر حرامًا لأنها تُذهب العقل وتفسد الفطرة، والحرير محرمًا على الرجال فقط دون النساء لحكمةٍ تتعلق بالتمييز والزينة، فكيف تُسوّى المعازف بهما في الحكم وهي لا تُذهب عقلًا ولا تمس عرضًا؟
بل إن جعلها في مستوى الخمر والحرير والفرج في الحديث نفسه قرينة على أن المقصود تصوير حال الغارقين في اللذة، لا بيان حكمٍ فقهي. ولو أراد النبي التحريم، لجاء النص صريحًا لا يحتمل التأويل، كما في قوله: «كل مسكر حرام».
نحو قراءة مقاصدية للنص
من خلال هذه المراجعة الشاملة يتضح أن حديث المعازف المعلّق في صحيح البخاري لا ينهض دليلاً على التحريم. فإسناده مضطرب لضعف عطية بن قيس وتفرّده باللفظ المختلف فيه، والبخاري لم يحتج به بل أورده استشهادًا، والروايات الموازية لا تخلو من ضعف، ومع ذلك تخلو من اللفظ المثير للجدل.
أما من جهة المتن، فالحديث لا يدل على التحريم، وإنما يصوّر حالة قومٍ غرقوا في اللهو واستحلوا الخمر والفواحش، فجاء ذكر المعازف عرضًا لا قصدًا. وأما من جهة الفكر، فإن ربط الدين بمحاربة الجمال والفن يناقض روح الإسلام التي تحتفي بالذوق والجمال والاعتدال.
فالدين ليس عداءً للحياة، بل ميزانٌ يضبطها. والموسيقى، إن لم تفسد القلب، فهي رَوحٌ له، وإن لم تجر إلى المعصية، فهي من مظاهر التذوق الإنساني الذي كرّم الله به الإنسان. والحديث، في ضوء نقده السندي ودلالته المنطقية، لا يصح أن يُتّخذ سيفًا على رقاب الناس في تكميم الجمال وتحريم الفن.
فالإيمان لا يناقض الجمال، بل الجمال مظهرٌ من مظاهر الإيمان، ومن ضيّق على النفس في غير ما نصٍ قاطعٍ من الله، فقد جعل من الدين سجنًا لا حياة فيه، والله تعالى ما خلق القلوب إلا لتفيض بالعشق والنور، لا بالتحريم والخوف. 

الدين يسر ...
جواز رفع مشقة التكليف باتباع كل سهل في الأحكام الشرعية
واختيار الاسهل من اقوال فقهاء المذاهب الاربعة .... وليس تمييعا للدين او رقة في ايمان من أخذ بهذا فأوغلوا فيه برفق
وهذا ليس من باب تتبع الرخص باتباع الهوى أو نتيجة تلفيق
أن التلفيق قد يؤدي إلى مخالفة إجماع العلماء بخلاف تتبٌّع الرٌّخص، فإنه يكون بأخذ قول أحد من العلماء.الاسهل والايسر.... اما التلفيق هو ان تجمع فتوى من عدة فتاوي لا يقبل اي من المذاهب الاربعة بالصورة التي قمت بتجميعها...
1. قال ابن الهمام : أنه لا يمنع منه مانع شرعي، فللإنسان أن يسلك الأخف عليه ..
2. قال السبكي أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته فيجوز
3. قال البلقيني جواز تقليد المرجوح وتتبعه
وهذا حكم عام ... يتحمل العامي اللامذهبي والعامي المذهبي... فليس الامر موجه الى العوام الذين لا مذهب لهم ويقلدون ما هو شائع في بلدانهم...
كذلك يحتمل هذا الامر مقلد مذهبي اقتضت ظروفه في مسألة ما ان يقلد غير مذهبه لانه ايسر واسهل.. فاجاز له الانتقال من مذهبه الى مذهب متبوع معتبر وليس الى. قول شاذ في احد المذاهب .. وهذا حكاه النووي والسبكي وغيرهم من رجالات المذاهب ومما يعوّل عليهم في شرح مقصود مفردات المذهب....
فلا نقصره على العامي الا من حيث اردنا له تقليد من داخل المذاهب الاربعة كي لا ياخذ ممن هو خارج اقوال الاربعة وحددنا له جواز الاخذ بالاسهل مطلقا بخلاف من اجازوا له من الملتزمين المذهبيين بتقييدها للضرورة....

