الاثنين، 18 يونيو 2018

حكم صيام ستٍ من شوال

حكم صيام ستٍ من شوال 
السؤال: شيخنا ما حكم صيام ستة أيام من شوال بعد العيد ؟ فإنني سمعت في بعض القنوات مَن يقول انها مكروهة!. وجزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم صيام ستة ايام من شوال بعد انقضاء شهر رمضان على ثلاثة أقوال:


القول الأول: مشروعة ويستحب صيامها، وهو قول ابن عباس -رضي الله عنهما-، والشعبي، وطاووس، وميمون بن مهران، عبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وبعض فقهاء الحنفية من المتأخرين وبعض علماء المالكية.
وقد استدلوا بالحديث الذي رواه أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((منْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. 
قال الامام النووي في شرحه على مسلم : (فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة) .
وقد فسّر النبي – صلى الله عليه وسلم- معنى صيام الدهر بقوله : (( جَعَلَ اللهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الشَّهْرِ ، تَمَامُ السَّنَةِ )) رواه النسائي وابن ماجة وصححه الالباني ، ورواه ابن خزيمة بلفظ : ((صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة )) ، ولقوله تعالى : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الانعام :160] .
قال الامام المباركفوري الحنفي في تحفة الاحوذي [3/403] : (قول من قال بكراهة صوم هذه الستة باطل مخالف لأحاديث الباب، ولذلك قال عامة المشايخ الحنفية بأنه لا بأس به ) .
قال الامام النووي في المجموع [6/379 ] : (قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال لهذا الحديث، قالوا: ويستحب ان يصومها متتايعة في أول شوال فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز وكان فاعلا لأصل هذه السنة، لعموم الحديث وإطلاقه وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود).
قال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني [3/176] : (ومن صام شهر رمضان، وأتبعه بست من شوال، وإن فرقها، فكأنما صام الدهر) وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم. روي ذلك عن كعب الأحبار، والشعبي، وميمون بن مهران وبه قال الشافعي وكرهه مالك).
وقالوا: إنّ من فوائد صيام ستّة ايام من شوال هو تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان، إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب يؤثر في صيامه، وقد ثبت ان يوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض، كما قال -صلى الله عليه وسلم- : ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ يَقُولُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ)) رواه أبو داود وأحمد وصححه الالباني.
القول الثاني: كراهة صيام ستة أيام من شوال ، لئلا يظن وجوبها، وهو قول الإمام مالك، وقولٌ عند الحنفية. 
عن يحيى بن يحيى في الموطأ قال: (سمعتُ مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم يرَ أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك). 
والظاهر انه كره متابعتها بعد العيد حتى لا يُظن أنها من رمضان فيأتي زمان يعتقد الناس أنها كالفرض والواجب فكان من باب سد الذرائع ومن أصول الامام مالك التي بنى عليه مذهبه القول بسد الذرائع ، فكان يقول بالمنع من الصيام على هذا الوجه سداً للذريعة ، وقيل إنه كان يكره تتابعها ، وهي أن يصومها ستاً سرداً وراء بعضها حتى لا يعتقد انها فرض.
وفي التاج والإكليل لمختصر خليل لابي عبدالله المواق المالكي [3/330] : ( قال مطرف: إنما كره مالك صيام ستة أيام من شوال لذي الجهل لا من رغب في صيامها لما جاء فيها من الفضل، قال المازري عن بعض الشيوخ: لعل الحديث لم يبلغ مالكا، ومال اللخمي لاستحباب صومها). 
واحتجوا كذلك بقولهم : أنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام هذه الأيام، ولم يثبت كذلك عن أهل المدينة شيءٌ من ذلك الصيام. 
وأُجيبَ عنه: ليس من شرط السّنة ثبوتها بالقول والفعل، بل من السّنةِ ما ثبت بفعله - صلى الله عليه وسلم -ولم يرد ترغيبٌ فيه بالقول كالاعتكاف فإنه ليسَ في فضله حديثٌ صحيح، ولكنه مسنونٌ قطعا لمواظبته - صلى الله عليه وسلم- على فعله.
