الاثنين، 15 يونيو 2026

سؤال "أين الله؟" الجواب العلمي والقاطع !

 التناقض في إنكار المجاز: رحلة بين السجود و"الإخلاد إلى الأرض"


تثير مسألة تحديد "المكان" أو "العلو" في حق الله تعالى جدلاً واسعاً بين المدارس الفكرية الإسلامية. وحين نطرح سؤال "أين الله؟"، نجد أنفسنا أمام خيارين: إما الأخذ بظاهر النصوص حرفياً، أو قبول "المجاز" للتنزيه.


ولإثبات أن المجاز أصل أصيل في فهم النصوص، يمكننا تأمل دليلين قرآنيين:

أولاً: مفارقة القرب في السجود
يقول الله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19].

إذا التزمنا بالظاهر الحرفي: فإن الساجد ينخفض بجسده إلى الأرض، وبالتالي يصبح أبعد مسافةً عن السماء. فلو كان القرب هنا قرباً حسياً مكانياً، لكان القائم أقرب إلى الله من الساجد!

النتيجة المنطقية: بما أن الساجد يكون أقرب ما يكون إلى الله (كما ورد في الحديث الشريف)، فإن هذا القرب هو قرب مَجازي (قرب مكانة، ومنزلة، وإجابة)، وليس قرب مسافة حقيقية.

وجه الدلالة: إذا قبلنا بأن القرب هنا مجازي لتفادي التناقض العقلي، فلماذا يُمنع تأويل نصوص مثل "الله في السماء" على أنها علوّ رفعة ومقام ومنزلة، لا علوّ مكان وجهة؟

ثانياً: دلالة "الإخلاد إلى الأرض"
يتجلى المجاز بشكل أوضح في قصة بلعام بن باعوراء (الذي أوتِيَ آيات الله ثم كفر)، حيث قال تعالى عنه:
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: 176].

بالفهم الحرفي: هل كان هذا الرجل قبل كفره معلقاً في السماء، فلما كفر لزق بالوجاد واستلقى على الأرض؟ بالطبع لا، فقد كان حتماً يمشى، ويقوم، ويعيش كسائر البشر.

بالفهم المجازي السليم: الرفع هنا هو رفع القيمة والدرجة عند الله، و"الأخلاد إلى الأرض" هو هبوط همّته، ودنوّ منزلته، واتباعه لشهوات الدنيا الدنية.

الخلاصة والمحاكمة العقلية
إن محاولة حمل كل نصوص الوحي على ظاهرها الحسي المادي توقع العقل في تناقضات تُنزه عنها الشريعة. فالقرب من الله والبعد عنه، والارتفاع إليه والهبوط إلى الأرض، في هذه السياقات، هي مصطلحات مجازية بليغة تعبر عن القيمة والمكانة الروحية، لا عن الأبعاد الجغرافية والمساحات الحركية.


هل الأشاعرة يقولون: الله في كل مكان؟ كما يدعي البعض!

 هل الأشاعرة يقولون: الله في كل مكان؟


الجواب القاطع: لا، الأشاعرة لا يقولون أبداً إن "الله في كل مكان" بذاته. بل إنهم يُكفّرون أو يُضللون من يقول بهذه المقولة على ظاهرها (ويسمونهم "الحلولية" أو "الاتحادية" الذين يعتقدون أن الله يحل في المخلوقات أو يمتزج بالأمكنة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً).

إليك تفصيل معتقد الأشاعرة في هذه المسألة والمقولة المشهورة عنهم:
1. معتقد الأشاعرة الأساسي (التنزيه المطلق)
عقيدة الأشاعرة (وهم جمهور أهل السنة والجماعة مع الماتُريدية) تقوم على قاعدة التنزيه المستمدة من الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
يعتقد الأشاعرة أن الله سبحانه وتعالى ليس جسماً، ولا يشغل حيزاً، ولا يحده مكان، ولا يمر عليه زمان؛ لأن المكان والزمان من مخلوقاته، والله كان موجوداً قبل خلق المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان (أي لا يتغير).
لذلك، يقولون: "الله موجود بلا مكان ولا جهة".
2. كيف يفسر الأشاعرة وجود الله؟
إذا سُئل الأشعري عن وجود الله أو معاني الآيات مثل ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، فإنه يفسرها بـ:
المعية العلمية والإحاطة: أي أن الله مع العباد بـعلمه، وقدرته، وسمعه، وبصره، وتدبيره، وليس بذاته في الأمكنة.
فوقية القهر والمكانة: يفسرون الآيات التي ظاهرها الفوقية (مثل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾) بأنها فوقية رتبة، وشرف، وسلطان، وقهر، وتنزيه عن النقص، وليست فوقية مادية أو استقراراً في مكان.
3. من أين جاءت هذه التهمة؟
الخلط أو التهمة الموجهة للأشاعرة بأنهم يقولون "الله في كل مكان" تأتي من مصدرين:
الخصوم الفكريين: بعض التيارات المخالفة للأشاعرة (كالسلفية المدخلية) يتهمون الأشاعرة بنفي "العلو الذاتي" لله فوق العرش، ويرون أن نفي العلو والجهة يؤول منطقياً إلى القول بأنه في كل مكان أو أنه غير موجود (وهذا إلزام ينفيه الأشاعرة تماماً ولا يلتزمون به).
العوام: بعض جهلة العوام من المنتسبين لأهل السنة قد يرددون عبارة "الله في كل مكان" بجهل، ويقصدون بها (الله يرى ويسمع كل شيء)، لكن علمائهم يمنعون هذا اللفظ بعبارات صريحة.
خلاصة عقيدة الأشاعرة في جملة:
"كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، فهو سبحانه بائن من خلقه (أي غير مختلط بهم ولا حالّ فيهم)، مستوٍ على عرشه كما أخبر، بلا كيف ولا تشبيه ولا تجسيم ولا تحيز." -- التناقض في إنكار المجاز: رحلة بين السجود و"الإخلاد إلى الأرض"
تثير مسألة تحديد "المكان" أو "العلو" في حق الله تعالى جدلاً واسعاً بين المدارس الفكرية الإسلامية. وحين نطرح سؤال "أين الله؟"، نجد أنفسنا أمام خيارين: إما الأخذ بظاهر النصوص حرفياً، أو قبول "المجاز" للتنزيه.

ولإثبات أن المجاز أصل أصيل في فهم النصوص، يمكننا تأمل دليلين قرآنيين:

أولاً: مفارقة القرب في السجود
يقول الله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19].