الأحد، 19 أبريل 2026

خلاصه الكلام فى اللحيه ...(الالموني)

خلاصه الكلام فى اللحيه



--------------------------------------------------------------------------------

1-قول جمهور العلماء الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية تحريم حلق اللحية.

2-قول جمهور الشافعية وبعض المالكية بكراهةحلق اللحية وتبعهم بعض المعاصرين كالشيخ القرضاوي وغيره

3-قول بعض الحنفية المتأخرين باستحباب إعفاء اللحية وليس الوجوب وتبعهم عليه بعض المعاصرين كالشيخ جادالحق -شيخ الأزهر السابق

4-قول بعض المعاصرين بأنه اعفاء اللحية من العادات فقط كالشيخ شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة -رحمهما الله- وغيرهما.

 

وتفصيله: 

أولا:حكم اللحية:

جمهور الفقهاء من أحناف ومالكية وحنابلة وقول عند الشافعية على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها والكلام في هذه المسألة قليل جدا في كتب الفقه المذهبية والمستقلة وذلك لأنه لم يكن بهم حاجة للخوض في هذه المسألة لأن المجتمع كله-تقريبا-كان ملتحيا عادة أكثر منه عبادة فلم تكن بهم حاجة لحلقها.

 

,من المعروف أن المعتمد عند الشافعية كراهية حلق اللحية لا حرمته . 

ذكر ذلك شيخا المذهب الشافعي: الإمام النووي والإمام الرافعي، وأقرهم عليه المتأخرون كابن حجر الهيتمي والرملي وهما عمدة من جاء بعدهم في الفتوى على المذهب .

 وانظر كلام الرملي في الفتاوى المطبوعة بهامش فتاوى ابن حجر 4/ 69: 

‏( باب العقيقة ) ( سئل ) هل يحرم حلق الذقن ونتفها أو لا ؟ ( فأجاب ) بأن حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام , وقول الحليمي ‏في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف .‏

 

,والقول بالكراهة لحلق اللحية صرح به في كتاب الشهادات البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب لمتن أبي شجاع في الفقه الشافعي.

,وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى كما في شرح مسلم (1/154( :"يكره حلقها وقصها وتحريقها أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن". 

, وقد قال شطا الدمياطي في حاشيته النفيسة في المذهب "إعانة الطالبين" 2 / 240 عند قول الشارح (ويحرم حلق اللحية) ما نصه :

" المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام _ أي القاضي زكريا الأنصاري كما هو اصطلاح المتأخرين _ وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب _ أي الشربيني _ وغيرهم الكراهة ." 

وأما فتاوى العلماء المعاصرين فأغلب علماء السعودية على حرمة حلقها –

فتوى رقم 1:

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق -رحمه الله تعالى- : 

من المسائل الفقهية الفرعيَّة: موضوع اللحية، حيث تَكاثر الخلاف حولها بين الإعْفاء والحلْق، حتى اتَّخذ بعض الناس إعفاء اللحية شعارًا يُعرف به المؤمن من غيره.والحق أن الفقهاء اتفقوا على أن إعفاء اللحية، وعدم حلْقها مأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كانت له لِحيةٌ يُعنَى بتنظيفها وتخليلها، وتمشيطها، وتهذيبها لتكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.

وقد تابع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما كان يفعله وما يختاره.

وقد وردت أحاديثُ نبوية شريفة تُرغِّب في الإبقاء على اللحية، والعناية بنظافتها، وعدم حلْقها، كالأحاديث المُرغِّبة في السواك، وقصِّ الأظافر، واستنشاق الماء..

وممَّا اتفق الفقهاء عليه ـ أيضًاـ أن إعْفاء اللحية مَطلوب، لكنهم اختلفوا في تكييف هذا الإعفاء، هل يكون من الواجبات أو مِن المندوبات، وقد اختار فريق منهم الوجوب، وأقوى ما تمسَّكوا به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب".

وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "احْفُوا الشوارِبَ واعْفُو اللِّحَى". حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ، والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْ: إعفاءها واجبٌ.

وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأن إعفاء اللحية سُنَّة يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، وحلْقها مَكروه، وليس بحرام، ولا يُعَدُّ مِن الكبائر، وقد استندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف ". ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء). قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.

البدعةالثانية:

التخاصم والتفرق والتنابزبسبب هذا الاختلاف ورمى المخالف بالتبديع والتفسيق والتضليل والتكفير.

