الاثنين، 14 سبتمبر 2026

سنن العمران البشري في القرآن الكريم من فقه النص والواقع إلى الشهود الحضاري

 

سنن العمران البشري في القرآن الكريم

من فقه النص والواقع إلى الشهود الحضاري

تمهيد

القرآن الكريم ليس كتابًا للتلاوة فحسب، ولا كتابًا للأحكام الجزئية وحدها، وإنما هو كتاب هداية وبصيرة، ومنهج ينير للإنسان طريقه في الحياة، ويكشف له سنن الله في النفس والكون والمجتمع والتاريخ.

قال تعالى:

﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾
[هود: 1]

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: 9]

وقال عز وجل:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
[النحل: 89]

ومن هنا فإن القرآن يمثل الأساس الأول للمعرفة الإسلامية، والمصدر الأعظم الذي يستمد منه المسلم رؤيته للإنسان والحياة والكون والمجتمع.

ومن هذا المنطلق يأتي هذا المشروع البحثي لدراسة سنن العمران البشري في القرآن الكريم، ومحاولة الكشف عن القوانين والسنن التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ؛ بهدف الوصول إلى قراءة أكثر وعيًا للواقع، واستشراف المستقبل، والإسهام في تحقيق الشهود الحضاري للأمة.

وينطلق البحث من ثلاثة محاور رئيسية:


أولًا: الدرس القرآني بين التقليد وضرورة التجديد

إن واقع العلاقة بين كثير من المسلمين والقرآن الكريم يدعو إلى التأمل والمراجعة.

فمع أن الأمة الإسلامية عنيت عبر تاريخها بحفظ القرآن وتلاوته وضبط قراءاته وأحكام تجويده، فإن الاهتمام بالتلاوة لا ينبغي أن يكون على حساب التدبر والفهم واكتشاف هدايات القرآن في واقع الحياة.

قال تعالى:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ص: 29]

فالتلاوة عبادة، والتدبر عبادة، والعمل بمقتضى الهداية القرآنية هو الثمرة التي ينبغي أن تتجه إليها القراءة.

والمشكلة لا تكمن في علوم القرآن التي نشأت لخدمة الكتاب العزيز؛ فقد كان علم التجويد والقراءات والتفسير واللغة وغيرها من العلوم إنجازًا عظيمًا في خدمة القرآن، وإنما تكمن المشكلة حين تتحول هذه العلوم إلى غاية نهائية، ويغيب السؤال الأوسع:

كيف يصنع القرآن إنسانًا؟ وكيف يبني مجتمعًا؟ وكيف يوجه حركة التاريخ والعمران؟

لقد اهتمت الدراسات الإسلامية طويلًا بالجانب التشريعي والفقهي، وهو اهتمام لا غنى عنه، لكن الحياة الإنسانية أوسع من دائرة الأحكام الجزئية؛ فهي تشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والعمران والثقافة والتاريخ والعلاقات بين الأمم.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى توسيع دائرة الفقه القرآني، بحيث لا يقتصر على استنباط الأحكام، وإنما يمتد إلى فقه السنن والقوانين التي تحكم حركة المجتمعات.

فالتغير والتطور من حقائق الحياة الإنسانية، والإسلام لا ينكر حركة التاريخ ولا تغير أحوال الناس، لكنه لا يترك هذه الحركة للفوضى؛ بل يوجه الإنسان إلى اكتشاف السنن التي تحكمها والتعامل معها بوعي ومسؤولية.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11]

فهذه الآية وأمثالها تفتح أمام المسلم أفقًا واسعًا للتفكير في قوانين التغيير الاجتماعي والحضاري، وفي علاقة الإنسان بواقعه ومسؤوليته عن إصلاحه.

إننا بحاجة إلى الانتقال من سؤال:

ما الحكم؟

إلى جانب أسئلة أخرى لا تقل أهمية:

ما السنن التي تحكم الواقع؟ وما أسباب النهوض والسقوط؟ وما عوامل القوة والضعف؟ وكيف تتغير المجتمعات؟ ولماذا تتقدم أمم وتتراجع أخرى؟

وهنا تظهر أهمية فقه سنن العمران البشري.


ثانيًا: سنن العمران البشري ومهمة الجمع بين القراءتين

إن الكون والنفس والمجتمع ليست مجالات تسير بلا نظام، وإنما تجري وفق سنن وقوانين أودعها الله تعالى في خلقه.

قال سبحانه:

﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾
[الفرقان: 2]

وقال تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[يس: 40]

وفي الوقت نفسه، منح الله الإنسان العقل والإرادة والقدرة على الاختيار والعمل، وأمره بالسعي وبذل الأسباب:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[التوبة: 105]

ومن هنا فإن فهم السنن لا يعني الوقوع في الجبرية أو الحتمية، كما أن الإيمان بقدرة الإنسان لا يعني إنكار السنن والقوانين التي تحكم الحياة.

فالإنسان يعمل، ويختار، ويخطط، ويأخذ بالأسباب، لكنه يتحرك داخل منظومة من السنن التي لا يمكن تجاهلها.

كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور

من أهم المداخل المنهجية لفهم العمران البشري الجمع بين قراءتين:

قراءة الوحي، وقراءة الكون والواقع.

فالقرآن الكريم هو الكتاب المسطور، والكون بما فيه من سنن وآيات هو الكتاب المنظور.

والتدبر في الوحي يكشف هدايات القرآن، بينما يكشف التفكر في الكون والإنسان والمجتمع القوانين والسنن التي أودعها الله في خلقه.

ومن هنا فإن الجمع بين التدبر والتفكر ينتج نوعًا من الإبصار الحضاري.

قال تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾
[الأنعام: 104]

وقال سبحانه:

﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[الحشر: 2]

وهنا تتضح إحدى مشكلاتنا المعاصرة:

ليست المشكلة في غياب مصدر الهداية، وإنما في ضعف القدرة على قراءة النص والواقع قراءة صحيحة.

فالقرآن محفوظ، والوحي ثابت، لكن الإنسان قد يخطئ في فهمه، أو يقرأه قراءة مجتزأة، أو ينزله في غير محله، أو يستخدمه لتبرير واقع سابق بدل أن يجعله أداة لإصلاح ذلك الواقع.

ولهذا فإن تجديد العلاقة بالقرآن لا يعني تغيير النص، ولا إخضاع الوحي لأهواء العصر، وإنما يعني تجديد أدوات الفهم، وتوسيع دائرة التدبر، وحسن تنزيل الهداية القرآنية على الواقع المتغير.

فالقرآن لا ينبغي أن يُسحب إلى مستوى أهوائنا، وإنما ينبغي أن نرتقي نحن إلى مستوى هداياته.

إن القرآن كتاب يصنع الإنسان، ويبني الوعي، ويهدي المجتمع، ويؤسس للحضارة.

ومن هنا يمكن القول:

ليست أزمتنا في القرآن، وإنما في علاقتنا بالقرآن، وفي طريقة فهمنا له، وفي قدرتنا على تحويل هداياته إلى وعي وسلوك وعمران.


فقه النص وفقه الواقع

إن من أهم شروط الاجتهاد الصحيح أن يجتمع فقه النص مع فقه الواقع.

فالنص لا يعيش في فراغ، والواقع لا ينبغي أن يكون حاكمًا على النص؛ وإنما المطلوب أن نفهم النص فهمًا صحيحًا، ونفهم الواقع فهمًا صحيحًا، ثم نبحث عن كيفية تنزيل الهداية الشرعية عليه.

ولهذا كان من الخطأ أن يتعامل الإنسان مع الواقع بجهل، ثم يصدر الأحكام عليه دون معرفة بظروفه وتحولاته ومآلاته.

كما أن من الخطأ المقابل أن نجعل الواقع معيارًا لتغيير النص أو ليّ دلالاته حتى توافق الأهواء.

فالمنهج الصحيح هو:

فهم النص، وفهم الواقع، وفهم المقاصد، ثم حسن التنزيل.

وهنا تأتي أهمية الاجتهاد المقاصدي؛ فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق العدل والرحمة والحكمة.

قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]

والاجتهاد في القضايا المتغيرة يحتاج إلى معرفة دقيقة بأحوال الناس، وثقافة العصر، وتحولات المجتمع، ومآلات الأفعال؛ حتى يكون الحكم الشرعي قادرًا على تحقيق مقاصده في الواقع.

ومن هنا فإن فقه الواقع ليس بديلًا عن فقه النص، كما أن فقه النص ليس بديلًا عن فقه الواقع؛ بل هما جناحان لا يستقيم التحليق بدونهما.


ثالثًا: سنن العمران والشهود الحضاري

إن فقه سنن العمران البشري في القرآن الكريم ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو ضرورة لكل أمة تريد أن تفهم أسباب قوتها وضعفها، ونهوضها وسقوطها.

فالقرآن لا يعرض التاريخ لمجرد الحكاية، وإنما يعرضه للاعتبار واكتشاف السنن.

قال تعالى:

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[آل عمران: 137]

وقال سبحانه:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: 140]

إن هذه الآيات وأمثالها تدفعنا إلى دراسة حركة التاريخ والمجتمعات دراسة واعية، واكتشاف أسباب النهوض والانهيار، والقوة والضعف، والتمكين والاستضعاف.

فالحضارة لا تقوم بالأماني.

قال تعالى:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: 123]

إن الشهود الحضاري لا يتحقق بمجرد الشعور بالتفوق، ولا بكثرة الحديث عن الماضي، وإنما يحتاج إلى معرفة الأسباب، وفهم السنن، وبناء الإنسان، وإتقان العمل، وإقامة العدل، وإنتاج المعرفة، وحسن إدارة الإمكانات.

نموذج ذو القرنين: الحضارة وفقه الأسباب

يقدم القرآن الكريم في قصة ذي القرنين نموذجًا بالغ الدلالة على أهمية معرفة الأسباب وحسن توظيفها.

قال تعالى:

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ۝ فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾
[الكهف: 84-85]

فتتكرر في القصة عبارة:

﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾

وهذا التعبير القرآني يلفت النظر إلى أن التمكين لا ينفصل عن معرفة الأسباب والأخذ بها.

فعندما واجه ذو القرنين مشكلة يأجوج ومأجوج، لم يكتفِ بالدعاء أو الشكوى، وإنما جمع بين:

  • معرفة المشكلة.

  • تحديد أسبابها.

  • الاستفادة من الإمكانات المتاحة.

  • إشراك المجتمع.

  • التخطيط.

  • العمل.

  • الاستفادة من الخبرة والمواد.

  • بناء الوسائل الواقية من الخطر.

قال تعالى:

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
[الكهف: 95]

إنها صورة قرآنية عميقة للعمران القائم على الإيمان والعمل والأسباب والتخطيط والاستطاعة.

وهذا يعلّمنا أن النهوض الحضاري لا يقوم على التمني، وإنما على فهم الواقع، وتشخيص مشكلاته، واكتشاف قوانينه، ثم بناء الوسائل المناسبة لمعالجتها.


الشهود الحضاري يبدأ من الشهود على الذات

إن تحقيق الشهود الحضاري لا يبدأ بالنظر إلى الآخرين، وإنما يبدأ أولًا بالنظر إلى الذات.

نحن بحاجة إلى أن نمارس نوعًا من الشهادة على الذات:

أين نحن؟

ما نقاط قوتنا؟

ما مواطن ضعفنا؟

ما أسباب تراجعنا؟

ما الذي يمكن تغييره؟

وما الذي يتعذر تغييره في المرحلة الراهنة؟

وما الإمكانات المتاحة لنا؟

وما السنن التي تحكم واقعنا؟

فلا يمكن لأمة أن تصلح واقعها وهي عاجزة عن تشخيص أمراضها.

ومن هنا تأتي أهمية فقه الاستطاعة وفقه المحل؛ لأن الخطاب الصحيح قد يتحول إلى خطاب مضطرب إذا وُضع في غير محله، أو طُلب ما لا يمكن تحقيقه، أو تم تجاهل الظروف والإمكانات والمآلات.

إن الوعي بالاستطاعة ليس استسلامًا للعجز، بل هو معرفة دقيقة بما يمكن فعله، ثم الانتقال منه إلى ما هو أوسع.


الوعي بالآخر جزء من الشهود الحضاري

إن الشهود الحضاري لا يعني الانغلاق على الذات، كما لا يعني الذوبان في الآخر.

وإنما يعني أن تمتلك الأمة وعيًا بذاتها ووعيًا بعالمها، وأن تكون قادرة على فهم الآخر، والاستفادة من التجارب الإنسانية، وتقديم رسالتها الحضارية بثقة وعدل وأمانة.

فالأمة التي لا تعرف ذاتها لا تستطيع أن تؤدي رسالتها، والأمة التي لا تعرف عالمها لا تستطيع أن تتعامل معه بفاعلية.

ومن هنا فإن الشهود الحضاري يتطلب بناء منظومة متكاملة من المعرفة:

معرفة الذات، ومعرفة الآخر، ومعرفة الواقع، ومعرفة السنن، ومعرفة الإمكانات، ومعرفة المآلات.


السنن العمرانية وفهم التداول الحضاري

من أهم السنن التي يكشفها القرآن الكريم سنة التداول الحضاري:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: 140]

فالتاريخ لا يسير في اتجاه واحد، والحضارات لا تبقى في حالة صعود دائم، والأمم لا تعيش دائمًا في موقع القوة.

هناك سنن للنهوض، كما أن هناك سننًا للسقوط.

وهناك أسباب للتمكين، كما أن هناك أسبابًا للضعف.

ومن هنا تأتي أهمية السير في الأرض والنظر في تجارب الأمم.

قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾

فالسير في الأرض ليس مجرد حركة جغرافية، وإنما هو منهج معرفي يقوم على الملاحظة، والمقارنة، والاعتبار، واكتشاف السنن.

وإذا كانت السنن هي القوانين المطردة التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ، فإن دراسة هذه السنن تمثل نوعًا من فقه الميكانيكا الاجتماعية والحركة الحضارية.


نحو فقه قرآني للعمران

إن المطلوب اليوم ليس أن نستبدل فقه الأحكام بفقه العمران، ولا أن نضع أحدهما في مواجهة الآخر.

فلكل مجال أهميته ومكانه.

وإنما المطلوب هو توسيع دائرة الفقه الإسلامي لتشمل إلى جانب فقه الأحكام:

  • فقه الإنسان.

  • فقه المجتمع.

  • فقه الواقع.

  • فقه التاريخ.

  • فقه السنن.

  • فقه المآلات.

  • فقه الاستطاعة.

  • فقه العمران.

فالحكم الشرعي يحتاج إلى مجتمع يحمله، والقيم تحتاج إلى مؤسسات تجسدها، والمبادئ تحتاج إلى إنسان قادر على تنزيلها في الواقع.

ومن هنا فإن البناء الحضاري لا يبدأ من التشريع وحده، وإنما يبدأ ببناء الإنسان، وتكوين الوعي، وإصلاح المجتمع، وإقامة المؤسسات، وإنتاج المعرفة، وحسن توظيف الموارد، ثم يأتي التشريع ليضبط هذا البناء ويحميه ويوجهه نحو مقاصده.


خاتمة

يتبين من هذا العرض أن فقه سنن العمران البشري في القرآن الكريم يمثل مدخلًا مهمًا لتحقيق الشهود الحضاري للأمة.

فالقرآن الكريم لا يقدم لنا مجموعة من الأحكام المجردة فحسب، وإنما يفتح أمامنا مجالًا واسعًا لفهم الإنسان والكون والمجتمع والتاريخ، ويكشف لنا سنن النهوض والسقوط، والتغيير والتداول، والتمكين والاستضعاف.

لكن الاستفادة من هذا الهدي تتطلب تجديدًا في منهج التعامل مع القرآن؛ تجديدًا لا يمس ثوابت الوحي، ولا يخضع النص لأهواء الواقع، وإنما يجدد أدوات الفهم، وطرائق التدبر، ومناهج قراءة الواقع، وآليات تنزيل الهداية القرآنية عليه.

إن أزمتنا ليست في نقص الهداية، وإنما في ضعف قدرتنا على اكتشافها وتفعيلها.

وليست المشكلة في أن القرآن لم يقدم لنا طريقًا للنهوض، وإنما في أننا كثيرًا ما نبحث عن النهوض بعيدًا عن السنن التي أرشدنا القرآن إلى اكتشافها.

ولهذا فإننا بحاجة إلى الانتقال:

من تلاوة القرآن إلى تدبره،
ومن تدبره إلى فقه سننه،
ومن فقه السنن إلى فهم الواقع،
ومن فهم الواقع إلى حسن العمل،
ومن حسن العمل إلى البناء والعمران،
ومن العمران إلى الشهود الحضاري.

إن الشهود الحضاري ليس شعارًا، وإنما هو علمٌ ووعيٌ وأمانةٌ وعملٌ وأخذٌ بالأسباب.

وكلما ازداد وعي الأمة بسنن الله في الأنفس والآفاق والمجتمعات، أصبحت أكثر قدرة على فهم حاضرها، واستيعاب ماضيها، واستشراف مستقبلها.

قال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: 143]

ومن هنا فإن الشهود الحضاري يبدأ بوعيٍ سنني، ويتأسس على فقهٍ قرآني، ويتحقق بالعلم والعمل والعمران.

وما سبق ليس إلا مدخلًا إلى مشروع بحثي أوسع، غايته الإسهام في إعادة اكتشاف سنن العمران البشري في القرآن الكريم، وفتح مجال لمزيد من البحث والتأمل والنقاش حول كيفية الانتقال من المعرفة القرآنية إلى الفاعلية الحضارية.

والله تعالى أعلم، وهو الموفق إلى سواء السبيل.

🌿 الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية جذورٌ راسخة لحوار الشعوب وحلّ النزاعات

 

🌿 الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية

جذورٌ راسخة لحوار الشعوب وحلّ النزاعات

إعداد: م. حسن محمد صالح حديد
ماجستير دراسات دولية – جامعة تكريت


✦ تمهيد

الإسلام رسالة عالمية لا تقف عند حدود إقليم أو قوم، وقد جاءت شريعته بمنظومة متكاملة من المبادئ التي تنظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقة الجماعات والدول بعضها ببعض.

ومن هنا لم تكن العلاقات بين المسلمين وغيرهم قائمة على الحرب بوصفها الأصل، وإنما عرفت الشريعة الإسلامية صورًا متعددة من التواصل والتفاوض وإرسال الرسل وعقد العهود والمواثيق والصلح والتحكيم والوساطة.

وقد أسهمت هذه الوسائل في تنظيم العلاقات بين الشعوب، والحد من النزاعات، وفتح أبواب التفاهم، وحماية الأرواح والمصالح.

ومن الخطأ اختزال أحكام العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي في أحكام الحرب وحدها؛ إذ إن جانبًا واسعًا من التراث الإسلامي يتناول السلم، والأمان، والعهود، والرسل، والتجارة، والمفاوضات، والصلح، وتسوية النزاعات.

ومن ثم يمكن القول إن السلام والتعايش وحفظ الحقوق والوفاء بالعهود تمثل مبادئ أساسية في تنظيم العلاقات الإنسانية والدولية في الشريعة الإسلامية.
[1]


أولًا: فرضية الدراسة

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الشريعة الإسلامية أرست جملة من المبادئ والقواعد المنظمة للعلاقات بين الجماعات والدول، وأقامت للدبلوماسية والتفاوض والصلح والوساطة أسسًا واضحة تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والحد من النزاعات.


ثانيًا: هدف الدراسة

تهدف الدراسة إلى:

▪️ بيان مفهوم الدبلوماسية وتطورها.
▪️ إبراز جذور الممارسة الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية.
▪️ بيان خصائص الرسل والمبعوثين ومكانتهم.
▪️ التعريف بالامتيازات والحماية التي قررتها الشريعة للرسل.
▪️ بيان أهم الوسائل السلمية التي استخدمتها الشريعة في تسوية النزاعات.


ثالثًا: أهمية الدراسة

تنبع أهمية الدراسة من محاولة إبراز جانب مهم من جوانب الحضارة الإسلامية، يتمثل في إدارة العلاقات مع الآخرين بالوسائل السلمية، وإظهار ما تضمنته الشريعة الإسلامية من مبادئ للحوار والتفاوض والصلح والوساطة وحماية المبعوثين.

كما تكشف الدراسة أن التواصل مع الشعوب الأخرى لم يكن أمرًا هامشيًا في التجربة الإسلامية، وإنما ارتبط بالدعوة والسياسة والعلاقات الدولية وتنظيم المصالح المشتركة.


رابعًا: منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي والمنهج التحليلي؛ لتتبع نشأة الدبلوماسية وتطورها، وتحليل النصوص والممارسات التي تكشف عن حضور الوسائل الدبلوماسية في الشريعة والتاريخ الإسلامي.


خامسًا: هيكلية الدراسة

اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: مفهوم الدبلوماسية.
المبحث الثاني: خصائص وامتيازات الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية.
المبحث الثالث: طبيعة ممارسة الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية.

ثم خاتمة تضمنت أهم النتائج والاستنتاجات.


المبحث الأول

مفهوم الدبلوماسية

1 ـ المدلول التاريخي للدبلوماسية

تشير المصادر التاريخية إلى أن كلمة Diplomacy ارتبطت في أصلها باللفظ اليوناني «دبلوما»، وهو من مشتقات الفعل «دبلون»، ويشير إلى الوثيقة أو الورقة المطوية.

ومع تطور استخدام المصطلح، أصبح «الدبلوم» يشمل الوثائق الرسمية المختلفة، ولا سيما تلك المتعلقة بالاتفاقيات والمعاهدات التي تعقد بين الجماعات والكيانات المختلفة، والتي كان من بينها ما يهدف إلى تسوية النزاعات التي تنشأ بين الأطراف. [2][3]

وفي القرن الخامس عشر الميلادي بدأ استعمال مفهوم الدبلوماسية بصورة أكثر ارتباطًا بإدارة العلاقات الدولية والمفاوضات، ثم اتسع مدلوله خلال القرون اللاحقة ليشمل المبعوثين والسفارات والمفاوضات والأساليب السلمية في إدارة العلاقات بين الدول. [4][5]

أما في الاستخدام المعاصر، فقد أصبحت الدبلوماسية تشير بصورة عامة إلى فن إدارة العلاقات الدولية والمفاوضات، والتعامل مع الأزمات والنزاعات بوسائل سلمية تحول دون تفاقمها أو تسهم في احتوائها وتسويتها.


2 ـ مفهوم الدبلوماسية

تتعدد تعريفات الدبلوماسية باختلاف الزاوية التي ينظر منها الباحث إليها.

ومن أشهر ما ينسب إلى معاوية بن أبي سفيان في وصف أسلوب التعامل السياسي والدبلوماسي قوله:

«لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ إن أرخوها شددتها، وإن شدوها أرخيتها».

وتحمل هذه العبارة دلالة واضحة على المرونة، وحسن إدارة العلاقات، وتجنب القطيعة، والقدرة على المحافظة على التوازن في التعامل مع الآخرين. [6]

وعرّف معجم أكسفورد الدبلوماسية بأنها إدارة العلاقات الدولية بواسطة السفراء والمبعوثين، باعتبارها علمًا وفنًا. [7]

كما عرّفها د. فاضل زكي بأنها علم وفن وتنظيم للعلاقات الدولية، يمارسه المبعوثون والممثلون الدبلوماسيون من خلال المفاوضات. [8]

وعرفها تشارلس كالفور بأنها علم العلاقات القائمة بين الدول، والناشئة عن المصالح المتبادلة، والتي تستند إلى مبادئ القانون الدولي العام ونصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية. [9]

كما عرّفها د. عبد العزيز محمد سرحان بأنها الطريقة التي يسلكها أشخاص القانون الدولي لتسهيل قيام علاقات ودية وسلمية بينهم، بهدف معالجة ما قد ينشأ من اختلاف في الآراء أو تعارض في المصالح. [10]

أما روبرت دي كانتور، فينظر إلى الدبلوماسية بوصفها إحدى وسائل تنفيذ السياسة الخارجية، من خلال المفاوضات مع الدول الأخرى، بما يخدم المصالح الوطنية. [11]

ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص أن الدبلوماسية تقوم بصورة أساسية على:

الحوار ← التفاوض ← إدارة المصالح ← منع النزاعات ← تسوية الخلافات ← تحقيق السلام.