إذا التزمنا بالظاهر الحرفي: فإن الساجد ينخفض بجسده إلى الأرض، وبالتالي يصبح أبعد مسافةً عن السماء. فلو كان القرب هنا قرباً حسياً مكانياً، لكان القائم أقرب إلى الله من الساجد!

النتيجة المنطقية: بما أن الساجد يكون أقرب ما يكون إلى الله (كما ورد في الحديث الشريف)، فإن هذا القرب هو قرب مَجازي (قرب مكانة، ومنزلة، وإجابة)، وليس قرب مسافة حقيقية.

وجه الدلالة: إذا قبلنا بأن القرب هنا مجازي لتفادي التناقض العقلي، فلماذا يُمنع تأويل نصوص مثل "الله في السماء" على أنها علوّ رفعة ومقام ومنزلة، لا علوّ مكان وجهة؟

ثانياً: دلالة "الإخلاد إلى الأرض"
يتجلى المجاز بشكل أوضح في قصة بلعام بن باعوراء (الذي أوتِيَ آيات الله ثم كفر)، حيث قال تعالى عنه:
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: 176].

بالفهم الحرفي: هل كان هذا الرجل قبل كفره معلقاً في السماء، فلما كفر لزق بالوجاد واستلقى على الأرض؟ بالطبع لا، فقد كان حتماً يمشى، ويقوم، ويعيش كسائر البشر.

بالفهم المجازي السليم: الرفع هنا هو رفع القيمة والدرجة عند الله، و"الأخلاد إلى الأرض" هو هبوط همّته، ودنوّ منزلته، واتباعه لشهوات الدنيا الدنية.

الخلاصة والمحاكمة العقلية
إن محاولة حمل كل نصوص الوحي على ظاهرها الحسي المادي توقع العقل في تناقضات تُنزه عنها الشريعة. فالقرب من الله والبعد عنه، والارتفاع إليه والهبوط إلى الأرض، في هذه السياقات، هي مصطلحات مجازية بليغة تعبر عن القيمة والمكانة الروحية، لا عن الأبعاد الجغرافية والمساحات الحركية.

السبت، 13 يونيو 2026

هل قام الاستاذ سيد قطب رحمه الله بالاساءة للصحابة ؟!





 

حكم تعليق تمائم القرآن والأذكار المشروعة ؟

 




تعليق تمائم القرآن والأذكار المشروعة :
اختلف أهل السنة والجماعة في حكم التميمة إذا ما كانت مشتملة على آيات من القرآن، أو شيء من أسماء الله وصفاته، أو بعض الأدعية الشرعية، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز تعليق هذا النوع من التمائم، بشرط أن يكون التعليق بعد نزول البلاء لرفعه، لا قبله لدفعه.
وهذا القول مروي عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها –، حيث قالت: "ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء".
وذهب إلى هذا أبو جعفر الطحاوي، فقد قال: "فكان ذلك – يعني النهي عن تعليق التمائم – عندنا والله أعلم ما علق قبل نزول البلاء ليدفع، وذلك ما لا يستطيعه غير الله عزوجل فنهي عن ذلك لأنه شرك؟ فأما ما كان بعد نزول البلاء فلا بأس لأنه علاج ا.هـ".
وكذا ابن عبدالبر، حيث قال – بعد أن ذكر أن نصوص النهي محمولة على التعليق قبل نزول البلاء –: "وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله عزوجل، فهو كالرقى المباحة التي وردت السنة بإباحتها من العين وغيرها".
وهذا القول هو المفهوم من كلام الإمام أبي عبدالله ابن بطة.
القول الثاني: الجواز بإطلاق، قبل نزول البلاء وبعده.
وهذا القول مروي عن عبدالله بن عمرو بن العاص، وبه قال أبو جعفر الباقر والإمام أحمد في رواية، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ورجحه البيهقي، واختاره الإمام السندي.
وحملوا النصوص المانعة من ذلك على التمائم الشركية، أما التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته، فهي كالرقية بذلك.
عن نافع بن يزيد قال: سألت يحيى بن سعيد عن الرقى وتعليق الكتب، فقال: "كان سعيد بن المسيب يأمر بتعليق القرآن، وقال: لا بأس به. اهـ".
وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيه القرآن فيعلق على النساء والصبيان؟ فقال: "لا بأس بذلك، إذا جعل في كير من ورق أو حديد أو يخرز عليه. اهـ".
وقال عطاء: "لا يعد من التمائم ما يكتب من القرآن. اهـ"
القول الثالث: القول بعدم جواز ذلك مطلقًا:
وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر وعمران بن حصين، وإليه ذهب جماعة من التابعين، كسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهو أحد قولي الإمام أحمد، واختارها كثير من أصحابه.
واحتجوا بظاهر الأحاديث، وعموم الآثار الواردة في النهي عن تعليق التمائم وليس فيها تفريق بين ما إذا كان المعلق من القرآن، أو من غيره، وبين ما إن كان قبل نزول البلاء أو بعده.
فعن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه رأى على بعض أهله شيئًا قد تعلقه فنزعه نزعًا عنيفًا، وقال: "إن آل ابن مسعود أغنياء عن الشرك".
وعنه – رضي الله عنه – أنه كره تعليق شيء من القرآن.
وعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن".

