السبت، 11 أبريل 2026

لطلبة العلم خآصَّة(جديد 👇)

 لطلبة العلم خآصَّة(جديد

👇)
(جواب أبي الحسن السليماني على مؤاخذات_ المدخلي السابق_ عبدالمالك رمضاني)
بسم الله الرحمن الرحيم
(تمهيد)
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّهُ من خَلْقِهِ وخليلُه، أما بعد:
فقد وقفْتُ على ثمان مؤاخذات، سجَّلَها عليَّ أخونا عبدالمالك #رمضاني –حفظه الله- وشَنَّعَ وجَدَّع، وحَرَّف وأسْرَف، وسَلَكَ –وللأسف- مَسْلك الغلاة في التجريح، مع إظهاره البراءةَ من منهجهم ومَشْرَبِهم!! وقد كان الظن به مِنْ عَدَدٍ ممن لهم به معرفة خلافَ ذلك، أما أنا فلم أكنْ أعرف عنه إلا خيرًا؛ لسكوته وعدم خوضه فيما يخوض فيه الخائضون، والأصْلُ حَمْلُ المسلم على السلامة.
فلما وقفْتُ على مؤاخذاته؛ ظهر لي منه ما كان مخبوءًا، وانكشف لي من أمره ما كان مستورًا، ولله الأمر من قبل ومن بعد!!
فكتبْتُ هذا الجواب على مؤاخذاته، ودَحْر الكثير من تُرَّهاته وتخليطاته، وكشفْتُ الغطاء عن مسالكه التي سلكها؛ ليقوّي حجة الغلاة الطائشين، والظلمة الخسافين من هذه الفرقة الباغية!!
وسيظهر هذا بجلاء -إن شاء الله تعالى- في مواضعه من هذا الكتاب، وخلاصة ذلك:
أولًا: أنه ينتزع الكلمة من كلامي -التي يظن فيها ما يدل على مراده- من سياقها وسباقها ولحاقها؛ فيُظْهرها غايةً في الفُحْش والقُبْح، ولو ذكرها في سياقها؛ لم تكن كذلك، وهذا مخالف للأمانة العلمية أولًا، ومجانبٌ للعدل والإنصاف ثانيًا، ومجلبة لسوء الظن بفاعله ثالثًا، وعلى نفْسها جَنَتْ براقش!!
ثانيًا: أنه يُهمل القيود والاحترازات التي في كلامي، فيُطْلِق لنفسه العنان، وينسب إليّ من البهتان الذي تدفعه هذه الاحترازات، ولو تمهّل أو تأمّل؛ لرأى في كلامي ما يردُّ على إطلاقه، ولكن نَفَسه الحادَّ في الردِّ حال دون رؤية الصواب، وفي هذا دليل على سوء الفهم، وقد يكون ناتجًا عن سوء القصْد!!
ثالثًا: تقديمه لما تأخر من كلامي، وتأخيره لما تقدَّم أيضًا، فيأتي بسؤال قُدِّم إليَّ في آخر اللقاء التليفزيوني معي، والذي يُعوِّل عليه في تسويغ أحكامه الجائرة عليَّ، ثم يأتي بكلام في أول اللقاء أو في أوائله، ويجعل هذا جوابًا لذاك!! غير مبالٍ بأثر السياق في فهم الكلام.
رابعًا: جَزْمُهُ بالحكم عليّ بالانحراف بسبب مخالفتي له في مسائل اجتهادية، اختلف فيها من سبقنا من العلماء، بل أنا مُتَّبِعٌ فيها لقول عددٍ منهم، ومعلوم أن الخلاف في مسائل الاجتهاد غير الـمُجْمَع عليها؛ لا يسْتحق المبالغة في النكير، ولا التبديع والتشهير!!
خامسًا: تقحُّمُه وتهجُّمه على ما في سريرة قلبي، فيقول: قصَدَ بقوله كذا؛ كذا وكذا، وأراد بكذا؛ كذا وكذا، ولم يفعل كذا عن ديانة وعقيدة، إنما فَعَله عن رغبةٍ أو رهبة ...!! وهذا بعينه أَوْسَع بوابات الزيغ عند غلاة التجريح، الذين يتظاهر الرمضاني بذمِّ منهجهم، ونقض طريقتهم!!!
سادسًا: تَلمُّسُه للبراهين التي تُسوِّغ للغلاة حُكْمهم الجائر عليَّ بالتبديع والهجر، ونعْيُه عليهم: كيف يشتغلون بالرد عليّ بأدلة غير كافية لما يذهبون إليه، وما في ذلك اللقاء يكفيه ويكفيهم، أي في التبديع والهجر، فكيف يُسمّيهم غلاة في التجريح، ويعيب عليهم حالهم، ثم يدلُّهم على ما يستدلون به على كلامهم فيَّ؟ فإذا كان كلامهم صحيحًا لكن أخطأوا في الاستدلال؛ فلماذا يصفهم بالغلاة في التجريح؟! وعلى ذلك فهو كما قال القائل:
وما أنا إلا من غُزَيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غُزَيّةُ أَرْشُد!!
سابعًا: تفسيره لأحداث غيْبيَّة، لم يحضُرها، ولم يتكلم مع أهلها –وأنا منهم- ثم يحملها على أن الدافع لي ولغيري هو كذا وكذا من الانحراف والضلال، وقصْد الفتنة، والركض إليها.
ثامنًا: إطلاقه عبارات -على طريقة الغلاة- بدون قيْد أو زمام، كقوله عنِّي: "هذا رجل متحرر من الدين والعقيدة والأخلاق والعادات"!! وهذا حال أهل الكفر لا البدعة فقط!! وكقوله عن ذاك اللقاء: "لقاء في غاية السوء" مع أن هذا لا يُقال إلا في شرٍّ محقَّق (كُفْرًا كان، أو بدعة كبرى مناقضة للمعلوم من الدين بالضرورة ... ونحو ذلك) وسَلَفُه في ذلك: هم الذين يُظهِر الرمضانيُّ البراءةَ من طريقتهم!!
وعلى كل حال: فلا يَغْتَرُّ عاقلٌ بكثرة الغلاة الظلمة الجهلة، وقد قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين" (3/307): "والجاهل الظالم يخالفك بلا حُجة، ويُكَفِّرك أو يُبدِّعُك بلا حُجَّة، وذنْبُك: رغبتُك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة؛ فلا تغتر بكثرة هذا الضَّرْب؛ فإن الآلاف المؤلَّفة منهم لا يَعْدِلُون بشخص واحدٍ من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم" اهـ.
وفي صفحات هذا الكتاب النبأ اليقين، والخبر الفصْل الجزْل على أن هذه المؤاخذات ذهبَتْ أدراج الرياح {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.
هذا، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.
كتبه/
مقدمة
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، ومن بتركة نبيِّه وآثار السابقين اقْتَفَى واكْتَفَى، أما بعد:
 فقد وقَفْتُ على ثمان مؤاخذاتٍ -حسب تسمية كاتبها- انتقدها عليَّ أخونا عبد المالك الرمضاني الجزائري -حفظه الله- وذلك بعد وقوفه على مقابلة تليفزيونية معي على قناة "النيل الثقافية" بمصر -وإن كان قد ذَكَرَ أن المقابلة هذه كانت على "قناة الرحمة"- وقد ذكر -حفظه الله- أنه فوجئ بما ذَكَرْتُ في ذلك اللقاء -أيْ لشناعة ما قُلتُ في نظره!! حتى قال -حفظه الله-: "وساءني جدًّا جدًّا" يعني ما سمعه مني في ذلك اللقاء، وقال: "على معرفتي القاصرة بالشيخ المأربي؛ ما كنتُ أظن أنه بتلك المثابة، بتلك الأجوبة التي روَّعَتْنِي جدًّا، لقاءٌ في غاية السوء"!!!
قلت: سَيَظْهر للقارئ الكريم -إن شاء الله تعالى- بعد وقوفه على جوابي -تامًّا غير مبتور، وبسياقه ولحاقه دون تقديم أو تأخير-!! على هذه المؤاخذات والاستدراكات: هَلْ ما صَدَرَ مني كان مُرَوِّعًا حقًّا جدًّا جدًّا، وفي غاية السوء -كما يَدَّعِي الرمضاني-!! أم لا؟
 والحقُّ ضالةُ المؤمن؛ حيثما وَجَدَها أَخَذَها، والرجوعُ إلى الحق خير للعاقل من التمادي في الباطل، وصَديقُك مَنْ صَدَقَك لا من صَدَّقك في كل ما تقول، والمعاند للحق كمن يَنْطَح الجبالَ برأسه، فيضُرُّ نَفْسَهُ والجبالُ جبالُ!! وأعوذ بالله من أن أَدَعَ الحقَّ على عِلْمٍ وبصيرة، أو أُوثِرَ عليه هوىً مُتَّبَعًا، وليستْ هذه بأُولى الانتقادات الموجَّهة إليَّ من أقوام أكبر وأشهر من أخينا الشيخ عبد المالك -حفظه الله- وقد وقَفْتُ منها موقفًا -من توفيق الله لي- حَمِدَهُ الكثيرُ من العقلاء، وأما الغلاة الظالمون فلا عبرة بموافقتهم فضلاً عن مخالفتهم!!
وقد ظَهَرَتْ ثمارُ هذه الأجوبة العلمية خلال عدة سنوات، وآتتْ أُكُلَها بِكَسْر شوكة الغُلُوِّ، ودحْر صَوْلة الغلاة؛ حتى أَضْحَى كثير من حَمَلةِ هذه الأفكار يتوارَوْن بها، ولا يُظْهِرون حقيقة قولهم في كثير من المجالس، وإذا أرادوا أن يسألوا أهل العلم؛ لم يفصحوا عن حقيقة مشْربهم، واستعملوا عمومات وإطلاقات؛ لينتزعوا من العالم كلاما عامًّا، ثم هم ينزلوه بعد ذلك على من شاءوا، وقالوا: هذه فتوى فلان في فلان!! و "إذا لم تستحْي فاصْنَعْ ما شئتَ" !!
وقد فاءَ بهذه الأجوبة كثير من طلاب العلم إلى منهج الوسطية والاعتدال -حقًّا لا ادِّعَاءً وتشبُّعًا- كما هو حالُ الكثير ممن يظنون أنهم -في هذه القضايا- على صراط مستقيم، وصَدَقَ القائلُ: والدعاوَى إن لم تُقيموا عليها بيناتٍ فأبناؤها أدْعياء!!
*(الجواب على المؤاخذة الأولى)*
 وكان ينبغي -إن لم يَجِب- على أخينا الشيخ عبد المالك الرمضاني -حفظه الله- إذا كانت معرفته بي قاصرة -كما صرَّحَ بذلك- أن يكتفي برد القول الذي يراه خطأ مني دون تجريح القائل، ودون خوْضٍ أو غوصٍ في نيته وسريرته؛ فإن الكلام في الأعيان عامة فرعٌ عن معرفتهم، ودراسة طريقتهم ومنهجهم، والوقوف على ما أمكن من كلامهم ومواقفهم؛ حتى يَعْرِف المـُتكلِّمُ حالَ من سيتكلم فيه، وهل هو صادقٌ في البحث عن الحق، أو متلاعبٌ، مفتونٌ بالأتباع والأطْماع؟ وهل له مؤلفات تَكَلَّم فيها حول ما دار في ذلك اللقاء من كلام، أم لا؟ وهل الخطأ الذي صدرَ منه خطأ في صُلب العقيدة، وفي مسألة أجمع العلماء –سلفًا وخلفًا- فيها على خلاف قوله، أو أنه خطأ في مسألة اجتهادية، اختلف فيها قَبْلَهُ أهلُ العلم؟ وهل السبب في خطئه هذا سبْقُ لسان بتعبير غير دقيق، لا سيما وأن اللقاءات التلفزيونية والأشرطة المسجَّلة يكثر فيها سَبْقُ اللسان، وسوء التعبير، والعبارات غير الدقيقة المحررة، أم أنه خطأ قد ظهر فيه انحراف صاحبه، ونُوقش في ذلك، وأصرَّ على انحرافه، أو لهذا الخطأ أخوات وأمهات...؟! إلى غير ذلك من أسئلة لابد منها، فقد كان ينبغي لمن لم يعرف الشخص أن لا يتكلم فيه بعينه بصفة عامة -فضلًا عن غوْصِه وخَوْضِه في نيته وقصْده وسريرته ومراده، إنما يكتفي -عند قصور معرفته بحقيقة الشخص- بأن يقول: القول الفلاني خطأ بدليل كذا، وهذا -وللأسف- ما لم يُوفَّق له صاحب هذه المؤاخذات!!
هذا كله لو سَلَّمنا أن انتقاد صاحب هذه المؤاخذات صحيح معنىً ومَبْنىً، فكيف إذا اتضح للقارئ أنه جانب الصواب -إن لم يَكُن في كل مؤاخذاته الثمانية؛ فعلى الأقل في أكثرها، وأهمّها- وفي هذه الصفحات الخبر اليقين -إن شاء الله تعالى-.
