حين تصبح «البدعة» سيفًا على الفرح بالنبي ﷺ
أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي والجواب عن أبرز شبهات المنع
ليس السؤال الحقيقي: هل احتفل النبي ﷺ بمولده بالصورة التي نراها اليوم؟
فهذا السؤال وحده لا يكفي للحكم على الفعل بالتحريم؛ لأن كثيرًا من صور الطاعات والأعمال الصالحة التي عرفها المسلمون بعد عصر النبوة لم تكن موجودة بالصورة نفسها في عهد النبي ﷺ، وإنما استنبط العلماء حكمها من أصول الشريعة وقواعدها العامة.
والسؤال الأصولي الأدق هو:
هل الاجتماع في مناسبة مولد النبي ﷺ على تلاوة القرآن، وذكر الله، والصلاة والسلام عليه، وقراءة سيرته، ومدحه بما لا يخالف الشرع، وإطعام الطعام، والصدقة، وإظهار الفرح بنعمة بعثته ﷺ، عملٌ داخل في مقاصد الشريعة أم خارج عنها؟
وهنا تظهر المسألة على حقيقتها.
أولًا: الفرح برحمة الله ورسوله أصل قرآني
قال الله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[يونس: 58]
وقد فُسِّر فضل الله ورحمته بتفسيرات متعددة، ومن أشهر ما نُقل في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن فضل الله هو العلم، ورحمته هي محمد ﷺ.
ولا شك أن بعثة النبي ﷺ من أعظم نعم الله على هذه الأمة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]
فإذا كان الله تعالى قد أمر بالفرح بفضله ورحمته، وكان رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، فإن أصل الفرح ببعثته ونعمته ورسالته أصل له مستنده الشرعي.
ويبقى السؤال: هل يجوز أن يظهر هذا الفرح في مناسبة يتذاكر فيها المسلمون مولده وسيرته وشمائله ويكثرون فيها من الصلاة والسلام عليه؟
الجواب عند طائفة كبيرة من علماء الأمة: نعم، إذا التزم الاجتماع بالضوابط الشرعية.
ثانيًا: حديث صيام يوم الاثنين
من أقوى ما يُستدل به في هذا الباب ما رواه الإمام مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه:
أن النبي ﷺ سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال:
«ذاك يوم وُلدتُ فيه، ويوم بُعثتُ أو أُنزِل عليَّ فيه».
فتأمل.
النبي ﷺ ربط صيام يوم الاثنين بحدثين عظيمين في حياته:
مولده وبداية الوحي.
وهذا يدل على أن تذكّر النعمة في يوم وقوعها، والتقرب إلى الله فيه شكرًا، له أصل في السنة.
ولا نقول إن صيام الاثنين هو نفسه الاحتفال بالمولد؛ فليس هذا هو محل الاستدلال.
وإنما وجه الدلالة أن النبي ﷺ لاحظ مناسبة يوم مولده، وربط العبادة بها شكرًا لله تعالى.
ومن هنا قال العلماء: إذا كان تذكر نعمة الميلاد النبوي قد ظهر في السنة بصيام يوم الاثنين، فلا يمتنع أن يظهر شكر المسلمين لهذه النعمة في مناسبة المولد بأعمال أخرى مشروعة؛ كقراءة القرآن، والصلاة والسلام على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، والصدقة، وتعليم السيرة، وإظهار الفرح.
ثالثًا: «من سن في الإسلام سنة حسنة»
قال النبي ﷺ:
«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده...»
والحديث لا يعني تشريع عبادة مستقلة خارج الشريعة، وإنما يدل على فضل إحياء طريق من الخير وإحداث وسيلة مشروعة إليه.
ولهذا فهم العلماء أن «السنة الحسنة» ليست بالضرورة عبادة فعلها النبي ﷺ بنفس الصورة والتفصيل، وإنما قد تكون طريقة أو وسيلة إلى خير مشروع، داخلة تحت أصل شرعي معتبر.
وهذا مهم جدًا في قضية المولد.
فالاجتماع لقراءة القرآن مشروع.
والصلاة على النبي ﷺ مشروعة.
وذكر سيرته مشروع.
والصدقة وإطعام الطعام مشروعان.
ومدارسة شمائله وأخلاقه وتعليم سيرته مشروع.
والفرح برسالته ونعمته مشروع.
فإذا اجتمعت هذه الأعمال المشروعة في مناسبة يتذاكر فيها المسلمون مولده ﷺ، فلا يصح أن يقال بمجرد كون هذا الاجتماع بهذه الصورة لم يقع في القرن الأول: إن كل ذلك حرام وبدعة ضلالة.
بل لا بد من النظر في حقيقة العمل ومضمونه، وهل اشتمل على محرم أم لا.
رابعًا: أصل المولد عند ابن حجر العسقلاني
من أشهر النقول في هذه المسألة ما نقله الإمام السيوطي عن الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله.
فقد قرر ابن حجر أن أصل عمل المولد لم يُنقل عن السلف في القرون الثلاثة الأولى، لكنه مع ذلك قد يشتمل على محاسن وضدها؛ فمن تحرى فيه المحاسن واجتنب ما يخالف الشرع كان عمله من قبيل البدعة الحسنة، وإلا فلا.
ثم خرّج أصل المولد على قصة صيام عاشوراء، حين وجد النبي ﷺ اليهود يصومون يوم عاشوراء شكرًا لله تعالى على نجاة موسى عليه السلام.
ووجه الاستدلال عند ابن حجر أن تجدد نعمة أو دفع نقمة في يوم معين يمكن أن يكون سببًا لإظهار الشكر لله تعالى في ذلك اليوم.
ثم قال إن شكر الله يكون بأنواع العبادة، كالصدقة والصيام والتلاوة وإطعام الطعام وغير ذلك.
وهذا تخريج أصولي واضح:
الحدث التاريخي → تذكّر النعمة → شكر الله → اختيار وسيلة مشروعة للشكر.
خامسًا: ماذا يُفعل في المولد؟
وهنا ينبغي أن تكون المسألة واضحة بلا غموض.
ليس المقصود أن كل ما يسمى «احتفالًا بالمولد» يصبح مباحًا لمجرد رفع هذا الاسم عليه.
بل الضابط هو مضمون الاجتماع.
فإن كان الاجتماع مشتملًا على:
- تلاوة القرآن.
- الصلاة والسلام على النبي ﷺ.
- قراءة شيء من سيرته وشمائله.
- تعليم الناس سنته وأخلاقه.
- إطعام الطعام.
- الصدقة على الفقراء.
- المواعظ والتذكير بالله.
- المدائح النبوية المنضبطة بالشرع.
- إظهار الفرح بنعمة بعثته ﷺ.
فهذه أعمال لها أصولها الشرعية.
أما إن اقترنت المناسبة بمحرم مستقل، كالمحرمات المعروفة في بعض التجمعات، فالتحريم يتعلق بالمحرم نفسه، لا يلزم منه تحريم أصل الاجتماع للمولد.
وهذه قاعدة مهمة.
فلو وقع من بعض الناس منكر في صلاة التراويح، لا نقول إن صلاة التراويح حرام.
ولو وقع من بعض الناس منكر في الحج، لا نقول إن الحج حرام.
وكذلك لا يصح أن نجعل المخالفات التي قد تقع في بعض الموالد دليلًا على تحريم أصل المولد.
سادسًا: هل ترك النبي ﷺ والصحابة للمولد دليل على تحريمه؟
هذه من أهم شبهات المانعين.
والجواب أن مجرد الترك لا يساوي التحريم.
فالنبي ﷺ لم يفعل أشياء كثيرة فعلها الصحابة بعده، ولم يكن عدم فعله لها دليلًا على تحريمها.
ومن الأمثلة المشهورة: جمع القرآن في مصحف واحد، وتنظيم علوم العربية، ووضع كثير من المصطلحات والوسائل التي خَدَمت حفظ الدين ونشره.
ولهذا قرر العلماء أن الحكم لا يُستخرج من مجرد الترك ما لم يقترن الترك بقرينة تدل على المنع.
وفي الحديث الصحيح عن خالد بن الوليد رضي الله عنه في قصة الضب، أن النبي ﷺ لم يأكله لأنه لم يكن معتادًا عليه، ولم يقل إنه حرام.
فعدم الفعل لا يعني بالضرورة التحريم.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال:
هل ورد نهي خاص عن الاجتماع لتذكر مولده ﷺ وشكر الله على نعمة بعثته؟
إذا لم يوجد هذا النهي، فالحكم لا يُبنى على مجرد عدم الفعل.