وهذافيه شق لأمر الأمة خاصة في مثل الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي اليوممنضعف واستهداف من قبل أعدائه، فهم بذلك يسهلون العدو دورة، بدلاً من التآلفوالتلاحمووحدة الصف.

وقدجاءت الآيات والأحاديث الكثيرة تدعو إلى الوحدة وتحذرمنالتفرق وتتوعد من يعمل على تفريق الأمة واضعاً فهما.

(واعتصموا بحبل اللهجميعاًولا تفرقوا).

(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ويحكم).

نخرجمن هذا بأناللحيةأوحلقها من الأمور المختلف فيها- كما تقدم-ولذلكفمن أطلق لحيته أخذاً برأي من قال بوجوب إطلاقها- جزاه الله على فعله إحساناًولكنلا يجوز له أن ينكر على من أخذ بالآراء الفقهية الأخرى أو رميه بالفسق أوالابتداعأو غيره لأنه يلزمه بذلك أن يرمى الصحابة والتابعين الذين أطالوا شواربهمأوحلقوها تماما أو تركوا الصبغ أو صلوا حفاة بأنهم مبتدعون أو واقعون في الحرام،وهذاخطر عظيم يقع فيه من لم يحيطوا بعموم المسائل.والله تعالى أعلى وأعلم.

 

بالنسبة لتطبيق الحكم فالأمر يختلف أنا شخصيا اعمل وافهم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية فيكتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)(ص 176-177) في معرض حديثه عنمخالفة الكفار في الهدي الظاهر يقول رحمه الله وأجزل مثوبته: 

((إن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كانالمسلمونفي أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرعذلكومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورابالمخالفةلهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجبعليهأن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلىالدينوالإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحوذلكمن المقاصد الصالحة.

فأمافي دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيهادينهوجعل على الكافرين بها الصغار والجزية:ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقةوالمخالفةلهم باختلاف الزمان ظهر حقيقة الأحاديث من هذا))أ.هـ. 

والله تعالى أعلم.

وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية ـ على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته ـ بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا "خالِفوا المُشركين..".

وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم". (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي) مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري، وعزَّزوا رأيهم بما جاء في كتاب نهج البلاغة : سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: "غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود". فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..

مِن أجل هذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحْية ما قيل في الصبْغ مِن عدم الخُروج على عرف أهل البلد لكان أولَى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظُروف الشخص وتقديره لمَا كان في ذلك بأس.

وقد قيل لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ وقد رُؤي لابسًا نَعْلَيْنِ مَخْصُوفيْن بمَسامير ـ إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرِهَا ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالرهبان فقال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبسُ النعال التي لها شعْر، وإنها مِن لبس الرهبان...

وقد جرَى على لسان العلماء القول: بأن كثيرًا ممَّا ورَد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذه الخِصال يُفيد أن الأمر كما يكون للوُجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدِّين إنما تَحرُم فيما يُقصد فيه الشبه بشيء مِن خصائصهم الدينية، أمَّا مُجرَّد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأْس بها ولا كَراهة فيها ولا حُرمة.

لمَّا كان ذلك كان القول بأن إعفاء اللحية أمر مَرغوب فيه، وأنه من سُنَن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها مقبولاً، وكان مَن أعفَى لحْيته مُثابًا، ويُؤجَر على ذلك، ومَن حلَقها، فقد فعل مَكروهًا، لا يأثَمُ بفِعله هذا اعتبارًا لأدلة هذا الفريق.

والله أعلم.

ويقول الدكتور/محمد سيد أحمد المسير-أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر-:

اختلف العلماء في حكم إطلاق اللحية، والذي نراه ونطمئن إليه أنها سنة تُفعل عند المقدرة وعدم الموانع، ويستطيع كل إنسان أن ينوي إطلاقها إذا كان غير مطلقٍ لها، ويتخير الوقت المناسب لإطلاقها إذا كان يجد في مجتمعه أو بيئته بعض الموانع والمضار، وليس الأمر يتوقف على المظهر وحده إنما نحن في حاجة إلى مخبر ومظهر، وإلى عقيدة وسلوك ولا ينبغي أن تكون مثل هذه الموضوعات المتعلقة باللحية أو الثوب القصير أو الإسبال مصادر خلافات ومنازعات، فإن قضايا الإسلام أعمق من ذلك كله، وهناك أولويات في فقه الدعوة يجب أن نراعيها حتى لا تتبدد الجهود ونستهلك الوقت والعقل فيما لا طائلة من ورائه، والله أعلم . 