 أضِف إلى ذلك أنَّ المعترِض بهذه المؤاخذات قد وقع فيما فرَّ منه، فقد قال -حفظه الله- في سياق السبب الذي حملَهُ على عدم الخوض في الفتنة التي أثارها غُلاة التجريح في هذا العصر -وعلى رأسهم الشيخ ربيع المدخلي وجلاوزته وجلَّادوه أحْسَن الله لنا ولهم الخاتمة- ضِدِّي، فقال الشيخ الرمضاني -بارك الله فيه-: "السبب الأول كما ذكرتُ: أنني لا أعرف الشيخ معرفة جيدة؛ زارني في بيتي مرة واحدة، ولقيتُهُ بعدها مرة أو مرتين فقط، لقاءً عابرًا، ولا يَحسُن بالمسلم أن يَدْخُل في شيء لا يُحسِنه، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ولقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
قلت: فهل عندما تكلم فيَّ الشيخ الرمضاني الآن في مؤاخذاته هذه قد عرفني معرفة تامة، أم لا زالت معرفته بي قاصرة؟ فإن قال: قد عرفتك معرفة تامة؛ فكيف تمَّ هذا بسبب ما سمعه من كلام لي في لقاء مدته عدة دقائق، ولم يقرأ لي كتابًا أو يسمع لي شريطًا -كما هو ظاهر كلامه-؟! وإن قال: لا زالتْ معرفتي بك قاصرة؛ فلماذا تكلم فيَّ الآن، وكان يرى أن الصمت والسكوت أسْلَمُ لدينه وللأدلة القرآنية التي ذكرها؛ لقلة معرفته بي؟!!
فيسْكتُ أولًا لقصور معرفته بي، ثم يطعن فيَّ أخيرًا، مع أن معرفته بي لا زالتْ قاصرة!! أليس في هذا الجمع بين النقيضين؟!
ثم هَلْ اتصل بي الشيخ -حفظه الله- وقال: يافلان، ما حمَلَك على القول الفلاني؟ وما دليلك عليه؟ ومن سبقك إليه من أهل العلم الموثوق بهم، ونحو ذلك؟ وهل عرف جوابي على كل ذلك؟ وهل هو جواب مقبولٌ أم لا؟ أم أنه حذَّر مَنْ سأله عن الدراسة في معاهد ومدارس ومراكز وحِلَق العلم في "رابطة أهل الحَدِيْث باليمن" لأني فقط رئيسُها؟ هَلْ عرف الكُتُبَ التي تُدرَّسُ في هذه المعاهد والمدارس والمساجد والحلقات التابعة للرابطة، أم لا؟ وهل هي كتب أهل السنة الموثوق بهم أم لا؟ وهل الدعاة وكبار طلاب العلم في الرابطة يأخذون بكل ما قلْتُ في ذلك اللقاء، ويسيرون حسب قولي فيه وفي غيره حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، أم أنهم طلابُ علم لا يُقلِّدون دينهم آراء الرجال، مهما عَلَتْ رُتْبتهم وعَظُمَتْ في نفوسهم منزلتهم إلا بالدليل؟
وهل ما جاء في تلك الحلقة التليفزيونية يُدرَّس في شيء في مساجد "رابطة أهل الحَدِيْث" أم لا؟ وإذا كان الرئيس لأي عمل أو مؤسسة -إذا سلَّمنا أنه قال قولًا يُنْكَر عليه- فهل يُحذَّر من كل المساجد والمعاهد التي يُدرِّس فيها إخوانُهُ وطلابُه في طول اليمن وعَرْضِها أم لا؟!
وإذا كان هذا فَهْم الشيخ الرمضاني، فهل حذَّر من الدراسة في كل المساجد والمراكز التي يُشْرِفُ عليها طلابٌ مُقَلِّدون تقليدًا فاحشًا للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، والشيخ رمضاني نفْسُه يصفهم بـ"الغلاة في التجريح"؟ أم أنه كال بمكيال المطففين، ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم ذاك السائل الذي أفتاه الشيخ رمضاني بعدم الدراسة في كل مدارس الرابطة، هَلْ عرف الشيخ حقيقة أمره، وأنه لا يَدْرُس في مدارسَ أهلُها أشدُّ انحرافًا من رئيس الرابطة -لو سلمنا بقول الرمضاني- أم لا؟ كُلُّ هذه أسئلة -وأضعافُها- يَرِدُ في هذا المقام!! وبالجواب عليها بطريقة علمية متينة يظهر حال أخينا عبدالمالك، والله المستعان.
 وقد ذَكَر الشيخُ عبد المالك رمضاني -حفظه الله- السبب الثاني في نَأْيِهِ عن الخوض في الخصومة والردود التي كانت بيني وبين أولئك الغلاة في التجريح، فذكر أحوالًا مشينة حَصَلَتْ في تلك الخصومة -والأمر كذلك- لكن مؤاخذتي عليه -سلمه الله- في هذا الموضع: أنه جعل الغُلُوَّ والشطَطَ والإسرافَ في الخصومة قد وقع من الجانبين، فقال -حفظه الله- "إن الخصومات التي كانت بين الشيخ المأربي وغيره بَلَغَتْ شيئًا من الغلو من الجانبين، غلوًّا شديدًا: بحيث عَمَرَتْ أوقات الناس"... إلخ. فإذا كان الشيخ -حفظه الله- معرفته بي قاصرة، فكيف يَعُدُّني ممن غلا غلوًّا شديدًا في الخصومة؟ فهل قرأ ما كَتَبْتُ؟ أو سَمِع ما سَجَّلْتُ؟ أو سألني ولو مرة واحدة خلال هذه السنوات المتعاقبات -كما وصفها حفظه الله- ونصحني أو ذكَّرني بالله، أو وَعَظَني لأتْرُكَ الغلوَّ الشديدَ في الرد؟ وقد لا يجب عليه هذا، أما وهو يَعُدُّ الجانبين -وأنا أحدهما- قد غلا كلٌّ منهما غلوًّا شديدًا؛ فكان من المتعيَّن عليه أن يَعْرِفَ كلامي وردودي المقروءة والمسموعة، ولا تكفي معرفته تلك القاصرة بي!! لأنه الآن وقع فيما وقع فيه من يَذُمُّهم ويَصِفُهم بالغلاة في التجريح، فقد عدَّني ممن غلا غلوًّا شديدًا، مع معرفته القاصرة بي!!
وهناك مؤاخذة يسيرة عليه في هذا المقام: إذ كيف يقول: "بَلَغَتْ شيئًا من الغلو" ثم يقول مباشرة: "غُلُوًّا شديدًا"؟! فأُحِبُّ لأخينا -حفظه الله- أن يكون دقيقًا في عباراته، ولعله ذَكَرَ مؤاخذاته هذه مسجِّلا إياها في الشريط -فإني لم أرها إلا مُفرَّغةً في أوراق- وتسجيل المادة في الشريط لا تُحرَّر فيه العبارة بدقة في بعض الحالات!!
ثم ها أنذا أذكر لك -أيها الشيخ الفاضل- ماذا قالوا فيَّ، وماذا قُلتُ فيهم، وهذا أمر شائع ذائع لا يحتاج إلى تكلُّف إثباته، فما سأذكره قَطْرة مِنْ مَطْرة مما وقع من أولئك الغلاة المسرفين، وبعد اطلاعك يا أخانا على ذلك -ولا أستبعد أنك قد اطلعْت على الكثير من ذلك- فاحْكُم بعد ذلك: هَلْ الغلو الشديد وقع من الجانبين أم لا؟ علمًا بأن ما سأذكره عني وعنهم موجود في الكتب والأشرطة، ومعلوم لدَى الكثير ممن اطلع على هذه الخصومة، وما جرى فيها!!
فقد قالوا عني: إنني رافضيٌ خبيثٌ، أسبُّ الصحابة -رضي الله عنهم- بل وأنني على الإسلام أَضَرُّ من اليهود والنصارى، وأن النصارى أشْرَفُ من أبي الحسن؟! وأن الدجال لو ظَهَرَ فأول من سَيَتْبَعُه هم أصحابُ أبي الحسن!! وأن أبا الحسن أَضَرُّ على الإسلام من فرعون، وأن أبا الحسن مبتدعٌ ضالٌّ، وليس من أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!! وأن أبا الحسن كذاب مراوغ، وحزبيٌّ مُتَسَتِّر، وإخوانيٌّ مُنْدَسٌّ بين السلفيين، ويقول بمقالات أهل البدع في الموازنات، والـمُجْمَل والمفصَّل، وخبر الآحاد... وأن عند أبي الحسن بضْعًا وعشرين أصْلًا فاسدًا من أصول أهل البدع، إلى غير ذلك مما شاع وذاع عنهم!!!
وكانوا ولا زالوا يمتحنون الناس بأبي الحسن -كما ذَكَرْتَ أيها الشيخ الفاضل في مؤاخذتك الأُولى عليَّ- وأن من بَلَغهُم أنه زارني، أو كَلَّمني؛ قاطعوه وهَجَروه، بل يَهْجُرون من لم يَهْجُرْني، ومن لم يهجر من لم يهجرني.. إلى نهاية هذه السلسلة الكهربائية، التي من أخذ حِلْقَةً منها؛ صُعِقَ!! ويحذِّرون الناس مني في خطبة عرفة -كما ذَكَرْتَ في مؤاخذتك- ومنهم العربي والأعجمي ومن لا يعرف لي عينًا ولا أثرًا، ولا سمع بي قط- وكذلك في خُطَب الجمعة والجماعات والكلمات والمحاضرات، في مسجد، أو عزاءٍ، أو زواج... إلى غير ذلك مما أشار إليه الشيخ الرمضاني نفسه.
وأما كلامي فيهم: فأقول: إنهم غلاة في التجريح، وأنهم أهل جرح وتجريح، وليس عندهم تعديل إلا لمن كان على مَشْرَبهم، وأنهم مُسْرِفون في الجرح -دون أهلية لذلك- لمن يظنون أو يزعمون أنه منحرف، وإن كان أقْوَمَ منهم قِيلًا وأهدى سبيلًا، وأنهم طائشون مُسرفون، لا يَفْقَهون فِقْهَ تزاحم المصالح والمفاسد، وفقه المآلات، وإن فهموه؛ أنزلوه على أصحابهم، وأما من يخالفهم؛ قالوا: فلان قد فَرَغْنا منه، لكنهم مع ذلك هم –عندي- من جملة أهل السنة والجماعة، وأنهم وإن خالفوا أهل السنة في جوانب معينة؛ إلا أنهم لا زالوا في دائرة السُّنَّة، وأن الله قد نفع بهم في جوانب عِدَّة في اليمن وغيره، بخلاف تلك الجوانب التي انحرفوا فيها عن الجادة، وأنني كثيرا ما أدْعُو لهم في صلاتي ومواطن إجابة الدعاء -زمانًا ومكانًا- بأن يغفر الله لهم ظُلْمَهم وبَغْيَهُم عليَّ، بل أدعو الله أن يُبَدِّل سيئاتهم حسنات، وهذا مما اسْتَنْكَره عليَّ بعضُ من يجالسني، وكم اتصل بي أناسٌ تابوا من طريقتهم الفاسدة، وأرادوا أن يتحلَّلوا منِّي؛ فكان جوابي على كل منهم: لقد سامَحْتُك قبل أن تطلب مني، وعفوتُ عنك، وأنا لم أكن أعرف من أنت، ولا زلْتُ لا أعرفك، لكني أجاهد نفسي لأسير على سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي ذكر نبيًّا من الأنبياء –عليهم السلام- شجَّهُ قومُه، فكان يغسل الدم عن وجهه، ويقول: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون"!! ( ).
وأقول: لو عاملناهم بأصولهم التي أحَدْثُوها؛ لبدَّعْناهم وأخرجناهم من دائرة أهل السنة -كما يفعلون بنا- لكن نعوذ بالله أن نَضِلَّ أو نَزِلَّ أو نَجْهل، وجُلُّ جُهدي في هذه المحنة حَشْدُ الأدلة والآثار السلفية على إظهار مخالفتهم وانحرافهم عن السنة في هذه الجوانب، وإنما قمتُ بهذا لأن الشبهات خَطّافة، والقلوب ضعيفة، وأدعو أبناء الأمة إلى لزوم منهج العلماء، القائم على الوسطية والاعتدال -حقًّا لا ادّعاءً وتَشَبُّعًا- وكُتُبي ورسائلي موجودة منشورة، فجزى الله خيرًا من بيَّن لي خطئي فيها؛ لأرجع عنه قبل الممات.
فهل بعد هذا كله: يليق بالشيخ عبد المالك -حفظه الله- أن يقول: الغلو الشديد وقع من الجانبين؟ دون أدنى إشارة إلى الـمُحِقِّ أو المـُبطل منَّا، أو على الأقل: دون أدنى إشارة إلى من هو أَقَلُّ غلوًّا وانحرافًا من الجانبين، فهل هذا حَكَمٌ تُرْضَى حَكُومتُهُ؟!!