وقد عبّر بطرس غالي عن جوهر الدبلوماسية الوقائية بأنها العمل الرامي إلى منع نشوء المنازعات، والحيلولة دون تصاعدها وتحولها إلى صراعات، والعمل على وقفها عند وقوعها. [13]

وبناءً على ذلك يمكن القول إن الدبلوماسية ليست مجرد تمثيل رسمي للدول، وإنما هي فن إدارة الاختلاف والمصالح بطريقة تحول دون تحولها إلى صراع.


المبحث الثاني

خصائص وامتيازات الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية

احتلت العلاقات الدبلوماسية مكانة مهمة في التجربة الإسلامية، بسبب طبيعة الرسالة الإسلامية واتصال المسلمين بالشعوب والممالك المختلفة.

وقد تم ذلك من خلال إرسال الرسل والمبعوثين، وإقامة العلاقات، وإبرام العهود والمواثيق، والتفاوض، وتبادل الرسائل والمراسلات. [14]

واللافت في التشريع الإسلامي هو المكانة الخاصة التي حظي بها الرسل والمبعوثون، فقد أكدت الشريعة احترامهم وحمايتهم، حتى عندما يكونون مبعوثين عن جهة معادية.

وقد حرص القادة المسلمون على اختيار المبعوثين ممن تتوافر فيهم صفات تؤهلهم لهذه المهمة، ومنها:

▪️ طلاقة اللسان وحسن التعبير.
▪️ قوة الإدراك وحسن المظهر والمخبر.
▪️ قوة الشخصية والقدرة على التأثير.
▪️ الأمانة في نقل الرسائل والمواقف.
▪️ حسن التصرف في الظروف المختلفة.
▪️ سلامة الفطرة والأدب وحسن الخلق. [17]

وهذه الصفات تكشف عن إدراك مبكر لأهمية الكفاءة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي، باعتباره ممثلًا للجهة التي أرسلته.


✦ الرسل بين السلم والحرب

لم تقتصر مهمة الرسل في التاريخ الإسلامي على أوقات السلم، بل استخدموا في ظروف متعددة للتواصل والتفاوض وإبلاغ المواقف.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك رسل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء، ومنهم رسائله إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي وغيرهم.

كما كان التواصل مع الآخرين وسيلة لإبلاغ الدعوة وبيان الموقف الإسلامي، بدل أن يكون اللجوء إلى القوة هو الخيار الأول في كل حالة.

ولهذا اكتسب الرسل منزلة خاصة في الفقه الإسلامي، وناقش الفقهاء أحكامهم وأمانهم وحمايتهم، باعتبارهم من المستأمنين الذين يجب حفظ أنفسهم وأموالهم ما داموا ملتزمين بما يقتضيه الأمان.


✦ أهم امتيازات الرسل والمبعوثين

1 ـ الدخول والأمان

قرر الفقهاء للرسل أحكامًا خاصة تتعلق بدخولهم إلى دار الإسلام وأمنهم أثناء أداء مهمتهم، مع مراعاة ما تقتضيه قواعد الأمان وعدم الإضرار بأمن الدولة أو مخالفة أحكامها. [23]

2 ـ حرية الحركة والعودة

أقرت كتب الفقه للرسل قدرًا واسعًا من الحماية والحرية التي تمكنهم من أداء مهمتهم ثم العودة إلى الجهة التي أرسلتهم. [24]

3 ـ الحماية أثناء الإقامة

أولى الفقه الإسلامي عناية خاصة بحماية الرسل، ولم يجعل مجرد اختلاف الدين أو الموقف السياسي سببًا للاعتداء عليهم.

4 ـ حماية الشخص والمال

من أبرز المبادئ التي أكدها الفقهاء حرمة التعرض لشخص الرسول بالقتل أو الأسر أو الاسترقاق، وحماية ماله ما دام داخلًا بأمان وأداء مهمة مشروعة. [28][30]

وهذا يتفق مع المبدأ القرآني العام في حماية المستجير، قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾
[التوبة: 6]


✦ السنة النبوية وحماية الرسل

من أبرز الأدلة التي استند إليها الفقهاء في حماية الرسل ما رواه أحمد وغيره في قصة رسولي مسيلمة الكذاب، حيث قال النبي ﷺ:

«لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما».

وقد استدل الفقهاء بهذا وغيره على أصل مهم، وهو عدم قتل الرسل والمبعوثين لمجرد كونهم رسلًا.

وهذا المبدأ يعكس قيمة دبلوماسية وإنسانية مهمة، وهي أن الخصومة السياسية أو العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى اعتداء على المبعوث الذي يؤدي مهمة التواصل والتفاوض.


المبحث الثالث

طبيعة ممارسة الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية

شهدت البشرية عبر تاريخها حروبًا طويلة خلفت أعدادًا كبيرة من الضحايا والدمار، وهو ما جعل الشعوب تبحث باستمرار عن وسائل تحد من النزاعات وتحافظ على الأمن والاستقرار.

وفي التراث الإسلامي نجد مجموعة من الوسائل التي أسهمت في تنظيم العلاقات وتسوية النزاعات، ومن أبرزها:

1 ـ التحكيم

عرفت المجتمعات العربية التحكيم قبل الإسلام، وأقر الإسلام مبدأ التحكيم وجعله وسيلة مشروعة لتسوية المنازعات في مجالات متعددة.

ومن أشهر الأمثلة السابقة للإسلام ما وقع عند اختلاف قريش في شأن وضع الحجر الأسود، حين احتكموا إلى النبي ﷺ قبل بعثته، فقدم حلًا رضي به جميع الأطراف.

وبعد البعثة، جاء القرآن الكريم مؤكدًا أصل الرجوع إلى الحكم والاحتكام عند النزاع، قال تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[النساء: 65]

ثم سار الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم على اعتماد وسائل التحكيم والقضاء في معالجة النزاعات.


2 ـ الوساطة والإصلاح

من أهم الوسائل التي أكدها الإسلام في معالجة النزاعات الإصلاح بين المتخاصمين والوساطة بينهم.

قال تعالى:

﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[الحجرات: 9]

فالآية تجعل الإصلاح والعدل والقسط أساسًا لمعالجة النزاع، وتمنع أن تتحول الوساطة إلى انحياز أو ظلم لأحد الأطراف.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الوساطة باعتبارها إحدى الوسائل المهمة التي عرفها الفقه الإسلامي في إدارة النزاعات ومنع تفاقمها.


3 ـ الصلح

يحتل الصلح مكانة بارزة في الشريعة الإسلامية، وقد شهد التاريخ الإسلامي نماذج مهمة من الاتفاقات والعهود، ومن أشهرها صلح الحديبية.

وقد أظهر صلح الحديبية أن قبول التسوية السلمية لا يعني بالضرورة التنازل عن المبادئ، وإنما قد يكون وسيلة لتحقيق مصلحة أكبر، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتواصل.

قال تعالى:

﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾
[النساء: 90]

ومن أجمل ما ورد في التراث الإسلامي في هذا الباب ما نُقل عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

«لا تدفعن صلحًا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا، فإن في الصلح دعةً لجنودك، وراحةً من همومك، وأمنًا لبلادك...».

فالصلح، في المنظور الإسلامي، ليس مجرد توقف مؤقت للنزاع، بل يمكن أن يكون وسيلة لحماية الأرواح، وتحقيق الأمن، وفتح أبواب التواصل، وتخفيف أعباء الصراع.