 

,ويقول الشيخ عبد الرزاق القطان -مقرِّر هيئة الفتوى والرقابة الشرعيَّة ببيت التمويل الكويتي-:

اللحية معدودة في السنن المؤكدة عند جمهور العلماء، على خلاف في ذلك بين موجب وغير موجب، مع أنه لم ير بعض الفقهاء شيئاً في حلقها لغير عذر. 

وأما حلقها لعذر؛ سواء كان بدنياً من مرض حساسية مثلاً، أو غيره، أو كان عذراً عاماً: كمتطلبات مهنة، أو متطلبات أمن، فإن حالقها معذور.

 وأما طولها؛ فليس فيه نص يوجب حدًّا معيناً؛ لأن التوجيه في الحديث إلي مطلق الترك. ومعلوم أن من ترك لحيته، ولو شيئا يسيراً؛ فهو يقع في مفهوم مطلقي اللحية، إلا أنه ثبت أن لحية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت على عادة أهل زمانه عظيمة وافرة، وكذلك كانت لحى أصحابه (رضوان الله عليهم). 

وقد ورد أن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) كان إذا فرغ من موسم الحج قبض بيده على لحيته، ثم أخذ ما زاد عن ذلك. 

على أنه ينبغي التنبه إلي قضية هامة، وهي أنه لا يمكن إلزام جميع المسلمين بقول واحد في المسائل الخلافية، كما أنه لا يجوز أن يشنع المسلم على الآخرين إذا خالفوه في مسائل الخلاف.

ويقول فريق من الباحثين:

وردت أحاديث كثيرة في أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحية مقروناً بالأمر بمخالفة المشركين أو المجوس أو اليهود والنصارى كحديث ابن عمر مرفوعاً (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) متفق عليه وجاء في اللحية (اعفوا أوفوا وأرخوا وارجوا ووفروا) ومعناها كلها تركها على حالها.

ومع ذلك فقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الأخذ من اللحية أو نتفها أو حلقها أو إطلاقها دون أخذ منها، وما بين منكر لنتفها أو حلقها وجعل ذلك بدعة محرمة وبين مجيز لذلك وجعله من سنن الفطرة التي هي من المستحبات أو المكروهات ومنهم من قال هي سنة واجبة ومنهم من جعلها سنة مؤكدة ومنهم من جعلها من المستحبات ومنهم من جعلها من سنن العادات- عادت القوم والبيئة- ومنهم من جعلها من خصائص النبي.

وكل هؤلاء علماء مجتهدون على مختلف العصور، ولم ينكر بعضهم على بعض اجتهادهم وإنما قبلوا هذا الاختلاف الذي هو نوع اختلاف التنوع وليس التضاد.

وهذا الخلاف ناتج من فهم العلماء للأمر في الحديث; فالحديث يشتمل على نوعين من الأمور: الأمر الأول بمخالفة المشركين وهذا الأمر يفيد الوجوب حتماً لأن الكثير من الآيات والأحاديث شددت في ذلك وتوعدت عمن لا يخالفهم تديناً كما سردها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم. أما الأمر الآخر فهو مخالفتهم في بعض السمات والمظاهر كاللحية والشارب. فهل الأمر الأخير ينزل كالأول منزلة الوجوب أم أن للندب أم للعادة أم للإشادة. هذا هو مناط الإختلاف بين العلماء،.

ولكي نحرر موضع النزاع هذا ننظر إلى أقوال العلماء فيما شابه هذا الحديث، فقد وردت أحاديث أخرى فيها الأمران معاً الأول بالمخالفة والأخر بتعيين صفة ما لتحقيق هذه المخالفة، مثل حديث أبن عباس مرفوعاً وأن اليهـود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود، وفى رواية للترمذي (وغيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) ومع ذلك فقد اتفق الجميع على وجوب مخالفتهم خاصة في ما يتعلق بأمور دينهم، ولكن العلماء والصحابة والسلف الصالح قد اختلفوا في الخضاب وجنسه، فقال بعضهم ترك الخضاب أفضل، وبعض الصحابة خضب وأخرون لم يخضبوا.

وقال الطبري: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهى في ذلك للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض (نيل الأوطار 1/ 141) وشرح النووي على مسلم (14/80).

