السبت، 24 سبتمبر 2022

هل صحيح أن حال المسجد النبوي الشريف يختلف عن حال بقية المساجد التي بها أضرحة ؟!

 هل صحيح أن حال المسجد النبوي الشريف يختلف عن حال بقية المساجد التي بها أضرحة ؟!

من المعلوم أن المسجد النبوي الشريف هو أكبر المساجد التي بها أضرحة "قبور"، وبه ثلاثة أضرحة، هم :
*ضريح"قبر" النبي صلى الله عليه،
*ضريح الصديق رضي الله عنه،
*ضريح الفاروق رضي الله عنه.
وهم أكثر الأضرحة التي تُزَار يوميا على مستوى الأمة، وتحت رعاية المملكة السعودية، كما أن المسلمين يصلون في المسجد النبوي على هذه الحالة منذ زمن التابعين وأكثر، من غير نكير.
وعليه يستدل جمهور علماء الأمة على "الدعوة السلفية" التي ظهرت منذ قرابة 200 سنة تقريبا وتحرم الصلاة في المساجد التي بها أضرحة اعتمادا على تفسيرهم وفهمهم لحديث :
(لع * ن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد..)... بجواز الصلاة في المساجد التي بها أضرحة.
بالرغم من أن فهم "الدعوة السلفية" للحديث مجرد أحد قولين في كتب الفقه الإسلامي، أما القول الآخر وهو "قول الجمهور' فيرى أن النهي لا يقصد هذا المعنى المتبادر إلى ذهن من قال بالمنع مطلقا.
والعجيب أنه إذا استدل الجمهور من علماء المذاهب الأربعة كعلماء الأزهر الشريف وغيرهم على هذه الفئة من الناس بدليل يسير من جملة أدلة، ملخصه :
إن الناس يصلون منذ أكثر من 1300 سنة في المسجد النبوي برغم ما به من أضرحة، عليها قبة خضراء تتهافت إليها قلوب المسلمين، فلا مجال لإنكار الصلاة في بقية المساجد التي بها أضرحة طالما على نفس هذه الهيئة، ولا مجال لإدعاء دعوى الخصوصية للنبي صلى الله عليه؛ لأن المسجد به صاحبيه رضي الله عنهما أيضا ولا خصوصية لغير النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن النهي في الحديث الوارد شمل الأنبياء أيضا.
* رَدَ شيوخ هذه الفئة على هذا الاستدلال :
بأن القبور الثلاثة كانت في حجرة خارج المسجد ولم تكن بالمسجد وإنما أدخلت فيه من أجل التوسعة في زمن خلافة الوليد بن عبد الملك مع إنكار التابعي سعيد بن المسيب عليه ! اه
-------
وللأسف بعض الناس يغتر بكلام هذه "الفرقة" ويظن أن في ردهم بهذا الاستدلال حجة لهم !
لذلك إليكم الرد على استدلالهم بعدة نقاط يسيرة، ملخصها الآتي :
أولا كانت الحجرة النبوية تشارك المسجد النبوي في جدار من جدرانه، وكان أحد بابيها يفتح على المسجد والآخر يفتح على الطريق.
ثم تمت توسعة المسجد في إمارة عمر بن عبد العزيز وخلافة الوليد بن عبد الملك دون إنكار من أحد....عدا سيدنا سعيد بن المسيب؛ لأنه كان يرى أن تبقى الحجر والقبر النبوي على هيئته حتى تعرف الأمة كيف كان يعيش نبيهم عليه الصلاة والسلام، وليس مخافة الشرك كما يزعم ويتخيل بعض الناس.
وهذه الهيئة (الحجرة ملاصقة للمسجد بمشاركتها له في أحد جدرانه وتفتح عليه) التي كان عليها هي هيئة غالب مساجد أهل السنة التي بها أضرحة، بأن يجعل الضريح في غرفة مستقلة تشارك المسجد في جدار من جدرانه أو بعض جدرانه كالمسجد الحسيني على صاحبه السلام.
ثانيا أما كلمة المسجد في الحديث المذكور فليس المراد به المكان لعدة أدلة أخرى، كما أن سياق الحديث لا يتحملها، وعمل الأمة يدل على استبعاد هذا المعنى.
فما معنى كلمة مسجد ؟
كلمة المسجد في اللغة : مصدر ميمي إما أن يدل على زمن السجود أو مكان السجود أو فعل السجود.
لذلك ذهب جمهور علماء السنة -بما تحكيه كتب الفقه عند المذاهب الأربعة- إلى أن المراد بالنهي الصلاة أو السجود فوق القبر أو إلى القبر..وليس إحاطة القبر بمسجد أو بناء المساجد عند قبور الصالحين ....
لذلك قال الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم :
(بَنَوْا عَلَى القَبْرِ حِيْطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيْرَةً حَوْلَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ - فَيُصَلِّي إِلَيْهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُوْرِ - ثُمَّ بَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيْ القَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا؛ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيْثِ: "لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا").
مما يدل على أن المراد عدم السجود فوقه أو إليه ... وليس الصلاة عنده أو إحاطته بمسجد أو بناء المساجد عند القبور وإلا ما فائدة إحاطة القبر بالحيطان المذكورة وهو داخل المسجد على كل حال ؟!
وعلى هذا المعنى المتقدم جرت السنة في بناء الأضرحة على ما يقارب هذا الوصف ببناء مقصورة على القبر تمنع من السجود إليه أو عليه...
بعبارة الإمام الشعراوي : (مقصورة على الدفن لا تتعداه إلى شيء سواه)اه
وهذا ما استقرت عليه كتب الفقه فلم نقرأ لإمام من الأئمة الأربعة ومن تبعهم أنه أنكر دفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته المتصلة بالمسجد أو بادخال قبره بالكامل في المسجد...
فالمعنى الذي يتخوفه بعض الناس تحقق منذ الدفن أصلا، ولو افترضنا جدلا أنه لم يتحقق منذ الدفن فقد تحقق منذ التوسعة إلا أنه ليس المراد عند الجمهور..
وإليك كلام بعضهم مما لا يتحمل تحريف معناه :
قال العلامة السندي في حاشيته ج ٢ ص ٤١ :
(ومراده بذلك أن يحذر أمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد إما بالسجود إليها تعظيما أو بجعلها قبله يتوجهون في الصلاه نحوها، قيل : ومجرد اتخاذ مسجد في جوار صالح تبركا غير ممنوع)
ونقل أمير المؤمنين في الحديث الإمام ابن حجر العسقلاني وغيره من شراح السنن كما في شرح الزرقاني وفيض القدير قول شيخ الإسلام البيضاوي، حيث قال :
(قال البيضاوي : لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانا ،لع** نهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، ونهاهم عنه، إما من اتخذ مسجدا بجوار صالح أو صلى في مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه، ووصول أثر من آثار عبادته إليه، لا العظيم له والتوجه فلا حرج عليه، ألا ترى أن مدفن إسماعيل في المسجد الحرام ثم الحطيم ؟ ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي بصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة بما فيها من النجاسة)
"فتح الباري: ج١ ص٥٢٤، شرح الزرقاني ج٤ ص٢٩٠، فيض القدير ج٤ ص٤٦٦"
وقال الإمام ابن عبد البر المالكي : (في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الك*فر، وتحريم السجود على قبور الأنبياء، وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله عز وجل، ويحتمل الحديث ألا تجعل قبور الانبياء قبلة يصلى إليها، ثم قال : وقد "زعم قوم" أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية الصلاة في المقبرة وإلى المقبرة وليس في ذلك عندي حجة)
"التمهيد ج٦ ص٣٨٣"
لذلك استقر جمهور المذاهب الأربعة على جواز الصلاة في المساجد التي بها أضرحة، وهو ما عليه معتمد الفتوى بتفصيل تدور أحكامه بين المنع والإباحة والكراهة المتعلقة بأمور معينة كالنجاسة وليس دعوى الشرك وفوبيا البدع.
أخيرًا : كنا نود أن تكون المسألة خلافية، حتى ولو كان القول القائل بالمنع مطلقا هو قول بعض العلماء والأضعف من جهة الأدلة إلا أنه على كل حال يمكن حكايته على سبيل التعددية الفقهية، ولكن أن هذه الفئة ما تركت مجالا لسعة الصدر؛ وذلك بسبب تسفيههم للقول الآخر بالرغم من أنه قول جمهور المذاهب الأربعة وما عليه معتمد الفتوى، بل وصل بها الحال أن قلبت كفة الميزان بأن صارت تذكر قول الجمهور بطريقة توهمك بأنه قول أهل البدع !!
فالله المستعان وعليه التكلان.
__________
محمد حلمي الحنفي الأزهري
(حاصل على الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية )