بصائر ورسائل فقهية
قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026
تجوز قراءة القرآن على الميت وهبة ثوابها إليه بإجماع الفقهاء
الاثنين، 2 نوفمبر 2026
عبادة الرموز الفكرية… كيف يتشابه بعض الملاحدة وغلاة المداخلة في تحصين أفكارهم من النقد؟
عبادة الرموز الفكرية… كيف يتشابه بعض الملاحدة وغلاة المداخلة في تحصين أفكارهم من النقد؟
ثمة مفارقة تستحق التأمل: قد تجد شخصين يقفان على طرفي نقيض في العقيدة والفكر؛ أحدهما ملحد يرفض الدين، والآخر مدخلي ينتسب إلى السنة واتباع السلف، ومع ذلك تكتشف عند محاورتهما تشابهًا عجيبًا في طريقة التفكير، وأساليب الجدل، والتعامل مع المخالف!
فالأول قد يجعل بعض رموز الإلحاد مرجعية لا يجوز الاعتراض عليها، والثاني قد يجعل شيوخ التيار المدخلي مرجعية لا يجوز نقدها. الأول يحتج عليك بأن العلم قال، والثاني يحتج عليك بأن الدين قال، ثم تكتشف عند التدقيق أن المقصود في الحالتين هو: قال شيوخنا، وانتهى النقاش!
وليس المقصود هنا التسوية بين الإلحاد والمدخلية في المعتقد أو المضمون، ولا التعميم على جميع الملاحدة أو المنتسبين إلى التيار المدخلي، وإنما المقصود نقد نمط من التفكير المغلق يتكرر في بيئات مختلفة، ويقوم على تقديس الرموز، واحتكار الحقيقة، ومصادرة حق الآخرين في النقد والمناقشة.
وإليك أبرز أوجه هذا التشابه:
1. «قال العلماء!»… حين تصبح أقوال الشيوخ بديلًا عن الدليل
حين تناقش بعض الملاحدة العرب، قد تسمعه يقول لك:
قال العلماء! وهل تعرف أكثر من العلماء؟
وهو يقصد بذلك بعض رموز الإلحاد، مثل ريتشارد دوكينز وستيفن هوكينغ وغيرهما، وكأن مجرد ذكر أسمائهم كافٍ لإثبات صحة ما يقول، وكأن الاعتراض على استنتاجاتهم اعتراض على العلم نفسه!
والأعجب أنه قد يستشهد بأقوال هؤلاء في مسائل فلسفية أو ميتافيزيقية، لا لمجرد عرض آرائهم، بل لإلزامك بها، مع أن شهرتهم العلمية في تخصصاتهم لا تجعل كل آرائهم الفلسفية حقائق علمية مسلَّمة.
وفي المقابل، حين تناقش بعض غلاة المداخلة، تسمع العبارة نفسها تقريبًا:
قال العلماء! وهل تعرف أكثر من العلماء؟
لكن المقصود هنا ليس علماء الأمة جميعًا، وإنما شيوخ التيار المدخلي ومن يدور في فلكهم، وكأن العلم الشرعي قد انحصر في دائرة محددة، ومن خالف اختياراتها فقد خالف العلماء والسنة والسلف!
فإذا طالبته بالدليل، جاءك بأقوال شيوخه، وإذا ناقشته في تلك الأقوال، اتهمك بالطعن في العلماء أو الانتقاص من أهل السنة!
وهنا تظهر المفارقة:
الأول يحتج برموز الإلحاد، والثاني يحتج برموز المدخلية، وكلاهما قد يتعامل مع أقوال شيوخه باعتبارها نهاية البحث، لا بدايته.
والحقيقة أن احترام العلماء لا يعني عصمتهم، والاستفادة من المتخصصين لا تعني تعطيل العقل، وقيمة الحجة لا تُقاس بمكانة قائلها وحدها، بل بمدى صحتها وقوة أدلتها.
2. «قال العلم!» و«قال الدين!»… الخلط بين الحقائق والاجتهادات
من الأساليب المتكررة في بعض الخطابات الإلحادية أن تُعرض عليك فرضية أو نظرية فلسفية، ثم تُقدَّم باعتبارها حقيقة علمية أثبتها العلم، وكأن الاعتراض عليها إنكار للعلم والتكنولوجيا والاكتشافات الحديثة!
خذ مثلًا فرضية الأكوان المتعددة أو العوالم المتوازية، وما يرتبط ببعض تفسيرات ميكانيكا الكم.
فهذه موضوعات علمية وفلسفية معقدة، وليست جميع التصورات المطروحة حولها حقائق تجريبية مثبتة. وهناك فرق كبير بين فرضية علمية، وتفسير نظري، وتصور فلسفي، ونتيجة ثبتت بالمشاهدة والتجربة.
لكن بعض المحاورين قد يخلط بين هذه المستويات، ثم يقول لك:
ألا ترى السيارات والحواسيب والتكنولوجيا التي صنعها العلماء؟ أتظن أنك أعلم منهم؟
وهنا يقع في مغالطة واضحة؛ فما علاقة نجاح العلماء في صناعة الحواسيب بإثبات صحة كل تصور فلسفي يتبناه بعضهم؟
إن نجاح العلم التجريبي في تفسير الظواهر وصناعة التكنولوجيا لا يمنح كل استنتاج فلسفي يصدر عن عالم حصانة من النقد.
والأمر نفسه نجده عند بعض غلاة المداخلة.
فقد يقول لك: الإسلام يقول، والسنة تقول، والسلف يقولون!
ثم يأتيك بقول أحد شيوخه أو باجتهاد أحد رموز تياره، ويقدمه على أنه هو الإسلام والسنة ومنهج السلف، وكأن مناقشة ذلك الاجتهاد أو مخالفته تعني الاعتراض على الدين نفسه!