 ومما ذَكَره الشيخ الرمضاني -حفظه الله- في المؤاخذة الأولى: أنه نَعَى على هؤلاء الغلاة في التجريح الذين أَشْعَلوا الدنيا ضِدِّي قيلًا وقالًا... إلخ. لماذا يَكْثُر حديثُهم عن خبر الآحاد، والمجمل والمـُفصل، والموازنات -وهي جملة ما اعترضوا به عليَّ ظُلمًا وجهلًا- ، ولماذا يَضْطَّرون إلى اختراع قواعد في المجمل والمفصل، والموازنات، ويُخْرِجُون من دائرة السنة من لا يقول بقولهم، ثم قال: "كلام ما له لُزوم!! ذاك اللقاء -يعني اللقاء الذي كان معي في "قناة النيل" بمصر- كان يكفي: قيل، قال، قيل، قال، وَنُضيِّع أنفسنا، ونُضيِّع إخواننا" ثم قال: "أنا كفاني ذلك اللقاء؛ لهذا ما أخَذْتُ أَبْحَثُ عما قالوا فيه، وهذا سَبَبُ جوابي لمن سألني: كيف تَذْهَب إلى الرابطة، وتتعلَّم عندهم، وتدْرُس في معاهدهم، وعندهم أشياء خطيرة جدًّا، فاليوم أنت طالبُ علمٍ، وغدًا يُلقُونَك في أحضان الثورات التي ليس فيها إلا إراقة دماء المسلمين". اهـ.
والجواب على هذه الفقرة من وجوه:
الأول: معلوم أن الغلاة في التجريح المقلِّدين للشيخ ربيع المدخلي- حفظه الله وختم لنا وله بخير وستر- يَحْكُمون بإخراجي من دائرة أهل السنة، بل وإخراج كل من لم يَحْكُم بإخراجي من دائرة السنة -ناهيك عن إخواني وطلابي ومن هو قريب مني- ويستدلون على ذلك بكلام باطل، قد رددتُ عليهم زُورَهم وباطِلَهُم بكتبٍ مُصَنَّفةٍ، وأشرطةٍ مُسَجَّلةٍ، وكل ذلك منشور وذائع في السوق العلمية، ومن كان عنده من أهل العلم تعقُّبٌ عليها في كثير أو قليل، ومعه دليل على ذلك؛ فَفَوْق رأسي، وأرجع إليه راغمًا أنْفي، والحقُّ ضالةُ المؤمن، حيثما وجدها أخذها، سواءً من صديقٍ وليٍّ، أو عدوٍّ شَقِيًّ.
والشيخ عبد المالك -حفظه الله- يرى أن كلامي في هذا اللقاء كان يكفي هؤلاء الغلاةَ -أي في حُكْمِهم عليَّ، وهو بلا شك عندهم: إخراجي من دائرة السنة والجماعة!!
فما كان عليهم إلا أن يرجعوا إلى ما قلته في هذا اللقاء -حسب قول الشيخ الرمضاني- بدل اشتغالهم بكلامٍ لي اعترضوا عليَّ به، مثل: خبر الواحد، والمجمل والمفصل، والموازنات، فكأنه -حفظه الله- يقول لهم: لماذا تشتغلون -يا هؤلاء- بما ترونه أخطاء عند الرجل، وتُتْعِبُون أنفسكم في اختراع قواعد تُسوِّغ لكم الحكم على الرجل بما تحكمون به، وهو كونه مبتدعًا، خارجًا من أهل السنة، محشورًا في جملة أهل البدع الكبار والفتنة، ثم هو يَرْدُّ عليكم قولَكُم، وقد لا تظهر حجتكم بجلاء، فيبقى النزاعُ والسجال، والأخذ والردُّ والقيلُ والقَال بينكم، وفي هذا اللقاء من الكلام ما يكفيكم -أي في الحكم بما تَحْكُمون به على الرجل- هذا مع علمه -على الأقل- بأنهم يَحْكُمون عليَّ بأني خارج من دائرة أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة، أما أحكامهم الأخرى عليَّ؛ فلا أستبعد عِلْمَهُ بها، أو بكثيرٍ منها؛ لأن في كلامه الذي يَصِفُ به الحالَ الذي وصل إليه كل من الجانبين -على حدِّ تعبيره- من الغلو الشديد يدل على أنه إن لم يكن يعرف كل أحكامهم عليَّ؛ فعلى الأقل أنه يَعْرِف جُلَّها وأفحشها!!
وسؤالي الذي أُوَجِّهه لأخي الشيخ عبد المالك الرمضاني: هَلْ أنت تُقِرُّهم على أحكامهم فيَّ أم لا؟ فإن قال: نعم؛ فلا أَدْرِي ما هو الفرق إذًا بينه وبين الغلاة في التجريح -في هذا الباب على الأقل- وهو يُسميهم في مؤاخذاته بالغلاة في التجريح!! ثم أقول له: أتَحْكُم بهذا عليَّ لمجرد ما جاء في كلامي في ذلك اللقاء؟ -وإن كنتُ سأوضح للقارئ الكريم كيف صَدَرَ مني هذا الكلام، وما الذي حَمَلَني على ذلك، سواءً كان مقبولًا في نفسه أم لا؟ وسواءٌ كان مقبولًا عند القارئ أم لا؟ وسيتضح بإذن الله لمن قرأ ما في هذا الجواب بإنصاف، كم جَانَبَ أخونا الرمضانيُّ الصوابَ والأدبَ فيما ذهب إليه-!!! أما إذا قال: أنا لا أُقِرُّهم على حُكْمِهِم فيك؛ فظاهر كلامه يدلُّ على خلافه، وما سيأتي بعده من كلامه أوْضَحُ في إقراره لهم على حُكْمِهِم الجائر فيَّ!! فيؤسفني أن يَلْحق أخونا الرمضاني -حفظه الله- بركْب الشيخ ربيع وجلاوزته في مسائل تكْفي في بيان غلوِّ صاحبها في التجريح!!
الثاني: قال الشيخ الرمضاني: "أنا كفاني ذلك اللقاء؛ لهذا ما أخَذْتُ أبَحَثُ عَمَّا قالوا فيه".
فيقال للشيخ: ذاك اللقاء كفاك في ماذا؟! ولماذا اقْتَصَرْتَ عليه في عدم مطالبتك للغلاة في التجريح بالدليل على قولهم فيَّ؟ فهل كلام الشيخ هذا لا يدل -ولو بعد التأمل- على أنه يوافق الغلاة في التجريح على تبديعي وإخراجي من دائرة أهل السنة؟
أقولُ هذا ليتضح للقارئ ماذا عند الشيخ الرمضاني من رواسب الغلو التي لم يستطع التخلص منها بعد، وإلا فأنا لا أسْتَجْديه ولا غيْرَه –سواء كان أكبر منه أو أصغر منه- أن يَحْكُم لي بالسُّنة، فالسنة هي منهج أهل السنة الموثوق بهم، والذي طفَحَتْ به كتبهم، وهم كثير، ولله الحمد، ولذلك تبرؤوا من منهج الغلاة فيما انحرفوا فيه!! لكن الغلاة لا يقرؤون، وإذا قرأوا لا يَفْهَمون، وإذا فهموا لا يرْعَوون ولا يفيئون ولا يتأدبون -إلا من رحم الله- وليست السنة محصورون في منهج فلان أو فلان!! ولم أَكْتَرِثْ -ولله الحمد والمنة- بكلام من هو أكبر وأشهر وأعْتَى وأنْكى من الشيخ الرمضاني لما سلك هذا المسلك، وكان منحرفًا عن طريق الحق، لكن هذه الكلمات كشفتْ عن مخبوء أخينا عبدالمالك، والأمر كما قال من سبق:
وَمَهْمَا تَكُنْ عند امرئٍ مِنْ خَليقةٍ
وَإِنْ خَالَها تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ
الثالث:كون الشيخ -حفظه الله- يكتفي بذاك اللقاء في الحكم عليَّ بالخروج من دائرة أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة؛ فهذا أمرٌ يخصُّه، وهو الذي سيُسأل عن ذلك: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وإن كان يشقُّ عليَّ أن الشيخ عبد المالك -حفظه الله- يقول بقول الغلاة في التجريح -عندي وعنده- لأنه كان عندي مستورا، وإلا فما أكثر الذين قالوا بذلك فيَّ، ولا يضيرني إلا سوءُ عَملي، أو فسادُ قصْدي، وإلا فدائرة أهل السنة ليست حِكْرًا عليَّ ولا على الشيخ الرمضاني، فَنُخْرِجُ مَنْ شِئْنا، ونُدْخِل مَنْ شِئنا!! فالحكم الشرعي تبليغٌ وبيانٌ للشريعة، وله ضوابط، ولأهله صفاتٌ ومؤهلاتٌ، فمن أتى البيت من بابه -وإن أخطأ- فهو مأجور غير موزور، وهذا ما كُنْتُ أرجوه في أخينا الشيخ عبد المالك -أكرمني الله وإياه بالحسنى في الدارين- لكن الأمر كما قيل:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدركُهُ
تأتي الرياحُ بما لا تشْتَهي السُّفُنُ
الرَّابع: -وقد سبقَتْ الإشارةُ إليه- هَلْ يلزم مما وقف عليه أخونا الشيخ عبد المالك الرمضاني من ذلك اللقاء التحذيرُ من الدراسة في مدارسَ ومراكز ومعاهد "الرابطة" وهي بطول اليمن وعرضه، لمجرد أنني رئيسٌ للرابطة، فهل كان علماء السنة يُحذرون من كل المدارس االتي تُدرَّس فيها العلوم الشرعية في عدة تخصصات؛ لكون المؤسِّس أو الواقف لها، أو الناظر أو المشرف عليها، عليه بعض المؤاخذات -لو سلمنا بدعوى الرمضاني وسلفِهِ في ذلك- فهل حَذَّر علماء السنة من جميع المدارس النِّظَامية، مع أن المؤسِّسَ لها، والواقف لها الأوقاف هو نِظَامُ الملك، وهو أشعري في العقيدة، واشترط في الوقف أنها وقف على أصحاب الشافعي أصلا وفرعًا!! وعليه مؤاخذات كثيرة كتعظيم المتصوفة -على ما عنده من الفضل والمحامد والمواقف المشهودة في نصرة الإسلام وأهله، وفي نصح الولاة والدفاع عن العلماء وغير ذلك؟!( ).
وهل حذَّر العلماء بإطلاق راويًا من الأخذ عن رواة عُرفوا بالبدع المتفق عليها: كالتشيع والقَدَر والنصْب والإرجاء؟ وهم منتشرون في الكوفة والبصرة وخراسان والشام؟ ولو فعلوا ذلك؛ لضَاعَتْ السُّنن، وخَطَبتْ الدجاجلُة من فوق المنابر!!( ).
وهل حذَّروا من مدارس الأحنافِ لِما أُخِذَ على أبي حنيفة -رحمه الله- من مسائل عقدية مثل الإرجاء، والفتوى بالخروج على الحكام في زمانه، ومبالغته في إعمال الرأي، حتى سًمِّي الأحناف بأصحاب الرأي!! وغير ذلك( )؟
وهل حذَّر علماء السنة من كتب ابن حزم مطلقًا، أم حذروا مما أخطأ فيه فقط في المعتقد، ونَفْي القياس، ونحو ذلك، ومدحوه وكتبه فيما أصاب فيه؟
وهل حذروا من مدارس المالكية التي ملأتها كتب أبي بكر بن العربي، لما أُخذ على ابن العربي من مؤاخذات تراها في ترجمته؟
بل روى ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- أنه قال: "إذا خَرَج على الإمام العَدْل خارجٌ؛ وجب الدفْعُ عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره؛ فدَعْهُ؛ ينتقم الله من ظالمٍ بمثله، ثم ينتقم من كليهما، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾" وقال مالك -أيضًا-: «إذا بُويع للإمام، وقام عليه إخوانه؛ قوتلوا إذا كان الأولُ عدلًا؛ فأما هؤلاء -يعني أبا جعفر المنصور- فلا بيعة لهم؛ إذا كان بويع لهم على الخوف"!! يريد بذلك أن الناس بايعوهم مُكْرَهين، وهذا خلاف ما عليه جمهور السلف: من السمع والطاعة لمن تولى بقوته وقهره؛ دفعًا لمفسدة الفوضى وسفك الدماء!!
ففي هذا القول تسهيلٌ من الإمام مالك –رحمه الله- في عدم التصدي للفئة الباغية على إمام جائر، وهذا بخلاف القول المشهور عند أهل السنة بالتصدي للفئة الباغية، وإن كان المتولِّي جائرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.
وللإمام مالك قولٌ آخر بعدم الخروج على الإمام، وإن كان ظالـمًا جائرًا، وهذا القول منه –رحمه الله- موافق لما عليه السلف، ولعل قوله الأول كان قبل استقرار إجماع السلف على عدم الخروج على الإمام الجائر، والذي قويتْ شوكته ووطأته، فوجبت طاعته، ويُجاب عن مالك بما سبق من الجواب عن أبي حنيفة –رحمهما الله- ولا حجة في صنيعهما اليوم لخارجي؛ فقد استقر الإجماع على خلاف ما قالاه، والله أعلم.
