والله تعالى أعلم
==============
رؤية الفكر الإسلامي للنحت والتصوير القرآن الكريم لم يرفض النحت ولا التصوير بل حرّم اتخاذهما وسيلة لصنع آلهة تعبد.. ولم يذكر التماثيل في موضع نهي عن صنعها.. بل ذكر الأصنام * صور المعبودات عند العربي الجاهلي متعددة.. تشمل الأرباب والآلهة والطواغيت.. وتنوعت أشكالها من تمثال إلي شجرة.. إلي حجر * الجاهليون اتخذوا مع «الكعبة» بيوتًا أخري يعظمونها ويعينون لها سدنة وحجابًا ويطوفون بها وينحرون عندها كانت تعرف بـ «الطواغيت» * قريش تسعي لتأكيد سيادتها الدينية والتجارية.. فتقرر إقامة 360 صنمًا تتعبد لها القبائل الشهيرة حول الكعبة.. لتشجع حركة السياحة إلي مكة.. وتروج لصناعة وتجارة الأصنام *
القرآن الكريم لم يعترض علي التمثال الذي صنعه بنو إسرائيل للعجل.. بل اعترض علي عبادتهم له من دون الله *.. واعتبر من معجزات النبي عيسي عليه السلام أنه كان يخلق من الطين تمثالاً كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا * الرسول ((ﷺ)) حال دون محو صورة المسيح وأمه (عليهما السلام) من فوق جدار الكعبة بعد الفتح.. وظلتا قائمتين عليه لسنوات طويلة *
الذين يقولون إن الصور محرمة لأنها محاكاة لخلق الله تعالي يلزمهم تحريم تصوير الشجر والجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم.. وكلها مما خلقه الله عز وجل * المسلمون فتحوا بلدانا كانت لها تماثيل ومنحوتات.. فلم يحطموها أو يحرموها.. بل سعي حكامهم لتزيين بيوتهم بالصور والمنحوتات والزخارف يصعب الحديث عن نحت وتصوير للعرب الجاهليين ـ أي عرب الحجاز وليس عرب الجنوب في اليمن ـ بالمفهوم المعاصر الآن للنحت والتصوير، بل إن الحديث يستدعي تلقائيا الحديث عن عبادة الأصنام عند العرب لأنها ارتبطت بصناعة التماثيل، والتعبد لها والتجارة فيها. وحتي نستطيع أن نفهم بصورة أوضح ما الذي جاءت النصوص الدينية الأساسية برفضه والنهي عنه، علينا وضع هذه النصوص في سياق عصرها وتاريخها الذي نزلت فيه وتفاعلت معه لتغيره. فقد كان في الجزيرة العربية أنواع مختلفة من الأديان ولكننا سنركز علي عبادة الأصنام. أرباب وآلهة وطواغيت تعددت صور المعبودات عند العربي الجاهلي، فمن «أرباب» الي «آلهة» الي «طواغيت»،
وتعددت أشكالها فمن معبود في شكل تمثال الي أخر في شكل حجر الي غيره من صور أشجار، والطواغيت ليست آلهة يتعبد لها البشر، بل هي أماكن للآلهة، وهي تكون موضع تقديس " فالعرب قد اتخذت مع الكعبة «طواغيت» وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتُهدي كما تُهدي الكعبة، ويطاف بها وينحر عندها وتعددت بيوت الآلهة التي يحج اليها العرب في الجزيرة مثل بيت " اللات" وكعبة "نجران" وكعبة "غطفان" ولكن كانت السيادة في الجزيرة لكعبة مكة. كان العرب يعبدون أربابا من دون الله والربوبية هي " تقديس للأسلاف"(1)
وهي تختلف عن «الألوهية» حيث يمكننا الحديث عن «رب البيت» و«رب الأسرة»، ولانقول «اله» الأسرة... فالعرب كانوا يقدسون الأسلاف، ومن الأرباب " إساف ونائلة"، وكانا منصوبان علي موضع من زمزم وعن قضيتهما فيما يروي ابن هشام " اتخذوا "اساف ونائلة" رجلا وامرأة من جرهم ـ هو اساف بن بغي ونائلة بنت ديك فوقع اساف علي نائلة في الكعبة: فمسخهما الله حجرين"(2)
ونصبا ليكونا عبرة وعظة للناس حتي كان " عمرو بن لحي نقلهما الي الكعبة ونصبهما علي زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما، حتي عُبدوا من دون الله"(3).