ومن السنة ما يثبتُ بالقول دون الفعل، وقد يتركه النبي -صلى الله عليه وسلم - لعارض أو لبيان جواز الترك كصلاة الضحى، ففي الصحيح أن عائشة -رضي الله عنها - أخبرت أنها لم تره صلى الله عليه وسلم يُسبحها، مع أن الأحاديث المرغبةَ فيها في غاية الصحة. فلعل تركه لصيامها من هذا الباب. 
ومع ذلك فقد كان الامام مالك يصومها، قال مطرف بن عبدالله وهو من كبار علماء المالكية : ( كان مالك يصومها في خاصة نفسه، قال: وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه) [تهذيب سنن ابي داود لابن القيم 1/479] .
وقال الامام ابن عبد البر المالكي في الاستذكار [3/372 ] : ( وَأما صِيَامُ السِّتةِ الأيامِ مِنْ شَوالٍ عَلى طَلَبِ الفضْلِ وَعَلى التأْوِيلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ –حديث- ثَوْبان رضي الله عنه فَإِنَّ مَالِكاً لا يكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأنَّ الصوْمَ جُنةٌ وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ ).
وقال الامام الشوكاني في نيل الأوطار [4/306 ]: ( وقال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها، واستدلا على ذلك بأنه ربما ظُنّ وجوبها ......... وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به، واستدل مالك على الكراهة بما قال في الموطأ من أنه ما رأى أحداً من أهل العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة).
القول الثالث: كراهة صيام ستِّ شوال متتابعة وجواز صيامها متفرقة، وقد قال بذلك بعض فقهاء المالكية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وغيره من فقهاء الحنفية.
وقد استدلَّ أصحاب هذا الرأي بأن صيام شوال يُكره متتابعاً خشية أن يعتقد بعض الجُهَّال أنّ هذه الأيام هي من شهر رمضان فيكون ذلك من باب التشبُّه بالنصارى. 
قال الامام ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار [2/435] : (والمختار أنه لا بأس به، لأن الكراهة إنما كانت لأنه لا يؤمن من أن يعد ذلك من رمضان ، فيكون تشبها بالنصارى، والآن زال ذلك المعنى)
وقال الامام الكاساني في بدائع الصنائع[ 2/78 ] : (محل الكراهة أن يصوم يوم الفطر، ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة) .
قال الامام اللكنوي الحنفي في عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية [3/309] : ( وتفريقُ صومِ السِتَّةِ في شوالٍ أبعدُ عن الكراهة والتَّشبُّهِ بالنَّصارى).
وقال الامام فخر الدين الزيلعي الحنفي في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ [1/332] : (صوم ست من شوّال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته وعامة المشايخ لم يروا به بأساً واختلفوا فقيل : الأفضل وصلها بيوم الفطر وقيل : بل تفريقها في الشهر , وجه الجواز أنه قد وقع الفصل بيوم الفطر، فلم يلزم التشبه بأهل الكتاب ووجه الكراهة أنه قد يفضى إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة، ولذا سمعنا من يقول يوم الفطر نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس لورود الحديث). 
المفتى به: 
هو ما ذهب اليه الجمهور اصحاب القول الاول من مشروعية واستحباب صيام ستة ايام من شوال بعد انقضاء العيد ، لصحة ما احتجوا به من الحديث الصحيح، ويجوز صيامها متتابعة ومتفرقة في أول شوال أو وسطه أو آخره.
قال الامام ابن قدامة في المغني:[3/103] : ( فلا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لأن الحديث ورد بها مطلقاً من غير تقييد ) . 
كما ويجوز أن يصام من شوال الاثنين والخميس وأيام البيض بنية الست من شوال، ويسمى عند الفقهاء بالتشريك، أي انه إذا كان ذلك الجمع في الوسائل، أو مما يتداخل صح التشريك بينهما ، لان المقصود هو حصول الصيام في الشهر، فيجوز الجمع في النية بين أنواع التطوع في الصيام وفي الصلاة . وقد بينا ذلك مفصلا في فتوى التشريك بين العبادات. والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق