ابن تيمية ليس معصومًا من الخطأ… نصوص من كتبه تفتح أبوابًا للنقاش، وتكشف خطر تقديس الأشخاص!
من الكرامات والتصوف، إلى التصرف والتأثير، مرورًا بالتشدد في الفقه وفقه القتال… لماذا يحق لنا أن نناقش اجتهادات ابن تيمية، بينما يتعامل بعض المنتسبين إليه معها وكأنها فوق النقد؟!
ليست المشكلة في أن تحب عالمًا، أو تنتفع بعلمه، أو تدافع عنه حين يُظلم؛ فهذه أمور لا تتعارض مع الإنصاف.
إنما المشكلة أن تتحول محبة العالم إلى تعصب، وأن يصبح اسمه حجةً مستقلة عن الدليل، وأن يُسمح له بأن يخطئ في نظر خصومه، ثم يُمنع الآخرون من مناقشة أخطائه إذا خالفت آراءهم.
وهذا ما نراه عند بعض المتعصبين لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ إذ يرفعون شعار اتباع الدليل، لكنهم قد يتعاملون مع اجتهاداته وكأن نقدها خروج عن السنة، أو طعن في الدين، أو انتقاص من مكانته العلمية.
والحقيقة التي ينبغي أن نتفق عليها جميعًا هي أن ابن تيمية عالم مجتهد، له علمه وفضله وإصاباته، وله كذلك اجتهادات وأقوال تقبل المناقشة والنقد والمراجعة.
فهو ليس نبيًّا معصومًا، ولم يكن كلامه وحيًا، ولا يجوز أن تتحول مكانته إلى حصانة تمنع الباحث من مراجعة نصوصه أو مساءلة استدلالاته.
ولذلك سنعود هنا إلى نصوص من كتبه، لا لنحاكم الرجل بألفاظ خصومه، ولا لننسب إليه ما لم يقله، بل لنطرح سؤالًا مشروعًا:
هل نقرأ ابن تيمية كما كتب، أم كما يريد بعض أتباعه أن نتصوره؟
أولًا: ابن تيمية وما ذكره عن الكرامات عند قبور الأنبياء والصالحين
من النصوص اللافتة ما أورده ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، عند حديثه عن الكرامات وخوارق العادات التي قد تقع عند قبور الأنبياء والصالحين.
قال:
«وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها؛ فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه».
ثم قال:
«وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق».
المصدر: اقتضاء الصراط المستقيم، وفق الطبعة والإحالة الواردتين في المادة المرسلة. <Cite refs={["turn470196search3","turn470196search4"]}/>
هذه كلمات تستحق القراءة المتأنية.
فابن تيمية لا ينفي هنا أصل الكرامات التي قد تقع عند قبور الأنبياء والصالحين، بل يقرّر أن جنس ما ذكره منها حق، ويتحدث عن كرامة الله ورحمته، وعن حرمة هذه القبور وكرامتها عند الله.
لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر أيضًا أنه لا يجعل إثبات هذه الكرامات مبررًا لكل ما يفعله الناس عند القبور، بل يفرّق بين الاعتراف بوقوع الكرامة وبين اتخاذ القبور مواضع للعبادة.
إذن، لا يصح أن نستخرج من كلامه إباحة جميع صور التوسل والاستغاثة والتبرك، كما لا يصح أن نتجاهل كلامه في إثبات أصل الكرامات.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يختزل بعض المنتسبين إلى ابن تيمية موقفه في عبارات المنع، ثم يتجاهلون النصوص التي تتضمن تفصيلًا وإثباتًا لأمور لا تتفق مع الصورة المبسطة التي يقدمونها عنه؟
إن قراءة العالم من خلال نصوص منتقاة لا تصنع معرفة صحيحة به، بل تنتج صورة مبتورة عن فكره.
ثانيًا: «تصريف الكون» في كلام ابن تيمية… ماذا تعني العبارة؟
ومن النصوص التي تحتاج إلى تحرير دقيق قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى:
«فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون، ولهذا هو الغالب على ذوي الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم، وبه يتصرفون ويؤثرون، تارة بما يوافق الأمر، وتارة بما يخالفه».
المصدر: مجموع الفتاوى، 10/550. <Cite refs={["turn316141search3"]}/>
قد يتوقف القارئ عند عبارتي «تصريف الكون» و«وبه يتصرفون ويؤثرون»، ويسأل عن المقصود بهما، وعن حدود القدرة والتأثير اللذين يتحدث عنهما المؤلف.
وهذا سؤال مشروع.
لكن لا يجوز أن نحمل النص على أن الأولياء يتصرفون في الكون استقلالًا عن الله؛ فالعبارة واردة في سياق حديثه عن التوكل بوصفه سببًا لجلب المنافع ودفع المضار، وعن أحوال بعض أصحاب الأحوال وتأثيراتهم.
ومن هنا ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:
أن يجعل الله لبعض عباده أسبابًا ينتفعون بها أو ينفعون غيرهم.
أن تقع على أيدي بعض الصالحين أمور خارقة للعادة بإقدار الله.
أن يُنسب إلى مخلوق تصرف مستقل في الكون لا يتوقف على مشيئة الله وقدرته.
هذه معانٍ مختلفة، ولا يصح الخلط بينها.
لكن وجود هذه العبارة في كتاب ابن تيمية يفتح بابًا للبحث في مفهومه للتوكل والتأثير وأصحاب الأحوال، ويُلزم من يحتج بكلامه أن يقرأه كاملًا، لا أن يكتفي بالشعارات التي يرفعها أتباعه.
فإذا كانت العبارة تحتاج إلى تفسير، فواجبنا أن نفسرها، لا أن نمنع السؤال عنها.
ثالثًا: ابن تيمية والصوفية… هل كان موقفه رفضًا مطلقًا للتصوف؟
من أكثر المسائل التي تكشف خطر الأحكام العامة موقف ابن تيمية من التصوف وأهله.
ففي مجموع الفتاوى، 20/63، يتحدث عن العارفين بمعاني العلوم الشرعية، ويقول:
«وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به فهم في العلوم كالعارفين من الصوفية الشرعية، فهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة، وهم أفضل الخلق وأكملهم وأقومهم طريقة».
المصدر: مجموع الفتاوى، 20/63. <Cite refs={["turn316141search0"]}/>
لاحظوا القيد الذي وضعه بنفسه: «الصوفية الشرعية».
فهو لا يمدح كل من انتسب إلى التصوف دون تفصيل، لكنه في الوقت نفسه لا يرفض التصوف بإطلاق، بل يثني على طائفة من أهله، ويجعل العارفين بمعاني العلوم الشرعية منهم في منزلة عالية.
وفي موضع آخر، عند حديثه عن الصوفية، يقرر أن الناس بالغوا في ذمهم كما بالغ آخرون في مدحهم، ثم يقول:
«والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله».
ويذكر أن فيهم السابق المقرب، والمقتصد، ومن يجتهد فيخطئ، ومن يذنب فيتوب أو لا يتوب.
المصدر: مجموع الفتاوى، 11، في رسالة ابن تيمية في الصوفية والفقراء. <Cite refs={["turn316141search1"]}/>
وهذا كلام واضح في رفض التعميم؛ إذ يجعل الحكم تابعًا لحال الشخص وعمله، لا لمجرد الاسم الذي ينتسب إليه.
فلماذا يتعامل بعض المنتسبين إلى ابن تيمية مع التصوف وكأنه كتلة واحدة لا تفصيل فيها، مع أن كلام شيخهم نفسه يفرّق بين أحوال الصوفية، ويمدح بعضهم، وينتقد بعض الممارسات والأقوال؟
إن كان الميزان هو الدليل، فالواجب أن نلتزم بالتفصيل نفسه، لا أن نستبدل به أحكامًا جماعية جاهزة.
وابن القيم أيضًا… هل كل ما يتصل بتزكية النفوس يُرفض؟
أما ابن القيم، فقد أفاض في الحديث عن أحوال القلوب ومنازل العبودية والتوكل والمحبة والإنابة، وهي موضوعات تتقاطع مع ما يبحثه علماء السلوك والتصوف في جانب التزكية.
وتُنقل عنه في كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين عبارة في شرف علم أحوال السالكين إلى الله، لكن ينبغي مراجعة لفظها وموضعها في الطبعة المعتمدة قبل اعتماد الاقتباس الحرفي المتداول.
والخلاصة هنا ليست أن ابن القيم زكّى كل الطرق الصوفية أو أقرّ جميع ممارساتها، وإنما أن الحديث عن تزكية النفس وأعمال القلوب ومنازل العبودية لا يصح اختزاله في خصومة مع اسم أو مصطلح.
فالعبرة بحقيقة القول والعمل، لا بمجرد الاسم الذي يحمله صاحبه.
رابعًا: ابن تيمية وتشدد بعض الأحكام الفقهية… هل كل اجتهاداته ملزمة؟
من المسائل التي تستحق النقاش ما أورده ابن تيمية في أحكام الجهر بالنية في الصلاة، وفيمن يتعمد تأخير الصلاة عن وقتها.
ففي مجموع الفتاوى، 22/218-219، يقول عن الجهر بالنية:
«والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشرع، فهو جاهل ضال يستحق التعزير».
ثم يتحدث عن العقوبة عند الإصرار، ولا سيما إذا آذى المصلين برفع صوته أو كرر ذلك بعد البيان له.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: النص يتحدث عن التعزير والعقوبة، ولا يقول إن كل من جهر بالنية يُقتل.
لكن تبقى المسألة الفقهية جديرة بالنقاش: ما مستند هذا التشديد؟ وما حدود التعزير في مثل هذه المسألة؟ وكيف يُراعى اختلاف أحوال الناس وجهلهم وتأويلهم؟
فليس كل من خالف اجتهادًا فقهيًّا مبتدعًا بالمعنى الذي يوجب التشنيع عليه، ولا ينبغي أن تتحول مسائل النية وكيفية التلفظ بها إلى ميدان للمبالغة في التبديع والتعزير.
أما مسألة تأخير الصلاة، فيقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى، 22/28، فيمن يؤخرها عن وقتها بسبب صناعة أو صيد أو خدمة:
«ومن أخّرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يُستتاب».
ويذكر صورة من يصرّ على عدم الصلاة إلا بعد غروب الشمس لانشغاله بعمله.
وهذه مسألة خطيرة تتصل بأحكام تارك الصلاة، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف معروف بين الفقهاء، سواء في حكم تارك الصلاة أو في التفريق بين الجحود والتهاون، وفي شروط تنزيل الأحكام على الأشخاص.
لذلك لا يجوز أن ننسب إلى ابن تيمية أنه قرر قتل كل من فاتته صلاة، أو أن نختزل المسألة في عبارة مبتورة. وفي المقابل، لا يجوز أن نجعل اجتهاده في هذه القضية بمنأى عن البحث والمناقشة، ولا أن نعرض قوله بوصفه الحكم الوحيد الذي لا يُقبل غيره.
فإذا كانت المسألة محل خلاف فقهي، فإن الأمانة تقتضي عرض الخلاف وأدلته، لا تحويل رأي واحد إلى سيف يُشهر في وجه المخالفين.
خامسًا: هل يثبت من كلام محمد بن عبد الوهاب أن الولي ينتفع الناس بكراماته بعد موته؟
تتضمن المادة التي جُمعت لهذا المقال نصوصًا وروايات من كتاب متداول بعنوان أحكام تمني الموت، منسوب إلى محمد بن عبد الوهاب، وفيها حكايات عن كرامات بعض الصالحين بعد موتهم، ومنها روايات عن المطر، والكلام من داخل القبر، وما يُستدل به على إدراك الميت بعض الأمور.
لكن نسبة الكتاب إلى محمد بن عبد الوهاب محل خلاف، ولذلك لا يصح أن ننسب هذه الروايات إليه جزمًا لمجرد وجودها في نسخة متداولة، كما لا يصح إبطالها لمجرد اعتراض عالم عليها.
فالتحقيق يقتضي التفريق بين ثلاثة أسئلة:
هل النص موجود فعلًا في الكتاب المتداول؟
هل ثبتت نسبة الكتاب إلى محمد بن عبد الوهاب؟
هل الرواية المذكورة صحيحة، وهل تدل على الحكم الذي يُراد إثباته بها؟
هذه أسئلة منفصلة، ولا يغني الجواب عن أحدها عن بقية الأسئلة.
ومن هنا، فإن هذه المادة تصلح محورًا للبحث والتوثيق، لكنها لا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها دليلًا محسومًا على موقف محمد بن عبد الوهاب قبل التحقق من النسبة.
ومع ذلك، فإن أصل البحث في الكرامات بعد الموت، وفي حدود الانتفاع بالميت، وفي دلالات الروايات المتعلقة بذلك، بحث مشروع، ينبغي أن يُتناول بالأدلة، بعيدًا عن الانتقائية.
فلا نقبل نسبة كتاب إلى مؤلف لمجرد موافقة محتواه لموقفنا، ولا نرفض نصًا لمجرد أن نسبته أصبحت موضع نزاع.
