الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

ابن تيمية ليس معصومًا من الخطأ… نصوص من كتبه تفتح أبوابًا للنقاش، وتكشف خطر تقديس الأشخاص!

 

ابن تيمية ليس معصومًا من الخطأ… نصوص من كتبه تفتح أبوابًا للنقاش، وتكشف خطر تقديس الأشخاص!

من الكرامات والتصوف، إلى التصرف والتأثير، مرورًا بالتشدد في الفقه وفقه القتال… لماذا يحق لنا أن نناقش اجتهادات ابن تيمية، بينما يتعامل بعض المنتسبين إليه معها وكأنها فوق النقد؟!

ليست المشكلة في أن تحب عالمًا، أو تنتفع بعلمه، أو تدافع عنه حين يُظلم؛ فهذه أمور لا تتعارض مع الإنصاف.

إنما المشكلة أن تتحول محبة العالم إلى تعصب، وأن يصبح اسمه حجةً مستقلة عن الدليل، وأن يُسمح له بأن يخطئ في نظر خصومه، ثم يُمنع الآخرون من مناقشة أخطائه إذا خالفت آراءهم.

وهذا ما نراه عند بعض المتعصبين لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ إذ يرفعون شعار اتباع الدليل، لكنهم قد يتعاملون مع اجتهاداته وكأن نقدها خروج عن السنة، أو طعن في الدين، أو انتقاص من مكانته العلمية.

والحقيقة التي ينبغي أن نتفق عليها جميعًا هي أن ابن تيمية عالم مجتهد، له علمه وفضله وإصاباته، وله كذلك اجتهادات وأقوال تقبل المناقشة والنقد والمراجعة.

فهو ليس نبيًّا معصومًا، ولم يكن كلامه وحيًا، ولا يجوز أن تتحول مكانته إلى حصانة تمنع الباحث من مراجعة نصوصه أو مساءلة استدلالاته.

ولذلك سنعود هنا إلى نصوص من كتبه، لا لنحاكم الرجل بألفاظ خصومه، ولا لننسب إليه ما لم يقله، بل لنطرح سؤالًا مشروعًا:

هل نقرأ ابن تيمية كما كتب، أم كما يريد بعض أتباعه أن نتصوره؟


أولًا: ابن تيمية وما ذكره عن الكرامات عند قبور الأنبياء والصالحين

من النصوص اللافتة ما أورده ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، عند حديثه عن الكرامات وخوارق العادات التي قد تقع عند قبور الأنبياء والصالحين.

قال:

«وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها؛ فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه».

ثم قال:

«وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق».

المصدر: اقتضاء الصراط المستقيم، وفق الطبعة والإحالة الواردتين في المادة المرسلة. <Cite refs={["turn470196search3","turn470196search4"]}/>

هذه كلمات تستحق القراءة المتأنية.

فابن تيمية لا ينفي هنا أصل الكرامات التي قد تقع عند قبور الأنبياء والصالحين، بل يقرّر أن جنس ما ذكره منها حق، ويتحدث عن كرامة الله ورحمته، وعن حرمة هذه القبور وكرامتها عند الله.

لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر أيضًا أنه لا يجعل إثبات هذه الكرامات مبررًا لكل ما يفعله الناس عند القبور، بل يفرّق بين الاعتراف بوقوع الكرامة وبين اتخاذ القبور مواضع للعبادة.

إذن، لا يصح أن نستخرج من كلامه إباحة جميع صور التوسل والاستغاثة والتبرك، كما لا يصح أن نتجاهل كلامه في إثبات أصل الكرامات.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يختزل بعض المنتسبين إلى ابن تيمية موقفه في عبارات المنع، ثم يتجاهلون النصوص التي تتضمن تفصيلًا وإثباتًا لأمور لا تتفق مع الصورة المبسطة التي يقدمونها عنه؟

إن قراءة العالم من خلال نصوص منتقاة لا تصنع معرفة صحيحة به، بل تنتج صورة مبتورة عن فكره.


ثانيًا: «تصريف الكون» في كلام ابن تيمية… ماذا تعني العبارة؟

ومن النصوص التي تحتاج إلى تحرير دقيق قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى:

«فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون، ولهذا هو الغالب على ذوي الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم، وبه يتصرفون ويؤثرون، تارة بما يوافق الأمر، وتارة بما يخالفه».

المصدر: مجموع الفتاوى، 10/550. <Cite refs={["turn316141search3"]}/>

قد يتوقف القارئ عند عبارتي «تصريف الكون» و«وبه يتصرفون ويؤثرون»، ويسأل عن المقصود بهما، وعن حدود القدرة والتأثير اللذين يتحدث عنهما المؤلف.

وهذا سؤال مشروع.

لكن لا يجوز أن نحمل النص على أن الأولياء يتصرفون في الكون استقلالًا عن الله؛ فالعبارة واردة في سياق حديثه عن التوكل بوصفه سببًا لجلب المنافع ودفع المضار، وعن أحوال بعض أصحاب الأحوال وتأثيراتهم.

ومن هنا ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:

  • أن يجعل الله لبعض عباده أسبابًا ينتفعون بها أو ينفعون غيرهم.

  • أن تقع على أيدي بعض الصالحين أمور خارقة للعادة بإقدار الله.

  • أن يُنسب إلى مخلوق تصرف مستقل في الكون لا يتوقف على مشيئة الله وقدرته.

هذه معانٍ مختلفة، ولا يصح الخلط بينها.

لكن وجود هذه العبارة في كتاب ابن تيمية يفتح بابًا للبحث في مفهومه للتوكل والتأثير وأصحاب الأحوال، ويُلزم من يحتج بكلامه أن يقرأه كاملًا، لا أن يكتفي بالشعارات التي يرفعها أتباعه.

فإذا كانت العبارة تحتاج إلى تفسير، فواجبنا أن نفسرها، لا أن نمنع السؤال عنها.


ثالثًا: ابن تيمية والصوفية… هل كان موقفه رفضًا مطلقًا للتصوف؟

من أكثر المسائل التي تكشف خطر الأحكام العامة موقف ابن تيمية من التصوف وأهله.

ففي مجموع الفتاوى، 20/63، يتحدث عن العارفين بمعاني العلوم الشرعية، ويقول:

«وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به فهم في العلوم كالعارفين من الصوفية الشرعية، فهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة، وهم أفضل الخلق وأكملهم وأقومهم طريقة».

المصدر: مجموع الفتاوى، 20/63. <Cite refs={["turn316141search0"]}/>

لاحظوا القيد الذي وضعه بنفسه: «الصوفية الشرعية».

فهو لا يمدح كل من انتسب إلى التصوف دون تفصيل، لكنه في الوقت نفسه لا يرفض التصوف بإطلاق، بل يثني على طائفة من أهله، ويجعل العارفين بمعاني العلوم الشرعية منهم في منزلة عالية.

وفي موضع آخر، عند حديثه عن الصوفية، يقرر أن الناس بالغوا في ذمهم كما بالغ آخرون في مدحهم، ثم يقول:

«والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله».

ويذكر أن فيهم السابق المقرب، والمقتصد، ومن يجتهد فيخطئ، ومن يذنب فيتوب أو لا يتوب.

المصدر: مجموع الفتاوى، 11، في رسالة ابن تيمية في الصوفية والفقراء. <Cite refs={["turn316141search1"]}/>

وهذا كلام واضح في رفض التعميم؛ إذ يجعل الحكم تابعًا لحال الشخص وعمله، لا لمجرد الاسم الذي ينتسب إليه.

فلماذا يتعامل بعض المنتسبين إلى ابن تيمية مع التصوف وكأنه كتلة واحدة لا تفصيل فيها، مع أن كلام شيخهم نفسه يفرّق بين أحوال الصوفية، ويمدح بعضهم، وينتقد بعض الممارسات والأقوال؟

إن كان الميزان هو الدليل، فالواجب أن نلتزم بالتفصيل نفسه، لا أن نستبدل به أحكامًا جماعية جاهزة.

وابن القيم أيضًا… هل كل ما يتصل بتزكية النفوس يُرفض؟

أما ابن القيم، فقد أفاض في الحديث عن أحوال القلوب ومنازل العبودية والتوكل والمحبة والإنابة، وهي موضوعات تتقاطع مع ما يبحثه علماء السلوك والتصوف في جانب التزكية.

وتُنقل عنه في كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين عبارة في شرف علم أحوال السالكين إلى الله، لكن ينبغي مراجعة لفظها وموضعها في الطبعة المعتمدة قبل اعتماد الاقتباس الحرفي المتداول.

والخلاصة هنا ليست أن ابن القيم زكّى كل الطرق الصوفية أو أقرّ جميع ممارساتها، وإنما أن الحديث عن تزكية النفس وأعمال القلوب ومنازل العبودية لا يصح اختزاله في خصومة مع اسم أو مصطلح.

فالعبرة بحقيقة القول والعمل، لا بمجرد الاسم الذي يحمله صاحبه.


رابعًا: ابن تيمية وتشدد بعض الأحكام الفقهية… هل كل اجتهاداته ملزمة؟

من المسائل التي تستحق النقاش ما أورده ابن تيمية في أحكام الجهر بالنية في الصلاة، وفيمن يتعمد تأخير الصلاة عن وقتها.

ففي مجموع الفتاوى، 22/218-219، يقول عن الجهر بالنية:

«والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشرع، فهو جاهل ضال يستحق التعزير».

ثم يتحدث عن العقوبة عند الإصرار، ولا سيما إذا آذى المصلين برفع صوته أو كرر ذلك بعد البيان له.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: النص يتحدث عن التعزير والعقوبة، ولا يقول إن كل من جهر بالنية يُقتل.

لكن تبقى المسألة الفقهية جديرة بالنقاش: ما مستند هذا التشديد؟ وما حدود التعزير في مثل هذه المسألة؟ وكيف يُراعى اختلاف أحوال الناس وجهلهم وتأويلهم؟

فليس كل من خالف اجتهادًا فقهيًّا مبتدعًا بالمعنى الذي يوجب التشنيع عليه، ولا ينبغي أن تتحول مسائل النية وكيفية التلفظ بها إلى ميدان للمبالغة في التبديع والتعزير.

أما مسألة تأخير الصلاة، فيقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى، 22/28، فيمن يؤخرها عن وقتها بسبب صناعة أو صيد أو خدمة:

«ومن أخّرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يُستتاب».

ويذكر صورة من يصرّ على عدم الصلاة إلا بعد غروب الشمس لانشغاله بعمله.

وهذه مسألة خطيرة تتصل بأحكام تارك الصلاة، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف معروف بين الفقهاء، سواء في حكم تارك الصلاة أو في التفريق بين الجحود والتهاون، وفي شروط تنزيل الأحكام على الأشخاص.

لذلك لا يجوز أن ننسب إلى ابن تيمية أنه قرر قتل كل من فاتته صلاة، أو أن نختزل المسألة في عبارة مبتورة. وفي المقابل، لا يجوز أن نجعل اجتهاده في هذه القضية بمنأى عن البحث والمناقشة، ولا أن نعرض قوله بوصفه الحكم الوحيد الذي لا يُقبل غيره.

فإذا كانت المسألة محل خلاف فقهي، فإن الأمانة تقتضي عرض الخلاف وأدلته، لا تحويل رأي واحد إلى سيف يُشهر في وجه المخالفين.


خامسًا: هل يثبت من كلام محمد بن عبد الوهاب أن الولي ينتفع الناس بكراماته بعد موته؟

تتضمن المادة التي جُمعت لهذا المقال نصوصًا وروايات من كتاب متداول بعنوان أحكام تمني الموت، منسوب إلى محمد بن عبد الوهاب، وفيها حكايات عن كرامات بعض الصالحين بعد موتهم، ومنها روايات عن المطر، والكلام من داخل القبر، وما يُستدل به على إدراك الميت بعض الأمور.

لكن نسبة الكتاب إلى محمد بن عبد الوهاب محل خلاف، ولذلك لا يصح أن ننسب هذه الروايات إليه جزمًا لمجرد وجودها في نسخة متداولة، كما لا يصح إبطالها لمجرد اعتراض عالم عليها.

فالتحقيق يقتضي التفريق بين ثلاثة أسئلة:

  1. هل النص موجود فعلًا في الكتاب المتداول؟

  2. هل ثبتت نسبة الكتاب إلى محمد بن عبد الوهاب؟

  3. هل الرواية المذكورة صحيحة، وهل تدل على الحكم الذي يُراد إثباته بها؟

هذه أسئلة منفصلة، ولا يغني الجواب عن أحدها عن بقية الأسئلة.

ومن هنا، فإن هذه المادة تصلح محورًا للبحث والتوثيق، لكنها لا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها دليلًا محسومًا على موقف محمد بن عبد الوهاب قبل التحقق من النسبة.

ومع ذلك، فإن أصل البحث في الكرامات بعد الموت، وفي حدود الانتفاع بالميت، وفي دلالات الروايات المتعلقة بذلك، بحث مشروع، ينبغي أن يُتناول بالأدلة، بعيدًا عن الانتقائية.

فلا نقبل نسبة كتاب إلى مؤلف لمجرد موافقة محتواه لموقفنا، ولا نرفض نصًا لمجرد أن نسبته أصبحت موضع نزاع.


سادسًا: ابن تيمية وفتوى قتال التتار… حين تصبح الاجتهادات المتعلقة بالدماء موضعًا للمساءلة

نصل هنا إلى واحدة من أكثر المسائل حساسية في تراث ابن تيمية: موقفه من قتال التتار الذين انتسب كثير منهم إلى الإسلام، مع استمرارهم في بعض القوانين والممارسات التي رأى أنها تخالف أحكام الشريعة.

وقد تناول المسألة في مجموع الفتاوى، المجلد الثامن والعشرين، في جواب عن حكم قتال التتار، بعد أن وصف السائل ما ارتكبوه من قتل المسلمين وسبي بعض الذراري ونهب الأموال والاعتداء على الحرمات.

قال ابن تيمية:

«كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه».

المصدر: مجموع الفتاوى، 28/502-503. <Cite refs={["turn514968search0","turn514968search2"]}/>

هذه العبارة صريحة في تقريره جواز القتال، بل وجوبه في الحالة التي وصفها، حتى مع نطق أفراد الجماعة بالشهادتين والتزامهم بعض شرائع الإسلام.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقرأ الفتوى كاملة، لا أن نختزلها في أن ابن تيمية حرّض على قتال المسلمين لمجرد ارتكابهم المعاصي.

فهو استند إلى ما وصفه بالامتناع عن الالتزام بشرائع ظاهرة، وتناول ما نُسب إلى التتار من اعتداء على المسلمين، ونهب أموالهم، وسبي بعضهم، وإهانة المساجد. كما ناقش طبيعة نظامهم وموقفهم من أحكام الشريعة.

إذن، القضية أوسع من مجرد أفراد يشربون الخمر أو يقصرون في بعض الواجبات؛ إنها اجتهاد فقهي وسياسي وعسكري يتعلق بجماعة مسلحة وسلطة قائمة في ظروف تاريخية محددة.

لكن هل يمنع ذلك من نقد اجتهاده؟

بالطبع لا.

فمن حق الباحث أن يناقش الأساس الفقهي الذي بنى عليه ابن تيمية حكمه، وأن يبحث في ضوابط مفهوم الامتناع عن الشريعة، وفي الفرق بين المعصية الفردية وامتناع الجماعة عن حكم شرعي، وفي الشروط والموانع التي يجب مراعاتها عند تقرير أحكام القتال.

كما يحق له أن يسأل: من يملك تقدير هذه الحالات؟ وكيف تُمنع إساءة استعمال الفتاوى العامة؟ وما الذي يحول دون أن تتحول اجتهادات تاريخية إلى ذرائع للتكفير واستباحة الدماء في أزمنة وأمكنة مختلفة؟

هذه أسئلة لا تُجاب بمجرد القول إن ابن تيمية قال ذلك، ولا بمجرد رفض رأيه؛ بل تحتاج إلى دراسة أصوله وأدلته ومناقشتها في ضوء بقية النصوص والقواعد الفقهية.

من الفتوى التاريخية إلى خطاب الغلو المعاصر

المشكلة الكبرى تظهر حين تنتزع جماعات معاصرة عبارات من كتب التراث، ثم تُسقطها على مجتمعاتها وحكوماتها وخصومها دون تحقق من الشروط أو اختلاف الوقائع.

فلا يجوز أن تتحول فتوى تاريخية إلى تصريح مفتوح لكل جماعة كي تحكم على خصومها بالكفر أو ترفع السلاح عليهم بحجة عدم تطبيق الشريعة.

ولا يصح كذلك أن نجزم بأن فتوى واحدة لابن تيمية هي التي أسست وحدها جميع تيارات التكفير والجهاد المسلح الحديثة؛ فهذه دعوى تاريخية واسعة تحتاج إلى دراسة مستقلة لمسارات التأثر والاقتباس والتطور الفكري.

لكن من المشروع تمامًا أن نبحث في كيفية توظيف بعض اجتهاداته في الخطاب المعاصر، وأن نحذر من تحويل أقوال العلماء إلى أدوات تعبئة لا تراعي شروطها ولا سياقاتها.

فالفتوى المتعلقة بالدماء لا تصبح صحيحة في كل زمان ومكان لمجرد أن عالمًا مشهورًا قال بها في واقعة تاريخية محددة.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين دراسة التراث، وبين تنزيل الأحكام على الواقع، وبين الاجتهاد الفقهي وبين اتخاذ القرارات التي تمس حياة الناس وأمنهم.


سابعًا: ما الذي تكشفه هذه النصوص عن مشكلة تقديس الأشخاص؟

إذا جمعنا هذه المحاور، وجدنا أن المسألة لا تتعلق بعبارة واحدة، ولا بموضوع فقهي منعزل.

إنها تتعلق بطريقة قراءة التراث، وبالفرق بين احترام العالم وتحويله إلى مرجعية لا تقبل النقد.

ففي باب القبور والكرامات، نجد نصوصًا تحتاج إلى التفصيل، ولا يجوز اختزالها في المنع المطلق أو الإباحة المطلقة.

وفي باب التوكل والتأثير، نجد عبارات تستدعي تحرير المعنى، لا اقتطاعها وإلصاق ما لا تحتمله بها.

وفي باب التصوف، نجد تمييزًا صريحًا بين الصوفية الشرعية وغيرهم، وبين السابق والمقتصد والمخطئ.

وفي باب الأحكام الفقهية، نجد اجتهادات شديدة تحتاج إلى فهم أدلتها ومقارنتها بأقوال الفقهاء، دون تحويلها إلى أحكام قطعية في كل صورة.

وفي باب قتال التتار، نجد اجتهادًا تاريخيًّا خطير الأثر يتعلق بالقتال والامتناع عن شرائع الإسلام، وهو ما يجعل دراسته ومناقشة ضوابطه أمرًا ضروريًّا.

هذه المسائل لا تثبت أن كل ما قاله ابن تيمية خطأ، ولا تسمح بأن ننسب إليه ما لم يقله؛ لكنها تؤكد أن التعامل مع تراثه يحتاج إلى قراءة علمية كاملة، لا إلى انتقاء ما يوافق موقفًا مسبقًا.


ثامنًا: لا تجعلوا اتباع ابن تيمية بديلًا عن اتباع الدليل

إن من أعظم المفارقات أن يرفض المرء التقليد الأعمى في المذاهب، ثم يقع في تقليد الأشخاص، وأن يطالب الناس بالرجوع إلى النصوص، ثم يغضب حين يُطلب منه مراجعة نصوص إمامه.

ليس من الإنصاف أن نطالب الناس بفهم القرآن والسنة، ثم نجعل كلام عالم بعينه نهاية المطاف في كل مسألة.

وليس من المنهج أن نرفع شعار اتباع السلف، ثم نختزل تراثهم في قراءة واحدة، ونرفض كل اجتهاد يخالفها.

فالعلماء يُعرف فضلهم بعلمهم واجتهادهم، لكن أقوالهم تُوزن بالأدلة، وتُفهم في سياقاتها، ويُفرّق فيها بين القطعي والاجتهادي، وبين ما اتُّفق عليه وما وقع فيه الخلاف.

وإذا أخطأ عالم في مسألة، فلا يلزم من ذلك إسقاط علمه كله، كما لا يلزم من مكانته أن يكون كل ما قاله صحيحًا.

هذه هي الوسطية التي تحفظ للعلماء حقوقهم، وتحفظ للعلم حريته، وتحمي الدين من أن يتحول إلى خصومات حول الأشخاص.


الخلاصة: نقد العلماء ليس طعنًا في الدين، وتقديسهم ليس من الوفاء لهم

لسنا مطالبين بأن نختار بين تقديس ابن تيمية والطعن فيه، فهذه قسمة زائفة.

يمكننا أن نقرّ بعلمه وفضله، وأن ننتفع بكتبه، وأن نختلف معه في مسائل، وأن نناقش اجتهاداته بأدلة علمية، دون أن نتهمه في نيته أو ننتقص من شخصه.

كما يمكننا أن نرفض الغلو في الدفاع عنه، دون أن نقع في الغلو المضاد، أو ننسب إليه أقوالًا لم تثبت، أو نحمّل نصوصه ما لا تحتمل.

والقاعدة التي ينبغي أن تحكم الجميع واضحة:

لا عصمة لعالم بعد رسول الله ﷺ، ولا يجوز أن تتحول مكانة العالم إلى حاجز يمنع مراجعة أقواله.

فمن أراد الدفاع عن ابن تيمية، فليدافع عنه بالعلم والإنصاف، وليعرض كلامه كاملًا في سياقه، وليقبل أن تُناقش اجتهاداته كما تُناقش اجتهادات غيره.

ومن أراد نقده، فليكن نقده موثقًا، دقيقًا، عادلًا، بعيدًا عن التحريف والتجريح والتعميم.

فالعلماء يُحترمون، لكنهم لا يُقدَّسون؛ والأقوال تُناقش، والأدلة تُتبع، والحق لا يُعرف بمجرد اسم قائله.

فإذا كنا نرفض أن يُقدَّس الأشخاص، فلا ينبغي أن نصنع من أي عالم استثناءً من هذه القاعدة.

والله تعالى أعلم.

حين يصبح دخول الإسلام انتقالاً من كفر إلى كفر! ماذا كتب الفوزان في «إعانة المستفيد»؟

 


حين يصبح دخول الإسلام انتقالاً من كفر إلى كفر! ماذا كتب الفوزان في «إعانة المستفيد»؟

من القضايا التي تستحق الوقوف عندها في بعض الكتابات العقدية المعاصرة: الطريقة التي يُصنَّف بها المسلمون، وكيف يمكن أن يتحول الخلاف في مسائل الاعتقاد والممارسات الدينية إلى أحكام خطيرة تصل إلى إخراج جماعات بأكملها من الإسلام.

ومن الأمثلة التي تستحق المناقشة ما أورده الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كتابه «إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد»، عند شرحه حديث ذات أنواط، إذ يقول:

«وما أوقع اليوم عُبّاد الأضرحة ـ أو كثيراً منهم ـ في عبادة القبور إلا بسبب الجهل، ويظنون أن هذه من الإسلام، فهذه مصيبة عظيمة، حتى سمعنا أن بعض الدعاة يدعون ـ في أمريكا وفي غيرها ـ إلى دين الصوفية وإلى دين القبورية، فهم أخرجوهم من كفر إلى كفر، وكونه يبقى على كفره أخف من كونه ينتقل إلى كفر يسمى باسم الإسلام».