وقد يستشهد بالنصوص العامة الواردة في فضل العلماء، ويحشد لك أقوالًا في تحريم الوقيعة في أهل العلم، ثم ينتقل من هذه النصوص الصحيحة في أصلها إلى نتيجة أخرى لا تلزم منها بالضرورة، وهي أن نقد شيخ من شيوخه، أو مناقشة اجتهاده، أو بيان خطئه، نوع من الطعن في الدين والسنة!
بل قد تتحول المسألة عند بعضهم إلى ولاء وبراء في الأشخاص:
فمن وافق شيوخهم فهو السني، ومن خالفهم فهو المبتدع، ومن انتقد رموزهم فقد طعن في أهل السنة!
وهنا يقع الخلط بين أمور يجب التفريق بينها:
بين الدين وفهم المنتسبين إليه.
بين النص الشرعي والاجتهاد في تفسيره.
بين السنة واختيارات بعض الدعاة.
بين الحقيقة العلمية والتفسير الفلسفي لها.
بين مكانة العالم وعصمة أقواله.
فكما أن أقوال بعض العلماء لا تمثل العلم كله، فإن اجتهادات بعض الشيوخ لا تمثل الدين كله.
ومن أعظم الأخطاء أن تتحول المرجعية من وسيلة لفهم الحقيقة إلى حاجز يمنع الوصول إليها.
3. «ناقش العلماء!»… ثم يمنعونك من الوصول إليهم!
عندما تحاول مناقشة بعض الملاحدة في مسألة معينة، وتكشف له ضعف استدلاله، قد يفاجئك بقوله:
أنا لست عالمًا! إذا أردت النقاش فاذهب وناقش العلماء، واكتب بحثًا علميًا محكّمًا، واحصل على جائزة نوبل!
فتقول له: لكن هناك علماء متخصصون يحملون آراء تخالف ما تستدل به، بل إن بعضهم حاز جوائز علمية مرموقة، فهل تقبل بمناقشة أقوالهم؟
فإذا لم توافق آراءهم هواه، عاد إلى التشكيك فيهم أو في تخصصهم أو في مكانتهم داخل المجتمع العلمي.
وإذا طلبت منه أن يحدد لك من يقبل الاحتكام إليه، اكتشفت أن المسألة ليست مجرد احترام التخصص، وإنما اشتراط أن تكون المرجعية مقبولة لديه سلفًا!
والصورة نفسها تتكرر عند بعض غلاة المداخلة.
تسأله عن مسألة، فيقول لك:
أنا لست عالمًا، اذهب إلى العلماء وناقشهم!
فتقول له: حسنًا، دلني على الشيخ الذي تريدني أن أناقشه، وأنا مستعد لعرض حجتي عليه.
فيبدأ بسؤال آخر:
ومن الذي زكاك حتى تتكلم مع العلماء؟
فتأتيه بتزكيات من علماء معتبرين، فيقول لك:
هؤلاء ليسوا علماء الهدى، وإنما علماء ضلال!
فتأتيه بتزكيات لبعض شيوخه السابقين لأشخاص أصبحوا اليوم محل تجريح عند التيار نفسه، فيجيبك:
لكنهم جرحوهم بعد ذلك!
وهكذا تتغير شروط القبول بحسب النتيجة التي يريد الوصول إليها.
فالمشكلة ليست في ضرورة التأهل للحوار العلمي، ولا في احترام أهل الاختصاص؛ فهذا أمر لا خلاف عليه.
المشكلة أن تصبح شروط التأهل والاعتراف بالعلماء وسيلة لإغلاق باب النقاش، وأن يكون العالم مؤهلًا ما دام موافقًا لهم، ثم يفقد أهليته بمجرد مخالفته لهم!
فأي حوار هذا الذي لا يُسمح لك فيه بمناقشة المرجعيات إلا بعد أن تحصل على اعترافها بك، ولا يُعترف بك إلا إذا وافقتها؟
4. «سيجيب العلم مستقبلًا!»… و«لو سألت شيخنا لأجابك!»
من أكثر المواقف غرابة في بعض الحوارات الإلحادية أن تطرح سؤالًا جوهريًا يمس أصل الإلحاد، فلا تجد إجابة واضحة، وإنما تسمع:
العلم سيجيب عن هذا السؤال مستقبلًا!
وكأن العلم شخص مستقل، يجلس في مكان ما، ويعقد صفقة مع الملاحدة، ويتعهد لهم بحل جميع الإشكالات التي تواجههم في المستقبل!
لكن ما الدليل على أن العلم سيقدم الإجابة التي يتوقعونها؟ ومن يضمن أن السؤال نفسه قابل للحل بالطريقة التي يتصورونها؟ ولماذا ينبغي أن نعتبر الإجابة المستقبلية المجهولة دليلًا حاضرًا؟
إن العلم ليس شخصًا ولا عقيدة ولا وعدًا غيبيًا، وإنما هو نشاط معرفي يقوم به البشر، ويتطور من خلال البحث والملاحظة والتجربة والنقد.
ولا يصح أن نحول ما نجهله اليوم إلى دليل على صحة موقفنا، لمجرد أننا نتوقع أن يأتي يوم نعرف فيه الإجابة.
وهذا يشبه أن تسأل شخصًا عن ثمن سيارة اشتراها منك، فيقول لك:
سأدفع لك بعد مليون سنة!
فهل يُعد هذا جوابًا عن مطالبتك؟ أم مجرد تأجيل لا يحل المشكلة؟
وهنا تحضر قصة الرجل الذي وعد الملك بتعليم حماره اللغة الإنجليزية!
فقد اشترط الملك أن يتعلم الحمار الإنجليزية خلال خمسين سنة، وإلا عوقب المعلم، فقبل الرجل المهمة، وكان يردد لأصحابه أنه لا يخشى الفشل؛ لأن الملك قد يموت، أو يموت هو، أو يموت الحمار قبل انتهاء المدة!
وهكذا تحولت المهمة المستحيلة إلى وعد مؤجل يستفيد صاحبه من وقته، دون أن يقدم دليلًا على إمكانية تحقيق ما وعد به.
والطريف أن بعض غلاة المداخلة يمارسون طريقة معاكسة في ظاهرها، لكنها تؤدي إلى نتيجة مشابهة.
فلا يقولون لك: سيجيب شيوخنا مستقبلًا، بل يقولون:
لو سألت شيخنا لأجابك!
لكن إذا طلبت الوصول إلى ذلك الشيخ، قيل لك:
شيخنا لا يجلس مع أمثالك، ولا يناظر أهل البدع!
وإذا وصلت إليه بطريقة ما، فقد لا تجد جوابًا عن الأسئلة التي طرحتها، وإنما تجد نصائح عامة من قبيل:
اتق الله، واحذر أهل البدع، ولا تجالسهم، فإن الشبهات خطافة والقلوب ضعيفة!
وهكذا يصبح الجواب دائمًا في مكان آخر:
عند الشيخ الذي لا تستطيع الوصول إليه، أو في العلم الذي سيكتشف الحقيقة في المستقبل!
والنتيجة في الحالتين واحدة: السؤال باقٍ بلا جواب، وصاحب الخطاب يتصرف وكأنه قد انتصر في النقاش!
5. «اجعل قلبك كالزجاجة!»… حين يتحول الإعراض عن الحجة إلى فضيلة!
من الأساليب التي قد يلجأ إليها بعض غلاة المداخلة عند مواجهة الأسئلة المحرجة الاستشهاد بعبارات من قبيل:
اجعل قلبك كالزجاجة، تنزلق منها الشبهات، ولا تجعله كالإسفنجة يتشربها!
وهذه العبارة يمكن أن تحمل معنى تربويًا صحيحًا إذا كان المقصود ألا يتأثر الإنسان بالشبهات لمجرد سماعها، وأن يكون لديه علم راسخ يميز به الحق من الباطل.
لكن الإشكال حين تُفهم بطريقة تجعل الإنسان يتجنب سماع الحجة، ويعرض عن مناقشة الاعتراضات، ويظن أن مجرد إغلاق أذنيه عن الأسئلة دليل على قوة إيمانه!
فالزجاجة التي تنزلق عنها الشبهة ليست عقلًا عاجزًا عن فهمها، وإنما قلب يملك من العلم والحجة ما يجعله قادرًا على ردها.
أما الذي لا يستطيع الإجابة، فيكتفي بالقول: لا تسمع، ولا تناقش، ولا تقترب؛ فهذا لم يدحض الشبهة، وإنما تجنب مواجهتها.
والأمر نفسه عند بعض الملاحدة؛ فقد يرفض مناقشة سؤال جوهري، ويكتفي بإحالته إلى المستقبل، أو يتعامل مع السؤال باعتباره صادرًا عن شخص جاهل لا يستحق الإجابة.
ثم يصف المؤمن بأنه يؤمن بإله الفجوات، بينما هو نفسه قد يملأ فجوات معرفته بوعود مستقبلية لم تتحقق بعد!
والفرق كبير بين أن تقول: لا أعرف، وسأبحث عن الإجابة، وبين أن تتخذ من عدم المعرفة وسيلة لإثبات موقف مسبق.
فالجهل ليس دليلًا لأي طرف، والتوقف عن الإجابة ليس انتصارًا، كما أن الإعراض عن الحجة لا يحولها إلى شبهة باطلة.
6. التواضع الذي يتحول إلى سلاح لإسكات المخالف!
ومن الأساليب المشتركة التي تستحق الانتباه أن يتحول النقاش من مناقشة الفكرة إلى محاكمة الشخص الذي يطرحها.
فإذا ناقشت بعض الملاحدة، قد تسمع:
ومن أنت حتى تناقش العلماء؟ وما مؤهلاتك؟ وهل لديك أبحاث منشورة؟ وهل حصلت على جوائز علمية؟
وإذا ناقشت بعض غلاة المداخلة، تسمع:
ومن أنت حتى تتكلم في العلماء؟ ومن زكاك؟ وهل أنت من أهل العلم؟ وهل أنت مؤهل للرد على الشيوخ؟
ولا شك أن التخصص العلمي مهم، وأن الإنسان ينبغي أن يعرف قدر نفسه، وألا يتصدر لما لا يحسن.
لكن هل يعني ذلك أن كل سؤال لا يصدر عن عالم يصبح بلا قيمة؟ وهل تصبح الحجة باطلة لمجرد أن صاحبها ليس مشهورًا أو لم يحصل على تزكية من جهة معينة؟
إن الدليل لا يفقد قيمته لأن قائله غير مشهور، كما أن الخطأ لا يتحول إلى صواب لأن قائله يحمل لقبًا علميًا كبيرًا.
والأدهى أن بعض هؤلاء يضعونك أمام معادلة لا مخرج منها:
إن تكلمت بثقة، اتهموك بالغرور والتعالم!
وإن تواضعت وقلت إنك لست متخصصًا، قالوا لك: إذًا ليس من حقك الكلام!
وإن ناقشتهم بالدليل، قالوا إنك تخوض فيما لا تحسن!
وإن طلبت منهم الجواب، أحالوك إلى غيرهم!
وهكذا يصبح المطلوب منك ليس أن تقدم حجة صحيحة، وإنما أن تكون الشخص الذي يرضون هم مسبقًا بقبول كلامه!
وهذا ليس تواضعًا علميًا، وإنما تحويل للتواضع إلى أداة لإسكات المخالف، والشخصنة بدلًا من مناقشة الموضوع.
7. الدائرة المغلقة… لا نقبل نقدك إلا إذا أصبحت واحدًا منا!
هنا نصل إلى أخطر نقطة في هذا التشابه كله.
فبعض الخطابات المغلقة لا تكتفي برفض الحجة المخالفة، بل تضع شروطًا تجعل قبولها مستحيلًا من البداية.
فهي تقول لك ضمنًا:
لن نقبل نقدك لنا إلا إذا كنت من جماعتنا، ولن تصبح من جماعتنا إلا إذا وافقتنا، وإذا وافقتنا فلن تكون في موقع نقدنا أصلًا!
فإذا خالفتهم، فأنت منحرف أو جاهل أو صاحب شبهة.
وإذا وافقتهم، فقد فقدت حقك في الاعتراض عليهم.
وهكذا تُغلق الدائرة قبل أن يبدأ الحوار!
وهذه صورة من مصادرة المطلوب والدور المنطقي؛ إذ يُشترط فيمن يريد اختبار صحة الفكرة أن يكون قد سلّم بصحتها مسبقًا!
وهذا ليس معيارًا علميًا ولا منهجًا سليمًا في طلب الحقيقة.
فلا يصح أن تقول لشخص: لن أقبل منك نقد مذهبي إلا إذا اعتنقت مذهبي أولًا!
ولا يصح أن تجعل موافقة خصمك لك شرطًا للاعتراف بأهليته لمناقشتك.
إن الأفكار القوية لا تخشى النقد، والحقائق لا تحتاج إلى حراسة الأشخاص، والمناهج الصحيحة لا تستمد صحتها من منع الآخرين من مناقشتها.
الخلاصة: المشكلة ليست في اختلاف المرجعيات، بل في عبادة الرموز!
إن المقارنة بين بعض الملاحدة وغلاة المداخلة تكشف لنا أن التعصب قد ينتج أنماطًا متشابهة من التفكير، حتى عند أشخاص يختلفون اختلافًا جذريًا في العقيدة والانتماء.
فقد تجد عند الطرفين:
تقديسًا مفرطًا للرموز الفكرية.
احتكارًا للمرجعية والحقيقة.
خلطًا بين الدليل وقول صاحب المكانة.
رفضًا انتقائيًا للعلماء والمراجع المخالفة.
تهربًا من الأسئلة المحرجة.
شخصنة النقاش بدلًا من مناقشة الأفكار.
وضع شروط مسبقة تجعل الحوار مستحيلًا.
ومع ذلك، ينبغي أن نكون منصفين: ليس كل من استشهد بعالم قدّسه، وليس كل من أحال إلى متخصص يتهرب من الحوار، وليس كل من قال لا أعلم عاجزًا عن الإجابة؛ فهذه مواقف قد تكون علمية ومحمودة في مواضعها.
إنما المشكلة حين تتحول هذه الأمور إلى منظومة متكاملة لتحصين الأفكار من النقد، وحماية الأشخاص من المساءلة، وإقصاء كل من لا يوافق المرجعية المعتمدة.
ونحن هنا لا ندعو إلى إسقاط العلماء، ولا إلى الاستخفاف بأهل الاختصاص، ولا إلى التسوية بين العلم والجهل، وإنما ندعو إلى وضع كل إنسان في منزلته، وكل قول في ميزان الدليل.
فالعالم يُحترم، لكنه ليس معصومًا.
والشيخ يُستفاد من علمه، لكن لا تُجعل أقواله وحيًا.
والعلم يُحتكم إليه، لكن لا يجوز تحويل الفرضيات والتصورات إلى حقائق لمجرد أن بعض المشاهير تبنوها.
والدين يُتلقى من نصوصه وأصوله المعتبرة، لا من احتكار جماعة أو تيار أو مجموعة من الشيوخ لفهمه.
فلا تجعلوا شيوخ الإلحاد أو شيوخ المداخلة أو غيرهم أوصياء على عقول الناس، ولا تجعلوا مخالفة الرموز جريمة، ولا تجعلوا الانتماء شرطًا لقبول الحقيقة.
فليس كل من خالف شيوخك خالف الدين، وليس كل من خالف رموزك أنكر العلم، وليس كل من سألك سؤالًا محرجًا صاحب شبهة أو ضلال.
إن أخطر أنواع التعصب ليس أن تعتقد أنك على الحق، وإنما أن تقتنع بأنك لا يمكن أن تكون مخطئًا، وأن كل من خالفك لا يستحق حتى أن تسمع منه!
فحين يُمنع السؤال، ويُحاصر النقد، وتُقدَّس الرموز، لا نكون أمام بحث عن الحقيقة، بل أمام صناعة عقول تابعة لا تبحث إلا عما يؤكد ما تؤمن به سلفًا!
الملحد على الطريقة المدخلية
علّمنا رسول الله ﷺ التوسل… فكيف يجرؤ بعض المتعالمين على تحريمه واتهام فاعله بالشرك؟!
علّمنا رسول الله ﷺ التوسل… فكيف يجرؤ بعض المتعالمين على تحريمه واتهام فاعله بالشرك؟!
من أغرب ما نشهده في بعض الخطابات الدينية المعاصرة أن يأتيك شخص فيحرّم التوسل بالنبي ﷺ، ويصف من يفعله بالشرك والضلال، وربما لم يكلّف نفسه عناء قراءة حديث الأعمى الذي علّم فيه رسول الله ﷺ صيغة التوسل، ولا الاطلاع على رواية الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه الذي أرشد إلى العمل بهذه الصيغة بعد وفاة النبي ﷺ!
فأي جرأة هذه على إطلاق الأحكام؟!
وكيف تتحول مسألة بحثها العلماء قديمًا، واختلفوا في بعض صورها ودلالاتها، إلى تهمة بالشرك تُلقى على المسلمين بهذه السهولة؟!