هل الاشاعرة يقدمون العقل على النص؟

 هل الاشاعرة يقدمون العقل على النص؟


وماهي ردود المتصدرين في وسائل التواصل باسم اهل السنة؟
يكثر بعض الأشخاص من ترديد دعوى أن الأشاعرة قدّموا العقل على النص،
وهي دعوى لو فحصت بعين الإنصاف لظهر أنها من أكثر الشعارات تكرارا وأقلها برهانا.
فالأشاعرة لم يثبتوا صفات الله بالعقل ابتداء ثم يلتمسوا للنصوص مخارج التأويل،
وإنما أثبتوها بالنص أولا، ثم استعانوا بالحجج العقلية تأييدا وبيانا وإلزاما لمن لا يؤمن أصلا بكتاب الله ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فكيف تخاطب الملحd أو المشكك أو غير المسلم بآية لا يؤمن بها؟
وكيف تحتج عليه بحديث لا يعترف بحجيته؟
لا بد حينئذ من خطاب عقله بما يفهمه ويقر به، ثم يُستأنس بعد ذلك بالنصوص لمن آمن بها.
ولهذا كانت المدارس الكلامية الإسلامية عبر القرون حصونا فكرية واجهت الفلاسفة والزنادقة والمشككين وأصحاب الشبهات، وأخمدت كثيرا من أصواتهم بالحجة المحكمة والبرهان المنظم.
وما زالت كتبهم شاهدة على ذلك لمن قرأها بعين الباحث لا بعين الخصومة.
ثم جاء قوم ظنوا أن كل استدلال عقلي بدعة، وأن كل برهان منطقي ضلالة، فتصدروا لمواجهة الخصوم الذين لا يؤمنون أصلا بالوحي، فإذا بهم يفتحون ثغرات جديدة كلما أغلقوا ثغرة قديمة.
يرد أحدهم على الشي👁️ة فيفتح بابا للنكرانيين، ويرد على الملحد فيوقع العامة في إشكالات لم تكن تخطر لهم على بال.
وأعجب من ذلك أن بعض ردودهم على غير المسلمين لا تكاد تتجاوز منطق الأطفال في ساحات المدارس:
"إن وجدت عندنا عيبا فانظر إلى العيوب عندك!"
وكأن فساد مذهب الخصم برهان على صحة مذهبك، أو كأن كشف التناقض عند غيرك يغنيك عن إقامة الدليل لنفسك.
ومن تأمل بعض المناظرات المعاصرة رأى هذا الخلل رأي العين؛ إذ يتحول النقاش من بناء الحجة إلى الانفعال، ومن تحرير المسألة إلى مجاراة الاستفزاز، فيخرج المشاهد بانطباع لا تصنعه قوة الدليل بل تصنعه طريقة العرض.
وما أكثر من ظن نفسه منتصرا لأنه رفع صوته، أو ظن خصمه مهزوما لأنه أحسن التمثيل أمام الجمهور.
إن المشكلة ليست في وجود الردود، بل في إحكامها.
فكثير من هذه الردود كالثوب المرقع؛ تخيط جانبا وتمزق جانبا آخر، وتسد ثغرة لتفتح ثغرات.
أما الرد المحكم فهو الذي يغلق الأبواب كلها ولا يفتح على نفسه أبوابا جديدة.
ثم إن من أطرف المفارقات أن يتهم الأشاعرة بتغليب العقل من ينكر عليهم كرامات الأولياء بحجة أن عقله لا يستوعبها!
فلو كنا حقا نقدم العقل على النصوص لما قبلنا من خوارق العادات إلا ما وافق المقاييس العقلية المألوفة، ولجعلنا العقل حاكما على الأخبار لا تابعا لها.
ولو كنا نقدم العقل على النص لخضنا في ذات الله تعالى، ولجعلنا للعقول سلطانا على ما استأثر الله بعلمه، ولكننا نقف حيث وقف النص، ونثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه.
فالعقل عندنا ليس أداة لتصوير كيفية صفات الله، لأن هذا غيب لا سبيل للعقول إليه ، والكيف غير معقول، وإنما هو أداة لإثبات وجوب التسليم لما جاء به الوحي، والرد على المعترضين والمشككين.
نحن لا نجعل العقل متصرفا في صفات الله، بل نجعله شاهدا على صدق الوحي الذي أخبر بها.
فدقق في الفرق بين الأمرين: نحن نثبت الصفات كما وردت، مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقات، ومن غير تكييف ولا تشبيه، ولا نزعم أن العقل يستطيع أن يتصور حقيقة تلك الصفات.
وإنما وظيفة العقل أن يدل على صدق الخبر الإلهي، فإذا ثبت الخبر وقف العقل عند حده، وسلم لما جاء به الوحي، وذلك هو الأدب مع الله، وذلك هو مقتضى الإيمان.
الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو
كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية

البدعة بين ظاهر النص ومقاصد الشريعة.. قراءة تأصيلية في مفهوم الإحداث في الدين

 البدعة بين ظاهر النص ومقاصد الشريعة.. قراءة تأصيلية في مفهوم الإحداث في الدين


------------------------------------------------
تُعدّ مسألة البدعة من أكثر القضايا التي أثارت جدلاً في الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً، ليس بسبب غموض النصوص الواردة فيها، وإنما بسبب اختلاف المناهج في فهم تلك النصوص وتنزيلها على الوقائع والأفعال المستجدة. وقد ترتب على ذلك تباين كبير بين العلماء في تحديد مفهوم البدعة وضوابطها، حتى أصبحت بعض الممارسات الدينية والاجتماعية التي درج عليها المسلمون محل نزاع بين من يراها من شعائر الخير والبر، ومن يراها من البدع المذمومة التي تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وكل بدعة ضلالة». والحقيقة أن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم بمعزل عن المقاصد الكلية للشريعة، ولا عن منهج السلف أنفسهم في فهم النصوص والجمع بينها، إذ إن الاقتصار على ظاهر بعض النصوص دون النظر إلى سائر الأدلة الشرعية قد يؤدي إلى نتائج لا تنسجم مع روح الشريعة ولا مع التطبيق العملي الذي جرى عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة الأمة.
لقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في التحذير من البدع، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»(صحيح مسلم)، وهي نصوص تؤكد ضرورة المحافظة على أصول الدين وثوابته وعدم الزيادة فيها أو النقص منها. غير أن النظر المقاصدي يقتضي فهم هذه النصوص في ضوء النصوص الأخرى والقواعد العامة للشريعة، لأن الأصل في الخطاب الشرعي أن يُفهم بعضه ببعض، وأن تُردّ الجزئيات إلى الكليات. ولهذا نجد أن كبار العلماء لم يحملوا هذه النصوص على ظاهرها الحرفي الذي يشمل كل أمر مستحدث بإطلاق، وإنما نظروا إلى مقاصدها وغاياتها، فميزوا بين ما استحدث مما يخالف أصول الشرع ومقاصده، وبين ما استحدث مما يحقق مقاصد الدين ويندرج تحت قواعده العامة.
ومن المعلوم أن لفظ البدعة في اللغة يطلق على كل ما أُحدث على غير مثال سابق، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]، أي منشئهما على غير مثال متقدم. أما في الاصطلاح الشرعي فقد اختلفت عبارات العلماء في تحديد مفهومها، لكنهم اتفقوا على أن المذموم منها هو ما أُحدث في الدين على وجه يناقض مقاصده أو يخالف نصوصه القطعية. ومن هنا جاء كلام الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: «المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غير مذمومة» (البيهقي ، مناقب الشافعي ).
ويؤكد هذا الفهم ما قرره الإمام النووي حين نص على أن البدعة تنقسم إلى الأحكام التكليفية الخمسة: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة (النووي، شرح صحيح مسلم). ولم يكن هذا التقسيم خروجاً عن الحديث النبوي، وإنما هو تفسير له في ضوء مجموع الأدلة الشرعية. فالحديث إنما يتناول البدع المذمومة التي تفضي إلى تغيير الدين أو تحريف معالمه، أما ما كان وسيلة إلى تحقيق مقاصده أو حفظه أو نشره فلا يدخل في دائرة الذم.
ومن أبرز الشواهد على هذا الفهم ما وقع في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، ثم قال: «نعمت البدعة هذه»( صحيح البخاري ). فلو كان كل ما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ضلالة على الإطلاق لما جاز لعمر أن يصف هذا العمل بأنه بدعة ثم يمدحه. وإنما أراد البدعة بالمعنى اللغوي، أي الأمر المستحدث الذي له أصل في الشرع، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح جماعة ثم ترك المداومة عليها خشية أن تفرض على الأمة.
كما أن جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه يمثل نموذجاً آخر لفهم الصحابة للمستجدات في ضوء المقاصد الشرعية. فقد تردد أبو بكر أول الأمر قائلاً: «كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» (صحيح البخاري )، ثم ظهر له بعد المشاورة أن المصلحة الشرعية تقتضي ذلك حفظاً لكتاب الله من الضياع، فتم الجمع بإجماع الصحابة. ثم تطور الأمر في العصور اللاحقة إلى تنقيط المصحف وتشكيله ووضع علامات الوقف والابتداء والأحزاب والأجزاء، وهي كلها أمور لم تكن موجودة في العصر النبوي، ومع ذلك تلقتها الأمة بالقبول لأنها تحقق مقصد حفظ القرآن وتيسير قراءته وفهمه.
وهذا المنهج نفسه هو الذي اعتمدته الأمة في كثير من المستجدات التي ظهرت عبر تاريخها، مثل تأسيس المدارس والمعاهد والجامعات الشرعية، وتأليف الكتب في علوم الحديث والفقه والتفسير والعقيدة، وإنشاء المكتبات العامة، وتدوين القواعد الأصولية والفقهية، وهي أعمال لم تعرف بصورتها المؤسسية الأولى في عهد النبوة، لكنها اندرجت تحت مقصد حفظ العلم والدين ونقلهما إلى الأجيال.
والحقيقة أن الخلط بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية كان سبباً في كثير من الإشكالات المعاصرة. فالبدعة الحقيقية هي التي لا أصل لها في الشرع أصلاً، أما البدعة الإضافية فهي التي لها أصل مشروع ولكن وقع الخلاف في بعض أوصافها أو كيفياتها أو وسائلها (الشاطبي، الاعتصام). ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء في مسائل كثيرة تتعلق بدعاء ختم القرآن، واستعمال السبحة في الذكر، والتهنئة بالمناسبات الدينية، وقول المصلين لبعضهم لبعض «تقبل الله منا ومنكم»، وإقامة الاحتفالات لتكريم حفظة القرآن الكريم، وعقد المجالس العلمية للتعريف بالسيرة النبوية أو الهجرة أو غزوة بدر، وغير ذلك من الأعمال التي تستند إلى أصول شرعية عامة وإن كانت صورها التنظيمية مستحدثة.
إن المنهج المقاصدي في دراسة البدعة يقتضي النظر إلى الغايات لا إلى الصور المجردة. فالشريعة لم تُبنَ على محاربة كل جديد، وإنما بُنيت على تحقيق مصالح العباد في دنياهم وأخراهم. ولذلك فإن الوسائل والأدوات والأساليب تتطور بتطور الزمان والمكان ما دامت تخدم المقاصد الشرعية ولا تصادم نصاً قطعياً. ومن هذا الباب استعمال مكبرات الصوت في الأذان والخطبة، وطباعة المصاحف، وبث القرآن الكريم عبر الإذاعات والقنوات الفضائية، وإنشاء التطبيقات الإلكترونية لتعليم القرآن والحديث والفقه، فهذه كلها وسائل حديثة لم تكن معروفة من قبل، لكنها تحقق مقاصد الدعوة والتعليم والتبليغ.
ومن القضايا التي تجسد أثر النظر المقاصدي في فهم البدعة قضية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث اختلف العلماء في حكمه، لكن الذين أجازوه نظروا إلى ما يشتمل عليه من تلاوة القرآن، وذكر السيرة النبوية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام، وتقوية محبته في النفوس، وهي أعمال مشروعة في أصلها، فاعتبروا أن الحكم يدور مع المقاصد والمضامين لا مع مجرد الصورة المستحدثة. بينما تبقى الممارسات المخالفة للشرع داخلة في دائرة المنع ولو وقعت في أي مناسبة دينية.
وفي المقابل، فإن البدعة المذمومة التي تدخل قطعاً في نطاق التحذير النبوي هي ما كان تغييراً لمعالم الدين وأصول العبادات الثابتة، كإضافة ركعة إلى الصلوات المفروضة أو إنقاصها، أو استحداث صيام واجب غير ما شرعه الله تعالى، أو اختراع عبادات جديدة يُعتقد مشروعيتها دون دليل معتبر، أو تحويل الوسائل إلى مقاصد تُضاهي ما شرعه الله ورسوله. فهذا هو النوع الذي يصدق عليه وصف البدعة الضلالة، لأنه يؤدي إلى الزيادة في الدين أو النقص منه ويعارض مقصد الشريعة في حفظه وصيانته.
كما أن النصوص الشرعية نفسها تؤكد هذا المعنى، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء »(صحيح مسلم). فالحديث يدل على أن باب الإبداع المشروع في خدمة الدين ليس مغلقاً، وإنما الممنوع هو ما يناقض أصول الشريعة أو يفضي إلى تحريفها.
وفي الختام، أن البدعة المذمومة شرعاً هي ما أُحدث في الدين على وجه يناقض أصوله أو يغير معالمه أو يفضي إلى تحريف مقاصده، أما ما استحدث من الوسائل والتنظيمات والصور التي تخدم الدين وتحقق مصالح المسلمين وتندرج تحت قواعد الشريعة العامة فلا يصح إدخاله في عموم الذم الوارد في الأحاديث. وبهذا الفهم تتكامل النصوص الشرعية، وينسجم ظاهرها مع مقاصدها، ويزول التعارض المتوهم بين حديث «كل بدعة ضلالة» ( صحيح مسلم ) وبين ما ثبت عن الصحابة والعلماء من إقرار كثير من المستجدات الحسنة. فالشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الدين لا لتجميد الحياة، وجاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولذلك كان الميزان الصحيح في الحكم على البدع هو النظر إلى حقيقتها ومآلاتها وموافقتها لمقاصد الشرع، لا مجرد كونها أمراً مستحدثاً لم يقع في العصر الأول .
الشيخ الصادق أحمد العثماني
أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