وقال القاضي عياض: وقال غيره يعنى غير الطبري من العلماء- هو على حالين فمن كان في موضوع عادة أهل الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكره، والثاني أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب، فمن كان شيبته تكون نقية احسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستبشع فالصبغ أولى. 

 

وكذلك حديث الصلاة في النعال ومخالفة اليهود.

فلم يقل أحد بوجوب الصلاة في النعال وإن كان الجميع متفقون على وجوب المخالفة.

بل حديث اللحية نفسه، جمع اللحية والشارب معاً في مخرج واحد (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى) رواه أحمد ومسلم عن أبى هريرة (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) متفق عليه عن ابن عمر.

ومع ذلك فقد اختلف العلماء في تطبيقه، فكثير من السلف والكوفيين كأبي حنيفة وزفر وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وكذلك أحمد وأصحاب الشافعي كالمزني والربيع المرادي كل هؤلاء ذهبوا إلى استئصال الشارب وحلقه لظاهر قوله (احفوا وانهكو) وذهب مالك وآخرون إلى منع الحلق والاستئصال، وكان مالك يرى تأديب من حلقه وروى عن ابن القاسم تلميذ مالك أنه قال (إحفاء الشارب مثله) وبعضهم يرى قص ما طال عن الشفتين، وهو ما اختاره مالك والنووي من المتأخرين، وفى رواية عن أحمد أنه ساوى بين الإحفاء والقص وما فيهما لا بأس.

راجع نيل الأوطار للشوكاني (1/138)

إذاً لماذا أختلف العلماء في فهم الأمر بإحفاء الشارب حتى قال بعضهم إن الإحفاء مُثْلَهَ وكلمة الإحفاء هي نص الحديث في إحدى الروايات، لعل ذلك راجع إلى العرف أو البيئة وفهم الأمر الذي هو عندهم للإرشاد كوسيلة من وسائل المخالفة وإلا ما اختلفوا هذا الاختلاف.

وفى مثل هذه الأحاديث عقب الأمر بالوصف المشتق المناسب وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع وهو العلة في هذا الحكم كما يقول ابن تيمية وغيره ويقول: ولهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبى من هدى المجوس، وضرب مثلاً بكراهة أحمد لحلق القفا لأنه من فعل المجوس وانزل المفهوم من حديث اللحية منزلة حديث صبغ الشيب فقال والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله (لا يصبغون فخالفوهم) (اقتضاء الصراط المستقيم/ 59) وهذا هو الحق فكل أحاديث المخالفة تحتوى شقين:

الأول: وجوب المخالفة للمشركين في هديهم وما يتعلق بدينهم وعبادتهم وهذا لا خلاف فيه.

الثاني: الإرشاد إلى بعض الجوانب والمظاهر التي بها يحصل التميز وتظهر المخالفة ويمكن الجمع بين الأمرين بأنه على المسلم أن يأتي عملاً أو مظهراً أو سلوكاً يظهر منه التميز عن المشركين وليس شرطاً وجوب الامتثال بالمخالفة في اللحية أو الصبغ أو الصلاة في النعال، بدليل أن الصحابة كثير منهم لم يصبغوا ولم يصلوا في النعال ولم يلتزموا هيئة واحدة في الشارب بل روى مالك عن عمر أنه كان إذا غضب برم شاربه لذلك يقول الشيخ محمود شلتوت ونحن لو تمشينا مع التحريم لمجرد المشابهة في كل ما عرف عنهم من العادات والمظاهر الزمنية لوجب علينا الآن تحريم إعفاء اللحى لأن شأن الرهبان في سائر الأمم التي تخالف في الدين، ولوجب الحكم بالحرمة على لبس القبعة وبذلك تعود مسألتها جذعة (أصلية ) بعد أن طوى الزمن صفحتها، وأخذت عن الناس مسلك الأعراف العامة التي لا تتصل بتدين ولا فسق ولا بإيمان وكفر.

ويقول: والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل على استحسان البيئة فمن(وجدت) بيئته على استحسان شئ منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة راجح الفتاوى للشيخ شلتوت ص( 129)

وقد روى ابن كثير في تاريخه في فتح بيت المقدس أن صلاح الدين أمر جنوده أن يحلقوا لحاهم ويغيروا من ثيابهم وهيئتهم لخداع العدو ولمصلحة المسلمين ولم ينكر عليه أحد مع العلم بأن صلاح الدين كان عالماً محدثاً وكان في عصره مئات العلماء والأئمة ولم يؤثر عن أحدهم إنكار ذلك، بل ابن كثير يسوق هذا الخبر سياق المشيد بحكمة صلاح الدين وحسن تصرفه.