آلهة غير منظورة بجانب الطواغيت والأرباب كانت هناك آلهة في حياة العربي الجاهلي، والألوهية تعني عندهم " الها غير منظور يسكن السماء ومن هناك يتساقط مٍلاط بيته الإلهي من آن لآخر علي هيئة احجار سوداء"(4)
فكانوا يتعبدون لهذه الآلهة وأخذت الآلهة أشكال أحجار مصورة وغير مصورة وأشجار ومن الآلهة " العزي" وهي " ثلاث شجرات...بنخلة"(5)
وكانت هناك شجرة "ذات الأنواط" وهي شجرة عظيمة خضراء يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها يوما.ومن الآلهة المصورة من الأحجار تمثال " هُبل" وهو من أعظم الأصنام شأنا عند عرب الجاهلية" كان من العقيق الأحمر علي صورة انسان مكسور اليد اليمني، فصنعت له قريش يدا من ذهب" وكذلك صنم " مناة" وهو من " أقدم هذه الأصنام "(6).
لم يستطع كل العرب اتخاذ بيوت أو أصنام للعبادة، فمن لم يستطع" نصب حجرا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن ثم طاف به كطوافه بالبيت...... فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا، أخذ أربعة أحجار فنظر الي أحسنها فاتخذه ربا وجعل ثلاث أثافي لقدرة فاذا ارتحل تركه، فاذا نزل منزلا آخر، فعل مثل ذلك فكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها ويتقربون اليها"(7).
ومن أشهر هذه الآلهة الحجرية " اللات". و يورد الأزرقي عن "ابن عباس أن رجلا ممن كان يقعد علي صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج (الحجاج) اذا مروا فيلت سويقهم (يبخس بضاعتهم) فسميت صخرة اللات فمات... فلما فقده الناس قال لهم عمرو بن ربيعة أن ربكم اللات قد دخل جوف الصخرة"(. وكانت صخرة مربعة أقيم عليها بناء وقامت علي سدانتها ثقيف"(9)
بل إن العربي الجاهلي قد يختار الأحجار الغريبة فيتعبد لها فاذا رأي حجرا أفضل وأعجب به ترك الحجارة القديمة وأخذ الحجارة الجديدة. بل كانت قبائل العرب تتعبد لمجموعة من معبودات الأمم السابقة، كقوم نوح.. منها: "سواع" بأرض ينبع، وقد قام بنو "لحيان" علي سدانته، واتخذت قبيلة "كلب" بمنطقة دومة الجندل: "ودا" واتخذت مذح وأرض: "جرشي" "يغوث" واتخذت.. قبيلة حيوان: "يعوق" واتخذت حمير: "نسرا"(10).