معنى(الرَّحمنُ على العَرشِ استَوَى)

 

معنى(الرَّحمنُ على العَرشِ استَوَى)
الحمد لله الذى أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة ، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع فى عماية الضلالة ، ونصب لنا من شريعة سيدنا محمد أعلى علم واوضح دلالة ، والصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أصحاب الهداية
المشبهة المجسمة يقولون استوى معناها دائمًا صعد وارتفع وجلس، وهم كاذبون...
وحجتهم ظاهرة -: قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} (أولا).
قلنا: تعالى أن يكون (ثانيا) استواؤه على العرش كاستوائنا على ظهور الدواب.
قالوا: وكما قال: {واستوت على الجودي} (ثالثا).
قلنا: تعالى الله أن يكون كالسفينة جرت حتى لمست فوقفت (رابعا ). قلنا له (خامساً ): وما العرش؟ وما الاستواء في العربية؟ فإن توقف، قلنا: هذا كله مخلوق، واستوى مخلوق على مخلوق بارتفاع وتمكين في مكان واتصال وملامسة، والبارىء تعالى يتقدس عنه، وقد اتفقت الأمة من قبل سماع الحديث وسرده أنه ليس استواؤه على شيء من ذلك، ولا تضرب به الأمثال بشيء من خلقه (سادسا).
قالوا: قد قال قوم: {ثم استوى على العرش} (سابعا)، {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (ثامنا).
قلنا: تناقضت أقوال العلماء (تاسعا) في ذلك، تقول مرة: إنه على العرش فوق السماوات، ثم تقول: إنه في السماء، لقوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} (عاشرا). وقلت: إن معناه على السماء، ويلزمك أن تقول: {الرحمن على العرش استوى} (الحادي عشر ) أي إلى العرش.
قالوا (الثاني عشر ): وقد قال: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض}
قلنا: هذا صحيح، ولكن ليس فيه لبدعتكم دليل.
قالوا: فما تقولون فى هذا: إن الأمة قد أجمعت على أنهم يرفعون أيديهم إلى السماء فى الدعاء، ولولا ما قال موسى: إلهي في السماء لفرعون، ما قال: {يا هامان ابن لي صرحا}.
قلنا: كذبتم على موسى، ما قالها قط، ومن يوصلكم إليه؟ إنما أنتم أتباع فرعون الذين اعتقدوا أن البارئ تعالى في جهة، فأراد أن يرقى إليه بسلم، فيهنئكم أنكم أتباع فرعون وأنه إمامكم.
قالوا: وهذا أمية بن أبي الصلت يقول :
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... من هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وأمية بن أبي الصلت قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور .
قلنا: هذا الذي يشبه جهلكم أن تحتجوا بقول فرعون وقول ملحد جاهلي، وتحيلون به على التوراة والإنجيل والزبور والفرقان والكتب المبدلة المحرفة، واليهود هم أعظم خلق الله كفرا، وأعظمهم تشبيها لله بالخلق.
تنزيه :
قال الإمام: والذي يجب أن يعتقد في ذلك: أن الله كان ولا شيء معه، ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش، فلم يتغير، ولا حدثت له جهة منها، ولا كان له مكان فيها، فإنه لا يحول ولا يزول، قدوس لا يحول ولا يتغير. وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر وجها ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز بحال، وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكين والاستقرار والاتصال والمجاورة ، فإن شيئا من ذلك لا يجوز على البارى تعالى، ولا تضرب له الأمثال في المخلوقات إلا كما قال مالك وغيره من العلماء: ان الاستواء معلوم، يعني أنه قد ورد في اللغة، والكيفية التي أراد الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعينها؟ والسؤال عنه بدعة؛ لأن الاشتغال به قد ينشىء طلبا للمتشابه ابتغاء الفتنة. فيتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك؛ أن الاستواء معلوم، وأن ما لا يجوز على الله منه غير معقول وغير متعين . وقد حصل لك التوحيد والإيمان بنفي التشبيه والمحال على الله، فلا يلزمك سواه.
وأما قوله: "ينزل" و "يجيء" و"يأتي" وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها، فإنها ترجع إلى أفعاله، وههنا نكتة، وهي أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك، وأفعال الله لا يجوز أن تكون في ذاته ولا ترجع إليه، وإنما تكون في مخلوقاته فهذا سمعت أن الله يفعل كذا، فمعناه
فى المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن هذا الحديث، فقال: يفعل الله ما يشاء. وأما أن يعلم أو يعتقد أن الله لا يتوهم على صفة من المخلوقات ، ولا يشبه شيئا من المخلوقات،
فقد وردت كلمة استوى في القرءان الكريم في عدة مواضع بمعانٍ مختلفة:
قال الله تعالى عن سفينة نوح: {واسْتَوَت على الجُودِي} أي استقرت عليه وليس معنى استوت هنا عَلَت وصعدت أو جلست.
وقال تعالى: {فاستوى على سوقه} أي الزرع استقام. هل يقول المشبهة المُجسِّمة استوى أي جلس الزرع واستقر وصعد؟؟
وقال تعالى: {ولمَّا بلَغَ أشُدَّهُ واستوى} المعنى هنا تمت قُوَّتُه الجسدية. هل يقولون ارتفع وصعد أو جلس واستقر؟؟
وقال تعالى في وصف جبريل: {عَلَّمَهُ شَدِیدُ ٱلۡقُوَىٰ ذُو مِرَّةࣲ فَٱسۡتَوَىٰ} "فاستوى": أي جسده مُستوٍ قوي. هل يقولون جبريل صعد وارتفع أو جلس واستقر؟؟
ويُذكر الاستواء ويُراد به الارتفاع والعلو كما قال الله تعالى: {فَإِذَا ٱسۡتَوَیۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ} هل يقول المشبهة والمجسمة جلس على المُلك واستقر على المُلك؟؟
ويطلق الاستواء ويراد به أشرف معانيه، وهو القهر والاستيلاء، وهو مما يليق بالله لأنه وصف نفسه بأنه قهار. فلا يجوز أن يُترك ما هو لائقٌ بالله إلى ما هو غير لائقٍ بالله تعالى وهو الجلوس والاستقرار.
فيصح أن يُقال: معنى {الرَّحمنُ على العَرشِ استَوَى} استوى استواءً يليق به بلا كيف ولا تشبيه ولا مكان
أو يقال حفظ وقهر وأبقى أي الله خلق العرش وهو حافظه وقاهره من أن يقع فيُحَطِّم السماوات والأراضين.. الله تعالى وصف نفسه بأنه القهار والرسول وصف ربه بأنه القهار.
والمشبهة المجسمة وهم يصلون صورةً بزعمهم يقول إمامهم: (سَوُّوا صفوفَكُم واستووا)، هل يقولون استوى معناه جلس الإمام أو صعد وارتفع وعلا !!!.. هل واحد منهم يجلس لما يقول إمامهم استووا
أو يصعد المنبر مثلًا أو يرتفع
أو يعلو؟؟!!!
قال الحافظ أبو بكر بن العربي: "إن استوى لها خمسة عشر معنى" وهو حافظ مُتَبَحِّرٌ لا بد أن يكون اطَّلع على هذه المعاني.
ومن معاني كلمة استوى في اللغة العربية: جلس وتمَ واستقرَّ وحازَ واعتدل قائمًا ونضِج وتمَّ (استوى القمر بدرًا) واستوى عودُه أي اشتدَّ ويقال في لغة العرب استوى الرجل أي ذهب شبابُه. وهذه كلها تليق بالمخلوق ولا تليق بالخالق.