سابعًا: ماذا عن قولهم: «لو كان خيرًا لسبقونا إليه»؟
هذه العبارة تبدو قوية لأول وهلة، لكنها تحتاج إلى تفصيل.
فالخير قد يكون أصلًا شرعيًا عامًا، ثم يستحدث الناس وسيلة أو صورة جديدة لتحقيق ذلك الأصل.
فالصحابة رضي الله عنهم لم يجمعوا القرآن في مصحف واحد في حياة النبي ﷺ، ثم جمعه أبو بكر رضي الله عنه، ولم ير المسلمون في ذلك ابتداعًا مذمومًا.
وكذلك جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح.
فليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ بنفس الصورة يكون ممنوعًا.
والمعتبر هو:
هل العمل الجديد يخالف أصلًا شرعيًا، أم يندرج تحت أصل شرعي؟
فإن خالف الشريعة فهو مردود.
وإن كان وسيلة إلى خير مشروع ولا يشتمل على محرم، فمجرد كونه جديدًا من حيث الصورة لا يكفي للحكم عليه بالتحريم.
ثامنًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
يستدل المانعون بحديث:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
والحديث صحيح، لكن موضع الدلالة فيه يحتاج إلى دقة.
فالنبي ﷺ قال:
«ما ليس منه»
أي ما كان خارجًا عن الشريعة وليس له أصل معتبر فيها.
ومن هنا فهم العلماء أن المحدثات ليست على درجة واحدة، وإنما ينظر فيها إلى موافقتها أو مخالفتها لأصول الشريعة.
وقد نقل السيوطي عن الشافعي رحمه الله تقسيم المحدثات إلى نوعين:
أحدهما: ما أُحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه هي البدعة الضلالة.
والثاني: ما أُحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك، فهذه محدثة غير مذمومة.
وهذا هو جوهر المسألة.
فإذا كان اجتماع المولد قائمًا على أعمال مشروعة، ولم يشتمل على اعتقاد فاسد أو محرم شرعي، فلا يكفي مجرد كونه محدثًا من حيث الصورة للحكم عليه بالضلالة.
تاسعًا: شهادة عدد من كبار العلماء
المسألة ليست رأيًا معاصرًا ظهر فجأة.
فقد نقل الإمام السيوطي في «حسن المقصد في عمل المولد» كلام الحافظ ابن حجر، كما نقل أقوالًا لعدد من العلماء الذين أجازوا المولد أو استحسنوا صورًا منه.
ومن الأسماء التي يوردها النص:
الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام السيوطي، والحافظ السخاوي، وابن دحية، وشمس الدين الجزري، والقسطلاني، والزرقاني، وابن حجر الهيتمي، وأبو شامة، وغيرهم.
بل إن عددًا من العلماء لم يقتصروا على الكلام عن المولد، وإنما صنفوا كتبًا في المولد النبوي.
وهذا يدل على أن المسألة كانت محل اجتهاد علمي بين علماء المسلمين، وليست مسألة يمكن اختزالها في عبارة:
«المولد بدعة، ومن احتفل به مبتدع»
وكأن الخلاف لم يعرفه تاريخ الفقه الإسلامي.
عاشرًا: موقف أبي شامة من مولد أربل
ومن النصوص اللافتة في هذا الباب ما نقله أبو شامة عن احتفال أهل أربل بالمولد، حيث وصف ما كان يقع فيه من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور بأنه من أحسن ما ابتُدع في زمانه من هذا القبيل.
واللافت في كلامه أنه لم ينظر إلى مجرد كون الاجتماع لم يكن معروفًا بهذه الصورة في العهد الأول، وإنما نظر إلى مضمونه وآثاره ومقاصده.
فوجد فيه:
إحسانًا إلى الفقراء، وإظهارًا للسرور، وتعظيمًا للنبي ﷺ، وشكرًا لله على نعمة إرسال رسوله.
وهذه طريقة مهمة في فهم المسألة:
لا تحكم على العنوان وحده؛ بل انظر إلى حقيقة العمل ومضمونه.
الحادي عشر: هل يجوز الاحتفال إذا وقعت في بعض الموالد مخالفات؟
نعم، قد تقع في بعض الاجتماعات مخالفات شرعية، وهذا لا ينكره أحد.