إن من أبسط قواعد العلم أن تجمع النصوص قبل إصدار الأحكام، وأن تفهم كلام العلماء قبل أن تتصدر للإنكار عليهم، وألا تجعل رأيك الاجتهادي ميزانًا تحاكم به عقائد الناس وإيمانهم.
ولنعد إلى الحديث الذي يبدو أن بعض المتعجلين في إصدار الأحكام لم يمنحوه ما يستحق من القراءة والتأمل.
أولًا: رسول الله ﷺ هو الذي علّم التوسل!
روى الترمذي وابن ماجه وأحمد، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:
أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني.
فقال له النبي ﷺ:
«إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك».
فقال الرجل: ادعه.
فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ثم يدعو بهذا الدعاء:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ».
رواه الترمذي (3578)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن ماجه (1385)، وأحمد في مسنده.
تأملوا ألفاظ الحديث جيدًا!
لم يقل النبي ﷺ للرجل: لا تتوسل بي، فهذا من الشرك!
ولم يعلّمه أن التوجه إلى الله بنبيه محرم، أو أن مجرد ذكر النبي في دعاء الله اعتداء على التوحيد.
بل علّمه بنفسه أن يقول:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد».
ثم قال:
«يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه».
فالدعاء موجّه إلى الله، والطلب من الله، والرجاء في الله، والتوسل بالنبي ﷺ.
فأين الشرك في هذه الصيغة التي علّمها رسول الله ﷺ؟!
إن كان المقصود بالتوسل أن يسأل العبد ربَّه متوسلًا بنبيه، مع اعتقاده أن الله وحده هو الذي يقضي الحاجات ويجيب الدعوات، فهذه صورة بحثها العلماء وأجازها كثير منهم.
أما أن يُدعى غير الله باعتقاد أنه يتصرف استقلالًا في الكون، فهذه قضية أخرى لا يجوز الخلط بينها وبين التوسل.
فليس كل خلاف في صفة الدعاء خلافًا في أصل التوحيد، وليس كل ما منعه بعض العلماء يصبح شركًا بالله!
ثانيًا: يقولون: هذا كان في حياة النبي ﷺ!
هنا يأتي الاعتراض الذي يكرره المانعون:
يقولون إن الأعمى توسل بالنبي ﷺ في حياته، وكان النبي حاضرًا، وقد طلب منه أن يدعو له، فلا دليل في الحديث على جواز التوسل به بعد وفاته.
ونقول: هذا وجه من وجوه تفسير الحديث، لكنه ليس نهاية البحث!
فهل جمع هؤلاء جميع الروايات المتعلقة بالمسألة؟
وهل اطلعوا على ما فعله الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ؟
هنا تظهر رواية مهمة يغفل عنها كثيرون، وربما لم يسمع بها بعض من يتصدرون للحديث في هذه المسألة!
ثالثًا: عثمان بن حنيف يعلّم التوسل بعد وفاة النبي ﷺ!
روى الطبراني في «المعجم الصغير» و«الدعاء»، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف:
أن رجلًا كان يتردد على عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فلم يكن عثمان يلتفت إليه ولا يقضي حاجته.
فشكا الرجل أمره إلى الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه.
فقال له عثمان بن حنيف:
ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ ركعتين، ثم قل:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي».
ثم أرشده إلى أن يذهب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأن يذهب معه بعد ذلك.
ففعل الرجل ما أرشده إليه، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فأدخله الحاجب عليه، فقضى حاجته.
فلما خرج الرجل شكر عثمان بن حنيف، وقال له إنه لم يكن يُلتفت إلى حاجته قبل ذلك.
فقال له عثمان بن حنيف ما معناه:
والله ما كلمته، ولكني شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير البصر، فشكا إليه ذهاب بصره، فذكر له قصة الأعمى وكيف علّمه النبي ﷺ ذلك الدعاء.
تأملوا هذه الواقعة جيدًا!
هذه الحادثة لم تقع في حياة النبي ﷺ، وإنما وقعت بعد وفاته، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
والذي أرشد الرجل إلى صيغة التوسل هو الصحابي عثمان بن حنيف، وهو نفسه راوي حديث الأعمى، وقد استند إلى ما شهده من تعليم رسول الله ﷺ.
فلماذا لا يذكر بعض المتصدرين هذه الرواية عندما يناقشون المسألة؟!
ولماذا يكتفون بتكرار عبارة: «كان ذلك في حياة النبي» وكأن الرواية الأخرى غير موجودة؟!
لقد صحح الحاكم هذه الرواية، وقبلها واحتج بها عدد من أهل العلم، بينما ناقش آخرون إسنادها أو دلالتها.
ومن الإنصاف العلمي أن نذكر ذلك كله، لا أن نخفي الرواية لأنها لا توافق رأينا.
فإذا كان حديث الأعمى وحده محل خلاف في دلالته على التوسل بعد الوفاة، فإن رواية عثمان بن حنيف تقدم شاهدًا مهمًّا على فهم أحد الصحابة لهذه المسألة وتطبيقه لها بعد وفاة النبي ﷺ.
وهذا وحده كافٍ لإبطال دعوى أن المسألة محسومة بإجماع لا خلاف فيه!
رابعًا: هل كان رسول الله ﷺ يعلّم الناس الشرك؟!
وهنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يتوقف عنده كل من يتوسع في اتهام المتوسلين بالشرك:
إذا كان مجرد قول المسلم: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد» شركًا بالله، فكيف علّم رسول الله ﷺ هذه الصيغة للأعمى؟!
هل كان النبي ﷺ يعلّم الناس ما يناقض التوحيد الذي بعثه الله به؟!
حاشاه ﷺ!
إن النبي ﷺ أعلم الناس بالتوحيد، وأحرصهم على حماية جناب العقيدة، فكيف يعلّم رجلًا صيغة دعاء يزعم بعض المتأخرين أنها شرك أكبر؟!
والأمر لا يحتاج إلى تعقيد:
الرجل دعا الله، وسأل الله، وتوجه إلى الله، وجعل النبي ﷺ وسيلة في دعائه.
فلا يجوز أن نخلط بين من يسأل الله متوسلًا بنبيه، وبين من يعتقد أن مخلوقًا يملك من دون الله نفعًا أو ضرًّا أو تصرفًا مستقلًا.
التوحيد لا يُحمى بتحريف معاني النصوص، ولا بتوسيع دائرة الشرك حتى تشمل مسائل اختلف فيها أهل العلم.
خامسًا: ليس كل ما خالف رأيك شركًا!
من المؤسف أن بعض الخطابات الدعوية جعلت من مسائل التوسل ميدانًا لتصنيف المسلمين واتهامهم في عقائدهم.
فبدل أن يناقشوا الروايات، ويحرروا معاني الألفاظ، ويعرضوا أقوال العلماء، يختصرون المسألة في عبارات جاهزة:
هذا مشرك!
وهذا قبوري!
وهذا ضال!
وهذه بدعة!
وكأنهم امتلكوا وحدهم مفاتيح الحكم على عقائد المسلمين، ولم يعد في الأمة علماء ومذاهب ومدارس فقهية لها اجتهاداتها المعتبرة!
والحقيقة أن التوسل ليس صورة واحدة عند العلماء، بل له صور متعددة، ومن أشهر ما وقع فيه الخلاف:
التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وهو مشروع.
التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وهو ثابت في حديث أصحاب الغار.
طلب الدعاء من النبي ﷺ في حياته، وهو ثابت بلا نزاع معتبر.
التوسل بالنبي ﷺ بذاته أو جاهه أو حقه، وقد أجازه علماء ومنعه آخرون.
التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، وهو من المسائل التي وقع فيها خلاف في الاستدلال والتأويل.
فلماذا يُختزل هذا كله في اتهام الناس بالشرك؟!
ولماذا لا يُقال: هذه مسألة اختلف فيها العلماء، ولكل فريق أدلته وطريقة فهمه للنصوص؟!
أليس هذا أقرب إلى العلم والإنصاف؟!
إن من حق العالم أن يناقش، ويرجّح، ويضعّف، ويمنع ما يراه غير مشروع، لكن ليس من حق كل متصدر أن يحوّل اجتهاده إلى حكم على عقائد المسلمين، وأن يجعل مخالفه مشركًا لمجرد مخالفته له.
سادسًا: المشكلة ليست في الاختلاف، بل في الجهل بآداب الاختلاف!
لسنا هنا بصدد القول إن كل صور التوسل جائزة، أو إن كل عبارة يتلفظ بها الناس صحيحة، أو إن العلماء لم يختلفوا في المسألة.
بل نريد أن نقول شيئًا أبسط وأهم:
لا تجعلوا مسائل الاجتهاد أبوابًا لتكفير المسلمين، ولا تحوّلوا الخلاف في كيفية الدعاء إلى معركة على أصل الإيمان والتوحيد!
ومن أراد منع صورة من صور التوسل فليأتِ بدليله، وليناقش أدلة المخالفين، وليحترم أقوال العلماء الذين أجازوها.
أما إطلاق أحكام الشرك على المسلمين، دون تفصيل في العبارة والاعتقاد والقصد، فليس من التحقيق العلمي ولا من الحكمة الشرعية.
والأعجب أن بعض الذين يتشددون في هذه المسألة لا يكادون يذكرون رواية عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي ﷺ، مع أنها من أهم ما ينبغي أن يُناقش عند تحرير محل النزاع.
فهل قرأوا الرواية ثم ناقشوها؟
أم اكتفوا بما لقّنهم إياه بعض المتصدرين؟
وهل من الإنصاف أن نحاكم الناس إلى رأي واحد، ثم نتهمهم في توحيدهم لمجرد أخذهم بقول عالم معتبر؟!
الخلاصة: اقرأوا الحديث كاملًا قبل أن تتهموا الناس بالشرك!
رسول الله ﷺ علّم الأعمى صيغة التوسل، والصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه نقل هذا التعليم، ثم أرشد إلى العمل بهذه الصيغة بعد وفاة النبي ﷺ.
هذه نصوص وروايات لا يجوز تجاوزها، ولا يصح أن نغلق باب البحث فيها بعبارة واحدة: «كان ذلك في حياته».
نعم، اختلف العلماء في دلالتها، ومن حق كل باحث أن يناقش ويرجّح، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر التوحيد، أو يجعل رأيه وحده معيارًا لإيمان المسلمين.
فإذا كان النبي ﷺ قد علّمنا كيف نتوجه إلى الله في الدعاء، فمن العجيب أن يأتي بعض المتعالمين فيجعلوا من هذا التوسل تهمة بالشرك، بدل أن يناقشوا النصوص بعلم وإنصاف!
لا تُضيّقوا واسعًا، ولا تُبدّعوا فيما اختلف فيه العلماء، ولا تجعلوا التوحيد سلاحًا لتفريق المسلمين.
التوحيد يحتاج إلى علم وبصيرة، لا إلى غلوٍّ واتهام، والدين يحتاج إلى فقه وحكمة، لا إلى جرأة على أحكام الله وعباده.
فليقرأوا حديث الأعمى، وليتأملوا رواية عثمان بن حنيف، وليتعلموا أن العلم ليس في كثرة إطلاق الأحكام، وإنما في حسن فهم النصوص، ومعرفة مواضع الخلاف، والعدل مع المخالف.
فالحق لا يُعرف بالصراخ، ولا يُثبت بالتشنيع، وإنما يُعرف بالدليل والبرهان.