🌿 الدبلوماسية في المنظور الإسلامي

من خلال ما سبق، يتضح أن الدبلوماسية في التجربة الإسلامية لم تكن مفهومًا غريبًا عن الشريعة، وإنما ظهرت في صور متعددة، منها:

إرسال الرسل والمبعوثين
⬇️
المفاوضات والحوار
⬇️
إبرام العهود والمواثيق
⬇️
التحكيم
⬇️
الوساطة والإصلاح
⬇️
الصلح وإنهاء النزاعات

وهذه الوسائل تكشف عن اهتمام واضح بإدارة الاختلاف بطرق تحول دون انتقاله إلى صراع مسلح متى أمكن ذلك.


✦ الخاتمة والاستنتاجات

بعد استعراض مفهوم الدبلوماسية وخصائصها وامتيازاتها، وبيان بعض صور ممارستها في الشريعة والتاريخ الإسلامي، يمكن الوصول إلى مجموعة من النتائج:

1

الدبلوماسية، في مفهومها العام، تقوم على إدارة العلاقات والمصالح من خلال الحوار والتفاوض والتواصل، والسعي إلى منع النزاعات أو الحد من آثارها.

2

أولت الشريعة الإسلامية أهمية كبيرة للتفاهم والإصلاح والصلح والوساطة، وجعلت العدل والقسط أساسًا لمعالجة النزاعات.

3

حظي الرسل والمبعوثون بمكانة خاصة في الفقه الإسلامي، وقررت لهم أحكامًا تتعلق بالأمان والحماية وحرمة الاعتداء، بما يساعدهم على أداء مهامهم.

4

عرفت التجربة الإسلامية صورًا متعددة من العلاقات الدبلوماسية، من خلال الرسائل والمبعوثين والعهود والمواثيق والمفاوضات والصلح.

5

تؤكد النصوص الشرعية أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الصراع، وأن الحوار والإصلاح والعدل والوفاء بالعهود من المبادئ المهمة في تنظيم العلاقات مع الآخرين.

6

تقدم التجربة الإسلامية مادة غنية لدراسة تاريخ العلاقات الدولية، ولا سيما في مجالات الدبلوماسية وحماية المبعوثين وتسوية النزاعات والعهود والمواثيق.


🌺 خلاصة

إن دراسة الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية تكشف عن جانب مهم من جوانب الحضارة الإسلامية، يتمثل في قدرتها على إدارة الاختلاف، وتنظيم العلاقات، وحماية الرسل والمبعوثين، واعتماد الحوار والوساطة والتحكيم والصلح وسائلَ لتسوية النزاعات.

ولذلك فإن قراءة التراث الإسلامي في مجال العلاقات الدولية لا ينبغي أن تقتصر على أبواب الحرب وحدها، بل ينبغي أن تشمل كذلك فقه السلم، والأمان، والعهود، والمواثيق، والرسل، والتفاوض، والصلح، وحفظ الحقوق.

فالدبلوماسية في جوهرها ليست إلغاءً للاختلاف، وإنما هي فن إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى عداوة وصراع.


📚 المصادر والهوامش

[1] صبحي محمصاني، القانون والعلاقات الدولية في الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1972، ص50.

[2] The Oxford Dictionary of English Etymology، Oxford University Press، London، 1966، p.35.

[3] محمد بو سلطان، مبادئ القانون الدولي العام، دار الغرب للنشر، الجزائر، ج2، 1999، ص217.

[4] فاضل زكي محمد، الدبلوماسية بين النظرية والتطبيق، ط3، بغداد، 1973، ص9.

[5] هشام الشاوي، الوجيز في فن المفاوضة، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1969، ص9.

[6] محمد المجذوب، الدبلوماسية: نشأتها وتطورها وقواعدها في الحصانات والامتيازات الدولية، بيروت، 2007، ص35.

[7] The Shorter Oxford English Dictionary on Historical Principles، Oxford University Press، London، 1959، p.1.

[8] فاضل زكي، المصدر السابق، ص27.

[9] عز الدين فودة، النظم الدبلوماسية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1961، ص9.

[10] عبد العزيز محمد سرحان، قانون العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، مطبعة عين شمس، القاهرة، 1974، ص9.

[11] روبرت دي كانتور، السياسة الدولية المعاصرة، ترجمة د. أحمد ظاهر، مركز الكتاب الأردني، عمان، 1989، ص447.

[13] بطرس غالي، «الأمم المتحدة – الدبلوماسية الوقائية ووضع وحفظ السلم»، مجلة السياسة الدولية، العدد 110، القاهرة، 1992، ص319.

[14] إبراهيم أحمد العدوي، السفارات الإسلامية إلى أوروبا في العصور الوسطى، سلسلة اقرأ، العدد 179، القاهرة.

[17] محمد كمال عبد العزيز، «الشريعة الإسلامية والقانون الدولي»، مجلة القانون والعلوم السياسية، ج1، بغداد، 1972، ص361.

[23]–[30] انظر المصادر الفقهية الواردة في البحث الأصلي، ومنها: البحر الرائق، عقد الفرائد وكنز الفوائد، المحرر في الفقه، مطالب أولي النهى، المحلى، ومواهب الجليل.

[31] القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 6.

[32] القرآن الكريم، سورة سبأ، الآية 28.

[33] أحمد بن يحيى المرتضى، البحر الزاخر، ج5، مطبعة السنة المحمدية، 1949، ص454.

[34] صبحي المحمصاني، المصدر السابق، ص51.

[35] صبحي المحمصاني، المصدر السابق، ص161.

[36] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 65.

[37] مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، رقم الحديث 101.

[38] القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 9.

[39] محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة، 1964، ص20.

[40] المصدر نفسه، ص21.

[41] عبد الفتاح حسن، ميثاق الأمم والشعوب في الإسلام، مجلة نحو قانون إسلامي عادل.

[42] عبد الله دراز، «القانون الدولي في الإسلام»، المجلة المصرية للقانون الدولي، 1949، ص5.

[43] عصام العطية، المصدر السابق، ص265.

[44] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 90.

[45] عباس محمود العقاد، العبقريات الإسلامية، دار الفتوح للطباعة، ص946.

الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية

 

الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية

                                                                          م. حسن محمد صالح حديد

                                            ماجستير دراسات دولية

                                                                                                 جامعة تكريت

المقدمة

ان رسالة الاسلام شاملة فهي تتعدى الحدود الاقليمية ، وهي دعوة عالمية انسانية في مبادئها ودولية في نظامها واحكامها ومستمدة كل ذلك من الدستور الالهي القران الكريم الذي جاء كاملا وشاملا لجميع الاحكام والازمنة وشرع مبادئ العلاقات بين البشر، والدبلوماسية  ساهمت في ارساء وتنظيم وترصين العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين بدل الحروب وكوارثها ، فمن الخطأ الاعتقاد بان الشريعة السمحاء في مجال العلاقات الدولية في غالبية احكامها كان قانون حرب، اذن الدين الاسلامي يعد السلام قاعدة اساسية في نظامه التشريعي .(1)

فرضية الدراسة :

     تركز على ان الدبلوماسية  وضعت ركائزها الرصينة في الشريعة الاسلامية حيث صيغت باحسن حال وكفلت للبشرية حياة تنعم بالامن .

هدف الدراسة

     تسعى الى تحديد مفهوم وخصائص وامتيازات وطبيعة ممارسة الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية.

اهمية الدراسة :

     تكمن اهمية الدراسة في ابراز دور الشريعة الاسلامية في تبني الدبلوماسية في حل الازمات وبناء علاقات التفاهم في مجال العلاقات سواء كانت داخلية او خارجية كون الاسلام يعد السلام قاعدة اساسية في نظامة التشريعي .


منهجية الدراسة :

استخدمت المنهج التاريخي والمنهج التحليلي لغرض استكشاف الحقائق العلمية والادلة المستخدمة لوصف الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية من اجل الوصول الى نتائج ايجابية

هيكلية الدراسة

كي نضمن الوصول الى فرضية واهداف واهمية الدراسة قسمنا بحثنا الى ثلاث مباحث وكالاتي

المبحث الاول : مفهوم الدبلوماسية

المبحث الثاني : خصائص وامتيازات الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية

المبحث الثالث : طبيعة ممارسة الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية

الخاتمة وبعض الاستنتاجات

الهوامش


المبحث الأول

مفهوم الدبلوماسية

1-    المدلول التاريخي للدبلوماسية

تشير معظم المصادر التاريخية الى ان كلمة دبلوماسية (Diplomacy) اخذت من الاسم الاغريقي (دبلوما) وهي من مشتقات الفعل (دبلون) (Diplon) ومعناها الورقة النموذجية .(2) وتواصل تطور مفهوم الدبلوماسية باختلاف الشعوب، وان لفظ دبلوم (Diplom) اتسع ليشمل الوثائق الرسمية الاخرى ولاسيما تلك التي كانت تحتوي اتفاقيات ومعاهدات مع قبائل وجماعات اجنبية اخرى... وكان جزء من هذه الاتفاقيات تعقد مباشرة لتسوية أي نزاع يثور بين الاطراف(3) وفي القرن الخامس عشر الميلادي استخدمت الدبلوماسيه لتشير الى فن اداره وتوجيه العلاقات الدوليه حيث رافقت كلمه دبلوماسيه    المفاوضات والمفاوض لتشير الى المهاره او البراعه في ادارة العلاقات الدوليه(4) اما في القرن السابع عشر الميلادي كانت تستخدم كلمة دبلوماسيه بعدة معاني منها، المبعوث ،المفاوض ، والسفاره ثم تطور مفهومها بحيث اصبحت تستخدم للتعبير عن معنى المهنه والمفاوضه

  والاساليب السلمية وتستخدم في معنى السياسة الخارجية (5) كما ان كلمة دبلوماسية تشير في الوقت الحاضر بعد اتساع اصلها ( انها فن ادارة الازمات الدولية بوسائل قادرة على تدارك الاخطار سواء قبل وقوعها او بعد حدوثها ).

2-    تعريف الدبلوماسية

الدبلوماسية بموجب تعبير معاوية بن ابي سفيان  في مجال تحديد العلاقات الدبلوماسية على انها ( لو ان بيني وبين الناس شعرة لما قطعتها ان ارخوها شددتها وان شدوها ارخيتها ) تتضمن هذه المقولة الشهيرة  وصفا دقيقا للعلاقات التي تقوم بين البشر ومشبها الدبلوماسية بالشعره  حيث تتميز بالدقة والمرونة والحرص على استمرار هذه العلاقات وعدم انقطاعها حتى ولو كانت معلقة على شعره.(6)  وعبر عن الدبلوماسية ايضا بعدة تعاريف فمنهم من يعرفها على انها فن المفاوضة واجرائتها الفنية وهذا ما اشار اليه معجم اكسفورد في تعريفه للدبلوماسية على (انها ادارة العلاقات الدولية بواسطة السفراء والمبعوثين وهي علم وفن الدبلوماسية) (7) وعرفها د. فاضل زكي على انها ( علم وفن وتنظيم العلاقات الدولية التي يمارسها المبعوثين والممثلين الدبلوماسسين من خلال المفاوضات )(8) كما عرفها الفقيه تشارلس كالفور على انها ( علم العلاقات القائمة بين مختلف الدول والناتجة عن المصالح المتبادلة والنابعة من مبادئ القانون الدولي العام ونصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية )(9) وعرفها د. عبد العزيز محمد سرحان على انها ( الطريقة التي يسلكلها اشخاص القانون الدولي لتسهيل قيام علاقات ودية سلمية بينهم وذلك بغية القضاء على ما قد يكون هنالك من تضارب في الراي وتنازع في المصالح المتبادلة )(10) ويرى روبرت دي كانتور على ان الدبلوماسية هي احدى وسائل تنفيذ السياسة الخارجية أي انها ( فن ممارسة اجراء المفاوضات مع دول اخرى في عملية تنفيذ السياسة الخارجية وتشير فعليا الى ممارسة فعلية رسمية تهدف الى تعزيز المصالح الوطنية في الخارج (11). وهناك من يعزي الدبلوماسية الى الوظائف التي تؤديها فالدبلوماسية  هي العمل الدبلوماسي الذي يتمحور في اربع وظائف وهي الاقناع، التسوية،الاتفاق والاكراه .(12) ولعل التعريف الذي اوردة السيد بطرس غالي عام 1992 في تقريرة الى الامم المتحدة  في صنع السلم وحفظ الامن وهو اجود تعريف نابع من منهل الدبلوماسية العلمي على انها ( العمل الرامي الى منع نشوء منازعات بين الاطراف ومنع تصاعد المنازعات القائمة وتحويلها الى صراعات ووقف هذه الصراعات عند وقوعها )(13) من كل مما تقدم فان جميع التعريفات الموجه للدبلوماسية تشير بانها فن المفاوضة لادارة العلاقات الدولية وابعاد شبح النزاعات الدولية ان لم تؤدي الى القضاء عليها بوصف ان النزاعات وتعارض المصالح بين الدول اهم مايشكل تلك العلاقات وبالتالي فلابد من ايجاد وسائل تفاهم للقضاء على تلك النزاعات من اجل عالم دبلوماسية سلمي حقيقي .

المبحث الثاني

خصائص وامتيازات الدبلوماسي في الشريعة الإسلامية

    تحتل العلاقات الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية اهمية خاصة بسبب طبيعة الدعوة الاسلامية  التي تتطلب الاتصال بالشعوب الاخرى بواسطة الرسل بهدف نشر الاسلام وتوثيق الروابط السياسية والاجتماعية والعلمية مع تلك الشعوب (14)

وان مصطلح الرسول ( messenger) يحتل مكانة خاصة عند المسلمين نتيجة الاهتمام الذي اولته الشريعة الاسلامية بالرسل واطلقت هذا المصطلح على الانبياء كما ورد في العديد من الايات القرانية والاحاديث النبوية واقوال العلماء (15) وانطلاقا من المبادئ الاساسية التي جاءت بها الشريعة الاسلامية في نشر الاسلام تنظر الشريعة الاسلامية الى رسلها نظرة تقدير واحترام بالنظر للمهمة الصعبة الموكلة اليهم وتعتبر الاعتداء عليهم اعتداء على كرامة الامة التي ارسلتهم .(16) ولهذا ركز القادة المسلمون الى اختيار الرسل (الممثلين الدبلوماسيين) ممن تتوفر فيهم الخصائص التالية (17)

أ‌-       طلاقة اللسان ولباقته.

ب‌-   المدارك الثاقبة وحسن المنظر والمخبر.

ت‌-   الشخصية الفذة التي تستطيع التاثير في النفس ليكون معبرا صادقا عن شخصية مرسلة

ث‌-   ان يكون امينا في نقل ما اوكل اليه ويستطيع التصرف في الظرف الملائم

ج‌-    صحيح الفطرة والمزاج ومؤدبا

وللشريعة الاسلامية منحى خاص في نظرتها حيث انها استخدمت الرسل في وقتي السلم والحرب كون الفتح الاسلامي لايتخذ الحرب المباغتة وسيلة للفتوحات بل يسبق ذلك ابلاغ الاعداء بالدعوة الاسلامية حتى عند الحد الذي يصل فيه الجيش الاسلامي حدود المدينة المراد فتحها حيث لايجوز ان يقاتل الشخص الذي لم تبلغه الدعوة الى الاسلام ومن يرفض يطالب بدعوته لدفع الجزية (18) قبل ان يقول السيف كلمته وهو ماجرى عليه منذ عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث كان رسل النبي ( صلى الله عليه وسلم) يحملون الرسائل الى الملوك والامراء للتفاوض معهم وبيان موقفهم من الاسلام كون العرب لم يعرفوا الغدر والخداع . اذ ان الحرب عندهم شجاعة واباء(19) ولهذا اتسمت الدبلوماسية التي كانت تقوم كما ذكرنا سابقا على عدم البدء بالحرب المسلحة وعدم اللجوء الى استخدام السلاح الا في حالة الدفاع ضد الاعداء وحماية الضعفاء من الظلم وفي حالة التمرد وهذا ادى الى خروج الاسلام من جغرافيتة العربية الى جغرافية العالم .(20) ورافق نشر الدعوة الاسلامية مبدا الاعتراف الدولي الذي اعتمده الخلفاء الراشدون منذ البداية وكان هذا مبدا ذا اهمية بالغة فهو يقوم على الاعتراف بالسيادة للخليفة مقابل الاعتراف بسيادة سلاطين الممالك الاسلامية وكان نمط المبايعة في الاسلام نوعا من الاعتراف بالسيادة للحاكم .(21) وكذلك اتبع الخلفاء الراشدون سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) في الاعتماد على الرسل بنشر الدعوة الاسلامية ولاسيما انهم كانوا رسل النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الى الاقوام الاخرى .(22)