ختاما : اللهم فقهنا فى الدين وعلمنا التأويل

الأحد، 24 مايو 2026

الشيخ مزبل الفقيري !

الشيخ مزبل الفقيري !

الكذااااااب مزبل الفقيري! إقرأ .. البيان عن حال مزمل الفقيري السوداني وزمرته !
https://fatawaeslam.blogspot.com/2021/03/blog-post_11.html?fbclid=IwAR1-PpMhhOqehniWMikQ8rTSoEmSNEsD2RhL0lsvskt20iSs4gyorLM44i4 #حكايات_مزمل_فقيري_والقاضي_السوداني الحلقة الأولى: الحنَّة في الرِجلِين، والغرامة في الجيب. خَطَب مزمل فقيري قبل سنوات في أتباعه، وراح يُحدِّثهم عَن شيخٍ اسمه: شِيخ الأمين قال لهم أنَّ هذا الشيخ الصوفي لاَ خَلاَقَ له ولا دِين، وليس له علاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ راح يسخَر ويتضاحك كعادته، حِينَ قال أنَّه: يَجمَع النسَاء في مجالسه، ويضع لهم الحنَّة في أرجلهن بِيديه ! هذه العبارة أغضَبَت هذا الشيخ؛ وقدَّم شَكوَى بِفقيري. والتقَيَا مَعًا عِند القَاضِي مَعَ عَدَد لا بَأس بِه مِن المُحَامِين (قام الشيخ الصوفي بتوكيلهم). لِيَجِد مزمل نَفسَه أمَام قَومٍ جَمَعُوا لَه المَقَاطِع والمَهَازِل التِّي كان يعتقد أنَّها عِلم ودِين يُقرِّبه إلى الله تعالى ! بَعدَ اطِلَّاع القاضِي عَلَيهَا سَألَه يَومَهَا: "أنتَ مُدَان يَا مزمل؛هل لَدَيكَ سَبَبٌ يَدعُونِي لِتَخفِيف الحكم عليك" ؟ - فأجاب مجمَّد فقيري: "أنا متزوِّج مِن ثلاث، وأعُول 16 طفل يا مولانا" ! - القاضي: "حَكمَت المحكمة على المتهم مزمل فقيري بغرامة قدرها: 10 مليون جنيه لصالح الحكومة، و10 مليون جنيه تُدفَع للضحية ! وفي حالة عدم الدفع: السجن ثلاثة أشهر". خرج فقيري؛ واجتَمع بَعدَهَا بِأتبَاعه فِي سوق كبيرة ! حدَّثهم في البداية أبو بكر آداب، وشَكَر المُحسنِين الذِّين جَمَعُوا المَال ودَفَعُوا الغَرَامَة وأخرَجُوا شَيخَهم. ثمَّ أعطى الكلمة لمزمل؛ لِيَخطُب فِيهم رَافعًا صَوتَه، مُهَاجِمًا خصومَه مِن جديد ! كَأنَّه شَخصٌ آخر لَيسَ الذِّي كان يَتَحدَّث عند القاضي في المحكمة ! لِيَضرِب معه موعدا آخر يدفع به المزيد من الغرامات الأثرية مقابل ثرثراته الصبيانية. سنحدثكم عن بعضها في هذه السلسلة الجديدة.



 

الشيخ مزبل الفقيري !

 


الشيخ مزبل الفقيري !


👈*شرح حديث النزُّول بالليل وحديث النزول يوم عرفة* و*تحذير شرعيٌّ واجِبٌ مؤكدٌ !

 



✨*تحذير شرعيٌّ واجِبٌ مؤكدٌ✨*

👈*شرح حديث النزُّول بالليل وحديث النزول يوم عرفة*

اعلموا رحمنا الله واياكم أنّ الله تعالَى
يستحيل أن يكون ساكِنًا أو متحرِّكًا وأن يُوصَف بالانتقال أو التحيُّز في مَكان وجِهة، فهو خلق ذلك كُلِّه فلا يتصف به.

👈أما ماورد بالحديث والذي يُعرَف بحديث النُّزول وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما ولا يُنكِر ذلك الحديثَ أهل السُنّة إنّما يحمِلونه على الوجه الصحيح الذي لا يؤدِّي إلى تكذيب العقل السليم والشرع القويم.

👈ولفظ البخاري للحديث الذي رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:*"يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ"*، فَلا يَجُوز أن يُحْمَل على ظاهِره لإثبات النُّزُول مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ في حَقِّ الله تعالى أو كمّا يُسَمِّيه الوهّابيّة بالنُّزول الحقيقيّ مع إضافتهم لكلمة "يليق بجلاله" زعمًا منهم أنّهم ليسوا بمُشبِّهِين.

👈قال الحافظ النووي في شرحه على صحيح مسلم: "هذا الحديث مِن أحاديث الصِّفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء:

✨- *أحدُهُما*: وهو مذهبُ السَّلَف وبعضِ المتكلمين أنه يُؤْمَن بأنها حَقٌّ على ما يليق بالله تعالى وأنَّ ظاهِرَها المتعارَفَ في حَقِّنا غيرُ مُراد، ولا يُتَكَلَّم في تَأْوِيلها، معَ اعْتِقاد تَنْزِيه اللهِ تعالى عَن صِفاتِ المخْلُوقِ وعَنِ الانتِقَالِ والحَرَكاتِ وسائِر سِماتِ الخَلْق.

✨- *والثاني*: مذهبُ أكثَرِ المتكَلِّمِين وجماعاتٍ مِن السَّلَف، وهو مَحْكِيّ هنا عن مَالِك والأوزاعِيّ على أنها تتَأَوَّل على ما يَلِيق بها بِحَسَبِ مَوَاطِنها، فعَلَى هذا تَأَوَّلُوا هذا الحديث تَأْوِيلَينِ:

👈أ) أحدهما: تَأوِيل مَالِك بن أنَسٍ وغيرِه: معناه تَنْزِلُ رَحْمَتُه وأَمْرُه ومَلائِكَتُه، كما يُقَال: "فعَلَ السُّلطانُ كذا" إذا فَعَلَهُ أَتْبَاعُه بِأَمْرِه.

👈ب) والثاني: أنه على الاستِعارة: ومعناهُ الإِقْبَالُ علَى الدَّاعِين بالإِجَابة واللُّطْف" انتهى كلام الحافظ النووي.

👈والذي يُبْطِل ما ذَهَبَت إليه الْمُشَبِّهة مِن اعتِقادهِم "نُزُولَ الله بِذَاتِه إلى السَّمَاءِ الدُّنيا" أنَّ بعض رواة البخاري ضبطوا الحديث بلفظ *"يُنْزِلُ"* بضّم الياء وكَسْرِ الزّاي، فيكون المعنى نُزُولَ الْمَلَكِ مِن ملائكة الله بأَمْرٍ مِن اللهِ تعالَى، وبما أن نزول الملك بأمر من الله أوحي للرسول أن يقول ينزل ربنا.
وقد صَرَّح النسائي في روايةٍ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد لذلك الحديث:*مِن أَنَّ الله يَأْمُر مَلَكًا بِأَنْ يَنْزِل فَيُنَادِي*، فتبين أن المشبهة ليس لها حجة في هذا الحديث.

👈يَتَّضِحُ مِمّا ذكرناه أيضًا أنّ الحديث الذي أخرَجَهُ ابنُ خُزَيمة وابن حِبّان في صحيحَيهِما، والبَزّار وأبو يَعلَى في مُسندَيهِما، عن جابر رضي اللَّه عنه أنّه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: " *إذا كانَ يومُ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّه يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيَا فيبَاهِي بِهِمُ الملائِكَةَ، فيقول: انْظُرُوا إلى عِبَادِي* " محمول على نُزُول الملاِئكة إلى السّماء الدُّنيا بأمرٍ من الله، وقد نصَّ على تأويل هذا الحديث على المعنَى المذكور: القاضي عِياضٌ مِن المالِكيّة في "إكمالِ الْمُعْلِم"، والحافظ النووي الشافعي في شرحه على صحيح مسلِم، وملّا عليّ القاري الحنفيّ في كتابِه "مِرقاة المفاتِيح"، وغيرهم.

👈وأمّا معنَى:*"فيبَاهِي بِهِمُ الملائِكة"* أي يُننزلهم منزلًا مِن منازل الكرامة ويكشف حالَهم للملائكة، وليس معناه أنّ الله تعالَى يتشرَّف بأحدٍ مِن خَلْقِه، حاشا لله.فالمتشرف بشيء من الخلق متغير والمتغير حادث.

الحمد لله الذي جعلنا من أهل السنة
والجماعة وعلمنا ما ينفعنا

رحم الله من كتبه ومن نشره

الأربعاء، 20 مايو 2026

السؤال الأول: هل تجوز التضحية بديك أو عصفور؟ وهل يجوز شراء لحم بنية الأضحية؟

 تساؤلات حول الأضحية .. وتصحيح مفاهيم!