التوسل بالنبي ﷺ: خلافٌ في كيفية الدعاء، أم شركٌ بالله؟! وماذا فعل الصحابي عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي؟
التوسل بالنبي ﷺ: خلافٌ في كيفية الدعاء، أم شركٌ بالله؟! وماذا فعل الصحابي عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي؟
من المسائل التي كثر فيها الجدال بين المسلمين مسألة التوسل بالنبي ﷺ، حتى وصل الأمر ببعض المتحمسين إلى اتهام من يتوسل بالنبي بالشرك، وكأن المسألة من أصول العقيدة القطعية التي لا تحتمل خلافًا أو اجتهادًا!
والعجيب أن كثيرًا ممن يتحدثون في هذه المسألة، ويصدرون الأحكام على الناس فيها، لم يقرأوا حديث الأعمى قراءة متأنية، وربما لم يسمعوا أصلًا بالرواية الأخرى التي نقلت لنا تطبيق الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه لهذا التوسل بعد وفاة النبي ﷺ!
ولذلك لا بد من العودة إلى النصوص، وقراءة الروايات كاملة، بعيدًا عن التعصب والتسرع في إطلاق الأحكام.
أولًا: حديث الأعمى… النبي ﷺ هو الذي علّم صيغة التوسل!
روى الترمذي وابن ماجه وأحمد، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:
أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني.
فقال له النبي ﷺ:
«إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك».
فقال الرجل: ادعه.
فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ثم يدعو بهذا الدعاء:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ».
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند ألفاظ الحديث، لا أن نمر عليها مرورًا عابرًا.
فالرجل لم يُعلَّم أن يقول: اللهم إني أسألك بدعاء فلان فحسب، بل جاء في الدعاء:
«وأتوجه إليك بنبيك محمد».
وجاء أيضًا:
«إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه».
وهذا هو أصل الاستدلال الذي بنى عليه عدد من العلماء القول بمشروعية التوسل بالنبي ﷺ.
فكيف يصبح هذا التوسل الذي علّمه رسول الله ﷺ بنفسه شركًا بالله؟!
إن النبي ﷺ لم يعلّم الرجل أن يعبد غير الله، ولا أن يعتقد أن النبي يتصرف استقلالًا في الكون، وإنما علّمه دعاءً يتوجه فيه إلى الله، ويسأله قضاء حاجته.
ومن هنا يجب التفريق بين التوسل إلى الله بالنبي ﷺ، وبين دعاء غير الله واعتقاد التصرف المستقل لغير الله؛ فهما مسألتان مختلفتان، ولا يجوز الخلط بينهما.
ثانيًا: يقولون إن الحديث كان في حياة النبي ﷺ… فهل انتهى البحث عند هذه العبارة؟
هذا هو الاعتراض الأشهر عند المانعين.
يقولون: إن الرجل توسل بالنبي ﷺ في حياته، والنبي حاضر بين أصحابه، وكان قادرًا على الدعاء له، فلا دليل في الحديث على جواز التوسل به بعد وفاته.
وهذا الاعتراض يمثل وجهًا من وجوه تفسير الحديث، لكنه ليس نهاية البحث، ولا يصح أن نتجاهل بقية الروايات التي تتصل بالمسألة.
فهل انتهى الأمر عند وفاة النبي ﷺ؟
وهل توقف الصحابة عن فهم الحديث والعمل بما تعلموه منه؟
هنا تأتي الرواية التي يغفل عنها كثير من المتجادلين!
ثالثًا: المفاجأة العلمية… ماذا فعل عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي ﷺ؟
روى الطبراني في «المعجم الصغير» و«الدعاء»، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»، وغيرهم، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:
أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فلم يكن عثمان يلتفت إليه ولا يقضي حاجته.
فشكا الرجل أمره إلى عثمان بن حنيف، فقال له:
ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ ركعتين، ثم قل:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي».
ثم ذكر له أن يذهب إلى عثمان بن عفان، وأن يذهب معه بعد ذلك.
ففعل الرجل ما أرشده إليه عثمان بن حنيف، ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأدخله الحاجب عليه، وأجلسه معه، فقضى حاجته.
فلما خرج الرجل شكر عثمان بن حنيف، وقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيَّ!
فقال له عثمان بن حنيف:
«والله ما كلمته، ولكني شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره...»
ثم أعاد عليه قصة الأعمى، وكيف علّمه النبي ﷺ ذلك الدعاء.
وهنا تكمن أهمية هذه الرواية!
فالرجل الذي أرشده عثمان بن حنيف إلى هذه الصيغة لم يكن في زمن حياة النبي ﷺ، وإنما كان ذلك في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أي بعد وفاة رسول الله ﷺ.
والأهم من ذلك أن عثمان بن حنيف لم يكتفِ بنقل الحديث، بل أرشد الرجل إلى العمل بالدعاء نفسه، مستندًا إلى ما شهده من تعليم النبي ﷺ للأعمى.
وقد صحح الحاكم الرواية، ونقل أهل العلم تصحيحها، كما حكم على إسنادها بالاتصال والثقة عدد من المحدثين، مع وجود نقاش بين العلماء في بعض طرقها ودلالتها.
وهذا الإنصاف يقتضي ألا نخفي الرواية، وألا ندّعي في المقابل أن جميع العلماء اتفقوا على قبولها والاستدلال بها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح:
إذا كان حديث الأعمى خاصًّا بالتوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، فكيف نفهم إرشاد عثمان بن حنيف رجلًا بعد وفاته إلى الدعاء نفسه، مع علمه بظروف الواقعة الأولى؟
إن هذه الرواية على الأقل تجعل المسألة أوسع من مجرد القول: كان النبي حيًّا وانتهى الأمر!
رابعًا: هل يعقل أن نعلّم الناس الشرك باسم السنة؟!
لنتأمل هذه النقطة جيدًا:
النبي ﷺ هو الذي علّم الأعمى صيغة هذا الدعاء، وبيّن له كيفية التوجه إلى الله والتوسل بنبيه.
فهل كان النبي ﷺ يعلّم الناس الشرك بالله؟!
حاشاه ﷺ!
إن مجرد هذا السؤال يكشف خطورة التوسع في إطلاق لفظ الشرك على كل صورة من صور التوسل المختلف فيها.
نعم، لا نقول إن كل عبارة يتلفظ بها الإنسان في التوسل صحيحة، ولا إن كل اعتقاد يصاحبها مقبول، ولا إن كل صور الاستغاثة مشروعة.
بل نقول: لا بد من التفريق بين من يسأل الله ويتوسل إليه بنبيه، معتقدًا أن الله وحده هو النافع والضار والمجيب، وبين من يعتقد لغير الله تصرفًا مستقلًا في تدبير الكون وقضاء الحاجات.
فالأول يناقش في إطار الخلاف المعروف بين العلماء في مشروعية أنواع التوسل، أما الثاني فله حكم آخر يتعلق بحقيقة اعتقاده وعمله.
ولا يجوز أن نجعل المسألتين شيئًا واحدًا، ثم نوزع أحكام الشرك على المسلمين دون تفصيل أو تثبت.
خامسًا: لماذا يُغفل كثيرون رواية عثمان بن حنيف؟
من المؤسف أن كثيرًا ممن يتصدرون للحديث في هذه المسألة يكررون عبارة: «هذا كان في حياة النبي ﷺ»، ثم لا يتطرقون إلى الرواية الأخرى التي نقلها الطبراني وغيره عن عثمان بن حنيف.
وربما كان بعضهم لم يطلع عليها أصلًا!
وهذا يطرح سؤالًا عن منهج البحث والاستدلال:
هل نكتفي بالرواية التي توافق رأينا، ونتجاوز الرواية الأخرى؟
وهل يصح أن نصدر حكمًا شديدًا على مسألة قبل جمع نصوصها، والنظر في أقوال أهل العلم فيها؟
إن طالب العلم لا يكتفي بما يسمعه من شيخ أو داعية، بل يرجع إلى المصادر، ويجمع الروايات، ويدرس الأسانيد، ويفهم الدلالات، ويعرف مواضع الاتفاق والاختلاف.
ولا يجوز أن تتحول المسائل الاجتهادية إلى اختبارات لسلامة العقيدة، ولا أن يصبح الخلاف في كيفية الدعاء والتوسل بابًا لتكفير الناس أو اتهامهم بالشرك.
سادسًا: الخلاف في التوسل ليس مبررًا للتبديع والتشنيع
من المعلوم أن العلماء اختلفوا في أنواع التوسل:
فمنهم من أجاز التوسل بالنبي ﷺ، واحتج بحديث الأعمى وغيره، وذهب إلى امتداد مشروعيته بعد وفاته.
ومنهم من أجاز التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، ولم يرَ في حديث الأعمى دليلًا كافيًا على التوسل بذاته أو جاهه بعد وفاته.
ومنهم من فرّق بين صور التوسل، فأجاز بعضها ومنع بعضها الآخر.
وهذا خلاف علمي معروف، لا يصح محوه أو اختزاله في عبارة: هذا توحيد، وهذا شرك!
فليس كل ما منعه عالم يصبح شركًا، وليس كل ما أجازه عالم يصبح واجبًا أو متفقًا عليه.
والأصل أن تُناقش الأدلة، وتُحرر محل النزاع، ويُحترم الاجتهاد المعتبر.
أما أن يُتهم المسلم بالشرك لمجرد أنه أخذ بقول عالم معتبر في مسألة التوسل، فهذا تجاوز لا يخدم التوحيد، بل يفتح بابًا خطيرًا للتشدد والتبديع والتضييق على المسلمين.
الخلاصة
إن حديث الأعمى ثابت، وفيه أن النبي ﷺ علّم رجلًا أن يتوجه إلى الله بنبيه محمد ﷺ.
ثم جاءت رواية عثمان بن حنيف رضي الله عنه، لتخبرنا أنه أرشد رجلًا إلى الدعاء نفسه بعد وفاة النبي ﷺ، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وهذه الرواية تجعل دعوى اختصاص التوسل بحياة النبي ﷺ موضع نقاش علمي جاد، ولا يصح تجاوزها أو تجاهلها.
لسنا مطالبين بأن نتفق جميعًا على تفسير واحد للحديث، لكننا مطالبون بأن نكون منصفين في فهمه، وأن نفرق بين الخلاف في كيفية الدعاء، وبين الشرك بالله.
فالتوسل الذي يتوجه فيه العبد إلى الله، ويعتقد أن الله وحده هو الذي يقضي الحاجات ويجيب الدعوات، لا يجوز أن يُحكم عليه بالشرك لمجرد وقوع الخلاف في صفته وكيفيته.
وليس من العلم أن نُضيّق ما اختلف فيه العلماء، ولا من التوحيد أن نُحمّل المسلمين من الأحكام ما لا تثبته النصوص.
فلنُعظّم التوحيد، ولنحفظ حرمة المسلمين، ولنجعل الدليل هو الحاكم على آرائنا، لا أن نجعل آراءنا حاكمة على النصوص!
( حكم ترك السلف الصالح الإحتفال بمولد النبوي الشريف ؟!
الوهابيين المتمسلفيين التكفيريين الخوارج لايعتمد عليهم ؟!
أئمة الإسلام وفقهاء المذاهب الأربعة جهال ومبدعة و مشركون و قبوريون عند الوهابيين النجديين قرن الشيطان
(أئمة الإسلام وفقهاء المذاهب الأربعة جهال ومبدعة و مشركون و قبوريون عند الوهابيين النجديين قرن الشيطان الخوارج المتمسلفيين التكفيريين ) ؟؟؟؟!!!!