لماذا لا نأخذ من الكتاب والسنة مباشرة؟
حين نحتاج إلى العلم لفهم النصوص الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم
كثيرًا ما نسمع من يقول:
«لماذا نحتاج إلى المذاهب الفقهية وأقوال العلماء؟ أليس القرآن بين أيدينا، وأحاديث البخاري ومسلم بين أيدينا؟ فلماذا لا نأخذ ديننا من الكتاب والسنة مباشرة، دون وساطة أحد؟!»
وفي ظاهر هذا الكلام دعوةٌ إلى اتباع الدليل والرجوع إلى الوحي، وهو مقصد صحيح لا خلاف عليه؛ فالقرآن الكريم والسنة النبوية هما أصل التشريع الإسلامي.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو:
هل مجرد وجود النصوص الشرعية بين أيدينا يجعلنا جميعًا مؤهلين لفهمها واستنباط الأحكام منها؟ وهل يكفي أن نقرأ الحديث حتى نعرف دلالته، ونعلم حكمه، ونحدد كيفية العمل به؟
هنا تكمن المشكلة التي يغفل عنها كثيرون!
🔹 أولًا: وجود النص لا يعني امتلاك القدرة على فهمه
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتفاوت الناس في العلم والفهم، وأن يكون منهم العالم والمتعلم، ومنهم من لم يبلغ من العلم ما يؤهله للنظر والاستنباط.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
وقال سبحانه:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
ولهذا أمر الله تعالى من لا يعلم أن يرجع إلى أهل العلم، فقال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
فالرجوع إلى العلماء ليس منافسًا للرجوع إلى الكتاب والسنة، بل هو الطريق الذي أرشدنا الله إليه حين نجهل الحكم أو نعجز عن فهم دليله.
ومن يظن أن الاستعانة بالعلماء تعني ترك القرآن والسنة، فقد خلط بين أمرين مختلفين: اتباع الوحي، والاستعانة بأهل العلم لفهم مراد الوحي.
فالعلماء لا يملكون حق التشريع من دون الله، ولا تُقبل أقوالهم لمجرد صدورها عنهم، وإنما يُرجع إليهم لما امتلكوه من علم بأدلة الشرع وقواعد فهمها وطرق الاستنباط منها.
🔹 ثانيًا: هل يصبح الإنسان طبيبًا بمجرد امتلاكه كتابًا في الطب؟
لنتأمل مثالًا قريبًا من واقعنا.
لو اشترى إنسان كتب الطب، وقرأ بعض المراجع الطبية، وحفظ أسماء الأمراض والأدوية، فهل يصبح بذلك طبيبًا مختصًا يستطيع تشخيص الأمراض ووصف العلاج للناس؟
بالطبع لا!
فالطب علم له أصول ومناهج، يحتاج إلى دراسة وتدريب وخبرة وإشراف من المختصين.
وكذلك العلوم الشرعية؛ فليس كل من قرأ آية أو حفظ حديثًا صار مؤهلًا لاستنباط الأحكام، والترجيح بين الأقوال، والحكم على العلماء والمذاهب.
إن الاستنباط الفقهي يحتاج إلى معرفة باللغة العربية، وأصول الفقه، وعلوم الحديث، وقواعد الاستدلال، ومقاصد الشريعة، وطرق الجمع بين الأدلة، ومعرفة مواضع الإجماع والخلاف، وغير ذلك مما يختلف بحسب المسألة ودرجة الاجتهاد المطلوبة.
فإذا كان الناس لا يقبلون أن يتصدر غير المؤهل للطب بحجة أن كتب الطب متاحة للجميع، فلماذا يقبل بعضهم أن يتصدر غير المؤهل للفتوى بحجة أن القرآن والسنة متاحان للجميع؟!
ولا يعني ذلك أن العلم حكر على فئة لا يجوز لغيرها تعلمه، بل يعني أن لكل مقام أهلية، وأن الوصول إلى الاجتهاد يكون بالتعلم والتدرج، لا بمجرد الثقة بالنفس أو كثرة المحفوظات.
🔹 ثالثًا: النصوص الشرعية تحتاج إلى علمٍ يضبط فهمها
قد يقرأ الإنسان حديثًا صحيحًا، فيظن أن الحكم واضح لا يحتمل غير ما فهمه، ثم يتبين له أن المسألة أوسع من ذلك.
فالنصوص الشرعية تتنوع دلالاتها؛ فمنها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه.
وقد يأتي نص في موضوع، وتأتي نصوص أخرى تفسره أو تخصص عمومه أو تقيد إطلاقه، وقد يثبت الحديث من جهة الرواية، لكن يبقى النظر في دلالته، وكيفية الجمع بينه وبين غيره من الأدلة.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
تأملوا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
فالآية تلفت الأنظار إلى أن بعض المسائل تحتاج إلى أهل القدرة على الاستنباط، وليس كل من سمع الخبر أو قرأ النص يدرك ما يترتب عليه من أحكام.
ومن هنا تظهر منزلة العلماء؛ فهم الذين يبذلون الجهد في جمع الأدلة، وفهم دلالاتها، والتمييز بين مراتبها، ومعرفة ما يتصل بها من قواعد وأصول.