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل والنقاش:

كيف يصبح دخول الإنسان في الإسلام، على يد داعية ينتسب إلى التصوف، انتقالاً من كفر إلى كفر؟ وكيف يُحكم على هذا التدين بأنه كفر يُسمّى باسم الإسلام، بدلاً من النظر في حقيقة ما يؤمن به الشخص وما يمارسه من أعمال؟

لا شك أن من حق كل عالم أن يناقش ما يراه مخالفاً للتوحيد، وأن يحذّر من الشرك والغلو في الصالحين، وأن يبيّن للناس ما يراه صواباً وخطأً في مسائل الاعتقاد والعبادة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المناقشة إلى تعميمات عقدية واسعة، فيُختزل التصوف كله في عبادة القبور، وتُختزل جماعات من المسلمين في وصف واحد، ثم يُطلق عليها حكم بالكفر دون تمييز بين الاعتقادات والممارسات والأشخاص.

فالتصوف ليس صورة واحدة، ولا كل منتسب إليه يعتقد ما يعتقده غلاة المتعلقين بالقبور، كما أن زيارة القبور والتوسل بالصالحين ومسائل الاستغاثة والتبرك ليست مسألة واحدة، ولا يجوز جمعها جميعاً في حكم واحد دون تفصيل وبحث في الأدلة وأقوال أهل العلم.

والأصل أن الحكم على الأقوال والأفعال شيء، والحكم على الأشخاص بأعيانهم شيء آخر، ولهذا كان باب التكفير من أخطر أبواب الدين، ولا يجوز أن يتحول إلى سلاح لتصفية الخلافات المذهبية والعقدية.

والسؤال الأهم هنا ليس مجرد الاختلاف مع الفوزان في موقفه من التصوف، وإنما في المنهج الذي ينبغي أن يُحكم به على الناس:

هل يُدعى الناس إلى الإسلام، وتُعلَّم لهم عقيدته، ويُؤخذ بأيديهم إلى ما يراه الداعية حقاً بالحكمة والموعظة الحسنة؟ أم يُجعل انتماؤهم إلى جماعة أو طريقة معينة سبباً لوصف إسلامهم بأنه انتقال من كفر إلى كفر؟

إن الدعوة إلى الله لا تقوم على تضييق دائرة الإسلام، ولا على جعل المخالفين في مسائل الاجتهاد والاعتقاد خارجين عن الدين بالجملة، وإنما تقوم على العلم والعدل والإنصاف، والتفريق بين الخطأ والضلال والشرك، وبين الحكم على الفعل والحكم على فاعله.

فليس كل من خالفك في فهم التوحيد مشركاً، وليس كل من انتسب إلى التصوف عابداً للقبور، وليس من منهج الإصلاح أن يتحول الخلاف العقدي إلى أحكام عامة تُقصي المسلمين بعضهم عن بعض.

وإذا كنا نطالب الناس بتعلم العقيدة الصحيحة، فمن الواجب أيضاً أن نعلّمهم خطورة التكفير بغير حق، وأن نربيهم على العدل في الحكم على المخالفين.

فالتوحيد يُنصر بالعلم والبيان، لا بالتوسع في إخراج المسلمين من الإسلام.

والسؤال الذي أتركه للقارئ:
هل ترون أن هذه العبارة موفقة في التعبير عن خطورة بعض الممارسات التي يراها المؤلف شركاً، أم أن إطلاقها بهذه الصورة يفتح باباً واسعاً للتعميم والتكفير، ويجعل من الخلاف العقدي سبباً للطعن في إسلام جماعات من المسلمين؟

محمد بن عبد الوهاب، والوقائع الدموية في تاريخ الدعوة النجدية.

 

حذّرنا رسول الله ﷺ من التحريش والتكفير… ومحمد بن عبد الوهاب كفّر وقاتل مخالفيه باسم التوحيد!

قراءة نقدية في النصوص التكفيرية المنقولة عن محمد بن عبد الوهاب، والوقائع الدموية في تاريخ الدعوة النجدية.

من أعظم ما حذّر منه رسول الله ﷺ أن تتحول الخلافات بين المسلمين إلى عداوة وفرقة واقتتال، وأن يجد الشيطان طريقًا إلى قلوبهم، فيشغلهم بالتحريش والتنازع بدلًا من الاجتماع على الحق والرحمة والتعاون.

قال رسول الله ﷺ:

«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».

رواه مسلم (2812).

وقال ﷺ:

«والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».

رواه البخاري (1344)، ومسلم (2296).

تأملوا هذا التحذير النبوي!

فالنبي ﷺ يحذّر أمته من أسباب التنازع والتنافس والاقتتال، ويبيّن خطورة أن تتحول العلاقة بين المسلمين إلى صراع وعداوة.

لكن ماذا يحدث عندما تتحول الدعوة إلى التوحيد من دعوة إلى عبادة الله وحده، إلى وسيلة لاتهام جماعات من المسلمين بالشرك، وتكفير المخالفين، ثم الدخول معهم في مواجهات مسلحة تُستباح فيها الدماء والأموال؟

وهل يكفي أن يرفع الإنسان شعار التوحيد حتى تكون جميع مواقفه وممارساته صحيحة؟

هذه أسئلة تفرض نفسها عند قراءة تاريخ الدعوة النجدية، وتأمل بعض النصوص المنقولة عن مؤسسها محمد بن عبد الوهاب، والوقائع التي صاحبت انتشارها السياسي والعسكري.

أولًا: هل كان علماء المسلمين قبل محمد بن عبد الوهاب يجهلون التوحيد؟!

من النصوص اللافتة التي نقلها محمد بن عبد الوهاب عن نفسه، ما جاء في رسالته المنشورة ضمن «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (ج1، ص32-33)، إذ قال:

«وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم واعتقدت أن ما عليه الناس هو الدين، فمكثت في ذلك سنين، ثم منَّ الله عليّ بمعرفة دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ، وعرفت أن الناس قد غيّروا دينهم بعد نبيهم، ولم يبقَ منهم على الدين إلا القليل».

ثم قال:

«وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي منَّ الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك».

وهنا لا بد من التوقف!

فالكلام لا يتحدث عن مجرد اكتشاف مسألة علمية غابت عنه، أو تصحيح خطأ فقهي وقع فيه بعض الناس، بل يتضمن تصويرًا واسعًا لحال المجتمع العلمي والديني الذي نشأ فيه، حتى إنه يقول عن مشايخه إن أحدًا منهم لم يعرف حقيقة الإسلام والتوحيد، بحسب تعبيره.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

أين علماء الأمة الذين حملوا العقيدة ودرّسوها، وأين أئمة المذاهب الأربعة وشروحهم لكتاب التوحيد، وأين تراث المسلمين في بيان معنى لا إله إلا الله ومحاربة الشرك؟

هل ظل المسلمون قرونًا لا يعرفون حقيقة التوحيد، حتى جاء محمد بن عبد الوهاب ليكتشف لهم الإسلام من جديد؟!

إن تصحيح الأخطاء العقدية واجب، لكن تحويل الاختلاف مع فهم جماعة معينة إلى اتهام تاريخ الأمة بالجهل بالتوحيد أمر آخر تمامًا.

فالتوحيد ليس اكتشافًا تاريخيًّا ظهر في القرن الثاني عشر الهجري، ولم تكن الأمة قبله خالية من العلماء الذين يعرفون الله ويعلّمون الناس حقيقة عبادته.

ثانيًا: من تكفير المشركين إلى تكفير من لم يكفّرهم!

ومن أخطر النصوص التي تستحق التأمل النص الظاهر في الصورة المرفقة، والمنسوب إلى محمد بن عبد الوهاب، وفيه تقرير لتكفير المشركين، ثم إدخال من لم يكفّرهم، أو شك في كفرهم، أو صحّح مذهبهم، في دائرة الحكم بالكفر.

وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكالات في هذا الخطاب.

فمن حيث الأصل، لا خلاف بين المسلمين في كفر الشرك بالله، ولا في وجوب البراءة من الشرك، لكن الإشكال يبدأ عندما تتوسع دائرة وصف الناس بالشرك، ثم يصبح عدم موافقة هذا التصنيف سببًا للحكم بالكفر على المخالف أيضًا!

وبذلك لا يقف الأمر عند تكفير من وُصف بالشرك، بل يمتد إلى تكفير من لم يوافق على تكفيره.

وهذا يفتح بابًا خطيرًا من التسلسل في التكفير، ويجعل الخلاف في فهم النصوص وتطبيق الأحكام مدخلًا لإخراج أعداد من المسلمين من دائرة الإسلام.

والسؤال هنا:

هل كل من توسّل بالنبي ﷺ، أو زار قبرًا، أو خالف في بعض مسائل التوسل والاستغاثة، يصبح مشركًا بالضرورة؟ وهل يجوز تكفير من خالفنا في الحكم على هذه الأفعال؟

إن الحكم على الأقوال والأفعال شيء، والحكم على الأشخاص بأعيانهم شيء آخر، ولهذا وضع علماء الإسلام ضوابط دقيقة للتكفير، ولم يجعلوا هذا الباب متروكًا للأهواء والانفعالات أو الخصومات المذهبية.

فمن الخطأ أن يتحول الخلاف في تفسير النصوص وتنزيلها إلى محكمة لتوزيع أحكام الكفر على المسلمين.

ثالثًا: كلمة حق أُريد بها باطل!

هذه ليست مجرد عبارة تاريخية، بل قاعدة مهمة في فهم الانحراف في توظيف النصوص الشرعية.

عندما رفع الخوارج شعارهم المشهور:

«لا حكم إلا لله».

لم يكن اعتراض الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أن الحكم لله؛ فهذا حق، وإنما أنكر توظيفهم لهذه الكلمة في غير موضعها، واتخاذها وسيلة للفرقة والخروج والاعتداء.

وقد ورد في صحيح مسلم (1066) قوله رضي الله عنه في الخوارج:

«كلمة حق أريد بها باطل».

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في وصف مسلكهم:

«إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين».

رواه البخاري (6933).

وهنا ينبغي أن نتعلم درسًا عظيمًا:

ليس كل من رفع شعار التوحيد قد أحسن فهمه، وليس كل من أكثر من الحديث عن الشرك قد أحسن تنزيل الأحكام على الناس، وليس كل من اتهم مخالفيه بالبدعة أو الضلال قد امتلك الحق في اتهامهم بالكفر.

فقد يكون الشعار صحيحًا، لكن الخلل في الفهم والتطبيق، وقد يُستعمل النص الشرعي في غير موضعه، فيتحول من وسيلة للهداية إلى ذريعة للفتنة والعدوان.

وهذا هو جوهر الإشكال: أن يتحول الدفاع عن أصل شرعي صحيح إلى وسيلة لتبرير ممارسات تخالف أصول العدل وحرمة الدماء.

رابعًا: من هدم القباب إلى قتال المخالفين… ماذا تقول المصادر التاريخية؟

عندما ننتقل من النصوص النظرية إلى الوقائع التاريخية، نجد صفحات تستحق الدراسة والمساءلة.

ففي كتاب «روضة الأفكار والأفهام» لابن غنام، وهو من المؤرخين المرتبطين بالدعوة النجدية، ترد أخبار عن هدم القباب على القبور، وما صاحب ذلك من مواجهات مع المعترضين.

كما تُنسب إلى ابن غنام رواية تتحدث عن قتال من أنكر تلك الأعمال، وسقوط قتلى وأخذ أموال.

وهنا يبرز السؤال:

هل مجرد بناء قبة على قبر يجعل المسلم مشركًا مستحقًّا للقتل؟ وبأي حق تتحول مسألة مختلف فيها إلى سبب للقتال واستباحة الدماء؟

حتى لو اعتقد شخص أن بناء القباب على القبور محرّم أو منكر، فإن تحريم الفعل لا يعني بالضرورة تكفير فاعله، فضلًا عن إباحة دمه وماله.

فليس كل من ارتكب محرّمًا أصبح كافرًا، وليس كل من وقع في بدعة خرج من الإسلام، ولا يجوز أن تتحول مسائل الخلاف الفقهي والعقدي إلى أحكام بالقتل تصدرها الجماعات والأفراد.

خامسًا: كربلاء سنة 1216هـ… حين امتد الصراع إلى دماء المسلمين!

من أبرز الوقائع التي لا يمكن تجاوزها عند دراسة التاريخ النجدي ما وقع في كربلاء سنة 1216هـ، عندما دخلتها قوات سعود بن عبد العزيز.

وقد تناول ابن بشر، أحد المؤرخين المرتبطين بالدعوة النجدية، هذه الواقعة في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد».

وتضمنت الروايات التاريخية أخبارًا عن هدم القبة المقامة على قبر الحسين رضي الله عنه، والاستيلاء على أموال وممتلكات، وسقوط أعداد كبيرة من القتلى.

كما تناول مؤرخون آخرون الواقعة، مع اختلاف الروايات في تفاصيلها وأعداد الضحايا.

وهنا لا بد من طرح الأسئلة التي لا يجوز الهروب منها:

هل كان جميع أهل كربلاء مشركين؟ وهل يجوز الحكم على مدينة بأكملها بالخروج من الإسلام بسبب بعض الممارسات التي يختلف العلماء في أحكامها وتفاصيلها؟

وهل هدم قبة أو إزالة مظهر يعتقد بعض الناس أنه منكر يبرر قتل السكان ونهب الأموال؟

إن أهل كربلاء لم يكونوا كتلة واحدة، ولا يجوز اختزال عقائد جميع سكان مدينة في وصف واحد، فضلًا عن أن الخلاف في بعض الممارسات الدينية لا يبيح الاعتداء على الأبرياء.

فالتوحيد لا يمنح أحدًا تفويضًا بقتل المسلمين، ولا تتحول حماية العقيدة إلى رخصة للظلم والعدوان.

سادسًا: الطائف والمدينة… هل كان الإصلاح يقتضي كل ذلك؟

ومن الوقائع التي تناولتها المصادر التاريخية أحداث الطائف سنة 1217هـ، وما صاحب دخول القوات النجدية إليها من قتل ونهب واعتداءات على السكان.

وقد أورد الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» أخبارًا عن تلك الأحداث، كما تناول أحمد زيني دحلان في كتابه «خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام» وقائع الصراع في الحجاز.

وتتحدث روايات تاريخية كذلك عن دخول المدينة المنورة، وما ارتبط بتلك المرحلة من تضييق على بعض الممارسات الدينية، والخلاف حول زيارة الحجرة النبوية والتوسل، وما تعرضت له بعض المظاهر الدينية من منع وإزالة.

ولا ينبغي أن نخلط بين جميع الروايات أو نجزم بكل تفاصيلها دون مراجعة مصادرها، لكن من حق الباحث أن يسأل عن طبيعة تلك الممارسات، وعن مدى موافقتها لأحكام الشريعة التي تقرر حرمة الدماء والأموال والأعراض.

فإذا كان الاختلاف في زيارة القبور والتوسل والبناء عليها خلافًا يُبحث بالدليل، فكيف يصبح سببًا للاقتتال وإهدار حرمة المسلمين؟

وهل كانت معالجة المخالفات الشرعية تستوجب الاعتداء على السكان، أم كان الواجب أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؟

قال الله تعالى:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

فأين الحكمة والموعظة الحسنة من كل اعتداء وقع على الأبرياء؟

سابعًا: النبي ﷺ حذّر من التكفير… فلماذا نتهاون في دماء المسلمين؟

قال رسول الله ﷺ:

«إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».

رواه البخاري ومسلم.

هذا وعيد نبوي شديد، يكشف خطورة التسرع في إطلاق أحكام التكفير، وأنها ليست ألفاظًا عابرة تُقال في الخصومات والمناظرات.

وقال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94].

فإذا كان القرآن يأمر بالتثبت حتى في حال المواجهة والقتال، فكيف يجوز التوسع في تكفير المسلمين بسبب خلافات في مسائل التوسل والزيارة وبعض الممارسات الدينية؟

إن التكفير حكم شرعي بالغ الخطورة، ولا يجوز أن يُترك للأهواء أو الانتماءات أو الخصومات.

وقد قرر علماء أهل السنة ضرورة التفريق بين الحكم على القول أو الفعل، والحكم على الشخص المعيّن، ومراعاة الشروط والموانع قبل تنزيل أحكام التكفير عليه.

فالخطأ في فهم مسألة لا يساوي الكفر، والوقوع في البدعة لا يعني بالضرورة الخروج من الإسلام، ومخالفة اجتهاد جماعة لا تجعل المسلم عدوًّا للتوحيد.

ثامنًا: هل الوهابية هي الإسلام وأهل السنة وحدهم؟!

من الأخطاء الكبيرة اختزال الإسلام وأهل السنة والجماعة في دعوة واحدة أو مدرسة واحدة، وكأن تاريخ الأمة وعلماءها ومذاهبها لم يكونوا على الإسلام قبل ظهور هذه الدعوة.

فأهل السنة والجماعة أوسع من أن يُختزلوا في اتجاه معاصر، وتراث المسلمين أرحب من أن يُحصر في فهم جماعة بعينها.

لقد عرف المسلمون المذاهب الفقهية الأربعة، وعرفوا مدارس متعددة في العقيدة، وامتد تاريخهم العلمي قرونًا، وكان بينهم اختلاف في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن كل اختلاف سببًا لإخراج المخالف من الإسلام.

ومن حق أي جماعة أن تدعو إلى ما تراه حقًّا، وأن تناقش مخالفيها بالأدلة، لكن ليس من حقها احتكار الإسلام، أو إلغاء تاريخ الأمة، أو جعل فهمها الخاص معيارًا وحيدًا للإيمان والتوحيد.

وليس كل من انتسب إلى السلفية صار ممثلًا وحيدًا للسلف، كما أن رفع شعار السنة لا يعصم صاحبه من الخطأ والظلم وسوء الفهم.


الخلاصة: التوحيد لا يُنصر بتكفير المسلمين وسفك دمائهم!

لسنا ضد الدعوة إلى التوحيد، ولا ضد محاربة الشرك، ولا ضد تصحيح الأخطاء والممارسات المخالفة للشرع.

ولكننا ضد أن تتحول هذه المبادئ العظيمة إلى شعارات تُستعمل لتكفير المسلمين، وضد أن يصبح الاختلاف في مسائل الاعتقاد والاجتهاد ذريعة للعداوة والاقتتال، وضد أن تُستباح الدماء والأموال باسم حماية العقيدة.

إن النبي ﷺ الذي جاءنا بالتوحيد هو نفسه الذي حذّرنا من التحريش بين المسلمين، وشدد في حرمة دمائهم، ونهانا عن التسرع في تكفير بعضنا بعضًا.

فكيف نأخذ نصوص التوحيد ونغفل نصوص الرحمة والعدل وحرمة الدماء؟

وكيف ندّعي اتباع السنة، ثم نتساهل في مخالفة تحذيرات صاحب السنة ﷺ؟

إن التوحيد ليس ملكًا لجماعة، ولا صكًّا يمنح صاحبه حق إخراج الناس من الإسلام، ولا مبررًا للقتل والعدوان.

ومن أراد أن ينصر التوحيد فليكن أول الناس التزامًا بالعدل، ومن أراد أن يدافع عن السنة فليكن أول الناس اتباعًا لهدي النبي ﷺ، ومن أراد إصلاح الأمة فليبدأ بصيانة دماء المسلمين وأعراضهم وحقوقهم.

فليس من الانتصار للتوحيد أن نُكفّر المسلمين، وليس من نصرة السنة أن نخالف صاحبها في حرمة الدماء، وليس من الإصلاح أن نمزّق الأمة باسم جمعها على العقيدة!

تجوز قراءة القرآن على الميت وهبة ثوابها إليه بإجماع الفقهاء

 

قال رسول الله ﷺ

عن طلحة بن عبدالله قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سنة" البخاري 1335 أقوال الأئمة الأربعة في وصول ثواب قراءة القرآن للميت
تجوز قراءة القرآن على الميت وهبة ثوابها إليه بإجماع الفقهاء، سواء عند القبر أو في أي مكان، وهو ما جرى عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا. ودليل ذلك حديث النبي ﷺ: «اقرءوا يس على موتاكم» وحديث: «إذا مات أحدُكم... وليُقْرَأْ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة»، كما صحَّ عن ابن عمر أنه أوصى أن يُقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. والقاعدة أن الأمر بقراءة القرآن جاء مطلقًا فيشمل كل زمان ومكان، ولا يجوز تقييده إلا بدليل. وقد نقل ابن قدامة والعثماني إجماع المسلمين على أن قراءة القرآن تنفع الميت ويصله ثوابها، واستحبها جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة ومتأخري المالكية والشافعية، وألّف فيها العلماء كالإمام الخلال والسيوطي والغماري. فمن قرأ ثم قال: "اللهم اجعل ثواب ما قرأت لفلان" وصله بإذن الله.
"اقرؤوا يس على موتاكم" رواه أبو داود 3121 وابن ماجه 1448
فيه ضعف ويعمل به عند الامة المحمدية بشواهد اخرى وقرائن
الكاساني: "يصل إلى الميت ثواب كل عبادة يفعلها الحي عنه... من قراءة قرآن أو ذكر" بدائع الصنائع 1/276
المذهب المالكي: المشهور المنع، وأجازه بعضهم
ابن رشد الجد المالكي: "وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك ووصل الثواب للميت" البيان والتحصيل 2/252
القرطبي المالكي: "والصحيح أن ثواب القراءة يصل إلى الميت" التذكرة ص 29
الإمام الشافعي : النووي في "المجموع" 5/311:
"قال الشافعي في القديم: أستحب أن يُقرأ عند القبر شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كله كان حسناً"
وقال في "الأم" 1/322: "وأحب لو قرئ عند القبر ودُعي للميت"
الإمام مالك ، روى الخلال في "القراءة عند القبور" عن ابن وهب قال:
"سمعت مالكاً يقول: لا بأس بقراءة القرآن عند القبر"
ونقله ابن أبي زيد القيرواني في "النوادر والزيادات" 1/648 عن مالك أنه قال: "لا أكره القراءة على القبور"
الإمام أبو حنيفة ، جاء في "الفتاوى الهندية" 1/167 وهي من أهم كتب الحنفية:
"من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الأحياء جاز، ويصل ثوابه إليهم عند أهل السنة والجماعة... وكذا قراءة القرآن"
ونص عليه الطحاوي الحنفي في "مختصره" أن ثواب القراءة يصل للميت.
الإمام النووي: "المختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته للميت" الأذكار ص 150
الإمام أحمد: قال حرب: "قلت لأحمد: الرجل يقرأ القرآن فيجعله للميت؟ قال: يصل إليه إن شاء الله" نقله ابن قدامة في المغني 2/225
ابن قدامة: "وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك... نص عليه أحمد" المغني 2/225
وتفقوا ان زيارة مقابر الكفار حرام حرام 🙄

الاثنين، 2 نوفمبر 2026

عبادة الرموز الفكرية… كيف يتشابه بعض الملاحدة وغلاة المداخلة في تحصين أفكارهم من النقد؟

 

عبادة الرموز الفكرية… كيف يتشابه بعض الملاحدة وغلاة المداخلة في تحصين أفكارهم من النقد؟

ثمة مفارقة تستحق التأمل: قد تجد شخصين يقفان على طرفي نقيض في العقيدة والفكر؛ أحدهما ملحد يرفض الدين، والآخر مدخلي ينتسب إلى السنة واتباع السلف، ومع ذلك تكتشف عند محاورتهما تشابهًا عجيبًا في طريقة التفكير، وأساليب الجدل، والتعامل مع المخالف!

فالأول قد يجعل بعض رموز الإلحاد مرجعية لا يجوز الاعتراض عليها، والثاني قد يجعل شيوخ التيار المدخلي مرجعية لا يجوز نقدها. الأول يحتج عليك بأن العلم قال، والثاني يحتج عليك بأن الدين قال، ثم تكتشف عند التدقيق أن المقصود في الحالتين هو: قال شيوخنا، وانتهى النقاش!

وليس المقصود هنا التسوية بين الإلحاد والمدخلية في المعتقد أو المضمون، ولا التعميم على جميع الملاحدة أو المنتسبين إلى التيار المدخلي، وإنما المقصود نقد نمط من التفكير المغلق يتكرر في بيئات مختلفة، ويقوم على تقديس الرموز، واحتكار الحقيقة، ومصادرة حق الآخرين في النقد والمناقشة.

وإليك أبرز أوجه هذا التشابه:

1. «قال العلماء!»… حين تصبح أقوال الشيوخ بديلًا عن الدليل

حين تناقش بعض الملاحدة العرب، قد تسمعه يقول لك:

قال العلماء! وهل تعرف أكثر من العلماء؟

وهو يقصد بذلك بعض رموز الإلحاد، مثل ريتشارد دوكينز وستيفن هوكينغ وغيرهما، وكأن مجرد ذكر أسمائهم كافٍ لإثبات صحة ما يقول، وكأن الاعتراض على استنتاجاتهم اعتراض على العلم نفسه!

والأعجب أنه قد يستشهد بأقوال هؤلاء في مسائل فلسفية أو ميتافيزيقية، لا لمجرد عرض آرائهم، بل لإلزامك بها، مع أن شهرتهم العلمية في تخصصاتهم لا تجعل كل آرائهم الفلسفية حقائق علمية مسلَّمة.

وفي المقابل، حين تناقش بعض غلاة المداخلة، تسمع العبارة نفسها تقريبًا:

قال العلماء! وهل تعرف أكثر من العلماء؟

لكن المقصود هنا ليس علماء الأمة جميعًا، وإنما شيوخ التيار المدخلي ومن يدور في فلكهم، وكأن العلم الشرعي قد انحصر في دائرة محددة، ومن خالف اختياراتها فقد خالف العلماء والسنة والسلف!

فإذا طالبته بالدليل، جاءك بأقوال شيوخه، وإذا ناقشته في تلك الأقوال، اتهمك بالطعن في العلماء أو الانتقاص من أهل السنة!

وهنا تظهر المفارقة:

الأول يحتج برموز الإلحاد، والثاني يحتج برموز المدخلية، وكلاهما قد يتعامل مع أقوال شيوخه باعتبارها نهاية البحث، لا بدايته.

والحقيقة أن احترام العلماء لا يعني عصمتهم، والاستفادة من المتخصصين لا تعني تعطيل العقل، وقيمة الحجة لا تُقاس بمكانة قائلها وحدها، بل بمدى صحتها وقوة أدلتها.

2. «قال العلم!» و«قال الدين!»… الخلط بين الحقائق والاجتهادات

من الأساليب المتكررة في بعض الخطابات الإلحادية أن تُعرض عليك فرضية أو نظرية فلسفية، ثم تُقدَّم باعتبارها حقيقة علمية أثبتها العلم، وكأن الاعتراض عليها إنكار للعلم والتكنولوجيا والاكتشافات الحديثة!

خذ مثلًا فرضية الأكوان المتعددة أو العوالم المتوازية، وما يرتبط ببعض تفسيرات ميكانيكا الكم.

فهذه موضوعات علمية وفلسفية معقدة، وليست جميع التصورات المطروحة حولها حقائق تجريبية مثبتة. وهناك فرق كبير بين فرضية علمية، وتفسير نظري، وتصور فلسفي، ونتيجة ثبتت بالمشاهدة والتجربة.

لكن بعض المحاورين قد يخلط بين هذه المستويات، ثم يقول لك:

ألا ترى السيارات والحواسيب والتكنولوجيا التي صنعها العلماء؟ أتظن أنك أعلم منهم؟

وهنا يقع في مغالطة واضحة؛ فما علاقة نجاح العلماء في صناعة الحواسيب بإثبات صحة كل تصور فلسفي يتبناه بعضهم؟

إن نجاح العلم التجريبي في تفسير الظواهر وصناعة التكنولوجيا لا يمنح كل استنتاج فلسفي يصدر عن عالم حصانة من النقد.

والأمر نفسه نجده عند بعض غلاة المداخلة.

فقد يقول لك: الإسلام يقول، والسنة تقول، والسلف يقولون!

ثم يأتيك بقول أحد شيوخه أو باجتهاد أحد رموز تياره، ويقدمه على أنه هو الإسلام والسنة ومنهج السلف، وكأن مناقشة ذلك الاجتهاد أو مخالفته تعني الاعتراض على الدين نفسه!

وقد يستشهد بالنصوص العامة الواردة في فضل العلماء، ويحشد لك أقوالًا في تحريم الوقيعة في أهل العلم، ثم ينتقل من هذه النصوص الصحيحة في أصلها إلى نتيجة أخرى لا تلزم منها بالضرورة، وهي أن نقد شيخ من شيوخه، أو مناقشة اجتهاده، أو بيان خطئه، نوع من الطعن في الدين والسنة!

بل قد تتحول المسألة عند بعضهم إلى ولاء وبراء في الأشخاص:

فمن وافق شيوخهم فهو السني، ومن خالفهم فهو المبتدع، ومن انتقد رموزهم فقد طعن في أهل السنة!

وهنا يقع الخلط بين أمور يجب التفريق بينها:

  • بين الدين وفهم المنتسبين إليه.

  • بين النص الشرعي والاجتهاد في تفسيره.

  • بين السنة واختيارات بعض الدعاة.

  • بين الحقيقة العلمية والتفسير الفلسفي لها.

  • بين مكانة العالم وعصمة أقواله.

فكما أن أقوال بعض العلماء لا تمثل العلم كله، فإن اجتهادات بعض الشيوخ لا تمثل الدين كله.

ومن أعظم الأخطاء أن تتحول المرجعية من وسيلة لفهم الحقيقة إلى حاجز يمنع الوصول إليها.

3. «ناقش العلماء!»… ثم يمنعونك من الوصول إليهم!

عندما تحاول مناقشة بعض الملاحدة في مسألة معينة، وتكشف له ضعف استدلاله، قد يفاجئك بقوله:

أنا لست عالمًا! إذا أردت النقاش فاذهب وناقش العلماء، واكتب بحثًا علميًا محكّمًا، واحصل على جائزة نوبل!

فتقول له: لكن هناك علماء متخصصون يحملون آراء تخالف ما تستدل به، بل إن بعضهم حاز جوائز علمية مرموقة، فهل تقبل بمناقشة أقوالهم؟

فإذا لم توافق آراءهم هواه، عاد إلى التشكيك فيهم أو في تخصصهم أو في مكانتهم داخل المجتمع العلمي.

وإذا طلبت منه أن يحدد لك من يقبل الاحتكام إليه، اكتشفت أن المسألة ليست مجرد احترام التخصص، وإنما اشتراط أن تكون المرجعية مقبولة لديه سلفًا!

والصورة نفسها تتكرر عند بعض غلاة المداخلة.

تسأله عن مسألة، فيقول لك:

أنا لست عالمًا، اذهب إلى العلماء وناقشهم!

فتقول له: حسنًا، دلني على الشيخ الذي تريدني أن أناقشه، وأنا مستعد لعرض حجتي عليه.

فيبدأ بسؤال آخر:

ومن الذي زكاك حتى تتكلم مع العلماء؟

فتأتيه بتزكيات من علماء معتبرين، فيقول لك:

هؤلاء ليسوا علماء الهدى، وإنما علماء ضلال!

فتأتيه بتزكيات لبعض شيوخه السابقين لأشخاص أصبحوا اليوم محل تجريح عند التيار نفسه، فيجيبك:

لكنهم جرحوهم بعد ذلك!

وهكذا تتغير شروط القبول بحسب النتيجة التي يريد الوصول إليها.

فالمشكلة ليست في ضرورة التأهل للحوار العلمي، ولا في احترام أهل الاختصاص؛ فهذا أمر لا خلاف عليه.

المشكلة أن تصبح شروط التأهل والاعتراف بالعلماء وسيلة لإغلاق باب النقاش، وأن يكون العالم مؤهلًا ما دام موافقًا لهم، ثم يفقد أهليته بمجرد مخالفته لهم!

فأي حوار هذا الذي لا يُسمح لك فيه بمناقشة المرجعيات إلا بعد أن تحصل على اعترافها بك، ولا يُعترف بك إلا إذا وافقتها؟

4. «سيجيب العلم مستقبلًا!»… و«لو سألت شيخنا لأجابك!»

من أكثر المواقف غرابة في بعض الحوارات الإلحادية أن تطرح سؤالًا جوهريًا يمس أصل الإلحاد، فلا تجد إجابة واضحة، وإنما تسمع:

العلم سيجيب عن هذا السؤال مستقبلًا!

وكأن العلم شخص مستقل، يجلس في مكان ما، ويعقد صفقة مع الملاحدة، ويتعهد لهم بحل جميع الإشكالات التي تواجههم في المستقبل!

لكن ما الدليل على أن العلم سيقدم الإجابة التي يتوقعونها؟ ومن يضمن أن السؤال نفسه قابل للحل بالطريقة التي يتصورونها؟ ولماذا ينبغي أن نعتبر الإجابة المستقبلية المجهولة دليلًا حاضرًا؟

إن العلم ليس شخصًا ولا عقيدة ولا وعدًا غيبيًا، وإنما هو نشاط معرفي يقوم به البشر، ويتطور من خلال البحث والملاحظة والتجربة والنقد.

ولا يصح أن نحول ما نجهله اليوم إلى دليل على صحة موقفنا، لمجرد أننا نتوقع أن يأتي يوم نعرف فيه الإجابة.

وهذا يشبه أن تسأل شخصًا عن ثمن سيارة اشتراها منك، فيقول لك:

سأدفع لك بعد مليون سنة!

فهل يُعد هذا جوابًا عن مطالبتك؟ أم مجرد تأجيل لا يحل المشكلة؟

وهنا تحضر قصة الرجل الذي وعد الملك بتعليم حماره اللغة الإنجليزية!

فقد اشترط الملك أن يتعلم الحمار الإنجليزية خلال خمسين سنة، وإلا عوقب المعلم، فقبل الرجل المهمة، وكان يردد لأصحابه أنه لا يخشى الفشل؛ لأن الملك قد يموت، أو يموت هو، أو يموت الحمار قبل انتهاء المدة!

وهكذا تحولت المهمة المستحيلة إلى وعد مؤجل يستفيد صاحبه من وقته، دون أن يقدم دليلًا على إمكانية تحقيق ما وعد به.

والطريف أن بعض غلاة المداخلة يمارسون طريقة معاكسة في ظاهرها، لكنها تؤدي إلى نتيجة مشابهة.

فلا يقولون لك: سيجيب شيوخنا مستقبلًا، بل يقولون:

لو سألت شيخنا لأجابك!

لكن إذا طلبت الوصول إلى ذلك الشيخ، قيل لك:

شيخنا لا يجلس مع أمثالك، ولا يناظر أهل البدع!

وإذا وصلت إليه بطريقة ما، فقد لا تجد جوابًا عن الأسئلة التي طرحتها، وإنما تجد نصائح عامة من قبيل:

اتق الله، واحذر أهل البدع، ولا تجالسهم، فإن الشبهات خطافة والقلوب ضعيفة!

وهكذا يصبح الجواب دائمًا في مكان آخر:

عند الشيخ الذي لا تستطيع الوصول إليه، أو في العلم الذي سيكتشف الحقيقة في المستقبل!