لكن هل أطلق أحد من السلف الطعن في الإمام مالك لقوله الذي لم يُغْلِقْ فيه البابَ بالكلية في وجه من خرج على الإمام الظالم؟ أم اكتفوا ببيان خطئه في ذلك، مع انعقاد الإجماع على أنه من أئمة السنة أصلاً وفرعا؟ وهل حذَّر أحدٌ من مدارس المذهب المالكي لذلك؟ كما يفعل الغلاة وأذنابهم في زماننا؟
وهاهو الأزهرُ الشريف في مصر، وجامعاتُه ومعاهدُه ومدارسُه ومساجدُه منتشرة في مصر وغيرها من دول العالَم شرقًا وغربًا في هذا العصر، فهَلْ حذَّر علماء السنة كسماحة الشيخ ابن باز، والعلامة المحقق ابن عثيمين، ومحدث العصر الألباني -رحمهم الله جميعًا- وغيرهم من كبار علماء المملكة والعالم الإسلامي، هَلْ حذروا بإطلاق من الدراسة في مدارسه ومعاهده وجامعاته للتمشعر أو للتصوف الموجود فيه؟ أم أن العلماء حَذَّروا من يستطيع التمييز بين الغَثِّ والسمين مِنْ أَخْذ المسائل المخالفة للسنة فقط، وكذلك ما أخطأ فيه العالم من العلماء، مع الاستفادة منه، ومن كتبه ومدارسه في الجوانب المضيئة؟ كما قال سفيان بن سعيد الثوري في ثَوْر بن يزيد الكلاعي الشامي، الذي كان ثقةً ثبتًا في الحديث، لكنه يقول ببدعة القدرية، فقال سفيان كلمة تمثِّل منهجًا لأهل السنة في كثير من الحالات، حيث قال: «خُذُوا عن ثَوْرٍ، واتَّقُوا قَرْنَيْه»( )، وكما قالوا في قتادة بن دعامة السدوسي الذي كان يصيح بالقدر صياحًا -أي يدعو إليه- والأعمش سليمان بن مهران الكوفي الشيعي، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير المرجئ، والشعبي عامر بن شراحيل الذي خرج في فتنة ابن الأشعث، والذي قال: أصابَتْنَا فتنةٌ، لم نكن فيها بررةً أتقياءَ، ولا فجرةً أقوياءَ( )...»( ).
فهذا هو موقف علماء السنة ممن وقع في مقالة من مقالات أهل البدع الكبرى حقًّا، فكيف موقفهم ممن لم يقع في عُشْر مِعْشار ذلك بل وأقلّ: إلا مجرد الافتراء والتقوُّل عليه؟!
والذي أريده مِن سَرْد هذا وغيره -وهو كثير جدًّا في كُتب التراجم والتاريخ- أن أوضِّح أن منهج السلف فيه تفصيل، ويراعي مآلات الأمور، وفقه وتزاحم المصالح والمفاسد، أما الغلاة فمحرومون من هذا الخير، ومسلوبون نعمة الانتفاع بالعقل الراجح، ولذا تجد كلامهم لا خطام له ولا زمام، فالواجب على كلٍّ مِنَّا أن يَزِنَ نَفْسَهُ وكلامه ومواقفه وفتاواه بالأدلة الشرعية، وبما كان عليه جمهور سلف الأمة، وقواعدهم المطّردة، ولا تستفزَّه الأهواء، ولا ينخدع بمن يؤزُّه ممن حوله من الطلبة الفارغين العاطلين من العلم والأدب مع أهله؛ لأنه سيجني على نفسه ما لا تُحْمَدُ عاقبته، وعلى نَفْسِها جنتْ براقش!! والله أعلم.
 قال الشيخ الرمضاني في مؤاخذته الأولى: "وكان المذيع مُحنَّكًا جدًّا، ومُطَّلِعًا على الخلاف بين الجماعات، سأله: (إلى أي جماعة ينتسب)؟ فقال -أي المذيع- له: (أَوْقَعْتُم العقلَ المصري في حيرة: من يتَّبع؟! السلفيين، ولَّا الإخوان، ولَّا التبليغ، اقْعُدوا مع بعض، واجتمعوا كِدهْ، وشوفوا مَنْ الصَّحْ، وقولوا لنا، واحْنا نمشي وراكُم).
ثم نقل الشيخ عبد المالك الرمضاني جوابي عليه فقال: كلام الشيخ أبي الحسن: "جميل، نحن نُحِبُّ من العقل المصري أن لا يَسْمَعَ عنَّا من غيرنا، إنما يَسَمَع منَّا مباشرة".
فقال الشيخ عبد المالك: "تَعَجَّبْتُ أن الشيخ ما أجابه، والمذيع من حينٍ لآخر يُكرِّر عليه، والشيخُ المأربي يتَهَرَّب من الجواب، ويَتَهَرَّب وما أجابه، الرجلُ السلفيُّ لا يَسْتَحْيِي أن يقول: كُنْ سلفيًّا على الجادة، الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» ولما قال: «ستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة» قال: «كلها في النار إلا واحدة» قيل: من هي؟ قال: «الجماعة» أي الجماعة الموجودة ذلك اليوم منهم، وفي رواية قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» كان عليه أن يقول هذا الكلام: السلفيون الذين يُمثِّلُون هَدْيَ الصحابة -رضي الله عنهم- وهَدْيَ الرسول صلى الله عليه وسلم هم معروفون اليوم، يُبَيّنُ لهم، لكن ما أراد أن يُجيب، هذه مؤاخذة، حتى أن المذيع اعترف في الأخير بأن السلفيين ما عندهم مراوغات، لكنه مع الشيخ المأربي رأى شيئًا آخر، فقال له: (أنا مع ضيف دبلوماسي مناور)!!
ثم قال الشيخ عبد المالك -حفظه الله-: "كلام مُقدِّم البرنامج: (حَضْرتك ما في سؤال أسألك إياه إلا بتفصِّلُه لي: وفيه رَأْيُ كذا، وَرأْيُ كذا، وتُفَصِّله، فيه أغلب نجوم الفضائيات من دعاة السلفيين وفلاسفتها: ردودٌ واضحةٌ، وقاطعةٌ، وصادمةٌ في نفس الوقت، فأنا في هذا الوقت توَّرطْتُ مع ضَيْفٍ دبلوماسي ومناور) اهـ.
قلت: الجواب على هذه الفقرة من وجوه:
الأول: من وَقَفَ على سياق كلام الشيخ عبد المالك -حفظه الله- وطريقة عَرضِهِ لكلام مقدم البرنامج وجوابي عليه -والرمضاني يأتي بكلام من أول اللقاء، ويقفز إلى آخر اللقاء، ويترك جوابي الأول، ويجمع بين كلام لا صلة له ببعضه، وينسبه إليّ، وبعدُّه جوابي على السؤال الذي ليس له وجود إلا في مخيلة الشيخ الرمضاني فقط، كما سيظهر لك -إن شاء الله- بعد قليل!!! من وقف على عرض الرمضاني لكلامي؛ يَظُنُّ صِحَّةَ ما قال الشيخ عَنِّي، بأنني مراوغ، وأتهرب من الجواب على السؤال الصريح، مع كون المذيع يُكرِّرُ عليَّ السؤال من حينٍ لآخر، ومع ذلك فأنا أتهرب من الجواب -حسب دعوى الرمضاني التي لا أصل لها في الواقع-!! ولم أُجِبْ عن السؤال الذي سألني إياه مُقَدِّم البرنامج، بكل صراحة، وهو قوله لي: (إلى أي الجماعات تنتسب)؟!
ونظرًا لأن هذا اللقاء كان مُنْذُ عشْر سنوات، وقد نسيتُ كثيرًا من كلامي فيه- فضلًا عن ترتيب وسياق الأسئلة الـمُقَدَّمة إليَّ وجوابي عنها؛ فقد طَلَبْتُ من بعض إخواني أن يبحثوا لي عن ذلك اللقاء، وأن يكتبوه لي مُفرَّغًا في أوراق؛ لأعيد استماعه أو قراءته، فما كان فيه من خطأ مني؛ رجعتُ عنه، وشَكَرتُ لأخي الشيخ عبد المالك الرمضاني -أكرمه الله- انتقاده، دون تفسير أو تأويل لموقفه، فالناصح للمرء العاقل فيما أخطأ فيه أنفعُ له من كثير من الذين يَخْدمونه ويمدحونه ويُجلُّونه؛ لأنه يعينُه على تصفية ساحته، وبراءة ذمته، وعافيته من اتِّباع غيره له على ما خالف فيه الحق، خشية أن يَحْمِلَ وِزْرُه وَوِزْرَ مَنْ تَبِعَهُ إلى يوم القيامة ( ).
وما كان في ذلك اللقاء من حقِّ قد اعتراه سوءُ تعبيرٍ؛ رجعتُ عن اللفظ دون المعنى، وما كان فيه من حقٍّ؛ لكن ظَنَّ أخونا عبد المالك -حفظه الله- أنه ليس بحق؛ وضَّحْتُ له دليلي وبرهاني على ما أَرَى، والحقُّ ضالتنا جميعًا.
فلما رَجَعْتُ إلى اللقاء المفرَّغ المكتوب؛ وجدتُ الأمْر على خلاف ما نَقَله الشيخ الرمضاني -حفظه الله- تمامًا؛ فالشيخ ذَكَرَ في هذه الفقرة كلامًا كان في الدقائق الأخيرة من هذا اللقاء، واللقاء كان ساخنًا بيني وبين "مُذيع مُحنَّكٍ، ومُطَّلعٍ على الخلافات بين الجماعات" -كما وَصَفَهُ بذلك الشيخ عبد المالك- وقد سبق في الربع الأول من اللقاء -حسب ظني وتقديري- الكلامُ مني على الدعوة السلفية بوضوح، وبدون خَجَلٍ أو اسْتِحْياء -كما ظن ذلك الشيخ عبد المالك!! وإذا نقلتْ لك -أخي القارئ- الحوار بسياقه غير مبتور ولا مفصول بعضه عن بعض -كما فعل الرمضاني وللأسف!!!- سيظهر لك صِدْقُ ما أقول، لا ما يقول أخونا عبد المالك!!
فالمـُقدم قال: (نُرِيد أن نعرف ما هي السلفية)؟
فكان جوابي: "أما عن السلفية: فالسلفية ليست منهجًا بديلًا عن منهج الإسلام، وليست شيئًا في جانب والإسلام في جانب، والسلفية عبارة عن أن الإنسان يرجع في دينه وفي البلاغ عن الله -عز وجل- وفي ذِكْرِ الحلال والحرام إلى ثلاثة مصادر:
المصدر الأول: كتاب الله.
المصدر الثاني: سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.
ولما كان النصُّ قد يحتمل أَوْجُهًا، وقد أَخْتَلِفُ أنا وأنت في فهم هذا النص؛ فاحْتَجْنَا إلى ميزان نَزِنْ به هذه المفاهيمَ المختلفةَ، وقد طال العهدُ بآثار الرِّسَالَة الأولى -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فعند ذاك لابد من أن يكون هناك قَيْدٌ نفهم به هذه النصوص التي تحتمل أوجهًا، وللعلم أنه ليست كل النصوص تحتمل أوجُهًا، فهناك نصوصٌ مُحْكَمَة، ما فيها إلا قولٌ واحدٌ، مثلُ تحريم الزِّنى، وتحريم الرِّبا، وتحريم الظلم، وتحريم الجور، وتحريم الغِيبة... ما فيها أقوال، ولا تحتمل أوجُهًا، ولكن هناك نصوص -لا سيما في المسائل الاجتهادية- تحتمل أوجُهًا، فهنا اخْتَلَفَ النظرُ في فَهْمِ هذه الوجوه والمفاهيم، فما هو الـمُرجِّح؟ فنحن بين ثلاثة أمور:
إما أن نرجع إلى فهم السلف الصالح، وإما أن نرجع إلى فهم الخلف الذين لَحِقُوهم، وإما أن نرجع إلى فهمنا نحن معشر المعاصرين، والقول بأن الخلف يؤخذ بقولهم، وأما السلف فيُردُّ قولهم؛ قول لا يَشْهَد له النقْلُ ولا العَقْلُ، أولًا: لأن السلف يبتدئون بالصحابة -رضي الله عنهم- والصحابة عاشروا النبي -صلى الله عليه وسلم- وعاصروا تنزُّل القرآن، وعاينوا الأحداث والوقائع، كقول أحدهم: كنا نمشي في مسيرة كذا، أو في غزوة كذا، أي فَنَزَل كذا وكذا من القرآن-" (... ثم قاطعني مُقدِّم البرنامج!!).
فقال: (لكنهم لم يعيشوا في ظروف كظروفنا، ولا في أماكن كالتي نعيش فيها، لكنهم في مناخ مُخَتَلِفٍ تمامًا؟ وأنت قلت قبل قليل: بأنه عندما نتحدث عن الدين؛ نرجع إلى مصادره الثلاثة، لماذا الثلاثة، وهناك خمسة مصادر للتشريع، هناك القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والمصالح المرسَلة)... ؟ فَذَكَرْتُ للمُقدم أن القياس والمصالح المرسلة يرجعان إلى الكتاب والسنة، والقواعد المستنبطة منهما.. ثم رَجَعتُ إلى إتمام جوابي عن المصادر الثلاثة، وذكرتُ الأدلة على صحة فَهْمِ السلف، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ الناس قَرْني، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلُونهم» وذكرتُ له أن هذه الخيرية لهذه القرون ليْسَتْ لكونهم أطْوَلَ قامةً وأَجْمَل وُجوهًا، وإنما هذه الخيرية بسبب عُمْقِ فهمهم، وأفئدتهم البارة التقية، والمعرفة الصحيحة للكتاب والسنة، وبقَدْر قُرْبِ المتأخرين في الفهم من القرون الأُولى؛ فهم مَحْمُودون، وبِقَدْرِ بُعْدِهم؛ فهم مَذْمُومون... ثم أَجَبْتُ عن اعتراض المقدِّم بكون ظروفنا تختلف عن ظروف الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضَّلة، بأننا نرجع إلى أصلٍ آخر مُهمٍّ جدًّا، وهو: هَلْ الشريعة نزلتْ لعصر الصحابة فقط؟... إلى آخر كلامي.
أقول: فهل دفاعي هذا عن السلفية، وتقريري لضرورة الرجوع إلى فهم السلف عبارة عن هروبٍ من الجواب عن السؤال، وخَجلٍ واسْتِحْياء من الانتماء إلى السلفية، في الإجابة عن السؤال الذي وُجِّه إليَّ عدة مرات من الـمُقدِّم، كما يَدَّعي أخونا عبد المالك؟!
الوجه الثاني: لا أَدْرِي من أين فَهِمَ الشيخ عبد المالك -حفظه الله- أن المـُقدِّم سألني سؤالًا صريحًا، ومُفَادُهُ: (إلى أي الجماعات تنتسب)؟، فضلًا عن تكراره للسؤال عليَّ من حينٍ لآخر، ومع ذلك فأنا أتهرب عن الجواب ولا أجيب؟! فاللقاء موجود عند الشيخ -حفظه الله- وأطالبه بأن يُخْرِج للقراء أو المستمعين هذا السؤال منه بصوت مُقدِّم البرنامج: (إلى أي الجماعات تنتسب)؟ ويُخْرِج لي تَكْرارَهُ السؤالَ هذا عليَّ في عدة مواضع، ويُخرج جوابي بصوتي عن هذا السؤال!! فاللقاء المفرغ المكتوب عندي ليس فيه عن هذا السؤال شيء يُذْكَر في موضع واحد -فضلًا عن عِدَّة مواضع-!! ومع ذلك فإني أُنزِّهُ الشيخَ -حفظه الله- عن تعمُّد ذلك، بل لعله توهَّم ذلك؛ أو قلّد أحد طلابه الغلاة، فأوهمه وجود ذلك السؤال في اللقاء، والمرء إذا عَزَم على انتقاد أخيه بنفَسٍ حادٍّ، وكان قصْده تشويهه، ولم تبْق له حرمة في نفسه؛ يُحْرَمُ التأمل والإدراك لكثير مما يتكلم به، ومهما بلغ المرءُ من العلم، والتُّقى؛ فإنه غير معصوم من الوهم أو حرمان التوفيق، كما لا يخفى.
وأسْتَبعِد أن من فرَّغ لي اللقاء قد أَسْقَطَ هذا السؤال عمدًا أو توهُّما؛ لأنه لا حاجة له في ذلك، ولأن بقية الوجوه ستوضِّح أن الشيخ -حفظه الله- لم يُصِبْ في هذا الاستدلال أصلًا، وأنه أَكْثَرَ من هذا الصنيع، وهو: انتزاع كلمة من بين سياقها ولحاقها، والتقديم والتأخير للكلمات، ووضع الكلام في غير موضعه، ولم يتفطَّن للقيود الدقيقة التي تكلمتُ بها، وهذا جزاء من اعترض من أجل الانتقاد، ورحم الله البلقيني إذ قال في "مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح" (ص240): "ولكن الانتهاض لمجرد الاعتراض؛ من جملة الأمراض"!! اهـ.
ولو سلَّمنا أن السؤال الذي ذكره الرمضاني عن مقدِّم البرنامج موجود في ذاك اللقاء؛ ففي كلامي السابق جواب جليٌّ عنه، وليس الخجل والاستحياء اللذان حملاني على الهروب وعدم الجواب، بل أجَبْتُ بكل وضوح وثقة بسلامة منهج السلف!!
الوجه الثالث: أن مقدِّم البرنامج سألني عن الدعوة السلفية في الثلث الأخير تقريبًا من ذاك اللقاء، وذلك عندما رأى مني المنافحة عن السلفية، لا التهرب من الدفاع عنها، والخجل والاستحياء من الانتساب إليها، كما يَدَّعي أخونا الرمضاني دعوَى لا وجود لها إلا في مخْيلته!!!
فقد قال المذيع: ( كيف يَنْضَمُّ الإنسانُ إلى التيار السلفي، أو الحركة السلفية، هَلْ هناك طقوسٌ معينة)؟
فقلتُ له: "أنت نشَأْتَ سلفيًّا" (وذلك باعتبار أن أهل مصر مسلمون أهل سنة).
فقال: (بمفهومي)؟
قلت: "بمفهومك، ِمِشْ لابد أن يكون بمفهومي أنا" فقال: (وهذا شَرَفٌ لا أدَّعِيه).
فقلت: "إذا كنتَ لا تريد أن تكون سلفيًّا؛ فاخْتَرْ لنفسك أنت!! هَلْ أنت تأخذ بكتاب الله أم لا؟ وتأخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟ والعلماء عندك موضع إجلال واحترام، وفتاواهم موضع إجلال واحترام، أم لا؟ خلاص، هذه هي السلفية، وأنت بذلك سلفي، وانتهينا"!!
فقال الـمُقدِّم: (ما فيه طقوسٌ معينة)؟".
فقلت: "ليس هناك طقوس".
فقال: (ولا هناك بيعة)؟
ثم قال: (الإخوان فيه بيعة، وفيه انضمام، وفيه طقوسٌ معينة، وعدمُ الخروج عن رأْي المرشد العام).
فقلت: "نتفق الآن على السلفيين، السلفيون لا يدْعُون إلى بيعة، ولا يَدْعون إلى ولاء وبراء على فكرة معينة، إنما أهم شيء عندهم أن يتمسك الرجل بالكتاب والسنة، ويسير على قواعد أهل العلم".
فقال المقدم: (نَقْضُ العَهْد)؟ فقلتُ: "قد يكون بعض السلفيين يفعل هذا -أي أخْذُ العَهْد- أما أنا عن نفسي؛ فلا أرى هذا، لكن قد يكون بعض السلفيين يفعل هذا من باب مسائل إجرائية في الالتزام بما اتفقنا عليه.. إلى غير ذلك!!" اهـ.
قلت: فهَلْ يقف أحد على هذا الحوار، وبهذا السياق التام، ويقول: هذا المجيب يَسْتَحْيِي أن ينتسب إلى الدعوة السلفية؟! وكلما يُسْأل: "إلى أي الجماعات تنتسب"؟: السلفية أو الإخوان، أو التبليغ؟ فإنه يتهرب عن الجواب، ولا يُجيب على هذا السؤال الصريح، مع تكرار السائل لطرح السؤال، أي وإلحاحه على المسؤول، ومع ذلك لم يَظْفَر السائلُ من المسؤول المراوغ المناور بأي جواب؟! كل هذه الدعاوى المجردة صَدَرَتْ من الرمضاني، ذاك الرجل الذي يقول: هو سلفي يدافع ويغار على الدعوة السلفية!!، ومما قال: -إمعانًا في ظُلْمِه لي- "وأما السلفيون الآخرون فلا يَسْتحْيون من الجواب ..." إلخ.
فإن كان الشيخ عبد المالك سيراجع نفسه في هذه المؤاخذة؛ وإلا فالكلام مطروح مني ومنه على من وقف عليه من أهل العلم وطلبته، والله هو الهادي إلى سواء الصراط، لكن يجب أن يَعْلَم هو وغيره أنه قد أُتيَ من بَتْرِهِ الكلامَ، وعدم المبالاة بسياق الكلام ولحاقه اللذَيْن لا يُفْهَم الكلام إلا بهما، وأنه أَتَى بسؤال في بداية اللقاء، وبجواب على سؤال آخر في نهاية اللقاء، وجعل هذا جوابًا لذاك، وهذا حال مخالف للإنصاف والأمانة ولزوم منهج العلماء، والنصح لعباد الله!!!
الرابع: أما ما نقله الشيخ عبد المالك -حفظه الله- عن مقدم البرنامج وهو قوله: (أوقَعْتُم العقلَ المصري في حيرة).. إلخ. فهذا كلام ذَكَرهُ المقدِّم في الدقائق الأخيرة من اللقاء –وليس في هذا الموضع الذي ذكره الرمضاني- وبعد مناقشات ساخنة بيني وبينه طيلة اللقاء، والمذيع -كما هي عادة مقدِّمي البرامج الفضائية- يحرص على إثارة الخلاف بين الضيف وجمهوره والمخالفين لهم من طوائف المجتمع، فيسأل أسئلة تثير هذه الكوامن، ولِعِلْمي أن الإعلاميين فوجئوا بوجود الدعوة السلفية في المجتمع المصري، وبكثرة المحبين لها، وثِقِلِهم في البلاد، ولم يكن لها كبير ذِكْرٍ أو شَأن من قبل، ولم يكن هذا مما يرضيهم أو يُعجبهم -وإن كنت سمعتُ بعد ذلك عن ذاك المذيع أنه ليس على طريقة الإعلاميين المشوِّهين للدعوة، أو للعمل الدعوي- لما كان ظني قبل اللقاء كذلك عن الإعلاميين؛ فلم يكن هناك فائدة من ذِكْرِ كل ما أعرفه على الهواء في ذلك اللقاء، فكما قيل: ليس كلُّ ما يُعرَفُ يُقال، وليس كلُّ ما يُقال قد جاء وقْتُهُ، وليس كل ما قد جاء وقْتُهُ قد حَضَرَ أهْلُهُ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ -رضي الله عنه- لما قال له: «أفلا أُبشِّرُ الناسَ؟» أي بفضل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ فقال له: «لا تُبَشِّرْهم؛ فيتَّكِلُوا» ولما أَنْكَر عمر -رضي الله عنه- على أبي هريرة -رضي الله عنه- ذَهَابَهُ ليُبَشِّر الناسَ بنحو ذلك؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصديقًا لرأي عمر -رضي الله عنه-: «خَلَّهم يَعْمَلُون»( ) وبوَّب بعض العلماء -رحمهم الله- (باب جواز كتمان العلم للمصلحة)( ) فهل يلزمني أن أُجيب بكل ما أعْرِفُ إذا سألني سائل، قد غَلَبَ على ظنِّي -وإن أخطأتُ في التقدير آنذاك- أنه سيُوظِّف جوابي لإثارة خلافات وُترَّهَات بين العاملين في ساحة الدعوة، وإن كان بعضهم أقرب للحق من بعض، لكن المستفيد من الخلاف هُمْ مَنْ أعلنوا الحرب على الدعوة، إما عن بصيرة، أو عن جهل وتغرير وخداع، أو عن تأويل خاطئ؟
الخامس: كَوْنُ المذيع الذي كان يسألني قد تعوَّد على لهجةٍ معينة يجيب بها الكثير من نجوم الفضائيات من دعاة وفلاسفة السلفيين -حسب تعبير المذيع- وأن ردودهم واضحة وقاطعة وصادمة -حسب قول المذيع-: هَلْ يلزمني أن أَسْلُكَ طريقتهم حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة في الجواب؟ وأَذْكُرَ أجوبةً صادمة -كما وصفها المذيع- فأقول: فلان مبتدع ضال، والجماعة الفلانية من الفرق الهالكة، وإلا كنت مراوغًا متهربًا، لا أُجيب ولا أُوضِّح هَلْ أنا سلفي أم لا عند عبد المالك رمضاني ومن كان على شاكلته من الغلاة؟ الذين طاروا فرحًا بمؤاخذاته، ولم يكن له ذِكْرٌ عند أكثرهم في اليمن وغيره إلا عندما ردَّ عليَّ، لكن ما كان لغير الله –من تشنيع الغلاة بهذه المؤاخذات- لا يُبارَكُ فيه، وهذا الجواب على تلك المؤاخذات تَقَرُّ به عيونُ الصادقين الثابتين من أهل الحديث، وتَسْخَن به عيون الغلاة ومَنْ لَحِقَ بركْبهم!!
فالذي أراه: أنَّ الحق في ذلك: أن يُنظر إلى إجابتي على مقدّم البرنامج: هَلْ هي كافية شرعًا أم لا؟ فقد قررتُ في ذلك اللقاء أصول الدعوة السلفية، وأجَبْتُ عن شبهة ذَكَرها المذيع: إن عصر الصحابة يختلف عن عصرنا، فلا نُلزم بِفَهمِهِم، وذكرتُ أن حَمَلَةَ السلفية ليس لهم طقوس معينة -كالبيعة أو العَهْد- كما لغيرها من الجماعات -وإن تأثر بهم في ذلك بعض السلفيين- وأنها ليست منهجًا غير منهج الإسلام، أو بديلًا عنه، بل هي الإسلام بصفائه ونقائه، وذكرت الأدلة على ضرورة لزوم الخلف لمنهج السلف، فكون المذيع يرى بعد ذلك أن هذه دبلوماسية ومناورة؛ فَلْيَقُلْ المذيع وعبدالمالك وغيرهما ما شاءوا، المهم: هَلْ قلتُ الحقّ الذي يجب عليَّ أن أقوله في ذلك المقام، أم لا؟
ولو سلَّمنا أنني ما أجَبْتُ على سؤال المذيع؛ هل هذا يسوّغ لعبدالمالك رمضاني والغلاة إخراجي من السلفية، والحكم بتبديعي والدعوة إلى هجْري وهجْر من لم يهجرني ... وهلمّ جرًّا؟! أليس هذا هو مسلك الغلاة يا عبدالمالك؟!
لا تنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلهُ عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ!!
السادس: ما نقله الشيخ الرمضاني -حفظه الله- عن قول المذيع مستدلًّا به على عدم إجابتي عليه بالطريقة التي يجيب بها غيري من الدعاة، والتي يراها –وحدها- عبدالمالك الجواب السلفي!! فقال: (حَضرِتك ما فيه سؤال أسألك إياه إلا بِتْفصِّلهُ لي، وفيه رَأْيُ كذا، ورَأْيُ كذا، وتُفصِّلُه...) إلخ.
قلت: فما هو العيب في التفصيل لِـمَا يحتاج -في نظري إلى التفصيل، وإن سلمنا أنني أخطأتُ في التقدير- هَلْ هذا يكفي الشيخَ عبد المالك الرمضاني في إخراجي من السلفية، كما يقول الغلاة في التجريح، أو بعبارة أدقَّ: هَلْ هذا دليل من جملة ثمانية أدلة على ذلك؟!
ونظرًا لأني أعلم أن كثيرًا من الإعلاميين يحرصون على تشويه الدعوة السلفية، ويحصُرونها في لِحْيةٍ طويلة، وسواكٍ، وثوبٍ قصير، وحجابٍ كامل للمرأة كالخيمة!! حسب تعبيرهم!!
فلما قال لي المذيع: (اقعدوا مع بعض، واجتمعوا كِدهْ، وشوفوا من الصَّحْ، وقولوا لنا، وحْنا نمشي وراكم).
فقلت له: "جميل، ونحن نُحب من العقل المصري ألا يسمع عنا من غيرنا، إنما يسمع منا مباشرة".
فأردت بذلك أن أرد على من يُشَوِّه الدعوة السلفية، ويَسْمَع من خصومهم -إسلاميين وعلمانيين وغيرهم- إنما يلزمه أن يسمع من السلفيين مباشرة، وقلت له هذا الكلام في أواخر اللقاء بعد شرحي الـمُطَوَّل للدعوة السلفية، فهل في هذا هروب من الجواب أيها العقلاء المجردون من الهوى والحميَّة الجاهلية؟!!
ثم لماذا يَحْمَدُ الإسلاميون وغيرهم رئيسَ البلاد -وإن كان علمانيًا- إذا سُئل أسئلة يُراد من ورائها إيقاعُ المسؤولِ في فَخٍّ، أو توظيفُ جوابه في غير ما تُحْمَدُ عاقبته، فحاد في الجواب -مع أنني لم أَحِدْ في الجواب- فالناس يَصِفُونه بالفطنة، وأنه لم يتمكن الإعلاميون في استغفاله... إلى آخر، ولما لم يتمكن المذيع من تحقيق مراده مني في تشويه الدعوة؛ فَهِمَ الأخ الرمضاني أن هذه حِيدَةٌ وهروبٌ، وخَجَلٌ واستحياءٌ من الانتساب للسلفية!!!
يقول الرمضاني هذا كلَّه في رجُلٍ قد بُحَّ صوتُه وهو ينادي الناس في لزوم الخلف منهجَ السلف، وفي رجل تشهد كتبه ودروسه ومؤلفاته وطلابُهُ وجُلَساؤه مبْلغًا كريما في الانتصار لمنهج السلف: عقيدة، وحديثا، وفقها، وتربية، ودعوة، ودفاعا عن علماء هذه الدعوة: الأحياء منهم والأموات، ولولا بخْس الباخسين، وإهدار المسرفين؛ لما احتجْتُ لهذا الجواب، ولكنه من باب قوله تعالى –حاكيًا عن يوسف عليه السلام-: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾!!!
والواقع أن كلام المذيع هنا في طلبه جلوسَ الدعاة، واتفاقَهُم على قول واحد... إلخ. عبارة عن عَرْضٍ أو نصيحة أو اقتراح من المذيع، وليس سؤالًا يحتاج مني إلى جواب، كما لا يخفى، فمِنَ المعيب دعوى التهرُّب من الجواب، مع أنه خرج من المذيع مَخْرج العَرْض والاقتراح لا مخرج السؤال!!
(انتهى الجواب عن المؤاخذة الأولى بتوفيق الله ورحمته، ويليه -بمشيئة الله- الجواب عن المؤاخذة الثانية)
كتبه/ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
مدير دار الحديث بمأرب
ورئيس رابطة أهل الحديث باليمن

الجمعة، 10 أبريل 2026

رواية ياعلي لا يحبك إلا مؤمن مكذوبة

 #رواية_ياعلي_لا_يحبك_إلا_مؤمن_مكذوبة ((بقلم صهيب بوزيدي))


#ملاحظة: نظرا لطول المقال والحاجة إلى التركيز فيه كما أني ذكرت فيه كل ما عندي وليس لدي ما أضيفه فإني سأغلق التعليقات حتى يركز القارئ على المقال ولا يتشتت بالتعليقات فيترك أصل المقال وينشغل بالردود وهي تجربة سيئة تستنزف الجهد وتضطرني لإعادة تكرار ما كتبته في المقال ردا على المعلقين الذين لم يقرؤوا المقال أصلا وإنما اقتصروا على قراءة العنوان.
#نص_الرواية: ((قال عَليّ بن أبي طالب: والذي فلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسَمةَ، إنَّه لَعَهدُ النَّبيِّ الأُمِّيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَيَّ: أن لا يُحِبَّني إلَّا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضَني إلَّا مُنافِقٌ)) [رواه مسلم].
#قلت_صهيب: هذه الرواية مكذوبة لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا قالها علي بن أبي طالب وإنما هي مما دُسّ عليه وبيان ذلك بالتفصيل كالآتي:
#أولا_من_حيث_الإسناد: سند الرواية مداره على طريقين إحداهما طريق الأعمش عن عدي بن ثابت والأخرى عن طريق مساور الحميري عن أمه.
1 _ طريق مساور الحميري عن أمه ضعيف فكلاهما مجهولان كما ذكر الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال وهذا الطريق يضعفه حتى من يصحح الرواية فإنهم يصححون طريق الأعمش وهو المذكور في صحيح مسلم.
2 _ طريق الأعمش عن عدي بن ثابت وأبدأ بالأعمش.
أما الأعمش فمعروف أنه مدلس وربما دلس تدليس التسوية وهو أخطر أنواع التدليس كما أنه شيعي "ليس بمعنى التشيع الإثناعشري ولكنه شيعي وهذه الرواية فيها تشيع واضح" فإذا عنعن لا يقبل حديثه خاصة وأن له شيوخا من الشيعة والرافضة فكانوا يخشون إخفاءه أسماءهم في الرواية كأن يقول (عن فلان) وبينهما وسيط لم يذكره وذاك الوسيط قد يكون رافضيا لذلك يفرقون بين تصريحه بالسماع والعنعنة ولا يقبلون عنعنته إلا بشروط منها أن يروي عن الذين أكثر عنهم كأبي صالح فيغتفر تدليسه أحيانا أو يروي عن الأعمش شعبة فيضمن سماعه وفي هذه الرواية لم يقع لا هذا ولا ذاك فلا روى عنه شعبة ولا هو روى عمن أكثر السماع منهم "على ما في هذه الشروط من كلام ليس هذا موضع مناقشته ولكني أكتفي بقول الشافعي في الرسالة: (من دلس لنا مرة فقد كشف عن عورته في الرواية، فلا نقبل منه إلا التصريح بالسماع) قلت صهيب: وهذا الأقرب للعقل فالمدلس لا يوثق بروايته إلا إن صرح بالسماع إن كان ثقة وذلك لأن المدلس الثقة لا يكذب وإنما يواري لذلك سمي مدلسا فهو إن قال عن فلان ولم يسمع منه فإنه ما كذب إذ فعلا روى عن فلان ولكنه سمي مدلسا لأنه يوهم السامع أن الحلقة التي تليه في السند ذاك الفلان الذي عاصره فيتوهمونه سماعه منه مباشرة ولكنه لو قال سمعت فلانا فلم يعد هناك مجال للتدليس أو التورية وإنما إما أن يكون صادقا أو كاذبا صريحا"
بعض أقوال علماء الجرح والتعديل في الأعمش:
أ - قال الذهبي عنه: (( وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كـ إبراهيم -يعني: النخعي - وابن أبي وائل وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال)) [ميزان الاعتدال]
ب - قال ابن المديني: ((الأعمش كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء))
ج _ قال الذهبي: قال جرير بن عبد الحميد: ((سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشيكم هذا))
د _ قال ابن حجر في ترجمته ((سليمان بن مهران الاسدي الكاهلي الكوفي ورع لكنه يدلس)) [تقريب التهذيب]
قلت صهيب: اسم الأعمش الحقيقي هو سليمان بن مهران وهو من رواة الكوفة.
ه: قال أبو زرعة أحمد العراقي ((سليمان الأعمش مشهور بالتدليس ايضا)) [المدلسين ص 55]
و: روى ولد أحمد بن حنبل عن أبيه فقال ((2517 _ سمعته يَقُول قَالَ يزِيد بْن زُرَيْع حَدَّثَنَا شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَكَانَ وَالله خربيًا سبئيا وَالله لَوْلَا أَن شُعْبَة حدث عَنْهُ مَا رويت عَنْهُ حَدِيثا أبدا)) [كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل رواية ابنه عنه 2/342].
قلت صهيب وكلام يزيد بن زريع في الأعمش هو الأخطر على الإطلاق إذ أسوأ ما عند بقية الرواة وصف الأعمش بالشيعي والمدلس وسوء الخلق لكن يزيد بن زريع وصفه بالسبئي الخربي وهي تهمة خطيرة جدا لأن المراد بالسبئية هم الروافض الإمامية ولو عدنا لكتب الروافض الإثني عشرية نجدهم يوثقون الأعمش ويروون عنه في كتبهم المعتمدة.
ولمن لا يعرف يزيد بن زريع فليراجع تراجمع وأذكر مختصرا منها ما جاء في سير أعلام النبلاء للذهبي فقال ((قال أحمد بن حنبل : كان ريحانة البصرة، ما أتقنه، وما أحفظه. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة، إمام. وقال أبو عوانة الوضاح : صحبت يزيد بن زريع أربعين سنة ، يزداد في كل سنة خيرا . وقال بشر الحافي : كان يزيد بن زريع متقنا ، حافظا ، ما أعلم أني رأيت مثله ومثل صحة حديثه، قال يحيى بن سعيد القطان : لم يكن هاهنا أحد أثبت منه . قلت : وكان صاحب سنة واتباع)) ثم قال ((وقال ابن معين: ثقة مأمون وهو أثبت شيوخ البصريين)) ثم قال ((وقال ابن حبان: وكان من أورع أهل زمانه . مات أبوه ، وكان واليا على الأبلة ، فخلف خمس مائة ألف ، فما أخذ منها حبة - رحمه الله)) وقال ((وقال ابن سعد: كان ثقة حجة ، كثير الحديث)) وقال ((قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة)) [سير أعلام النبلاء 8/297].
ز: : قال ابن المديني عن الأعمش: كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء.
ي: وقال أحمد: في حديثه اضطراب كثير.
3 _ عدي بن ثابت:
أ _ قال الذهبي عنه: (وقال أبو حاتم : صدوق ، كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم).
قلت صهيب: والأخذ عن الشيعي فيما يوافق بدعته ومذهبه ليس مما يرتاح إليه العقل والمنطق إذ لا شك أن الحكم عليه بالصدق ليس بالاطلاع على صدره وخفاياه وإنما بالأخذ بظاهره والله يتولى السرائر فإن كان من قصاص الشيعة فإن ذلك مما يريب العاقل خاصة إن روى ما يوافق بدعته مما سيلي بيان شناعة متنه.
ب _ ذكره العقيلي (متوفى 322 هجري) في كتابه الضعفاء ونقل فيه أقوال عدد من الأئمة فقال ((1411 _ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَ عَنْ شِعْبٍ، وَالْمَسْعُودِيِّ يَعْنِي عَدِيَّ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ مِنَ الرَّفَّاعِينَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَقْوَلَ بِقَوْلِ الشِّيعَةِ مِنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ سُئِلَ يَحْيَى عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، فَقَالَ: كَانَ يُفْرِطُ فِي التَّشَيُّعِ)) [كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي 3/372]
قلت صهيب: والشاهد: أنه من الرفاعين ويفرِط في التشيع ولا يوجد من هو أقول بقول الشيعة منه كما أنه من قصاصي الشيعة.
ج _ قال عنه الدارقطني ((رافضي غال)) [المغني في الضعفاء 2/54]
قلت صهيب أي أنه من غلاة الروافض وليس فقط من الشيعة بالمعنى المخفف وإنما من الروافض بل غلاة الروافض وليت شعري كيف تقبل رواية الرافضي فيما يخدم مذهبهم ؟ فإن كان كذلك فهل نقبل بروايات الكليني والمجلسي والطبرسي والطوسي والمفيد والفيض الكاشاني والقمي والحر العاملي وابن مطهر الحلي ونعمة الله الجزائري ويوسف البحراني وغيرهم ؟
د _ قال الجوزجاني عنه ((مائل عن القصد)) [ميزان الاعتدال 3/68]
#ثانيا_من_حيث_المتن: بعد أن فرغنا من إعلال الرواية من حيث سندها فإن علة سندها غير كافية للحكم عليها بالوضع وإنما غاية ما فيها تضعيفها فما الذي حملني على وصف الرواية بالمكذوبة ؟ الدافع الأكبر علة المتن وهي كافية للحكم عليها بالكذب والوضع حتى ولو كان سندها مثل الشمس وإنما زدت بيان علة الإسناد لسببين الأول: لأن في علل الرواية ما يتكامل البرهان عليه بالاعتماد على ضعف الإسناد كأن أشير إلى تصنيف الرواية وأنها ينبغي أن تدرج في أهم الأصول لو صحت إذ يناط بها ثبوت الإيمان أو سقوطه فكيف يترك أمر مصيري كهذا لمثل هذا الإسناد وهذه علة المتن المقترنة بضعف الإسناد والسبب الثاني كي يطمئن قلب القارئ ويعلم بعد معرفته نكارة المتن مصدر الخلل والخطأ.