سادسًا: ابن تيمية وفتوى قتال التتار… حين تصبح الاجتهادات المتعلقة بالدماء موضعًا للمساءلة
نصل هنا إلى واحدة من أكثر المسائل حساسية في تراث ابن تيمية: موقفه من قتال التتار الذين انتسب كثير منهم إلى الإسلام، مع استمرارهم في بعض القوانين والممارسات التي رأى أنها تخالف أحكام الشريعة.
وقد تناول المسألة في مجموع الفتاوى، المجلد الثامن والعشرين، في جواب عن حكم قتال التتار، بعد أن وصف السائل ما ارتكبوه من قتل المسلمين وسبي بعض الذراري ونهب الأموال والاعتداء على الحرمات.
قال ابن تيمية:
«كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه».
المصدر: مجموع الفتاوى، 28/502-503. <Cite refs={["turn514968search0","turn514968search2"]}/>
هذه العبارة صريحة في تقريره جواز القتال، بل وجوبه في الحالة التي وصفها، حتى مع نطق أفراد الجماعة بالشهادتين والتزامهم بعض شرائع الإسلام.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقرأ الفتوى كاملة، لا أن نختزلها في أن ابن تيمية حرّض على قتال المسلمين لمجرد ارتكابهم المعاصي.
فهو استند إلى ما وصفه بالامتناع عن الالتزام بشرائع ظاهرة، وتناول ما نُسب إلى التتار من اعتداء على المسلمين، ونهب أموالهم، وسبي بعضهم، وإهانة المساجد. كما ناقش طبيعة نظامهم وموقفهم من أحكام الشريعة.
إذن، القضية أوسع من مجرد أفراد يشربون الخمر أو يقصرون في بعض الواجبات؛ إنها اجتهاد فقهي وسياسي وعسكري يتعلق بجماعة مسلحة وسلطة قائمة في ظروف تاريخية محددة.
لكن هل يمنع ذلك من نقد اجتهاده؟
بالطبع لا.
فمن حق الباحث أن يناقش الأساس الفقهي الذي بنى عليه ابن تيمية حكمه، وأن يبحث في ضوابط مفهوم الامتناع عن الشريعة، وفي الفرق بين المعصية الفردية وامتناع الجماعة عن حكم شرعي، وفي الشروط والموانع التي يجب مراعاتها عند تقرير أحكام القتال.
كما يحق له أن يسأل: من يملك تقدير هذه الحالات؟ وكيف تُمنع إساءة استعمال الفتاوى العامة؟ وما الذي يحول دون أن تتحول اجتهادات تاريخية إلى ذرائع للتكفير واستباحة الدماء في أزمنة وأمكنة مختلفة؟
هذه أسئلة لا تُجاب بمجرد القول إن ابن تيمية قال ذلك، ولا بمجرد رفض رأيه؛ بل تحتاج إلى دراسة أصوله وأدلته ومناقشتها في ضوء بقية النصوص والقواعد الفقهية.
من الفتوى التاريخية إلى خطاب الغلو المعاصر
المشكلة الكبرى تظهر حين تنتزع جماعات معاصرة عبارات من كتب التراث، ثم تُسقطها على مجتمعاتها وحكوماتها وخصومها دون تحقق من الشروط أو اختلاف الوقائع.
فلا يجوز أن تتحول فتوى تاريخية إلى تصريح مفتوح لكل جماعة كي تحكم على خصومها بالكفر أو ترفع السلاح عليهم بحجة عدم تطبيق الشريعة.
ولا يصح كذلك أن نجزم بأن فتوى واحدة لابن تيمية هي التي أسست وحدها جميع تيارات التكفير والجهاد المسلح الحديثة؛ فهذه دعوى تاريخية واسعة تحتاج إلى دراسة مستقلة لمسارات التأثر والاقتباس والتطور الفكري.
لكن من المشروع تمامًا أن نبحث في كيفية توظيف بعض اجتهاداته في الخطاب المعاصر، وأن نحذر من تحويل أقوال العلماء إلى أدوات تعبئة لا تراعي شروطها ولا سياقاتها.
فالفتوى المتعلقة بالدماء لا تصبح صحيحة في كل زمان ومكان لمجرد أن عالمًا مشهورًا قال بها في واقعة تاريخية محددة.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين دراسة التراث، وبين تنزيل الأحكام على الواقع، وبين الاجتهاد الفقهي وبين اتخاذ القرارات التي تمس حياة الناس وأمنهم.
سابعًا: ما الذي تكشفه هذه النصوص عن مشكلة تقديس الأشخاص؟
إذا جمعنا هذه المحاور، وجدنا أن المسألة لا تتعلق بعبارة واحدة، ولا بموضوع فقهي منعزل.
إنها تتعلق بطريقة قراءة التراث، وبالفرق بين احترام العالم وتحويله إلى مرجعية لا تقبل النقد.
ففي باب القبور والكرامات، نجد نصوصًا تحتاج إلى التفصيل، ولا يجوز اختزالها في المنع المطلق أو الإباحة المطلقة.
وفي باب التوكل والتأثير، نجد عبارات تستدعي تحرير المعنى، لا اقتطاعها وإلصاق ما لا تحتمله بها.
وفي باب التصوف، نجد تمييزًا صريحًا بين الصوفية الشرعية وغيرهم، وبين السابق والمقتصد والمخطئ.
وفي باب الأحكام الفقهية، نجد اجتهادات شديدة تحتاج إلى فهم أدلتها ومقارنتها بأقوال الفقهاء، دون تحويلها إلى أحكام قطعية في كل صورة.
وفي باب قتال التتار، نجد اجتهادًا تاريخيًّا خطير الأثر يتعلق بالقتال والامتناع عن شرائع الإسلام، وهو ما يجعل دراسته ومناقشة ضوابطه أمرًا ضروريًّا.
هذه المسائل لا تثبت أن كل ما قاله ابن تيمية خطأ، ولا تسمح بأن ننسب إليه ما لم يقله؛ لكنها تؤكد أن التعامل مع تراثه يحتاج إلى قراءة علمية كاملة، لا إلى انتقاء ما يوافق موقفًا مسبقًا.
ثامنًا: لا تجعلوا اتباع ابن تيمية بديلًا عن اتباع الدليل
إن من أعظم المفارقات أن يرفض المرء التقليد الأعمى في المذاهب، ثم يقع في تقليد الأشخاص، وأن يطالب الناس بالرجوع إلى النصوص، ثم يغضب حين يُطلب منه مراجعة نصوص إمامه.
ليس من الإنصاف أن نطالب الناس بفهم القرآن والسنة، ثم نجعل كلام عالم بعينه نهاية المطاف في كل مسألة.
وليس من المنهج أن نرفع شعار اتباع السلف، ثم نختزل تراثهم في قراءة واحدة، ونرفض كل اجتهاد يخالفها.
فالعلماء يُعرف فضلهم بعلمهم واجتهادهم، لكن أقوالهم تُوزن بالأدلة، وتُفهم في سياقاتها، ويُفرّق فيها بين القطعي والاجتهادي، وبين ما اتُّفق عليه وما وقع فيه الخلاف.
وإذا أخطأ عالم في مسألة، فلا يلزم من ذلك إسقاط علمه كله، كما لا يلزم من مكانته أن يكون كل ما قاله صحيحًا.
هذه هي الوسطية التي تحفظ للعلماء حقوقهم، وتحفظ للعلم حريته، وتحمي الدين من أن يتحول إلى خصومات حول الأشخاص.
الخلاصة: نقد العلماء ليس طعنًا في الدين، وتقديسهم ليس من الوفاء لهم
لسنا مطالبين بأن نختار بين تقديس ابن تيمية والطعن فيه، فهذه قسمة زائفة.
يمكننا أن نقرّ بعلمه وفضله، وأن ننتفع بكتبه، وأن نختلف معه في مسائل، وأن نناقش اجتهاداته بأدلة علمية، دون أن نتهمه في نيته أو ننتقص من شخصه.
كما يمكننا أن نرفض الغلو في الدفاع عنه، دون أن نقع في الغلو المضاد، أو ننسب إليه أقوالًا لم تثبت، أو نحمّل نصوصه ما لا تحتمل.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم الجميع واضحة:
لا عصمة لعالم بعد رسول الله ﷺ، ولا يجوز أن تتحول مكانة العالم إلى حاجز يمنع مراجعة أقواله.
فمن أراد الدفاع عن ابن تيمية، فليدافع عنه بالعلم والإنصاف، وليعرض كلامه كاملًا في سياقه، وليقبل أن تُناقش اجتهاداته كما تُناقش اجتهادات غيره.
ومن أراد نقده، فليكن نقده موثقًا، دقيقًا، عادلًا، بعيدًا عن التحريف والتجريح والتعميم.
فالعلماء يُحترمون، لكنهم لا يُقدَّسون؛ والأقوال تُناقش، والأدلة تُتبع، والحق لا يُعرف بمجرد اسم قائله.
فإذا كنا نرفض أن يُقدَّس الأشخاص، فلا ينبغي أن نصنع من أي عالم استثناءً من هذه القاعدة.
والله تعالى أعلم.