وبسبب سعة رقعة الدولة الاسلامية ومجاورتها لدول متعددة وازدياد تبادل الرسل مع هذه الدول ظهرت الحاجة الى وضع قواعد خاصة تنظم مركز الرسل في  الدولة الاسلامية ومنحهم امتيازات خاصة تضمن اداء مهمتهم ولهذا اكد فقهاء الشريعة الاسلامية منح الرسل الاجانب الذين يوفدون اليها الامتيازات كافة التي يتمتع بها المستأمن في الدولة الاسلامية واعتبروا الرسول مستامناً تطبق عليه القواعد الخاصة بالمستأمن ومنحوه الامتيازات التالية :

1-          دخول الرسول الدولة الاسلامية بدون عقد امان .(*) شرط ان يراعي واجباته دون تجاوز وان لا ياتي بفعل لا يأتلف مبادئ الشريعة الاسلامية (23) ويتمتع الرسول بحق التنقل في ارض المسلمين بحرية تامة ويستطيع العودة الى دولته في أي وقت يشاء.(24)

2-         مدة اقامة الرسول. ذهب فقهاء الشريعة الاسلامية الى ان مدة اقامة الرسول تكون مطلقة وغير محدودة بمدة معينة.(25) ولايجوز اخراج الرسول من الدولة الاسلامية الا في حالة قيامه باعمال خطره كالتجسس او الدعوة ضد الدين الاسلامي .(26)

3-         الاعفاء من التكاليف لقد اقرفقهاء الشريعة الاسلامية اعفاء الرسل من التكاليف التي تفرض على المسلمين .(27)

4-         صيانة شخص الرسول وامواله. الزم فقهاء الشريعة الاسلامية توفير حماية شخص الرسول (28) وضمان تمتعه بحرية العقيدة واداء اعماله بحرية تامة.(29) فلايجوز قتله او اسره او استرقاقه وعدم التعرض لامواله.(30) بناءا على ماتقدم تستند مصادر امتيازات الرسل في الشريعة الاسلامية الى

أ‌-           المبادئ الانسانية التي جاءت بها الشريعة الاسلامية في حماية شخصية الانسان وان كان غير مسلما كقوله تعالى ( وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مامنه ).(31)  كون الشريعة تخص الناس جميعا وتعمل على حمايتهم لقوله تعالى ( وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا)(32)

ب‌-       اقوال وافعال واقرار النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فقد روي عن النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم) عندما اتاه رسولان من مسيلمة الكذاب يزعمان ان مرسلهما نبي فقال لهما اتشهدان اني رسول الله قالا لا نشهد ان مسيلمة رسول الله فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لو كنت قاتلا رسولاً لقتلتكما. فمضت السنة على ان الرسل لا تقتل .(33)


المبحث الثالث

طبيعة ممارسة الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية

شهدت البشرية من الحروب ويلات مروعة رافقتها الخطوب والمحن فكشفت عن حاجتها الى سلام دائم فاتجهت للبحث عن قواعد جديدة تضمن فيها حياتها وديمومتها وتحفل بواسطتها بمراقي التقدم ومعاني الوجود واولت العلاقات الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية اهمية خاصة بسبب طبيعة الدعوة الاسلامية لبناء علاقات مع المسلمين ومع غيرهم من الشعوب الاخرى وهذا النوع اطلق عليه مجموعة الاحكام والقواعد التي تنظم علاقات المسلمين بغيرهم كتب الفقه (السير)(34) لذلك اصبحت للعلاقات الدبلوماسية في ظل العهد الاسلامي اهمية متميزة بسبب طبيعة الدعوة الاسلامية بحيث احتل المبعوث الدبلوماسي مكانة خاصة عند المسلمين انطلاقا من مبادئ الشريعة في نشر الدعوة الجديدة باسلوب المفاوضة والاقناع فنظرت الى رسلها نظرة احترام واعتبرت الاعتداء عليهم اعتداء على كرامة الامة كما ان الاسلام سعى للمسالمة اثناء المنازعات وتنظيم العلاقات في حال السلم والحرب وكانت تنظم العلاقات الدبلوماسية من خلال الممارسات التالية :

1-         التحكيم : ان التحكيم كان معروفا بين قبائل الجزيرة في الجاهلية . وان المشرع الاسلامي اثبت جواز التحكيم طريقة سلمية لتسوية المنازعات في مجال القانونين الخاص والعام واقرار صحة التحكيم سواء كان التحكيم بين فريقين مسلمين او بين مسلم وغبر مسلم .(35) كما مورس التحكيم في الشريعة الاسلامية بموجب سوابق النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) حيث كان اول محكم في الخلاف الذي دب بين شيوخ قريش في مكة المكرمة عندما اختلفوا في رفع الحجر الاسود وجاء حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) ضامنا لجميع حقوقهم ودرجاتهم المتساوية في نيل ذلك الشرف وبعد ان حمل النبي (صلى الله عليه وسلم) لواء الرسالة السماوية اصبح قائد الامة الاسلامية فقد لجأ الى التحكيم ،واورد القران الكريم التحكيم باية صريحة في قوله تعالى ( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ).(36) وعلى ذلك سار الخلفاء الراشدون وصحبهم .

2-    الوساطة : اوصى المشرع الاسلامي بالوساطة لحل النزاعات وخاصة بين الجماعات الاسلامية فقد حرم الاسلام الحرب الاعتدائية حتى مع غير المسلمين وبالتالي فانه من باب اولى ان يتناول التحريم كل قتال بين المسلمين وتايد ذلك بالحديث النبوي الشريف ( من حمل علينا السلاح فليس منا ).(37)  والدليل الشرعي لوجوب اللجوء الى الوساطة قوله تعالى ( وان طائفتان  من المؤمنين اقتتلا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين )(38) من هذه الاية يتضح لنا انها اوجبت الوساطة للسعي الى الاصلاح ونهى الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم ) عن بيع السلاح في وقت الفتنة سدا لذريعة الاعانة على المعصية واوجبت الاية ان يكون الحكم عادل وعدم  البغي في الوساطة ضد طرف لمصلحة طرف اخر.(39) وهذه الاية لها مغزاها الدولي ففي ثناياه وجوب التعاون في سبيل تحقيق السلام الدولي القائم على العدل والقسط وتامر بالمصالحة والوساطة كتدبير وقائي دبلوماسي واشارت الاية الى نوع العقاب الجماعي ضد الطرف الباغي. وهنا لابد من التنويه بان القواعد الشرعية التي تحكم العلاقات الدولية في الاسلام هي قواعد عالمية تطبق على جميع الشعوب من غير تمييز بسبب اللون او الجنس او الجنسية او المعتقد لان الانسان  هو غاية الاسلام وجميع الناس امة واحدة.(40) اما عندما نتناول الصورة المعاكسة للسلام في الشرع الاسلامي اذ لم يجيز الاسلام الحرب الا في حالات خاصة محددة وما عداه عده الشرع جريمة .(41) وهذا الحكم هو الاساس لما يسمى حاليا بحق الدفاع الشرعي في العلاقات الدولية كما ان الاسلام اول من وضع نظام يفرض فيه على المسلمين حقوقا ويلزمهم بواجبات وان حقوقهم قائمة اساسا على العدالة والاصلاح بين الناس ودفع الفساد من غير ان تذهب حقوق المخالف سدى ان هذه العلاقة التي توصل المسلمين بعضهم ببعض مستمدة من اصلها على اساس الود والسلم.(42) مما تقدم يمكن اعتبار اسس القواعد التي تحكم العلاقات الدولية حاليا ووصفها مبدا المساواة والسيادة والحقوق والواجبات بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وتسوية المنازعات بالحسنى قد اقرته الشريعه الاسلامية وهي صاحبة اللبنات الاولى في هذا المضمار .