والنتيجة في الحالتين واحدة: السؤال باقٍ بلا جواب، وصاحب الخطاب يتصرف وكأنه قد انتصر في النقاش!

5. «اجعل قلبك كالزجاجة!»… حين يتحول الإعراض عن الحجة إلى فضيلة!

من الأساليب التي قد يلجأ إليها بعض غلاة المداخلة عند مواجهة الأسئلة المحرجة الاستشهاد بعبارات من قبيل:

اجعل قلبك كالزجاجة، تنزلق منها الشبهات، ولا تجعله كالإسفنجة يتشربها!

وهذه العبارة يمكن أن تحمل معنى تربويًا صحيحًا إذا كان المقصود ألا يتأثر الإنسان بالشبهات لمجرد سماعها، وأن يكون لديه علم راسخ يميز به الحق من الباطل.

لكن الإشكال حين تُفهم بطريقة تجعل الإنسان يتجنب سماع الحجة، ويعرض عن مناقشة الاعتراضات، ويظن أن مجرد إغلاق أذنيه عن الأسئلة دليل على قوة إيمانه!

فالزجاجة التي تنزلق عنها الشبهة ليست عقلًا عاجزًا عن فهمها، وإنما قلب يملك من العلم والحجة ما يجعله قادرًا على ردها.

أما الذي لا يستطيع الإجابة، فيكتفي بالقول: لا تسمع، ولا تناقش، ولا تقترب؛ فهذا لم يدحض الشبهة، وإنما تجنب مواجهتها.

والأمر نفسه عند بعض الملاحدة؛ فقد يرفض مناقشة سؤال جوهري، ويكتفي بإحالته إلى المستقبل، أو يتعامل مع السؤال باعتباره صادرًا عن شخص جاهل لا يستحق الإجابة.

ثم يصف المؤمن بأنه يؤمن بإله الفجوات، بينما هو نفسه قد يملأ فجوات معرفته بوعود مستقبلية لم تتحقق بعد!

والفرق كبير بين أن تقول: لا أعرف، وسأبحث عن الإجابة، وبين أن تتخذ من عدم المعرفة وسيلة لإثبات موقف مسبق.

فالجهل ليس دليلًا لأي طرف، والتوقف عن الإجابة ليس انتصارًا، كما أن الإعراض عن الحجة لا يحولها إلى شبهة باطلة.

6. التواضع الذي يتحول إلى سلاح لإسكات المخالف!

ومن الأساليب المشتركة التي تستحق الانتباه أن يتحول النقاش من مناقشة الفكرة إلى محاكمة الشخص الذي يطرحها.

فإذا ناقشت بعض الملاحدة، قد تسمع:

ومن أنت حتى تناقش العلماء؟ وما مؤهلاتك؟ وهل لديك أبحاث منشورة؟ وهل حصلت على جوائز علمية؟

وإذا ناقشت بعض غلاة المداخلة، تسمع:

ومن أنت حتى تتكلم في العلماء؟ ومن زكاك؟ وهل أنت من أهل العلم؟ وهل أنت مؤهل للرد على الشيوخ؟

ولا شك أن التخصص العلمي مهم، وأن الإنسان ينبغي أن يعرف قدر نفسه، وألا يتصدر لما لا يحسن.

لكن هل يعني ذلك أن كل سؤال لا يصدر عن عالم يصبح بلا قيمة؟ وهل تصبح الحجة باطلة لمجرد أن صاحبها ليس مشهورًا أو لم يحصل على تزكية من جهة معينة؟

إن الدليل لا يفقد قيمته لأن قائله غير مشهور، كما أن الخطأ لا يتحول إلى صواب لأن قائله يحمل لقبًا علميًا كبيرًا.

والأدهى أن بعض هؤلاء يضعونك أمام معادلة لا مخرج منها:

إن تكلمت بثقة، اتهموك بالغرور والتعالم!

وإن تواضعت وقلت إنك لست متخصصًا، قالوا لك: إذًا ليس من حقك الكلام!

وإن ناقشتهم بالدليل، قالوا إنك تخوض فيما لا تحسن!

وإن طلبت منهم الجواب، أحالوك إلى غيرهم!

وهكذا يصبح المطلوب منك ليس أن تقدم حجة صحيحة، وإنما أن تكون الشخص الذي يرضون هم مسبقًا بقبول كلامه!

وهذا ليس تواضعًا علميًا، وإنما تحويل للتواضع إلى أداة لإسكات المخالف، والشخصنة بدلًا من مناقشة الموضوع.

7. الدائرة المغلقة… لا نقبل نقدك إلا إذا أصبحت واحدًا منا!

هنا نصل إلى أخطر نقطة في هذا التشابه كله.

فبعض الخطابات المغلقة لا تكتفي برفض الحجة المخالفة، بل تضع شروطًا تجعل قبولها مستحيلًا من البداية.

فهي تقول لك ضمنًا:

لن نقبل نقدك لنا إلا إذا كنت من جماعتنا، ولن تصبح من جماعتنا إلا إذا وافقتنا، وإذا وافقتنا فلن تكون في موقع نقدنا أصلًا!

فإذا خالفتهم، فأنت منحرف أو جاهل أو صاحب شبهة.

وإذا وافقتهم، فقد فقدت حقك في الاعتراض عليهم.

وهكذا تُغلق الدائرة قبل أن يبدأ الحوار!

وهذه صورة من مصادرة المطلوب والدور المنطقي؛ إذ يُشترط فيمن يريد اختبار صحة الفكرة أن يكون قد سلّم بصحتها مسبقًا!

وهذا ليس معيارًا علميًا ولا منهجًا سليمًا في طلب الحقيقة.

فلا يصح أن تقول لشخص: لن أقبل منك نقد مذهبي إلا إذا اعتنقت مذهبي أولًا!

ولا يصح أن تجعل موافقة خصمك لك شرطًا للاعتراف بأهليته لمناقشتك.

إن الأفكار القوية لا تخشى النقد، والحقائق لا تحتاج إلى حراسة الأشخاص، والمناهج الصحيحة لا تستمد صحتها من منع الآخرين من مناقشتها.

الخلاصة: المشكلة ليست في اختلاف المرجعيات، بل في عبادة الرموز!

إن المقارنة بين بعض الملاحدة وغلاة المداخلة تكشف لنا أن التعصب قد ينتج أنماطًا متشابهة من التفكير، حتى عند أشخاص يختلفون اختلافًا جذريًا في العقيدة والانتماء.

فقد تجد عند الطرفين:

  • تقديسًا مفرطًا للرموز الفكرية.

  • احتكارًا للمرجعية والحقيقة.

  • خلطًا بين الدليل وقول صاحب المكانة.

  • رفضًا انتقائيًا للعلماء والمراجع المخالفة.

  • تهربًا من الأسئلة المحرجة.

  • شخصنة النقاش بدلًا من مناقشة الأفكار.

  • وضع شروط مسبقة تجعل الحوار مستحيلًا.

ومع ذلك، ينبغي أن نكون منصفين: ليس كل من استشهد بعالم قدّسه، وليس كل من أحال إلى متخصص يتهرب من الحوار، وليس كل من قال لا أعلم عاجزًا عن الإجابة؛ فهذه مواقف قد تكون علمية ومحمودة في مواضعها.

إنما المشكلة حين تتحول هذه الأمور إلى منظومة متكاملة لتحصين الأفكار من النقد، وحماية الأشخاص من المساءلة، وإقصاء كل من لا يوافق المرجعية المعتمدة.

ونحن هنا لا ندعو إلى إسقاط العلماء، ولا إلى الاستخفاف بأهل الاختصاص، ولا إلى التسوية بين العلم والجهل، وإنما ندعو إلى وضع كل إنسان في منزلته، وكل قول في ميزان الدليل.

فالعالم يُحترم، لكنه ليس معصومًا.

والشيخ يُستفاد من علمه، لكن لا تُجعل أقواله وحيًا.

والعلم يُحتكم إليه، لكن لا يجوز تحويل الفرضيات والتصورات إلى حقائق لمجرد أن بعض المشاهير تبنوها.

والدين يُتلقى من نصوصه وأصوله المعتبرة، لا من احتكار جماعة أو تيار أو مجموعة من الشيوخ لفهمه.

فلا تجعلوا شيوخ الإلحاد أو شيوخ المداخلة أو غيرهم أوصياء على عقول الناس، ولا تجعلوا مخالفة الرموز جريمة، ولا تجعلوا الانتماء شرطًا لقبول الحقيقة.

فليس كل من خالف شيوخك خالف الدين، وليس كل من خالف رموزك أنكر العلم، وليس كل من سألك سؤالًا محرجًا صاحب شبهة أو ضلال.

إن أخطر أنواع التعصب ليس أن تعتقد أنك على الحق، وإنما أن تقتنع بأنك لا يمكن أن تكون مخطئًا، وأن كل من خالفك لا يستحق حتى أن تسمع منه!

فحين يُمنع السؤال، ويُحاصر النقد، وتُقدَّس الرموز، لا نكون أمام بحث عن الحقيقة، بل أمام صناعة عقول تابعة لا تبحث إلا عما يؤكد ما تؤمن به سلفًا!

الملحد على الطريقة المدخلية

 #الملحد_على_الطريقة_المدخلية

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار".
1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء، وهل تعرف أحسن من العلماء ؟ يقصد رؤوس الإلحاد وكل من سواهم ليس عالما.
وتناقش المدخلي فيقول لك: قال العلماء وهل تعرف أحسن من العلماء ؟ يقصد شيوخ المداخلة وكل من سواهم ليس عالما.
2 _ عندما تناقش ملحدا عربيا "أشهر ملاحدتهم" تجده يستدل عليك بأقوال ريتشارد دوكينز وستيفن هوكينغ كأنها وحي وجب عليك أن تتبعه في نفس الوقت الذي يعلم فيه أنك لو كنت تتبعهم لكنت ملحدا مثله أصلا، مثل حلقة أحدهم عن الروح اسمه شريف جابر يأتيك بلورانس وهوكينغ والملاحدة ومن يشاهد حلقته ولا يعرفهم يظن أنه يأتيك بحقائق علمية يصرح بها علماء محايدون ليس في نواياهم أصلا نشر الإلحاد وإذا به يلزمك بأقوال الخصوم بكل وقاحة.
المدخلي أيضا يأتيك بشيخ لا يعرفه العوام ويقول لك إن لم تصدقني فاسمع لقول هذا العالم فيأتيك بثناء شيوخ المداخلة على بعضهم واتفاقهم على تجريح مخالفيهم وتقرير القواعد التي يتفقون عليها ثم يقول لك (أرأيت ؟ لم أتكلم من عندي هذه أقوال العلماء) وهو يأتيك بأقوال شيوخ فرقته يلزمك بهم ولو أنك كنت ملتزما بهم لكنت مدخليا مثلهم.
3 _ الملحد يقول لك: اكتشف العلم (ثم يعطيك فرضيات إلحادية فلسفية ليس لها أي علاقة بالمختبرات ولا الاكتشافات ولا تنطبق عليها الشروط التجريبية بل هي مجرد تصورات إلحادية قائمة على الانحياز التأكيدي مثل العوالم المتوازية فمن لا يعرفها يظنها فعلا حقائق علمية قيست بالتجربة والمختبر) فإن لم تصدقه قال لك (أرأيت العلماء يصنعون لك السيارات والتكنلوجيا والحواسيب أتعرف أحسن منهم) لينقلك إلى مغالطة أخرى وهي أن أصحاب نظرية العوالم المتوازية لا علاقة لهم لا بصناعة السيارات ولا الحواسيب ولا يحسن الواحد منهم ربما أن يغيّر مكابح السيارة بنفسه وإنما يجمعهم جميعا في سلة واحدة ليعطي لنفسه تلك القوة العلمية والخلفية القوية التي تدعمه ولو سألت نفسك لثانية (ما علاقة صناعة السيارة بالاعتقاد بأن العالم كله ينقسم في كل مليون جزء من الثانية لأجل حركة أي جسم في الكون فأنقسم أنا صهيب إلى ما لا نهاية من صهيب يعيش كل منا في عالم مختلف عن الآخر بالتوازي ؟ هل خضع هذا للمختبر ؟ طيب أين هذا ؟ أرونا هذه التجربة عرفوني على واحد فقط من ما لا نهاية من صهيب أو اجمعوا لنا 11 من كريستيانو رونالدو ليلعبوا في فريق واحد اسمه (فريق كريستيانو ل11 كونا متوازيا) على الطريقة التي روج لها دراغون بول في الأنمي حيث جاءوا ب 2 من زينو ساما واحد من المستقبل والآخر من الحاضر ليصبحا صديقين لبعضهما (رغم أن هؤلاء يزعمان وجودهما معا في نفس الحاضر وبالتوازي) فإن قالوا لن نستطيع الوصول إليهم بالإدراك قلت: فأين التجربة والحقائق العلمية في هذا ؟ أنتم تتكلمون عن شيء لو سمعتموه من أي دين لوصفتموه بالخرافة، لا يقبل التجربة ولا التكرار ولا الاختبار ومع ذلك تؤمنون به (أعني ريتشارد دوكينز وستيفن هوكينغ ومن معه).
والمدخلي بدوره يقول لك: الدين يقول، الإسلام يقول ثم يأتيك بأقوال شيوخ المداخلة على أنها هي الدين وهي الإسلام تماما كما يأتيك الملحد بأقوال شيوخه الملاحدة على أنها هي العلم ثم ما يلبث أن يحدثك المدخلي عن فضائل العلماء العامة كما كتب ربيع المدخلي لعدنان العرعور يحدثه عن فضائل أهل العلم والنصوص الواردة في أهل العلم ويخبرك بأن لحوم العلماء مسمومة وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ويقنعك أن الاستهزاء بأحد شيوخهم هو الاستهزاء بالدين نفسه ثم يقنعك بالولاء والبراء في الشيوخ فالسني من أحبهم والمبتدع من أبغضهم فيجعل الدين وشيوخه شيئا واحدا كما يجعل الملحد العلم وشيوخه في الإلحاد شيئا واحدا ويخلط بين (الحقائق العلمية) والاستنتاجات التي يبنونها من الحقائق العلمية كما يخلط المدخلي بين (النصوص الشرعية) وما يستنبطه شيوخه من تلك النصوص الشرعية مما قد تخالفهم في استنباطه فيدمجانهما في شيء واحد (قال العلم، قال الدين / ثبت علميا، ثبت شرعا) ومن خالف شيوخ الملحد فإنه ظلامي متخلف ينكر العلم كله كما أن من خالف شيوخ المدخلي فإنه مبتدع ضال مخالف للشريعة كلها.
4 _ عندما تريد محاورة الملحد علميا يقول لك (أنا لست عالما إن أردت فجادل العلماء واكتب ورقتك البحثية في مجلة علمية محكمة وفز بجائزة نوبل) رغم أنك تأتيه بأسماء علماء حازوا جائزة نوبل ولهم نفس رأيك لكنه رغم ذلك لم يؤمن بهم.
وكذلك عندما تحاور المدخلي يقول لك لستُ عالما وإنما توجه لشيوخ وناظرهم فإن قلت له: أقنعهم بأن أناظرهم وأنا مستعد يقول لك: أولا من الذي زكاك من العلماء ؟ فتأتيه بتزكية العلماء لك فيقول (هؤلاء ليسوا علماء الهدى بل علماء الضلال "يريد تزكية من شيوخ المداخلة) فتأتيه بتزكيات شيوخ المداخلة لمشايخ آخرين طعنوا في المداخلة بعد ذلك فيقول لك (ولكنهم جرحوهم بعد ذلك).
فكذلك الملحد تقول له (طيب هات ريتشارد دوكينز لأناظره) فيقول لك (احصل على تزكية من رؤوس الإلحاد أولا) فتقول له (قد حصل عليها غيري ورد عليكم فلم تقبلوا منه) فيقول لك (لكنه بعد حصوله عليها خالف المجتمع العلمي "يقصد أنه خالف شيوخ الملحدين").
فكيف الحل مع هؤلاء ؟ يريد أن تنقض مذهبه فقط إن كنتَ على مذهبه وطبعا لو صرت على مذهبه فكيف تنقض مذهبه وأنت تتبناه وتعتنقه ؟
إذًا من البداية هو يفترض افتراضا منغلقا ومحصورا فيه مصادرة عن المطلوب ودور سبقي قبلي كأن يقول لك (لا نقبل نقضك لنا إلا إن كنت منا ولن تنقضنا مادمت منا إذًا لن نسمح لك بنقضنا ولا حتى بالمحاولة ثم نعتبر عدم سماحنا لك بالمحاولة دليلا على عجزك).
5 _ الملحد لا يجد مشكلة في عدم الإجابة على سؤال يهدم إلحاده من الأساس وإنما يكتفي بقول (سيجيب عنه العلم مستقبلا).
وكذا المدخلي لا يجد مشكلة في عدم الإجابة على سؤال يهدم مدخليته من الأساس لأنه سيقول (قال السلف: اجعل قلبك كالزجاجة تنزلق منها الشبهات ولا تجعله كالإسنفجة تتشرب الشبهات) ويفهم فهم السلف فهما خاطئا فإنهم قصدوا بقلب الزجاجة القلب الذي يدحض الشبهة بالعلم والحجة ولم يقصدوا القلب الذي يعجز عن مقارعة الحجة فيتجاهلها كأن لم تكن وكذلك الملحد يتجاهل السؤال كأن لم يكن ولا مشكلة عنده، من جهة يقول لك (إله الفجوات) ومن جهة أخرى فإنه يؤمن بإله الفجوات (العلم الذي سيحل إشكالياته ذات يوم) فهو يفترض مقدما أن العلم شخص ملحد وليس كلية مجردة غير قائمة بذاتها وإنما لا تقوم إلا بعقل صاحب العلم "وهو الإنسان" الذي قد لا يكون ملحدا أصلا فيخاطبك وكأن العلم هذا رجل عقد صفقة مع الملحدين ووعدهم بأن يحل كل مشاكلهم مستقبلا ولن يخلف العلم وعده فيطلب منك أن تكفر حاليا منتظرا اليوم الذي يحل فيه العلم مشكلاتهم وقطعا ستموت قبل أن يأتي هذا اليوم كما مات ملايين الملاحدة قبل أن يأتي هذا اليوم.
وهذا يشبه أن تجري مناظرة بيني وبين أي مخالف لي فأسأله سؤالا محرجا أو مزعجا فيقول لي: أعدك بالإجابة عنه بعد مليار سنة.
وهو تماما كأن يشتري منك شخص سيارة فيقول لك أعطني السيارة وسأدفع لك ثمنها بعد مليون سنة (وأنت تعلم أنك ستموت ويموت قبل أن يأتي اليوم الذي يعدك فيه بدفع ثمنها) فكذلك الملحد يحيلك إلى يوم يعلم وتعلم أنكما ستموتان ولن تشهداه.
ذكرني بخدعة تعليم الحمار الذي قيل فيه أن الملك دعا حاشيته فقال من يعلم حماري هذا الإنجليزية زوجته ابنتي وأوصيت له بالملك من بعدي وجعلت له خزائن من الذهب ويعيش في قصري يأكل ما يشاء فإن فشل في ذلك قطعت عنقه.
فجاءه أحد الأستاذة فقال له: أقبل بشرطك ولكن شريطة أن تمهلني 50 سنة وأعدك حتما أن حمارك سيتعلم الإنجليزية ولكن في المقابل تبدأ بإنجاز وعدك لي قبل أن يتعلم الحمار والضامن بيني وبينك أنك تقتلني إن أنا فشلت فتعليمه فوافق الملك (كما يحب الملحد منا أن نوافق) فصار الأستاذ يكتب للحمار في السبورة كل يوم (I am a donkey) فمر به أصحابه فقالوا له (هل تنوي النجاح فعلا في تعليم الحمار قبل الموعد أما تخشى الموت على نفسك ؟)
فقال لهم: عمري الآن 50 سنة وعمر الملك 60 سنة وعمر الحمار 5 سنوات
بعد 50 سنة إما أن يموت الملك (لأنه يبلغ 110 سنوات) وإما أن أموت أنا (سأبلغ 100 سنة) وإما أن يموت الحمار (سيبلغ 55 سنة وعمر الحمير ما بين 25 إلى 40 عاما) أو نموت ثلاثتنا وإلى ذاك الحين أتمتع بما في القصر.
المدخلي له طريقة عكسية: لن يقول لك (سيجيب عن سؤالك شيوخنا مستقبلا) بل يقول (لا بد أنك لو سألت شيخنا لأجابك) ولكنك لو أردت سؤال شيخه فلن تصل إليه لأنه سيقول (شيخنا لن يحاور أمثالك) فالنتيجة (لن يصل للجواب) ولو ذهب لشيخه كي يعطيه الجواب سيكتفي بقوله (إياك ومجالسة أهل البدع، اهجره وأغلق أذنيك عن سماع شبهاته) وقد سبق لأحدهم أن طلب مني محاورة شيخ مغمور لم يسعه التكبر علي (فإني أشهر منه) فسألته 4 أسئلة لم يجبني عن أي منها في النهاية فاقتصر على (الله أعلم) عند الإلزام (وليس في أول السؤال) ثم قال من أخذني عنده بعد مفارقة الجلسة وبعد أن نصحهم أمامي (لا تستمعوا إلى شبهاته فإنها خطيرة والقلوب ضعيفة والشبهات خطافة) فقال المدخلي: أفحمك. قلت له بماذا أفحمني بقوله (الله أعلم) ؟ قال أما تدري أن الإمام مالك كان يجيب ب (الله أعلم) قلت: كان يجيب بها ولا يفحم بها خصومه كما أنه كان يجيب بها في أول المسألة لا أن يفتي بغير علم فلما يناقش بالحجة ولا يجد مهربا من الإلزام يقول الله أعلم، فكذلك الملحد يريد أن يفحمك بقوله (العلم أعلم وسيأتي اليوم الذي يجيبك فيه) ثم سرعان ما يربط كلاهما بخصلة التواضع والشخصنة (من أنت وما مستواك ؟ فإن أظهرت له مستواك الذي يفوق مستواه قطعا وصفك بالغرور وتحول عن الموضوع إلى شخصنتك وإن تواضعت له كما يريد ألزمك بتواضعك وقال فلا تتكلم إذًا مادمت معترفا بجهلك) وهي معادلة أخرى يضعك في احتمالين لن يرضى عنك في أيهما تختار وهو أشبه بأن يقول لك (لن أؤمن لك حتى تقرّ بأنك على الباطل) فإن أبيت الإقرار بأنك على الباطل فإنه على شرطه لن يؤمن لك وإن أقررت له أنك على الباطل فقد كفيته مؤونة الرد عليك فلماذا يؤمن لك وأنت معترف بأنك على الباطل ؟.

علّمنا رسول الله ﷺ التوسل… فكيف يجرؤ بعض المتعالمين على تحريمه واتهام فاعله بالشرك؟!

 

علّمنا رسول الله ﷺ التوسل… فكيف يجرؤ بعض المتعالمين على تحريمه واتهام فاعله بالشرك؟!

من أغرب ما نشهده في بعض الخطابات الدينية المعاصرة أن يأتيك شخص فيحرّم التوسل بالنبي ﷺ، ويصف من يفعله بالشرك والضلال، وربما لم يكلّف نفسه عناء قراءة حديث الأعمى الذي علّم فيه رسول الله ﷺ صيغة التوسل، ولا الاطلاع على رواية الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه الذي أرشد إلى العمل بهذه الصيغة بعد وفاة النبي ﷺ!

فأي جرأة هذه على إطلاق الأحكام؟!

وكيف تتحول مسألة بحثها العلماء قديمًا، واختلفوا في بعض صورها ودلالاتها، إلى تهمة بالشرك تُلقى على المسلمين بهذه السهولة؟!

إن من أبسط قواعد العلم أن تجمع النصوص قبل إصدار الأحكام، وأن تفهم كلام العلماء قبل أن تتصدر للإنكار عليهم، وألا تجعل رأيك الاجتهادي ميزانًا تحاكم به عقائد الناس وإيمانهم.

ولنعد إلى الحديث الذي يبدو أن بعض المتعجلين في إصدار الأحكام لم يمنحوه ما يستحق من القراءة والتأمل.

أولًا: رسول الله ﷺ هو الذي علّم التوسل!

روى الترمذي وابن ماجه وأحمد، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:

أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال:

يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني.

فقال له النبي ﷺ:

«إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك».

فقال الرجل: ادعه.

فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ثم يدعو بهذا الدعاء:

«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ».

رواه الترمذي (3578)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن ماجه (1385)، وأحمد في مسنده.

تأملوا ألفاظ الحديث جيدًا!

لم يقل النبي ﷺ للرجل: لا تتوسل بي، فهذا من الشرك!

ولم يعلّمه أن التوجه إلى الله بنبيه محرم، أو أن مجرد ذكر النبي في دعاء الله اعتداء على التوحيد.

بل علّمه بنفسه أن يقول:

«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد».

ثم قال:

«يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه».

فالدعاء موجّه إلى الله، والطلب من الله، والرجاء في الله، والتوسل بالنبي ﷺ.

فأين الشرك في هذه الصيغة التي علّمها رسول الله ﷺ؟!

إن كان المقصود بالتوسل أن يسأل العبد ربَّه متوسلًا بنبيه، مع اعتقاده أن الله وحده هو الذي يقضي الحاجات ويجيب الدعوات، فهذه صورة بحثها العلماء وأجازها كثير منهم.

أما أن يُدعى غير الله باعتقاد أنه يتصرف استقلالًا في الكون، فهذه قضية أخرى لا يجوز الخلط بينها وبين التوسل.

فليس كل خلاف في صفة الدعاء خلافًا في أصل التوحيد، وليس كل ما منعه بعض العلماء يصبح شركًا بالله!

ثانيًا: يقولون: هذا كان في حياة النبي ﷺ!

هنا يأتي الاعتراض الذي يكرره المانعون:

يقولون إن الأعمى توسل بالنبي ﷺ في حياته، وكان النبي حاضرًا، وقد طلب منه أن يدعو له، فلا دليل في الحديث على جواز التوسل به بعد وفاته.

ونقول: هذا وجه من وجوه تفسير الحديث، لكنه ليس نهاية البحث!

فهل جمع هؤلاء جميع الروايات المتعلقة بالمسألة؟

وهل اطلعوا على ما فعله الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ؟

هنا تظهر رواية مهمة يغفل عنها كثيرون، وربما لم يسمع بها بعض من يتصدرون للحديث في هذه المسألة!

ثالثًا: عثمان بن حنيف يعلّم التوسل بعد وفاة النبي ﷺ!

روى الطبراني في «المعجم الصغير» و«الدعاء»، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف:

أن رجلًا كان يتردد على عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فلم يكن عثمان يلتفت إليه ولا يقضي حاجته.

فشكا الرجل أمره إلى الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه.

فقال له عثمان بن حنيف:

ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ ركعتين، ثم قل:

«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي».

ثم أرشده إلى أن يذهب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأن يذهب معه بعد ذلك.

ففعل الرجل ما أرشده إليه، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فأدخله الحاجب عليه، فقضى حاجته.

فلما خرج الرجل شكر عثمان بن حنيف، وقال له إنه لم يكن يُلتفت إلى حاجته قبل ذلك.

فقال له عثمان بن حنيف ما معناه:

والله ما كلمته، ولكني شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير البصر، فشكا إليه ذهاب بصره، فذكر له قصة الأعمى وكيف علّمه النبي ﷺ ذلك الدعاء.

تأملوا هذه الواقعة جيدًا!

هذه الحادثة لم تقع في حياة النبي ﷺ، وإنما وقعت بعد وفاته، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

والذي أرشد الرجل إلى صيغة التوسل هو الصحابي عثمان بن حنيف، وهو نفسه راوي حديث الأعمى، وقد استند إلى ما شهده من تعليم رسول الله ﷺ.

فلماذا لا يذكر بعض المتصدرين هذه الرواية عندما يناقشون المسألة؟!

ولماذا يكتفون بتكرار عبارة: «كان ذلك في حياة النبي» وكأن الرواية الأخرى غير موجودة؟!

لقد صحح الحاكم هذه الرواية، وقبلها واحتج بها عدد من أهل العلم، بينما ناقش آخرون إسنادها أو دلالتها.

ومن الإنصاف العلمي أن نذكر ذلك كله، لا أن نخفي الرواية لأنها لا توافق رأينا.

فإذا كان حديث الأعمى وحده محل خلاف في دلالته على التوسل بعد الوفاة، فإن رواية عثمان بن حنيف تقدم شاهدًا مهمًّا على فهم أحد الصحابة لهذه المسألة وتطبيقه لها بعد وفاة النبي ﷺ.

وهذا وحده كافٍ لإبطال دعوى أن المسألة محسومة بإجماع لا خلاف فيه!

رابعًا: هل كان رسول الله ﷺ يعلّم الناس الشرك؟!

وهنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يتوقف عنده كل من يتوسع في اتهام المتوسلين بالشرك:

إذا كان مجرد قول المسلم: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد» شركًا بالله، فكيف علّم رسول الله ﷺ هذه الصيغة للأعمى؟!

هل كان النبي ﷺ يعلّم الناس ما يناقض التوحيد الذي بعثه الله به؟!

حاشاه ﷺ!

إن النبي ﷺ أعلم الناس بالتوحيد، وأحرصهم على حماية جناب العقيدة، فكيف يعلّم رجلًا صيغة دعاء يزعم بعض المتأخرين أنها شرك أكبر؟!

والأمر لا يحتاج إلى تعقيد:

الرجل دعا الله، وسأل الله، وتوجه إلى الله، وجعل النبي ﷺ وسيلة في دعائه.

فلا يجوز أن نخلط بين من يسأل الله متوسلًا بنبيه، وبين من يعتقد أن مخلوقًا يملك من دون الله نفعًا أو ضرًّا أو تصرفًا مستقلًا.

التوحيد لا يُحمى بتحريف معاني النصوص، ولا بتوسيع دائرة الشرك حتى تشمل مسائل اختلف فيها أهل العلم.

خامسًا: ليس كل ما خالف رأيك شركًا!

من المؤسف أن بعض الخطابات الدعوية جعلت من مسائل التوسل ميدانًا لتصنيف المسلمين واتهامهم في عقائدهم.

فبدل أن يناقشوا الروايات، ويحرروا معاني الألفاظ، ويعرضوا أقوال العلماء، يختصرون المسألة في عبارات جاهزة:

هذا مشرك!

وهذا قبوري!

وهذا ضال!

وهذه بدعة!

وكأنهم امتلكوا وحدهم مفاتيح الحكم على عقائد المسلمين، ولم يعد في الأمة علماء ومذاهب ومدارس فقهية لها اجتهاداتها المعتبرة!

والحقيقة أن التوسل ليس صورة واحدة عند العلماء، بل له صور متعددة، ومن أشهر ما وقع فيه الخلاف:

  • التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وهو مشروع.

  • التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وهو ثابت في حديث أصحاب الغار.

  • طلب الدعاء من النبي ﷺ في حياته، وهو ثابت بلا نزاع معتبر.

  • التوسل بالنبي ﷺ بذاته أو جاهه أو حقه، وقد أجازه علماء ومنعه آخرون.

  • التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، وهو من المسائل التي وقع فيها خلاف في الاستدلال والتأويل.

فلماذا يُختزل هذا كله في اتهام الناس بالشرك؟!

ولماذا لا يُقال: هذه مسألة اختلف فيها العلماء، ولكل فريق أدلته وطريقة فهمه للنصوص؟!

أليس هذا أقرب إلى العلم والإنصاف؟!

إن من حق العالم أن يناقش، ويرجّح، ويضعّف، ويمنع ما يراه غير مشروع، لكن ليس من حق كل متصدر أن يحوّل اجتهاده إلى حكم على عقائد المسلمين، وأن يجعل مخالفه مشركًا لمجرد مخالفته له.

سادسًا: المشكلة ليست في الاختلاف، بل في الجهل بآداب الاختلاف!

لسنا هنا بصدد القول إن كل صور التوسل جائزة، أو إن كل عبارة يتلفظ بها الناس صحيحة، أو إن العلماء لم يختلفوا في المسألة.

بل نريد أن نقول شيئًا أبسط وأهم:

لا تجعلوا مسائل الاجتهاد أبوابًا لتكفير المسلمين، ولا تحوّلوا الخلاف في كيفية الدعاء إلى معركة على أصل الإيمان والتوحيد!

ومن أراد منع صورة من صور التوسل فليأتِ بدليله، وليناقش أدلة المخالفين، وليحترم أقوال العلماء الذين أجازوها.

أما إطلاق أحكام الشرك على المسلمين، دون تفصيل في العبارة والاعتقاد والقصد، فليس من التحقيق العلمي ولا من الحكمة الشرعية.

والأعجب أن بعض الذين يتشددون في هذه المسألة لا يكادون يذكرون رواية عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي ﷺ، مع أنها من أهم ما ينبغي أن يُناقش عند تحرير محل النزاع.

فهل قرأوا الرواية ثم ناقشوها؟

أم اكتفوا بما لقّنهم إياه بعض المتصدرين؟

وهل من الإنصاف أن نحاكم الناس إلى رأي واحد، ثم نتهمهم في توحيدهم لمجرد أخذهم بقول عالم معتبر؟!

الخلاصة: اقرأوا الحديث كاملًا قبل أن تتهموا الناس بالشرك!

رسول الله ﷺ علّم الأعمى صيغة التوسل، والصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه نقل هذا التعليم، ثم أرشد إلى العمل بهذه الصيغة بعد وفاة النبي ﷺ.

هذه نصوص وروايات لا يجوز تجاوزها، ولا يصح أن نغلق باب البحث فيها بعبارة واحدة: «كان ذلك في حياته».

نعم، اختلف العلماء في دلالتها، ومن حق كل باحث أن يناقش ويرجّح، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر التوحيد، أو يجعل رأيه وحده معيارًا لإيمان المسلمين.

فإذا كان النبي ﷺ قد علّمنا كيف نتوجه إلى الله في الدعاء، فمن العجيب أن يأتي بعض المتعالمين فيجعلوا من هذا التوسل تهمة بالشرك، بدل أن يناقشوا النصوص بعلم وإنصاف!

لا تُضيّقوا واسعًا، ولا تُبدّعوا فيما اختلف فيه العلماء، ولا تجعلوا التوحيد سلاحًا لتفريق المسلمين.

التوحيد يحتاج إلى علم وبصيرة، لا إلى غلوٍّ واتهام، والدين يحتاج إلى فقه وحكمة، لا إلى جرأة على أحكام الله وعباده.

فليقرأوا حديث الأعمى، وليتأملوا رواية عثمان بن حنيف، وليتعلموا أن العلم ليس في كثرة إطلاق الأحكام، وإنما في حسن فهم النصوص، ومعرفة مواضع الخلاف، والعدل مع المخالف.

فالحق لا يُعرف بالصراخ، ولا يُثبت بالتشنيع، وإنما يُعرف بالدليل والبرهان.