#العلة_الأولى: لو كان هذا الحديث صحيحا ((يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) لكان الخوارج خارجين عن ملة الإيمان إلى النفاق وكل منافق كافر وليس كل كافر منافق فالمنافق كافر يظهر الإسلام والخوارج أظهروا الإسلام وهم بلا شك يبغضون علي بن أبي طالب بل لا يقتصرون على بغضه وإنما يرون كفره ويستحلون دمه فهل كان علي بن أبي طالب والمسلمون يعتقدون كفرهم ؟
أ - لما قتل علي رضي الله عنه الحرورية ، قالوا : ((من هؤلاء يا أمير المؤمنين أكفار هم ؟ قال : " من الكفر فروا " قيل : فمنافقون ؟ قال : " إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا " قيل : فما هم ؟ قال : " قوم أصابتهم فتنة ، فعموا فيها وصموا)) [ مصنف عبد الرزاق (10/150 ) مصنف بن أبي شيبة( 15/332 ) وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (591-594 ) وسنن البيهقي( 8/174)]
قلت صهيب: قد يقول قائل إن تعارض مقتضى الأثر الأول بهذا فلماذا رددت الأول بهذا ولم تفعل العكس فترد الثاني لمعارضته الأول ؟ فعندها أقول: لأني أعلم أن المحتجين بذاك الحديث لا يردون هذا فإني ألزمهم بما التزموا به وليس شرطا أن ألتزمه، ثم بغض النظر عن صحة الأثر من عدمه فإن حجة الأثر مستمدة من القرآن لأن الله عندما وصف المنافقين قال ((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)) بينما الخوارج قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ((يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم...)) ويعرفون بكثرة العبادة.
بل أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم ((آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) وأما الخوارج فعُرف عنهم الصدق لذلك وثّق البخاري وغيره بعض الخوارج القعدة كعمران بن حطان الذي أنشد أبياتا يمدح فيها ابن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب وفي أي شيء يمدحه ؟ في قتله علي بن أبي طالب فقال وهو يمدح ابن ملجم قاتل علي:
"يا ضربة من تقي ما أراد بها...إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
أكرم بقوم بطون الطير قبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا" انتهى شعره.
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال ((قال أبو داود : ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج ، ثم ذكر عمران بن حطان ، وأبا حسان الأعرج)) [ سير أعلام النبلاء 4/214]
والشاهد أن حجية الأثر لا تقتصر على اسم قائله بل في منطقه المستقى من القرآن والسنة.
وللأمانة أقول: أنا صهيب أعتقد أن قادة الخوارج في أصلهم من المنافقين من قتلة عثمان أصحاب المؤامرة الكبرى الذين انقسموا إلى شيعة وخوارج فيما بعد ولكن ذلك لا يمنع وجود كثرة من المغفلين من أتباعهم لذلك فاحتجاجي هذا يكون على مجملهم فهم بالآلاف أما القادة وقلة الناس فهؤلاء قد يتكلفون عناء النفاق لأجل خطة استخباراتية محكمة وهو ما يعرف بالجواسيس النائمين فقد يكثرون من العبادة ويُظهرون الصدق فلا يكونون من المنافقين العاديين وإنما من أخطر أنواع المنافقين الذين يتقنون التمثيل ولا يمكن أساسا أن يكون عدد هؤلاء المتقنين بالآلاف لذلك بين الله ورسوله آيات المنافقين كي يعرفهم الناس بأغلبيتهم أما المحترفون منهم فقد قال الله لرسوله ((لا تعلمهم الله يعلمهم)) وفي آية ((نحن نعلمهم)) فهناك نوع من المنافقين لا يمكن كشفهم ولكن موضع الشاهد في عموم الخوارج فإن صفاتهم ليست بصفات المنافقين حتى وإن كان فيهم بعض القادة المتقنين للتمثيل على المدى الطويل فإن هذه الموهبة الاستخباراتية العالية لا يتحلى بها الآلاف لذلك فبقية الخوارج رغم أنهم يرون كفر علي بن أبي طالب ويكرهونه إلا أنهم ليسوا منافقين.
ب _ قال الخطابي (( أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من المسلمين، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم)) [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني15/654، كشف المناهج للمناوي 3/109، شرح الزرقاني على الموطأ 2/21، النهاية في شرح الحديث والأثر لابن الأثير 2/149، لسان العرب ابن منظور 13/170 ....]
قلت صهيب: ولست ممن يستدل بالإجماع ولا حتى أزعم الإجماع في هذا فإني أعلم وجود فريق من العلماء يكفرون الخوارج مستدلين بحديث ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) ولكن غالبية العلماء يرون عدم كفرهم ومع أني لا أستدل بالإجماع في الأصل إلا أني أذكره من باب الإلزام وليس شرطا أن ألتزم ما ألزم به غيري وهذا معروف في الاحتجاج.
#العلة_الثانية: عبارة (لا يحبك إلا مؤمن) تفيد الحصر ويلزم منها أن كل من يحب عليا يكون مؤمنا وقد ثبت أن المنافقين قتلة عثمان كانوا يظهرون حب علي بن أبي طالب رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بالمنافقين فقال لعثمان ((إذا راودك المنافقون على رداء ألبسك الله إياه فلا تخلعه حتى تلقى الله)) وقال ((وبشره بالجنة على فتنة تصيبه فيصبر، فقال عثمان: أصبر إن شاء الله)).
ثم إنه ظهر ممن يحبون علي بن أبي طالب طوائف يكفر بعضهم بعضا: الشيعة الإثني عشرية، الشيعة الزيدية، الشيعة الإسماعيلية، والباطنية في الإثني عشرية والإسماعيلية والقائلون بوحدة الوجود والقائلون بألوهية علي من السبئية والنصيرية والدروز الذين تفرعوا وخرجوا من الإسماعيلية وأهل السنة يحبون علي بن أبي طالب ومع ذلك كل هذه الطوائف يكفر بعضهم بعضا ولا يمكن أن يكونوا جميعا على الحق وقد يحبه من ليس مسلما وكثيرا ما يحب الناس شخصيات من ديانات مختلفة.
#العلة_الثالثة: هذا الحديث يفترض أن كل الناس تمضي على مبدأ الولاء والبراء الديني وهذا مخالف للواقع فكثير من الناس قد يحبون ويبغضون بعيدا عن الولاءات الدينية، لأجل المصالح أو الإعجاب بالشخصية أو الأخلاق فلذلك نجد كثيرا من أهل السنة اليوم يحبون إيران رغم أنها على دين مختلف كليا عن دينهم ويحبون رونالدو وتشيغيفارا وفيدال كاسترو وبعضهم يحب آينشتاين وبعضهم يحب ممثلين أو مغنيين وهكذا فليس كل الناس يلتزمون بالمبادئ الصحيحة ولا بمبدأ الولاء والبراء فلا يمنع أن يحب علي من ليس بمسلم أصلا ولا أن يبغضه من هو مسلم مقتنع بالإسلام.
#العلة_الرابعة: لا شك أن المنافق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر فهذا الحديث يلزم منه أن كل من يبغض عليا فإنه يعلم من قرارة نفسه أنه منافق أي أنه ملحد مثلا ويدعي الإسلام أو أنه يهودي ويدعي الإسلام، ولكن ذلك خلاف الواقع فكثير ممن يبغضون علي بن أبي طالب يعلمون من أنفسهم أنهم مسلمون وإنما أبغضوه لأسباب معينة يرونها صحيحة كالخوارج أبغضوه لأنهم حسبوه كافرا وهو قال في توصيفهم (من الكفر فروا) أي أنهم أساسا ما كفروه وأبغضوه إلا فرارا بحسب ظنهم من الكفر وكذلك من يسميهم الشيعة بالنواصب فإنهم قد يبغضونه لأنهم يرونه ظالما في حربه على عائشة وطلحة والزبير أو على معاوية ولعلهم ما لجؤوا لهذا الموضوع بادئ الأمر إلا لأجل الرد على شبهات الشيعة ثم وجدوا أنفسهم من حيث أرادوا الدفاع عن معاوية فتحوا ملفات تاريخية صدمتهم فتساءلوا (لماذا ترك علي قتال قتلة عثمان خوفا من الفتنة ثم قاتل معاوية ولم يخف من الفتنة في قتاله ومعاوية الأقرب للحق من قتلة عثمان وهو الأقوى شوكة ؟ لماذا نصب علي بن أبي طالب قتلة عثمان قادة للجيش والولايات ؟ كيف ينوي القصاص منهم إن كان يعطيهم قيادة الدولة ؟ لماذا يزوج ابنة قائد الانقلاب ضد عثمان وهو مالك الأشتر لولده الحسن إن كان ينوي القصاص منه ؟ لماذا ينقل عاصمة الخلافة لقلب الكوفة معقل قتلة عثمان ؟ فكيف ينوي إعداد العدة للقصاص منهم في الوقت الذي يعتصم بهم ؟ لماذا قتلة عثمان هم جل شيعته وجنده في الحرب على عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ؟ ما موقف الذين ذهبوا في الحرب ليقاتلوا الانقلابيين على عثمان فوجدوا أنفسهم يقاتلون علي بن أبي طالب ؟ ما موقف من رأى أم المؤمنين عائشة تُستهدف بالنبال حتى صار هودجها والجمل الذي تركبه كالقنفذ من النبال ؟) فالذين يسألون هذه الأسئلة ثم يفاجؤون بصك الغفران المباشر (لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) ليخرسوا تفكيرهم وأسئلتهم بالإرهاب الفكري المنسوب إلى الدين فهؤلاء يعلمون في قرارة أنفسهم أن بغضهم لعلي بن أبي طالب لم يكن لأنهم منافقون ولا لأنهم يكرهون الإسلام وإنما لأنهم رأوا منه تصرفات معينة عليها علامات استفهام وكثيرا ما لا ينطلق هؤلاء من بغض علي وإنما من طرح أسئلة على شكل شبهات يبحثون عن أجوبة عليها فيفاجؤون بكمية حقد عظيمة ودفينة من الناس ويضربون مباشرة بهذه النصوص التي صارت تعطي القداسة لهذه الشخصية لا مجرد الاحترام والتقدير ومع سوء المعاملة من الذين يستعملون أسلوب الكراهية والشتم (يا ناصبي، ياخبيث، يا منافق، ....) ومع السب واللعن يحس ذاك المتسائل تدريجيا بتسرب كمية من الكراهية من نفسه المستفَزة باسم علي بن أبي طالب فتنقلب الكراهية إلى علي نفسه فإن سمعك تقول إنه لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق علم من نفسه أنه ليس يدعي إسلاما ويبطن كفرا فهو يعلم أنه مسلم فعلا فهنا ماذا يفعل ؟ إن صحح نسبة الرواية لعلي سيكذب عليا نفسه ويقول (لا تلزمني شهادته في نقله حديثا يوافق هواه) وإن صدق عليا سيكذب رسول الله نفسه حيث يقول (إني أعلم من نفسي أني لست منافقا وهذا الحديث يزعم أن كل من أبغض عليا فهو منافق أي يدعي الإسلام وهو في قرارة نفسه يعلم أنه ليس مسلما) فعندها يقول إن محمد بن عبد الله ليس نبيا ولا هم يحزنون وإنما مجرد بشري أخطأ الحسبة وقد اكتشفت في دينه خطأ فإني أعلم أني لست منافقا وهو يزعم أني منافق، قد يصدقه من لم يجرب كره علي بن أبي طالب لكني أعلم أن كلامه غير صحيح فماذا يفعل بعدها ؟ يكفر بالإسلام وينتقل من الإسلام حتى وإن كان مخطئا في حق علي بن أبي طالب ببغضه له إلا أنه كان مسلما على الأقل، فينتقل من الإسلام إلى الكفر الصريح وكل هذا لأجل رواية مكذوبة مخالفة للواقع الذي أحس به في قلبه.
#العلة_الخامسة: عبارة (لا يبغضك إلا منافق) أخرجت (الكافر الصريح من مبغضي علي) لذلك فإنها مخالفة للواقع فالمنافق هو الذي يُظهر الإسلام ويبطن الكفر ومما لا شك فيه أنه قد يبغض عليا الكافر الصريح بينما الحديث حصر مبغضي علي في المنافقين فقط ولو سألناهم هل كان المشركون واليهود الذين يقاتلونه منافقين لقالوا بل كانوا على الكفر الجلي فنقول إذا بطل الحصر في الرواية وكذلك نسأل هل إبليس يحب عليا أم يبغضه ؟ إن قالوا كما قالت الشيعة إنه يحبه لزمهم أنه مؤمن وإن قالوا بل يبغضه لزمهم أنه منافق ومن المعلوم أن إبليس كافر كفرا صريحا وليس منافقا فهو لا يظهر الإسلام بل صرح بكفره لله عز وجل وأمامه مباشرة.