3-    الصلح : الصلح في الاسلام اما ان يكون مؤقتا كصلح الحديبية حيث كان امده عشرة سنوات او ان يكون دائميا وانهاء الحرب وعقد الصلح في الاسلام مشروط بوجود المصلحة فيه.(43)  لقوله تعالى ( فان اعتزلوكم فلم يقاتلونكم والقو اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا)(44) ولعل اجمل ما قيل في الصلح الكلام الماثور للامام علي بن ابي طالب (كرم الله وجهه) (لاتدفعن صلحا دعاك اليه عدوك ولله فيه رضا .. فان في الصلح دعه لجنودك وراحة من همومك  وامنا لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فان العدو ربما قارب ليتغفل)(45)


الخاتمة والاستنتاجات

بعد استعراض مفردات بحثنا والتوصل الى مفهوم الدبلوماسية في الشريعة الاسلامية والوقوف على خصائصها وامتيازاتها ومن ثم طبيعة ممارستها تم التوصل الى النتائج التالية.

1-     ان جميع التعريفات الموجه الى الدبلوماسية تشترك بانها فن المفاوضة  لادارة العلاقات الدولية وابعاد شبح النزاعات الدولية .

2-    اولت الشريعة السمحاء اهمية بالغة بالتعاون والتفاهم في سبيل تحقيق السلام الدولي كتدبير وقائي.

3-    القواعد الشرعية التي تحكم العلاقات الدبلوماسية في الاسلام هي قواعد عالمية تطبق على جميع الشعوب من غير تمييز بسبب اللون والجنس او الجنسية او المعتقد لان الانسان هو غاية الاسلام وجميع الناس امة واحدة.

 


الهوامش

1-        د.صبحي محمصاني، القانون والعلاقات الدولية في الاسلام، مطبعة دار العلم للملايين بيروت ،1972،ص50.

2-        The oxford Dictionary of English etmoloy London oxford university press 1966.p.35

3-        محمد بو سلطان، مبادئ القانون الدولي العام، وهران دارالغرب للنشر، ج2 ، الجزائر ، 1999 ،ص217.

4-        فاضل زكي محمد ، الدبلوماسية بين النظرية والتطبيق ، مطبعة شفيق ،ط3 بغداد ،1973،ص9.

5-        د.هشام الشاوي ، الوجيز في فن المفاوضة ، مطبعة جامعة بغداد ، بغداد 1969 ص9.

6-         محمد المجذوب ، الدبلوماسية ، نشأتها وتطورها وقواعدها في الحصانات والامتيازات الدولية ،بيروت، 2007، ص35.

7-        The shorter oxford English Dictionary on hister ical principles – London oxford university. press .1959 . p1.

8-         د. فاضل زكي ، المصدر السابق ،ص27.

9-        د. عزالدين فودة ، النظم الدبلوماسية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ،1961 ص9.

10-     عبد العزيز محمد سرحان ، قانون العلاقات الدبلوماسية والقنصلية ، مطبعة عين شمس ، القاهرة ، 1974 ص9

11-     روبرت دي كانتور ، السياسة الدولية المعاصرة ترجة د. احمد ظاهر، مركز الكتاب الاردني ، عمان ،1989 ص447.

12-     د. ضرغام عبد الله الدباغ ، قوة العمل الدبلوماسي في السياسة دار افاق عربية للنشر ،بغداد 1985ص41.

13-     بطرس غالي ، الامم المتحدة –الدبلوماسية الوقائية وضع وحفظ السلم ، مجلة السياسية الدولية لسنة 28 العدد 110 ،القاهرة 1992 ص319.

14-     د. ابراهيم احمد العدوي السفارات الاسلامية الى اوربا في العصور الوسطى، سلسلة اقرأ، العدد 179 ، القاهرة بلاسنة نشر ،ص13.

15-     من ذلك قوله تعالى ( قل ياايها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ) من سورة الاعراف ، وقوله تعالى ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) سورة النساء الاية (164).

16-     د. حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الاسلام ، ج2  ، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1964 ص198.

17-     محمد كمال عبد العزيز، الشريعة الاسلامية والقانون الدولي، مجلة القانون والعلوم السياسية ج1، بغداد، 1972 ص361.

18-     ناجي معروف ، اصالة الحضارة العربية ، مطبعة التضامن ، بغداد ، 1969 ،ص291.

19-     د. فاضل زكي ، المصدر السابق ،ص29.

20-     د. حسين مروه، النزاعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ، دار الفارابي ،ط1، بيروت ،1979،ص409-422.

21-     د. محمد المجذوب ،المصدر السابق ، ص102.

22-     د. حسن ابراهيم حسن ، المصدر السابق، ص208.

23-     زين الدين بن نجم ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، مطبعة البابي ، دار المكتبة العربية ، القاهرة ، 1334هـ ،ص102.

* عقد الأمان ، وثيقة تمنح للمستأمن الذي ياتي من اجل الزيارة والتجارة ، وان وجوده بينهم يقتضي تحديد اقامته بمدة محدده وهي في الغالب سنة واحدة ،

24-     د. عبد الكريم زيدان ، الشريعة الاسلامية والقانون الدولي ، مجلة القانون والسياسة ، بغداد ،1969،ص195.

25-     شمس الدين المقدوسي ، عقد الفرائد وكنز الفوائد ، المكتبة الاسلامية ، دمشق 1964،ص210.

26-     مجد الدين ابي بركات ، المحرر في الفقه ، مطبعة السنة المحمدية ،1950، ص181.

27-     مصطفى السيوطي الرحيباني ، مطالب اولي  النهي في شرح المنتهى ، منشورات المكتبة المركزية ،ج2، دمشق 1961 ،ص580.

28-     ابي محمد بن حزم ، المحلى ، المجلد الرابع ، المكتب التجاري ، بيروت 1352هـ، ص307.

29-     د. عبد الكريم زيدان ، المصدر السابق ،ص196.

30-     ابي عبد الله الحطاب ، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ، المجلد الثالث ، مكتبة النجاح ، ليبيا، 1329هـ، ص360.

31-     سورة التوبة، الاية (6).

32-     سورة سبأ ، الاية (28).

33-     الامام احمد بن يحيى المرتضى ، البحر الزاخر،ج5، مطبعة السنة المحمدية ،1949،ص454.

34-     د. صبحي المحمصاني ، المصدر السابق ، ص51.

* (السير) هي جمع سيرة ومعناها طريقة معاملة المسلمين لغيرهم سواء كانوا مسالمين او محاربين افرادا او دولا وفي دار الاسلام كانو خارجها مثال ذلك كتاب السير الكبير للامام ابوعبد الله بن حسن الشيباني (854-952) الذي عالج مشاكل السلم والحرب .

35-     صبحي المحمصاني  المصدر السابق،    ص161

36-     سورة النساء ،الايه (65)

37-     الامام الحافظ ابو الحسين مسلم بن الحجاج / صحيح مسلم ،الرياض 1990 رقم الحديث 101.

38-     سورة الحجرات الاية (9)

39-     د. الشيخ محمد ابو زهرة ،العلاقات الدولية في الاسلام ، القاهرة ، 1964،ص20.

40-     المصدر نفسه ،ص21.

41-     د. عبد الفتاح حسن ، ميثاق الامم والشعوب في الاسلام ، مجلة نحو قانون اسلامي عادل، العدد 4 ، بيروت ، بدون سنة نشر ،ص16.

42-     د. عبد الله دراز ، القانون الدولي في الاسلام ، المجلة المصرية للقانون الدولي ،1949، ص5.

43-     د. عصام العطية ، المصدر السابق ، ص265.

44-     سورة النساء ، الاية ،(90).

45-     د. عباس محمود العقاد، العبقريات الاسلامية ، دار الفتوح للطباعة ، القاهرة ، بدون سنة نشر ،ص946.