بل قديماً طلب النبي من نعيم بن مسعود كتم خبر إسلامه لمصلحة الدعوة، وفى القرآن (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه رجلاً أن يقول ربى الله…) الآية.

ولا شك أن كتم الإسلام والإيمان أشد من كتم مظهر من مظاهرهما بل سمح النبي لمحمد بن مسلمة وصحبه أن يذكروه ببعض سوء حين أمرهم بقتل كعب الأشراف اليهودي، وذلك من أجل أن يتمكنوا منه.

الثانية: هناك بعض المتحمسين الذين لا يدركون دقائق العلم ولا يلمون بقول العلماء من السلف والخلف يسارعون بالإنكار على من خالف رأيهم بل يبدعونه ويضللونه ويكفرونه أحياناً لا لشئ إلا لمجرد خلافه لهم وقد يصل الحال إلى الخصومة والفرقة والتشتت والتنابز بالألقاب في الدروس وعلى المنابر.

وهؤلاء حتماً وقعوا في بدعتين عظيمتين:

البدعة الأولى: هي الإنكار على المخالف فيما اختلف فيه العلماء وفيما تطرق إليه الاحتمال والقاعدة الأصولية على أنه (ما اختلاف فيه لا إنكار فيه) وكذلك (ما يتطرق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال) والمأثور عن النبي والصحابة والسلف قبول الاختلاف في أمور كثيرة كقصة صلاة العصر في بنى قريظة وكذلك (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) وغير ذلك كثير وقول عمر بن عبد العزيز (اختلاف الأمة رحمة) وامتناع مالك عن جمع الناس على مذهب أو رأى واحد وقول الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب، وقول أبى حنيفة وأحمد إذا وافق قولي الحديث وإلا فاضربوا به عرض الحائط).

وإذاً الخلاف الفقهي أمر مقرر في الشريعة والتاريخ الإسلامي وفي عهد النبوة ورافض هذا الاختلاف مبتدع في الدين بدعة أصلية لا وكيل عليها إلا الانتصار للنفس واتباع ما تهوى الأنفس.

البدعة الثانية:

التخاصم والتفرق والتنابز بسبب هذا الاختلاف ورمى المخالف بالتبديع والتفسيق والتضليل والتكفير.

وهذا فيه شق لأمر الأمة خاصة في مثل الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي اليوم من ضعف واستهداف من قبل أعدائه، فهم بذلك يسهلون العدو دورة، بدلاً من التآلف والتلاحم ووحدة الصف.

وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة تدعو إلى الوحدة وتحذر من التفرق وتتوعد من يعمل على تفريق الأمة واضعاً فهما.

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).

(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ويحكم).

نخرج من هذا بأن اللحية أو حلقها من الأمور المختلف فيها- كما تقدم- ولذلك فمن أطلق لحيته أخذاً برأي من قال بوجوب إطلاقها- جزاه الله على فعله إحساناً ولكن لا يجوز له أن ينكر على من أخذ بالآراء الفقهية الأخرى أو رميه بالفسق أو الابتداع أو غيره لأنه يلزمه بذلك أن يرمى الصحابة والتابعين الذين أطالوا شواربهم أو حلقوها تماما أو تركوا الصبغ أو صلوا حفاة بأنهم مبتدعون أو واقعون في الحرام، وهذا خطر عظيم يقع فيه من لم يحيطوا بعموم المسائل.والله تعالى أعلى وأعلم. 

بالنسبةلتطبيقالحكم فالأمر يختلف أنا شخصيا اعمل وافهم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية فيكتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)(ص 176-1 77) في معرض حديثه عنمخالفةالكفار في الهدي الظاهر يقول رحمه الله وأجزل مثوبته:

 

 

((إن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كانالمسلمونفي أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرعذلكومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورابالمخالفةلهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجبعليهأن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلىالدينوالإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحوذلكمن المقاصد الصالحة.

 

فأمافي دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية:ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقةوالمخالفة  لهم باختلاف الزمان ظهر حقيقة الأحاديث من هذا))أ.هـ.

 

 

والله تعالى أعلم.