ولا يعني هذا أنهم معصومون من الخطأ، بل يعني أن النظر العلمي المنضبط أقدر على الوصول إلى الصواب من القراءة المجردة التي لا تراعي أصول الاستدلال.
🔹 رابعًا: ماذا عن الآيات المتشابهات والأحاديث التي قد يلتبس فهمها؟
قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7].
تبين الآية أن آيات القرآن ليست كلها في درجة واحدة من الوضوح بالنسبة إلى دلالاتها، وأن التعامل مع المتشابه يحتاج إلى ردّه إلى المحكم، والنظر في النصوص وفق منهج صحيح.
وهذا أصل مهم في فهم الوحي؛ إذ لا يجوز أن نأخذ نصًا واحدًا، ونعزله عن سائر النصوص، ثم نبني عليه حكمًا كبيرًا دون استكمال البحث والنظر.
والأمر نفسه في السنة النبوية؛ فقد يفهم القارئ حديثًا على وجه، بينما يدل جمعه مع الأحاديث الأخرى على معنى أوسع أو حكم مختلف عما ظنه أولًا.
فالمشكلة ليست في الرجوع إلى النص، وإنما في توهُّم أن أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ هو بالضرورة مراد الشارع.
ومن هنا كانت الحاجة إلى علوم التفسير والحديث وأصول الفقه واللغة العربية، وإلى الاستفادة من جهود العلماء الذين أمضوا أعمارهم في دراسة النصوص وفهمها.
🔹 خامسًا: لماذا نحتاج إلى الأئمة والمذاهب الفقهية؟
لم يظهر الأئمة الأربعة، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله، فجأةً ليضعوا آراءً شخصيةً بديلةً عن القرآن والسنة.
بل كانوا أئمة اجتهاد، بذلوا جهودًا علمية عظيمة في فهم النصوص، والاستدلال بها، واستنباط الأحكام، ووضع القواعد التي تضبط النظر الفقهي.
وجاءت المذاهب الفقهية حصيلة جهود متراكمة شارك فيها أئمة المذهب وتلامذتهم والعلماء الذين حرروا أقواله، وناقشوا أدلته، ورجحوا بين رواياته ووجوهه.
ولذلك فإن الاستفادة من المذاهب ليست انصرافًا عن الكتاب والسنة، بل هي استفادة من تراث علمي واسع في فهمهما.
ومع ذلك، لا يعني احترام المذاهب أن كل قول فيها صواب، أو أن الإمام لا يخطئ، أو أن المسلم يجب أن يتعصب لمذهب بعينه ولو ظهر له خطؤه.
فالواجب تعظيم الوحي، واحترام العلماء، ومعرفة قدر الاجتهاد، وعدم تحويل الخلاف الفقهي إلى معركة لتصنيف المسلمين والطعن في نياتهم.
ومن أراد معرفة الدليل فليسأل عنه، ومن أراد الترجيح فليتعلم أدواته، ومن لم يكن من أهل الاجتهاد فليستفد من العلماء الموثوقين، دون أن يدّعي لنفسه ما لم يبلغه من العلم.
🔹 سادسًا: من الفهم الخاطئ للنصوص إلى التبديع والتضليل
من أخطر نتائج التسرع في فهم النصوص أن يتحول الإنسان من طالب علم إلى قاضٍ على العلماء والمذاهب، قبل أن يستكمل أدوات النظر.
فيقرأ حديثًا، فيظن أنه أحاط بالمسألة كلها، ثم يبدأ في تبديع المخالف، وتضليله، وربما اتهامه بمخالفة الله ورسوله، مع أن المسألة قد تكون من مسائل الاجتهاد المعروفة بين أهل العلم.
خذوا مثالًا على ذلك: زكاة الفطر وإخراج قيمتها نقدًا.
فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، ولكل قول أدلته وطريقته في الاستدلال. وليس من الإنصاف أن يظن شخص أن اجتهاده وحده هو الذي يمثل الدين، ثم يجعل كل مخالف له مخالفًا لأمر الله بالمعنى الذي يتضمن الذم والتجريم.
إن مجرد مخالفة اجتهاد فقهي معتبر لا تجعل صاحبها مبتدعًا أو ضالًا، فضلًا عن أن تكون مبررًا للتكفير.
وهنا ينبغي أن نسأل: كيف تحولت بعض المسائل الفقهية التي بحثها العلماء بالحجة والدليل إلى معارك يتبادل فيها الناس الاتهامات، وكأن المخالف لا يريد اتباع القرآن والسنة؟
إن من أسباب ذلك ضعف التأصيل العلمي، والتسرع في إصدار الأحكام، والتعصب للرأي، والخلط بين القطعي والاجتهادي.
وليس كل من خالفك مخالفًا للشرع، وليس كل من وافق ظاهر فهمك مصيبًا، وليس كل من استدل بآية أو حديث قد استكمل النظر في المسألة.