لكن يجب التفريق بين أمرين:
أصل الاجتماع، وما قد يطرأ عليه من محرمات.
فإن وقع اختلاط محرم، أو إسراف، أو غناء محرم، أو أي منكر آخر، فالواجب إنكار المنكر نفسه.
ولا يصح أن يقال:
«بما أن بعض الناس فعلوا محرمًا في المولد، فالمولد كله حرام».
وإلا لزم أن نحكم على كثير من التجمعات المشروعة بالتحريم لمجرد وقوع مخالفات فيها.
والقاعدة واضحة:
الحرام العارض لا يجعل المباح أو المشروع حرامًا في ذاته.
الثاني عشر: هل الفرح بالمولد يعارض الحزن على وفاة النبي ﷺ؟
يقال أحيانًا:
إن النبي ﷺ ولد في ربيع الأول، وتوفي في ربيع الأول، فلماذا تفرحون بالمولد ولا تحزنون بالوفاة؟
والجواب أن الولادة نعمة، والوفاة مصيبة، ولكل واحدة منهما أحكامها وآثارها.
والشريعة أمرت بالشكر عند النعم، والصبر عند المصائب، ولم تجعل إظهار الحزن على مصائب الأنبياء شعيرة سنوية.
ومن هنا لا يلزم أن يتحول شهر ربيع الأول إلى موسم حزن لمجرد أن وفاة النبي ﷺ وقعت فيه.
بل تذكّر مولده ورسالته ونعمته على العالمين، وإظهار الشكر لله تعالى عليها، معنى له وجهه في الشريعة.
الثالث عشر: المولد ليس بديلًا عن السنة
وهذه نقطة ينبغي التأكيد عليها.
القول بمشروعية المولد لا يعني أن يجعل المسلم الاحتفال به بديلًا عن اتباع النبي ﷺ.
بل العكس هو الصحيح.
المولد الذي لا يقود إلى محبة النبي ﷺ واتباع سنته يفقد أعظم مقاصده.
فنحن لا نفرح بمولد شخص عادي، وإنما نفرح بمولد رسول الله ﷺ؛ الرسول الذي قال الله تعالى عنه:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[التوبة: 128]
فإذا اجتمع المسلمون لقراءة سيرته، والصلاة والسلام عليه، وتعليم سنته، وإطعام الطعام، وإدخال السرور على الفقراء، وتذكير الناس بأخلاقه ورحمته، فليس من الإنصاف أن تختزل كل هذه المعاني في كلمة واحدة:
«بدعة».
الخلاصة
الخلاف في المولد ليس خلافًا بين:
«أهل السنة» و«أهل البدعة»
كما يحاول بعض الخطاب المعاصر تصويره.
بل هو خلاف فقهي وأصولي في تكييف صورة من صور الاجتماع على الخير وتخصيصها بزمان معين.
وقد رأى عدد كبير من علماء المسلمين أن هذا الاجتماع، إذا خلا من المحرمات، يدخل في دائرة الأعمال المندوبة أو المباحة، مستندين إلى أصول شرعية عامة؛ ومن أبرزها:
الفرح بفضل الله ورحمته، وشكر الله على نعمه، وصيام النبي ﷺ يوم مولده، ومشروعية الصدقة وإطعام الطعام وذكر السيرة والصلاة على النبي ﷺ، وقاعدة أن المحدث الذي يوافق أصول الشريعة لا يلحق بالبدعة المذمومة لمجرد حدوث صورته بعد العصر الأول.
أما من رأى المنع، فله أن يختار هذا القول اجتهادًا، لكن ليس له أن يمحو الخلاف التاريخي، ولا أن يصور المسألة وكأن علماء الأمة أجمعوا على التحريم ثم جاء المولد من خارج الإسلام.
والأهم من ذلك كله:
أن محبتنا للنبي ﷺ لا ينبغي أن تكون موسمًا عابرًا.
نفرح بمولده، ونحيي سيرته، ونصلي ونسلم عليه، ونتعلم سنته، ثم نحمل هديه معنا طوال العام.
فالمقصود من المولد ليس أن نتذكر مولده يومًا ثم ننسى سنته بقية الأيام، وإنما أن يكون تذكّر مولده بابًا إلى مزيد من محبته واتباعه وتعظيم رسالته.
صلّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله ولي التوفيق