كان لانتشار عبادة الأصنام في جزيرة العرب، واختلاف أنواع وأشكال الأصنام من طواغيت وأشجار وأحجار مصورة وغير مصورة، أن سعت قريش لتأكيد سيادتها الدينية والتجارية ورغبة في جذب وفود الحجاج لمكة وما يدره ذلك من انتعاش للتجارة والارتباط بعلاقات طيبة مع القبائل حتي تستطيع أن تحمي طرق تجارتها المارة عبر الصحراء فأقامت حول الكعبة ثلثمائة وستون صنما حيث وضعت قريش أصنام القبائل الشهيرة حول الكعبة حتي اذا أتوا مكة وزاروا الحرم وجدوا معبوداتهم فأولوها احترام وتقديسهم، وكان لوضع هذه الأصنام حول الكعبة جانب آخر هو انتعاش تجارة الأصنام في مكة حيث يأتي الحاج الي مكة ويعود حاملا معة صنما يتعبد له فكانت تجارة رائجة. الدعوة والأوثان جاءت الديانة الاسلامية بدعوة أساسية للتوحيد ـ توحيد العبادة لله ـ والتنزيه ـ تنزيه الله عن كل نقص ـ لذا دخل القرآن والرسول الكريم في جدل مع معتقدات المشركين لتغييرها فنجد القرآن يدلل علي عجز آلهة العرب قال تعالي قل هل في شركائكم من يبدأ الخلق يم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأني تؤنكون "قل هل من شركائكم من يهدي إلي الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي الي الحق أحق أن يتبع أم من لايهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون" (يونس 34ـ35) فهذه الآلهة التي أنتم لها عاكفون لاتستطيع أن تبدأ الخلق ولاتستطيع أن تهدي للحق فكيف تكون لها العبادة من دون الله الذي يبدأ الخلق ويهدي الي الحق.بل انهم يعبدون مالا يضرهم ولا ينفعهم ويتعللون أن هذه الأصنام تشفع لهم عند الله (نفس السورة) ويدعون أنها تقربهم الي الله (من سورة الزمر3).
لقد اعترض المشركون علي توحيد الآلهة والعبادة لإله واحد (ص5 ـ وحذرهم القرآن من العذاب ولكن بشرهم أيضا بالفوز في الآخرة، وكانت قريش في طوافها بالكعبة تقول: "واللات والعزي ومناة الثالثة الأخري فانهن الغرانيق العلي وان شفاعتهن لترتجي»، كما كانوا يقولون: «بنات الله وهن يشفعن اليه.. فيناقشهم القرآن " أفرأيتم اللات والعزي ومناة الثالثة الأخري ألكم الذكر وله الأنثي تلك اذن قسمة ضيزي ان هي الا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان" (النجم 19 ـ 23)،
وكان من مبرراتهم أن الله لوشاء أن لايعبد غيره فهو قادر علي فعل ذلك ويرد القرآن، أنه ما علي الرسل الا البلاغ (انظر: النحل 35).
فالعرب تتملكها طبيعة تجسيدية للآلهة ففيما يروي عن الحارث بن مالك " ونحن نسير مع النبي (ص) اذا شجرة عظيمة خضراء من جانب الطريق قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط فقال لهم رسول الله(ص) الله أكبر الله أكبر، قُلتم والذي نفس محمد بيدة كما قال قوم موسي: اجعل لنا الها كما لهم ألهة قال انكم قوم تجهلون.. (الآية). انها السنن سنن من كان من قبلكم"(11)،
وقد عرض القرآن لقصص عديدة من الأمم السابقة لاعطاء الأمثال والعبرة. فنجد قصة ابراهيم مع أصنام قومه فهو يدعو الله أن يجنبه هو وبنية عبادة الأصنام في سورة ابراهيم (35 ـ 36) ويعرض القرآن لجدله مع أبية (الشعراء70 ـ 76) واقرأ جدل النبي صالح عليه السلام مع قومه ( الأعراف 190 ـ 197) وجدل موسي مع قومة.