وقد كان من أعظم أسباب الانحراف في فهم الدين اقتطاع النصوص من سياقاتها، وإهمال بقية الأدلة، وتحويل الرأي الشخصي إلى معيار يُحاكم به الناس.
ولهذا يجب الحذر من الغلو الذي يجعل مسائل الاجتهاد حدودًا فاصلة بين الإيمان والضلال، كما يجب الحذر من التهاون الذي يفرغ النصوص الشرعية من دلالاتها وأحكامها.
🔹 سابعًا: لا تخلطوا بين التمذهب والتعصب!
وهنا نصل إلى نقطة مهمة لا بد من توضيحها.
التمذهب شيء، والتعصب المذهبي شيء آخر.
فالتمذهب هو الانتفاع بمنهج فقهي معروف، والاستفادة من قواعده وأقوال علمائه في فهم الأحكام الشرعية. وهو أحد المسالك التي يسلكها المسلم في تعلم الفقه وضبط مسائله.
أما التعصب فهو أن يجعل الإنسان قول مذهبه أو شيخه فوق النقد، ويرفض الحق لمجرد أنه جاء من خارج ما اعتاده، أو ينتقص من العلماء المخالفين دون إنصاف.
وكما أن التعصب لمذهب معين مذموم، فإن رفض التراث الفقهي كله، والتعامل مع أقوال العلماء باستخفاف، وادعاء القدرة على استنباط الأحكام من النصوص دون أدواتها، ليس منهجًا علميًا سليمًا.
فلا نريد مسلمًا يقدس أقوال الرجال، ولا نريد مسلمًا يزدري جهود العلماء، بل نريد مسلمًا يعرف مكانة الوحي، ويحترم العلم وأهله، ويدرك أن الاجتهاد له أصول وضوابط.
لا تقديس للأئمة، ولا انتقاص من الأئمة؛ بل علمٌ ودليلٌ وإنصاف.
🔹 ثامنًا: رسالة إلى طلاب العلم ورواد مواقع التواصل
يا طلاب العلم، ويا من تنشرون الفتاوى والأحكام على مواقع التواصل:
اتقوا الله فيما تنقلون، وفيما تكتبون، وفيما تنسبون إلى الله ورسوله!
ليس كل من حفظ حديثًا صار محدّثًا، وليس كل من قرأ كتابًا صار فقيهًا، وليس كل من أتقن الردود والعبارات الجدلية أصبح عالمًا محققًا.
ولا تجعلوا من صفحات التواصل منابر للتبديع والتضليل، ولا تتعاملوا مع خلافات العلماء كما لو كانت مسابقات لإسقاط المخالفين.
إذا أشكلت عليكم مسألة، فاسألوا أهل العلم. وإذا نقلتم قولًا، فتحققوا من صحته وسياقه. وإذا عرضتم خلافًا، فاعرضوه بأمانة وإنصاف. وإذا أخطأ عالم، فناقشوا خطأه بالدليل، دون أن تجعلوا الخطأ الواحد سببًا لإهدار علمه كله أو الطعن في نيته.
وتذكروا أن العلم ليس بكثرة ما تحفظون من النصوص فحسب، بل بحسن فهمها، ومعرفة دلالاتها، والقدرة على وضعها في مواضعها الصحيحة.
كما أن العالم لا يُعرف بارتفاع صوته، ولا بكثرة خصومه، ولا بقدرته على تصنيف الناس؛ وإنما يُعرف بعلمه، وتأصيله، وإنصافه، وأمانته في نقل الأقوال والاستدلال.
✨ الخلاصة: نحن نتبع الكتاب والسنة… ونتعلم كيف نفهمهما
إن دعوتنا إلى الرجوع للكتاب والسنة لا تعني إقصاء العلماء، كما أن دعوتنا إلى احترام العلماء لا تعني تقديم أقوالهم على الوحي.
بل الطريق الصحيح يجمع بين الأمرين:
🔸 الكتاب والسنة هما الأصل والمرجع.
🔸 والعلماء هم أهل الاختصاص الذين يُستعان بعلمهم في فهم النصوص واستنباط الأحكام.
🔸 والاجتهاد له أدوات وقواعد، وليس مجرد انطباع شخصي عن معنى آية أو حديث.
🔸 والخلاف الفقهي لا يبرر التعصب أو التبديع أو التضليل بغير حق.
🔸 واحترام الأئمة لا يعني عصمتهم، كما أن عدم عصمتهم لا يبرر الاستخفاف بعلومهم وجهودهم.
فلا تجعلوا شعار «الكتاب والسنة» ستارًا للجهل بأصول الاستدلال، ولا تجعلوا الانتساب إلى مذهب أو شيخ بديلًا عن الدليل.
نريد أمةً تعظّم الوحي، وتعرف للعلماء أقدارهم، وتتعلم قبل أن تحكم، وتفهم قبل أن تنكر، وتتحرى العدل قبل أن تتهم.
فالدين لا يُفهم بمجرد رفع الشعارات، وإنما يُفهم بالعلم والبصيرة، والرجوع إلى أهله، والالتزام بأدب الخلاف.
والحمد لله رب العالمين.