فلو قال (لا يبغضك إلا كافر) لكانت أعم إذ تشمل المنافق والكافر الصريح لكن العبارة اقتصرت بأداة الحصر على المنافق وكل منافق كافر وليس كل كافر منافق لذلك فإن هذه العبارة ليست جامعة مانعة ولو كان كلام نبي لكان دقيقا.
#العلة_السادسة: إن عبارة (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) تقتضي تكفير كل من قاتل عليا في معركتي الجمل وصفين إلا من يعتقد أنهم كانوا أثناء قتاله الذي مات فيه عشرات الآلاف يقولون له وهم يضربون بالسيف والنبال والرماح (يا علي نحبك حبا جما) فلو كانوا يحبونه لما قاتلوه ولا أتصور أن 35 ألف قتيل في جيش معاوية قتلوا على يد جيش علي مقطوعون من شجرة فهؤلاء لهم أزواج وأبناء وإخوة وأصحاب فهل نتصور أن هؤلاء ليس فيهم من أبغض عليا أبدا ؟ ومن المعلوم أن علي بن أبي طالب نفسه لم يكفرهم ولو كانوا كافرين لما تنازل الحسن بن علي لمعاوية بالخلافة ولما بايعه عليها فكيف يبايع كافرا ويوليه رقاب المسلمين ومن شروط الحاكم الشرعي البديهية أن يكون مؤمنا لقول الله ((وأولي الأمر منكم)) فأولي الأمر لا يكونون إلا من المؤمنين.
#العلة_السابعة: لا شك أن مدار هذه الرواية كلها من طريقين كما سبق ذكره طريق لمجهولين وطريق آخر للأعمش وقد عنعن عن رافضي شيعي فهل من الممكن والمعقول أن يترك الله قضية خطيرة كهذه فلا يذكرها لا في القرآن ولا يقولها النبي في خطبة جمعة أو أمام جمع من الناس وإنما يكون طريقها الوحيد فردا عن فرد عن فرد ؟ فإن كانت قضية يناط بها الإيمان والكفر فالواجب إبلاغ الناس بها بما يفيد قطعية الثبوت حتى تقوم الحجة عليهم لأن حديث الآحاد فضلا عن حديث الفرد فضلا على أن يكون رافضيا غير موثوق لا يمكن أن تقع به الحجة على العباد والله يقول ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) فإن أنا كذبت هذا الرافضي الراوي فإنه لا يوجد أي نص شرعي يحكم بكفري إذ ليس هناك أي نص شرعي يلزمني بتصديق هذا الراوي الرافضي وهو يروي ما يخدم تشيعه بل ليس هناك أي نص شرعي ولا أي دليل عقلي يلزمني بتصديقه ولم يرد أي دليل على أن تكذيب شخص أقل ما يقال فيه أنه غير معصوم يعد ذنبا ولا دليل عندنا من الشرع أو العقل على صدقه فإن كان الناقل محل شك في نقله فكيف تقوم الحجة على العباد ليعلموا أن بغض علي من النفاق وحبه من الإيمان حتى يعملوا على هذا الأساس ؟
بعبارة أخرى: لنفترض أن شخصا ما كذّب رواة هذه الرواية، لم يرد أن يصدق الراوي الشيعي أو لنقل إنه لم يقتنع بمنطق الرواية للعلل السابق ذكرها. هل هناك دليل شرعي أو عقلي أن الله سيحاسبه على ذلك ؟ هل هناك دليل شرعي صادمه ؟ فإن لم يكن فإن ثبوت ما يدل على خروج مبغض علي من الإيمان عنده أساسا لم يقع فإن كان كذلك فكيف تقوم الحجة على العباد بما ليس قطعي الثبوت ؟ كيف تقوم الحجة عليهم في مسألة متعلقة بالإيمان وجودا وعدما ويخلو من ذلك القرآن والمتواتر من السنة ؟
#العلة_الثامنة: تصديق هذا الحديث يضرب بالمنظومة الإسلامية كلها من حيث مصدرية التشريع حيث يقع الاضطراب في معرفة دور القرآن إذ لا يمكن أن يخلو منه أصل مهم يناط به الإيمان والنفاق ثم لا يكون له طريق إلا رواية فرد فضلا على أن يكون شيعيا والناقل عنه متهم بالتدليس والتشيع ولا يقبل حديث المدلس إذا عنعن.
بعبارة أخرى: على أي أساس يكون الفرق بين القرآن والسنة ؟ أليس يفترض أن يحيط القرآن على الأقل بكل ما يناط به الإيمان والكفر إن لم نقل بكل كليات الشريعة وأصولها ومسائلها المهمة ؟ فكيف تفلت منه مسألة مهمة كهذه والله يقول ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) ويقول ((تبيانا لكل شيء)) وفي أقل الأحوال نقول إنه يبين كل شيء مهم يناط بتركه العذاب وليس بمعنى إقصاء السنة بالكلية.
لكن بهذا الطرح يصبح القرآن غير مبين لكل شيء ولا يمكن أن تفهم الآية بأي فهم يصلح لتأويلها إذ حتى أصول العقائد تجعل القرآن يخلو منها ولا تجدها في السنة المتواترة ولا حتى المستفيضة ولا المشهورة ولا العزيزة وإنما تجدها في رواية فردٍ عليه علامات استفهام في أقل الأحوال.
#العلة_التاسعة: حسب هذه الرواية فإن ناقلها زعمًا هو علي بن أبي طالب نفسه، أي بزعمهم أن النبي لم يخبر أحدا بهذه المعلومة إلا عليا فهل كانت هذه المعلومة سرية حتى يختص بها عليا ؟ أوليس الأولى أن يخبر كل الناس إلا عليا إذ أن الوحيد الذي لا تنفعه معرفة هذه المعلومة دينيا هو علي لأنه لن يبغض نفسه في كل الأحوال وكل من سوى علي يحتاجون إلى معرفة هذه المعلومة الخطيرة لو كانت صحيحة إذ يمكن أن يفني الواحد منهم عمره في العبادة وحفظ القرآن والعمل بأحكام الشريعة وفي نهاية المطاف قد يبغض عليا فيصبح من المنافقين وهو لا يشعر أفلم يكن الأولى إبلاغ بقية المسلمين بوجود ركن سابع من أركان الإيمان وهو الإيمان بعلي بن أبي طالب حتى لا يكفر الناس بسببه وهم لا يعلمون ؟ أليس هذا أولى من اختصاص علي نفسه بهذه المعلومة ؟
#العلة_العاشرة: لو كان هذا الحديث مما قاله رسول الله فعلا وعلمه المسلمون لما نازع عليا أحدٌ لا في صفين ولا في معركة الجمل إذ سيعلم الجميع أنه لا يبغضه إلا منافق ولا يحبه إلا مؤمن فيتبعونه جميعا ولا يعارضه أحد بينما الواقع أن كبار الصحابة ومنهم المبشرون بالجنة حصل بينهم وبينه قتال فما محل هذه الرواية من أنفسهم ؟
#العلة_11: 9 _ في حادثة الإفك قال علي للنبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة ((إن شئت فطلقها فالنساء كثير)) فهل إذا أبغضته عائشة لأجل هذه العبارة تكون منافقة ؟ بمعنى أليس الدافع للبغض دنيويا صرفا لا علاقة له بالإيمان والكفر ؟ بهذه الطريقة يكون من حق علي أن يقاتل هذا وينصح بتطليق تلك ثم يكون مصير من أبغضه النفاق وكأن الإسلام جاء لتقديس شخص لا هو من الملائكة ولا الأنبياء ولا الكتب السماوية ولا من أي ركن من أركان الإيمان فيناط به الإيمان والكفر وحده.
طبعا لست أقصد أن عائشة تبغض عليا وإنما قلت (ماذا لو أبغضته وهي ردة فعل طبيعية فهل تكون منافقة ؟)
بعبارة أخرى أليس الله قال عن أهل الجنة ((ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين)) دليلا على أن الفرد من أهل الجنة وهو صالح ومؤمن قد يبغض فردا آخر من الجنة وهو الآخر صالح ومؤمن ؟ مما يعني أن بغض الصالح المؤمن لا يدل بالضرورة على أن مبغضه كافر أو منافق وإنما قد يبغض الصالح صالحا آخر.
وقد ورد أن عائشة لما ذكرت قبيل فترة موت النبي صلى الله عليه وسلم قالت وجاء مترنحا بين رجلين وفي رواية ذكرت واحدا ولم تذكر الثاني والذي أبهمته علي بن أبي طالب وليس لهذا الموقف تفسير إلا أنها أخذت موقفا منه على الأقل فهل تكفر بهذا وتصبح في زمرة المنافقين ؟
وصح عن عمه العباس أنه قال لعمر عن علي ((اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن...)) يقصد علي بن أبي طالب وفي تتمة الكلام يقول لهما عمر عن أبي بكر ((فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا)) ثم يقول ((فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا)).
أي أن هذا التكذيب والتخوين والطعن كان يصدر بحق علي من عمه العباس ظلما كما كان يصدر منه ومن عمه العباس في حق أبي بكر وعمر ظلما وخطأ ثم عادا في نهاية المطاف يحتكمان إلى عمر يبغيان عدله وفصله.
والسؤال: لو أن قلب أبا بكر أو عمر جدلا وافتراضا تغير على علي بن أبي طالب لما رآهما كاذبين آثمين خائنين غادرين كما قال عمر أو كما تصور وفهم عمر فأبغضاه هل يكونان من المنافقين ؟
#العلة_12: لا شك أن عبارة لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق لا تصح حتى في الله عز وجل لأن الله قال ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) فلم يجعل حب الله وحده كافيا لتحقق الإيمان بل اشترط فيها اتباع النبي صلى الله عليه وسلم بينما تزعم الرواية أن حب علي وحده دال على الإيمان فلو أحبه يهودي سيكون مؤمنا بحبه ولو أحبه مؤرخ أيا كان دينه سيكون مؤمنا ومما لا شك فيه أن المشرك يحب الله وهو مع ذلك كافر وكذلك من يؤمن بوحدانية الله ويؤمن بكل الأنبياء ثم لا يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لا يكفي ليكون مؤمنا، وكذلك اليهود يحبون كل الأنبياء عدا عيسى ومحمد عليهم السلام ومع ذلك لم يؤمنوا بذلك فهل صار حب علي وحده أعظم من حب الله وملائكته وأنبيائه ؟
#العلة_13: ثبت أن ابن عباس ناظر الخوارج في تكفيرهم علي بن أبي طالب وحاججهم وأقنع عددا منهم بالعودة ودخل معهم في التفاصيل والأمثل وكان يكفيه أن يقول لهم عن علي ((قال النبي لعلي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) لو كان هذا الحديث مما كان يعرفه الصحابة ولكن هذا الحديث لا وجود له آنذاك وإنما اخترعوه لاحقا لذلك لا علي احتج به ولا أنصاره احتجوا به لا ضد الخوارج ولا ضد معاوية ولا ضد عائشة.
#العلة_14: لا شك أن أبا طالب والد علي كان يحب ولده علي بن أبي طالب كما يحب النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ورغم ذلك لا يرى المستدلون بهذا الحديث من أهل السنة أنه مات على الإسلام بل يقولون بموته على الشرك والكفر وهذا مما ألزم به المخالف ولا ألتزمه فقد لا أرى رأيهم في أبي طالب ولكني ألزم المخالف برأيه فيه.
أقول: رغم أن ذلك لا يلزمني وليس سؤالا مشروعا وهذا سبق تفصيله في مقالات سابقة إلا أن الجواب: نعم، يوجد من سبقني إلى هذا.
قال ابن تيمية ((السادس : أنه في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار " . وقال : " لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ". فكان معرفة المنافقين في لحنهم ببغض الأنصار أولى .فإن هذه الأحاديث أصح مما يروى عن علي ، أنه قال : إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " . فإن هذا من أفراد مسلم ، وهو من رواية عدي بن ثابت ، عن زر بن حبيش عن علي، والبخاري أعرض عن هذا الحديث ، بخلاف أحاديث الأنصار،فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم : البخاري وغيره ، وأهل العلم يعلمون يقينا أن النبي قاله ، وحديث علي قد شك فيه بعضهم)) [منهاج السنة لابن تيمية 7/147]
الشاهد قوله ((وأهل العلم يعلمون يقينا أنه قاله "أي حديث حب الأنصار" وحديث علي قد شك فيه بعضهم "أي بعض أهل العلم شكوا في حديث لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق")) وقوله قبل ذلك ((والبخاري أعرض عن هذا الحديث)).
والشاهد من نقل كلام ابن تيمية لا أعني به أن ابن تيمية هو الذي رده وإنما نقل وجود علماء ردوه مما يدل على أن هناك من سبقني إلى هذا.
هناك أسماء قد أذكرها للذين ردوا هذه الرواية ولكني خشيت أن أهِم في النقل فلم أنقلها كما أني قد أحتاج بحثا ومراجعة لأجد مقولاتهم حتى أنقلها نصا وهذا لا يسعفني لأني أكتب المقال على نفسٍ واحد وليس هذا وقت البحث بل وقت السرد ونظرا لعدم أهميته عندي إذ يكفي فيما أفضت فيه الحجة والبيان.
تم تقييد من يمكنه التعليق على هذا المنشور بواسطة ‏صهيب بوزيدي‏.