بل ان القرآن يتكلم عن الحوار بين المشركين والآلهة يوم القيامة حيث تتنصل الآلهة من الذين عبدوها من دون الله (يونس28 ـ 29). من هذا فان الدعوة الاسلامية رفضت تجسيد الآلهه سواء كان ذلك في شكل تمثال من الحجر المصور أوحجر غير مصور أو شجرة أو بيت يقدس ورفضت الدعوة الاسلامية تعدد الآلهة ودعت الي التوحيد والتنزيه لله خالق الكون بمخلوقاته وهذا هو موقف الدعوة الاسلامية النظري في مرحلة الضعف، ذلك الموقف الذي تغير في مرحلة قوة الاسلام وقوة شوكته فسعي لهدم الأصنام والقضاء علي هذه العبادة وذلك الشرك... وبالتالي ما يترتب علي هذه العبادة من صناعة للتماثيل وما يقوم عليها من تجارة وكانت رائجة في مكة، ففي فتح مكة سنة (8 هـ 629م)"
دخل المسلمون مكة، وسار رسول الله الي الكعبة وطاف بها سبع مرات، ثم أمر بإزالة التماثيل والصور وتحطيم الأصنام وخرج المسلمون الي القبائل المحيطة يحطمون الأصنام ليعلوا كلمة الدعوة الاسلامية. في النحت نصوص القرآن يستدعي الحديث عن موقف نصوص القرآن من النحت والتصوير الحديث عن العجل الذي صنعه قوم موسي من حُليهم وغضب الله عليهم بسببه، وبنو اسرائيل كانوا يريدون أن يكون الله مجسدا أمامهم ويذخر القرآن بآيات جدلهم مع موسي عليه السلام "أتوا علي قوم يعكفون علي أصنام لهم قالوا ياموسي اجعل لنا إلها كما لهم آلهه" (الأعراف 13، فهذه النزعة الحسية التجسيدية لله بالاضافة الي الغواية التي تعرضوا لها جعلتهم يصنعون من حُليهم عجلا جسدا له خُوار" واتخذ قوم موسي من بعده من حُليهم عجلا جسدا له خُوار" (الأعراف 14 فالقرآن لم يعترض علي صنعهم العجل بل الاعتراض علي اتخاذهم للعجل المصنوع الها يتعبدون له من دون الله، ويدعم هذا الاستنتاج تكملة الآية والتساؤل " ألم يروا أنه لايكلمهم ولا يهديهم سبيلا" فهذا التساؤل واستخدام لفظ اتخاذهم، الذي تكرر أيضا في الآية (الأعراف 152).. ان القرآن لم يرفض تصويرهم وصنعهم للعجل بل رفض اتخاذهم له اله من دون الله. القرآن يحدثنا في جانب آخر عن فضل الله علي النبي داود عليه السلام بأن سخر الله له الجبال والطير وكذلك " ألان الله له الحديد " وذلك بأن يلين له من غير احماء في النار، واستطاع داود أن يعمل سابغات ـ وهي دوروع كاملة ـ واستطاع أن يعمل قدرا من السرد ـ السرد نسيج الدروع وهو عبارة عن تداخل الحلق بعضها في بعض، والمعني دبر نسجها بتقدير مناسب لتكون متقنة مُحكمة (سبأ10 ـ 11)،
ويتحدث القرآن علي فضل الله علي النبي سليمان عليه السلام " يعملون له مايشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات" (سبأ 12 ـ 13) والمحاريب ـ أبنية عالية ـ تماثيل ـ وصور ـ جفان كالجواب ـ وصحاف واسعة كالحوض ـ وقدور راسيات ـ ثابتات حيث توضع لعظم حجمها"(12).بل من فضل الله علي عيسي عليه السلام أنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله(آل عمران49)وأيضا والله من أسمائه اسم المصور ( الحشر 24) فهو المصور لكل المخلوقات التي نعلم عنها والتي لانعلم.والله كذلك هو الذي يصورنا في الأرحام (آل عمران60) والله هو خلقنا وصورنا(الأعراف110)لم يقف الأمر عند خلقنا وتصويرنا بل لقد أحسن الله تصويرنا (غافر64). هناك جانب آخر لموقف القرآن من النحت والتصوير وهو تلك الصور والمشاهد البلاغية العظيمة التي يزخر بها القرآن فيعرض قصص الأنبياء ومشاهد العذاب والأمثال التي ضربها، لأن صناعة العرب الأولي هي الكلام، فكانت معجزة محمد ((ﷺ)) من جنس تفوقهم كما حدث مع الأمم السابقة ورسلهم وأنبيائهم، ولأن النحت والتصوير لم يكن لهما دور عند العرب فلم يكن الأعجاز في التصوير المادي كما فعل داود وسليمان وعيسي بل اعجاز الاسلام في التصوير البلاغي ذلك الجانب الذي يحتاج الي دراسات كثيرة لكشف هذه الصور وتلك المشاهد في القرآن وبناء علي ما سبق فإن القرآن لم يرفض النحت ولا التصوير بل رفض اتخاذها وسيلة لصنع آلهة تعبد من دون الله فلم يذكر التماثيل في موضع نهي عن صنعها بل ذكر الأصنام الأنصاب والطواغيت وهي بعض أدوات الشرك بل وذكر الآلهة بالاسم كا للات والعزي ومناة.......الخ"
وذكر القرآن أن الله قد تفضل علي بعض رسله وأنبيائه بتيسير صنعهم للتماثيل والمحاريب والدروع وألان لهم الحديد وأسال لهم عيونا من النحاس ويسر لهم أن يخلقوا من الطين كهيئة الطير والله هو المصور الأعظم الذي صور كل مافي الوجود. الصور والتماثيل في الكعبة والقائلون بأن الدعوة الاسلامية حرمت النحت والتصوير يستندون أساسا علي الأحاديث المنسوبة للنبي، وليس علي آيات القرآن الكريم إلا بطريق غير مباشر. فبدءا بمسألة اخراج الصور من داخل الكعبة بعد فتح مكة عام (8 ه ـ 629م) حيث يورد البخاري (194 ـ 256/813 ـ 875)م في باب الحج " أن رسول الله ((ﷺ)) لماقدم، أبي أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأُخرجت فأخرجوا صورة ابراهيم واسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله ((ﷺ)) قاتلهم الله أما علموا أنهما لم يستقسما بها قط فدخل البيت فكبر في نواحية" نجد هنا ابن عباس يشير إلي أن ما أُخرج تصوير العرب النبي ابراهيم وولده اسماعيل وفي أيديهما الأزلام والتي قد رفضت الدعوة الاسلامية الاستقسام بها واعتبرتها رجسا من عمل الشيطان، ويعيب النبي علي مشركي العرب تصوير نبي الله يفعل شيئا لم يفعله وينافي الدعوة الاسلامية. بل هناك رواية يرويها الأزرقي ت (223 هـ 842م) تعطي تفصيلا أكثر فيقول عما بداخل الكعبة في فتح مكة: جعلوا في دعائمها صور الأنبياء، وصور الشجر وصور الملائكة فكان فيها صورة ابراهيم خليل الرحمن شيخ يستقسم بالأزلام، وصور عيسي بن مريم وأمه، وصور الملائكة عليهم السلام أجمعين فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله ((ﷺ)) فارسل الفضل بن عباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب وأمر بطمس تلك الصور فطمست. قال: وضع كفيه علي صورةعيسي بن مريم وأمه عليهما السلام وقال: امحوا جميع الصور الا ماتحت يدي فرفع يديه عن عيسي بن مريم وأمه ونظر الي صورة ابراهيم فقال:قاتلهم الله جعلوه يستقسم بالأزلام مالإبراهيم وللأزلام"(13). وتذكر الرواية أن هاتين الصورتين ظلتا بالكعبة بعد ذلك فترة من الزمن " عن ابن عائد المغازي أن صورتي عيسي وأمه عليهما السلام بقيتا حتي رآها من أسلم من نصاري غسان فقال: انكما ببلاد غُربة فلما هدم الزبير البيت ذهبتا فلم يبق لهما أثر"(14) ويورد الأزرقي بسنده عن وجود تمثال لعيسي وأمه وظلا الي عصر ابن الزبير وكان سنة (63 هـ 684م) (15). هذه الروايات باختلاف مصادرها تُشير الي جزء مشترك هو محو الرسول((ﷺ)) كل ما له صلة بعبادة الأصنام وماهو موضع تقديس من دون الله ولم تُشر من قريب أو بعيد لتحريم صنع التماثيل ولا الصور بل لاستخدامها كما ورد عن تعليق النبي((ﷺ)) علي تصوير العرب لابراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالأزلام وكان ذلك يدعم عبادة الأصنام والشرك اللذين جاءت الدعوة الاسلامية للقضاء عليهما. الأحاديث والتصوير من الأحاديث التي تروي عن عائشة رضي الله عنها ما يرويه البخاري " انها اشترت نمرقة ـ الوسادة الصغيرة ـ وبها تصاوير فقام النبي ((ﷺ))بالباب فلم يدخل، فقلت أتوب الي الله مما أذنبت قال: ماهذه النمرقة؟ قلت لتجلس عليها وتوسدها؟ قال إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة: يقال لهم أحيوا ماخلقتم، وان الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصور"(16) ويتضامن مع ذلك ما روي عن ابن عباس: "لاأحدثك الا ما سمعت من رسول الله ((ﷺ)) يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتي ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه فقال: ويحك أن أبيت الا أن تصنع فعليك بهذا الشجر: كل شيء ليس فيه روح". هذان الحديثان يثيران عدة مسائل منها: عذاب المصورين يوم القيامه ومسألة عدم دخول الملائكة بيتا فيه صور ومسألة أمر الله المصورين باحياء ماخلقوا. > بالنسبة لمسألة عدم دخول الملائكة بيتا فيه صور نعرض لموقف الامام محمد عبده في أسلوبه الرشيق في الرد علي ذلك حيث قال: " اذا أردت أن ترتكب بعض السيئات في محل فيه صور طمعا في أن الملكين الكاتبين، أو كاتب السيئات علي الأقل لا يدخل محلا فيه صور، كما ورد في حديث الملائكة لا تدخل فيه كلب ولاصورةفإياك أن تظن أن ذلك ينجيك من احصاء ما تفعل فان الله رقيب عليك وناظر اليك حتي البيت الذي فيه صور ولا أظن الملَك يتأخر عن مرافقتك اذا تعمدت دخول البيت لأن فيه صورا". > وعن المسالة الثانية يقول " إذا أردت حديث " أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " أو ما في معناه مما ورد في الصحيح فالذي يغلب علي ظني أن الحديث جاء في أيام الوثنية وكانت الصور تُتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول اللهو والثاني التبُرك بمثال من تُرسم صورته من الصالحين والأول ممايبغضه الدين والثاني مما جاء الاسلام لمحوه والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للاشراك به فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور ولم يمنعه أحد من العلماء مع أن الفائدة في نقش المصاحف موضع نزاع أما فائدة الصور فلا نزاع فيه" (17). وبالنسبة لنقطة أمر الله للمصورين أن يحيوا ماخلقوا "معناه أن الله تعالي يظهر للمصورين عجزهم يوم القيامة تمهيدا لعقابهم علي مساعدة الناس بتصاويرهم علي عبادة غيره" سبحانه وتعالي. هناك حديث آخر أورده البخاري في أحاديثه، أن عائشة قالت: " قدم رسول الله ((ﷺ)) من سفر وقد سترت سهوه (الطاقه) لي بقرام (الستر) فيه تماثيل فلما رآه رسول الله ((ﷺ)) تلون وجهه وقال: ياعائشة أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت: فقطّعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين "لأن المشركين كانوا يعلقون الصور وينصبونها للتعبد فلما جعلت منه وسادة استعملها النبي ولم يبال بالصور التي فيها لأنها محاكاة لخلق الله تعالي" (1. ومن يقول ان علة تحريم التصوير واتخاذ الصور هو محاكاة خلق الله تعالي يلزمه تحريم تصوير الشجر والجبال والأنهار والأرض والشمس والقمر والنجوم والآلات والأدوات والدوائر والخطوط....الخ ولم يحرموه وكلها من خلق الله فالرفض الأساسي هو رفض عبادة المنحوتات والاشراك بالله. نقطة أخري وهي أن الصور والتماثيل قد تكون مظنة العبادة ولذلك فدرءا للمفاسد جاء تحريمها، لكن الامام محمد عبده يقول ردا علي ذلك " ان لسانك أيضا مظنة الكذب فهل يجب ربطه مع أنه يجوز ربطه ومع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن يكذب "(19) ان الأحاديث السابقة اعترضت علي مضاهاة خلق الله أي تجسيم الله في صورة جسم وعذاب المصورين الذين يقومون بذلك وهي دلالات كلها دينية مرتبطة بعبادة الأصنام. بل يروي أيضا عنها "أن النبي ((ﷺ)) قَدم عليها من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (الطاقة) ستر فهبت الريح فكشفته عن بنات لعائشة (لعب) فقال: ماهذا ياعائشة؟ قالت: بناتي، رأي بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال ماهذا الذي أري وسطهن ؟ قالت فرس قال وماهذا الذي عليه؟ قالت أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة: قالت: فضحك رسول الله ((ﷺ)) حتي بدت نواجذه" (20). الموقف الكلي من هذه الأحاديث هو كما صيغ " ان علة ماورد من الأحاديث أمر ديني محض يتعلق بصيانة العقيدة من لوازم الشرك وشعائره اذ لم يكن يعهد في صدر الاسلام وقبله اتخاذ العرب للصور والتماثيل الاللعبادة، كالذي كان علي الكعبة الشريفة فأزاله النبي ((ﷺ)) يوم فتح مكة، والنحت والتصوير عند عرب الجاهلية لم يكن فن وأداة التعبير الفني والحوار الاجتماعي كما كان فن الشعر مثلا ولم يكن أداة في خدمة العلم ونقل المعرفة والخبرات كما كان الشعر، أو كما كان النحت والتصوير عند حضارات سابقة مثل الحضارة المصرية القديمة وكذلك بلاد اليونان والرومان بل ان المنحوتات والتصاوير عند العربي الجاهلي أصنام وأوثان تُعبد من دون الله واذا كان الاسلام قد نهي عن عبادة الأصنام فمن الأولي أن ينهي عن صناعتها. المسلمون نحتوا وصوروا خوفا من عودة العرب لعبادة الأوثان نجد عمر بن الخطاب" رضي الله عنه يقطع الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان خوفا أن يقدسها المسلمون، حيث كان من ألهتهم الشجر أيضا ونجد المسلمين حينما اتجهوا للفتوح وانتشارهم في بقاع الأرض لنشر الدعوة الاسلامية، دخلوا بلدانا كانت لها تماثيل ومنحوتات مثل ماكان للحضارة المصرية وقصور الفرس والروم، بل من ملوك الوثنيين من أسلم وكان يمتلك منحوتات ذهبيه فأرسلها هدية لخزانة الكعبة حيث يورد الأزرقي في أخبار مكةعن أحد ملوك التبت الذي أسلم وكان له صنم من ذهب يعبده في صورة انسان فوضع في خزانة الكعبة (21 ). سعي الحكام والأغنياء من المسلمين الي تزيين بيوتهم بالصور والمنحوتات والزخارف فيذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب أنه كان في دار الخلافة العباسيه في أيام " المنتصر المتوفي (284هـ 862م) صور ملوك جملتهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك وشيرويه بن أبرويز وكانت القصور تزخر بالتماثيل والمنحوتات كما هو الحال في تماثيل السباع بقصر الحمراء في غرناطه بالاندلس. في فارس كان لهم تراث فني قديم ولذلك ازدهر التصوير والنحت في المدرسة الفارسية للفن الاسلامي وكذلك المدرسة الهندية المغولية، ولم يزدهر في المدرسة العربية للفن الاسلامي وللدولة الفاطمية أثار فنية فابن قتيبة يذكر في في كتاب عيون الأخبار أن " عبدالله بن زياد صور في دهليزه كلبا وأسدا "بل كانت هناك منافسات يقيمها الأمراء والوزراء بين المصورين (22). مع النهضة الحديثة أصبح للتصوير والنحت دور ابداعي ووسيلة من وسائل التعبير الفني فأصبح لصنع التمثال أهداف أخري غير العبادة فالي جانب النواحي الجماليه للابداع فهناك أهداف أخري لعمل التماثيل " تجعل منها تعبيرا عن معان ومضامين ورسالة سامية من الفنان نحو مجتمعه وحضارته منها تخليده لذكري الرموز التي صنعت الحضارة، والتعبير عن قدرات الانسان الابداعية في شتي المجالات العلمية والعلوم الانسانية والطبيعية، تسجل حركة نمو وتطور الحياة برؤي فنية مقصدها قيمة جمالية وتوثيقية للشعوب فقد كانت التماثيل والصور شواهد علي الحضارات القديمة نُقلت من خلال التماثيل والمنحوتات الشاهدة علي عظمتهم. أصبح للرسم دور علمي وتعليمي حيث استخدم في نقل المعارف كما استخدم في رسوم التشريح لدراسة الطب. وأصبح للرسم والتصوير والنحت دور تربوي حيث الصور أقرب لذهن الأطفال والتلاميذ وحثهم علي التعبير عن أفكارهم وبث المعاني والقيم المطلوبة فيهم. وقد اندفع المسلمون يطوعون هذه الفنون وتلك الوسائل في التعبير عن ذواتهم وتجسيد قيمهم في المرحلة الحديثة وازدهرت فنون النحت والتصوير. > الحديث هنا عن عرب الحجاز وليس عرب الجنوب في اليمن حيث كانت لهم حضارة وفنون مادية من نحت وتصوير، كشفت عنها أبحاث الأثار وان لم تكن كثيرة.
===============
(1) سيد محمود القمني ـ الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الاسلامية ـ دار سينا للنشر ـ القاهرة ط (1) ـ 1990م.
(2) ابن هشام ـ السيرة النبوية ـ ج (1) المكتبة التوفيقية ـ القاهرة ـ تحقيق د.محمد فتحي السرجاني ـ ب ص59.
(5) الأزرقي ـ أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ـ تحقيق رشدي الصالح ملحس ـ ج (1) دار الثقافة بيروت لبنان مطابع دار الثقافة مكة المكرمة ط (3) 1979ص 126.
(6) حسن ابراهيم حسنـ تاريخ الاسلام ـ ج(1) مكتبة النهضة المصرية ـ ط(13)1991ص60 وص 61.
(7) ابن الكلبي ـ عن جواد علي ـ المفضل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ ج (6) دار العلم للكلايينـبيروت ط(3) 1980ص66. ( الأزرقي أخبار مكة ص 125.
(9) حسن ابراهيم حسن المرجع السابق ص61.
(10) حسن ابراهيم حسن المرجع السابق ج(1)ص62.
(11) الأزرقي المرجع السابق 130.
(12) أحمد حنفي نصار القوصي ـ المصحف المفسرـ دار وهدان للطباعة والنشرـ القاهرة ـ 1970ص563 ـ 564. (13) الأزرقي ـ أخبار مكة.
(14) أحمد تيمور ـ عن حسن الباشا التصوير الاسلامي في العصور الوسطيـ دار النهضه العربيةـ القاهرة ـ 1959 ص11.
(15) الأزرقي ـ المرجع السابق ص117.
(16) رواه البخاري في باب من كره القعود علي الصور من كتاب اللباس.
(17) محمد عبده ـ الصور والتماثيل فوائدها وحكمها الأعمال الكاملة ج2 تحقيق محمد عمارة ص205. (1 محمد رشيد رضا مجلة المنار 3ذي الحجة 1320هـ.
(19) محمد عبده الصور والتماثيل فوائدها وحكمها ـ المرجع السابق ص205.
(20) رواه أبو داود والنسائي: ولقد استنبط البعض من هذه الأحاديث حُرمة النحت والتصوير لما له روح وأباح ما ليس له روح وكذلك اباحة لعب الأطفال مثل فقه السنة للشيخ سيد سابق ج3 ص 369 وهذا الموقف يقوم علي تناقض فكيف تباح لعب الاطفال اليست تصور ماله روح أيضا.
(21) الأزرقي المرجع السابق ص225.
(22) محمد عبد الجواد الأصمعي المرجع السابق ص15.