السؤال الأول: هل تجوز التضحية بديك أو عصفور؟ وهل يجوز شراء لحم بنية الأضحية؟
الجواب: لا تجوز التضحية بغير بهيمة الأنعام من سائر أنواع الحيوان كالغزال والظبي، أو الطيور كالديك والعصفور، وإن ضحى منها لم تجزئه، ولم تكن أضحية!
كما لا يجوز شراء لحم وتوزيعه على الفقراء بنية الأضحية؛ لأن شرط الأضحية إراقة الدم، وإنما يقع اللحم المشترَى صدقة، وربما كان أعظم ثوابا من الأضحية، لتفريجه على الفقراء قبل العيد!
وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، بدليل القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقوله تعالى: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها، وأطعموا البائس الفقير"، وأما السنة فلم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم؛ أنهم ضحوا بغير بهيمة الأنعام، وكل الأحاديث القولية لم تذكر في الأضاحي سواها، وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من العلماء، كابن عبد البر وابن رشد!
وأما ما رُوي عن بلال من أنه قال: ما أبالي إن ضحيت بديك! وما روي عن ابن عباس من أنه أمر أن يُشترى لحمٌ بدرهمين، وأن يقال: هذه أضحية ابن عباس!
وما روي عن إبراهيم التيمي: تستحب العقيقة ولو بعصفور!
فَيُجَاب عن ذلك بأن هذه الآثار فيها ضعف، وعلى فرض صحتها فهي مؤولة عند العلماء بأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أرادوا بذلك أن يثبتوا عدم وجوب الأضحية، وبأنها سنة، فصدر ذلك عنهم على سبيل المبالغة في تأكيد السُّنِّيَّة وعدم الوجوب، وكان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر لا يضحيان خشية أن يراها الناس واجبة!
بهذا أوَّلها الحافظ ابن عبد البر!
وعلى فرض أن قصد هؤلاء الصحابة جواز التضحية وإجزاؤها بالفعل؛ فهو اجتهاد منهم، وقول الصحابي وفعله ليس بحجة وحده، فكيف وقد خالف السنة المرفوعة؟!
ولم يقل أحد بجواز التضحية بالديك والعصفور ونحوهما قبل ابن حزم في القرن الخامس الهجري، وتبعه ابن المِبْرَد في القرن العاشر، في رسالته المسماة: (الرد على من شدَّد وعسَّر، في جواز الأضحية بما تيسَّر) وقد فهما هذه النصوص على ظواهرها، بينما أوَّلها الجمهور بصرفها عن ظواهرها، والحق مع الجمهور!
ثم إن ابن حزم خالف مذهبه في ترك الاحتجاج بالقياس؛ حين قاس التضحية بالديك والعصفور على جواز إهداء البيضة إلى البيت الحرام، ونسي أن الحديث ورد لبيان ثواب التبكير إلى صلاة الجمعة؛ ليكون ثواب المبكر إليها كثواب من أهدى بدنة ثم بقرة ثم بيضة، مع أنه لا يجوز الهدي ببيضة إجماعا، ولكن هذه آفة الظاهرية، التي توقعهم في التناقض والاضطراب!
وقد قال برأي ابن حزم وابن المِبْرَد من المعاصرين الدكتور سعد الهلالي وغيره!
وقلت - شعرا - في الرد عليه:
وقالوا: هل يَجُوزُ لنا نُضَحِّي
بِطَيْرٍ أو بِدِيكٍ أو دَجَاجَةْ؟!
لقد أَفْتَى بِذَا [ سَعْدُ الهِلاليْ]
فَقُلْتُ: كلامُه مِثْلُ الزُّجَاجَةْ!
وهذا رَأْيُهُ في كلِّ عامٍ
يُثِيرُ به الخُصومةَ واللَّجَاجَةْ!
وجمهورُ الأئمةِ من قديمٍ
بإجماعٍ لهم رَدُّوا احتجاجَهْ!
وشَذَّ بِرَأْيِه عنهم جميعًا
وليس لنا بما قد شَذَّ حاجَةْ!
السؤال الثاني: هل يجوز التضحية بما لم تستوف السن الشرعية من بهيمة الأنعام؛ إذا كانت أوفر لحما ممن استوفت السن؟
الجواب: بالنظر إلى ظاهر النصوص الشرعية لا يجوز في الأضحية إلا التي بلغت السن، وبالنظر إلى مقصد الشريعة من الأضحية؛ تجوز الأضحية بما دون السن إذا كانت أوفر لحما من التي بلغت السن، لأن الشرع إنما اشترط هذه الأسنان؛ لأن الحيوان يتوفر لحمه ويَسْمَن فيها غالبا، وإلا فلو بلغها وكان هزيلا؛ كانت التضحية بموفور اللحم أولى، وإن لم يبلغها، وهو ما نميل إليه، لكن بشرط ألا يجد التي بلغت السن مع وفرة اللحم معا؛ فإن الوقوف مع النصوص أولى، وهو ما اعتمدته دار الإفتاء في فتواها!
السؤال: هل لا تجوز الأضحية من تارك الصلاة، ولا الأكل منها؟
الجواب: إن كان تارك الصلاة قد تركها جاحدا لوجوبها؛ فهو كافر بالإجماع، والكافر لا تصح منه القربة، والأضحية من القربات، وإن كان ترك الصلاة تهاونا أو تكاسلا مع اعتقاده بوجوبها؛ فهو مسلم عاص عند جمهور أهل العلم، وتصح أضحيته، ويجوز الأكل منها، وأما الرأي المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي بعدم جواز أضحية تارك الصلاة والأكل منها؛ فهو على المذهب الذي يرى كفر تارك الصلاة مطلقا، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه فتوى علماء المملكة العربية السعودية، وهو مذهب مرجوح، ومذهب الجمهور هو الراجح!
السؤال: كيف ترد على القائلين بأن كثرة ذبائح المسلمين في عيد الأضحى؛ دليل على أن الإسلام دين دموي، يعشق الدماء؟!
والجواب: هذا كلام من لم يقف على أسرار الشريعة وحِكَم التشريع، ولطالما استغلت جمعيات الرفق بالحيوان في أوربا شعيرة الأضحية لتردد هذه المزاعم والترهات كل عام، ولعل ذلك قد سبق إليهم من تجاوزات بعض المسلمين، وعدم اتباع الهدي النبوي عند ذبح الأضاحي، من الرفق بها، وإحكام تقييدها، وعدم سن السكين أمامها، وعدم ذبحها أمام أخواتها، وهو ما أكدت عليه السنة النبوية الشريفة في حديثها عن طريقة ذبح الأضحية، وكذلك يقوم بعضهم بعمليات ذبح جماعي للأضاحي، تسيل فيه الدماء أنهارا في الشوارع والطرقات، كما يقوم بعضهم بحشر أعداد ضخمة من الحيوانات في مكان صغير، وربما ضربها بطريقة وحشية، وهنا ننبه إلى أن تجاوزات بعض المسلمين تكون غالبا هي السبب في الطعن على الإسلام، والإسلام منها بريء!
أما عن الحكمة من تشريع الأضحية فهي كافية في رد هذا الزعم الفاسد؛ فإن الأضحية شرعت تقربا إلى الله تعالى بما يحب، وإعلانا عن الاستعداد للتضحية بالغالي لأجله، والصدق في العبودية له، وإحياء لسنة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل، في الاستجابة لأمر الله، والصبر على ما قدره وقضاه، ومواساة للمحتاجين، وصلة وبرا بالأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف والجيران، ونشرا لروح المودة والإخاء، فليس المقصود نفس اللحم والدم، حسبما يشير إليه قوله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم".
وأما قضية الرفق بالحيوان؛ فلا نعلم على ظهر الأرض دينا أو نظاما أو قانونا دعا إلى الرفق بالحيوان مثل دين الإسلام، حتى لقد أصبح سمة من سمات الحضارة الإسلامية، ولسنا نطيل بذكر الأدلة القولية والعملية على ذلك؛ فهي أشهر من أن ينبه عليها، وقد كتبت فيها بحوث مستفيضة!
ثم إن الغرب يتهم المسلمين بأنهم عاشقون للدماء، بسبب شعيرة الأضحية، وتجاهل الغرب المذابح والمجازر البشرية التي ارتكبها - بلا رحمة - في كل مكان حل فيه، باسم الرب، ولا أدل على ذلك من الحملات الصليبية، وحرب الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان وميانمار وكشمير والإيجور وصابرا وشاتيلا وغزة، وغيرها مما يجب أن يخجل منه الغرب، ويطأطئ رأسه إلى الأبد، ويخرس، ولا يتكلم!
خادم الجناب النبوي الشريف
ا.د : محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف