الأربعاء، 20 مارس 2024

البدعة بين تفسيرات علماء السنة وتوهُّمات بعض السلفية

 

البدعة بين تفسيرات علماء السنة وتوهُّمات بعض السلفية

محمد بوالروايح

البدعة بين تفسيرات علماء السنة وتوهُّمات بعض السلفية

البدعة في الاصطلاح الشرعي ما خالف السنة، وقد جعل علماءُ السنة من مخالفة السنة حدا فاصلا بين السنة والبدعة، غير أن بعض سلفيي هذا الزمان توسعوا في البدعة إلى حد غير معقول لا يسنده دليلٌ من القرآن والسنة ولا تعضده أقوال علماء السنة، وهذا دليلٌ واضح على عوزهم  الفقهي وقلة بضاعتهم في فقه الاستدلال وفقه الأحكام.

هناك بونٌ شاسع بين ما يقوله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو العالم بالسنة وبين ما يتوهّمه بعض السلفية ممن أبطأت بهم عقولهم وضاقت مداركهم ممن يتصدرون المجالس ويرمون الناس بالبدعة بسبب تسريحة شعر مما لا علاقة له بالقزع المنهي عنه أو بسبب ربطة عنق أو غير ذلك مما أحدثه الناس ولا مما لا يعدّ بدعة في الدين بأي حال من الأحوال.

ولأن الشيخ ابن تيمية رحمه الله يمثل عند أكثرهم مرجعا في الفقه والفتوىـ فقد أحببتُ أن أنقل كلامه في معنى البدعة ليعرف السلفيون أنهم ظلموا ابن تيمية كما ظلموا الأمة حينما رموا شريحة عريضة منها بالبدعة ومخالفة السنة. يقول ابن تيمية رحمه الله في “درء التعارض”: إن ما خالف النصوص فبدعة باتفاق المسلمين وما لم يعلم أنه خالفها فقد يسمى بدعة. ويفّرق النحويون بين قد التي تفيد التحقيق وقد التي تفيد التقليل وبيان الفرق بينهما مجد في هذا السياق لأن المعاني الشرعية خارج العقود مبنية على الدلالات اللغوية. لم يفتِ ابن تيمية في تحريم البدعة مطلقا لأنه وقافٌ عند النصوص لا يريد أن يتصرف في تفسيرها وتأويلها على طريقة بعض لصوص النصوص الذين يحرفونها ويؤولونها على غير مرادها.

لم يوفق كثيرٌ من السلفية في تفسير النصوص الحديثية التي تحذّر من مخالفة السنة وحملوها على تحريم كل ما استحدث ولو كان مما لا يخالف الشريعة أصولا وفروعا، فقد فهموا قوله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ” على كل مُحْدَثةٍ مما لم يفعله النبي وصحابته ولو كان مما يتعلق بمسائل الحياة وليس بمسائل الدين، وأحدث السلفية بهذا الفهم السقيم ضجة كبيرة وفتنة عظيمة في المجتمع مما حفز بعض المناهضين للإسلام باتهامه بمخالفة سنة التطور وعدم مواكبة العصر. إن حديث: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه” يخص ما أحدث في الدين من مسائل مخالفة للدين عقيدة وشريعة ولا يخص ما اقتضاه تغير الزمان مما يعضد الشريعة ويعزز مكانتها ويقوي شوكتها ويحفظ بيضتها.

للشيخ ابن عثيمين رحمه الله في “شرح رياض الصالحين” تفصيل واف لحديث: “كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار” وحديث: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”. يقول ابن عثيمين: “ذلك أن للبدعة الشرعية قيودا ثلاثة تختص بها، والشيء لا يكون بدعة في الشرع إلا بتوفرها فيه، وهي الإحداث وأن يضاف هذا الإحداث إلى الدين وألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي بطريق خاص أو عام.. وبهذا القيد تخرج المخترعات المادية والمحدثات الدنيوية مما لا صلة له بأمر الدين، وكذلك المعاصي والمنكرات التي استُحدثت، ولم تكن من قبل، فهذه لا تكون بدعة، اللهم إلا إن فعلت على وجه التقرب، أو كانت ذريعة إلى أن يُظن أنها من الدين”.

هناك بونٌ شاسع بين ما يقوله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو العالم بالسنة وبين ما يتوهّمه بعض السلفية ممن أبطأت بهم عقولهم وضاقت مداركهم ممن يتصدرون المجالس ويرمون الناس بالبدعة بسبب تسريحة شعر مما لا علاقة له بالقزع المنهي عنه أو بسبب ربطة عنق أو غير ذلك مما أحدثه الناس ولا مما لا يعدّ بدعة في الدين بأي حال من الأحوال.

إن البدعة بدعتان: بدعة حسنة وبدعة سيئة، ويقاس ذلك على حديث: “من سنّ سنة حسنة فله أجرُها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة”، وبناء على ذلك فالتوسع في البدعة وتعميمها يدل على خلل في الفهم واضطراب في العلم وسوء استدلال بالنصوص مما يُدخل أصحابها في عموم القائلين في الدين برأيهم. إذا فهمنا البدعة على طريقة بعض إخواننا السلفيين فإننا سنرمي -والأمر للتقريب والتمثيل- الخليفة عمر بن الخطاب بالابتداع لأنه سن صلاة التراويح ولم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُعمت البدعة هذه لأنها مدعاة لاجتماع المسلمين.

قال العز بن عبد السلام في “قواعد الأحكام”: “البدعة فعل ما لم يُعهد في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة كالاشتغال بعلم النحو وتدوين أصول الفقه، أو في قواعد التحريم فهي محرَّمة كمذهب القدرية والمرجئة والمجسّمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة لأن المبتدع من أحدث في الشريعة ما لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم، أو في قواعد المندوب فهي مندوبة كبناء الربط والمدارس وكل إحسان لم يحدث في العصر الأول كصلاة التراويح والكلام في دقائق التصوف، أو في قواعد المكروه فمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، أو في قواعد المباح فمباحة كالمصافحة عقب الصبح والعصر والتوسُّع في المآكل والملابس والمساكن”.

في كلام العز بن عبد السلام رحمه الله دُررٌ ليت السلفيين يعونها فيرعوون عن جهلهم ويحتكمون إلى أقوال أهل العلم بدل الاحتكام إلى أهوائهم وتخاريف وتوهمات بعض شيوخهم. لقد أشار العز بن عبد السلام إلى قضية نعاني منها نحن المتخصصين في مقارنة الأديان الذين توجَّه إلينا تهمٌ خطيرة بمخالفة الشريعة والدعوة إلى وحدة الأديان مع أننا نمثل بكل تواضع قاعدة أمامية لصد أي تهجم أو هجوم على الإسلام من قبل أصحاب الأهواء والنحل الدخيلة، فكيف يتحول القائم بهذا الواجب الكفائي في نظر بعض سلفيي هذا الزمان إلى مبتدع ويلحق بأهل الأهواء؟ إن في هذا افتراءٌ عظيم لا تكفره إلا توبة نصوح عن هذا الجهل المركب الذي يعده بعض السلفيين “نصرة للسنة وإقامة للشريعة”.

لا يأخذ كثيرٌ من سلفيي هذا الزمان بأقسام البدعة كما فصَّلها العز بن عبد السلام؛ فالبدعة عندهم قسمٌ واحد وهو فعل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان مما لا علاقة له بالإحداث في دين الله، فالاحتفال بالمولد النبوي عندهم بدعة ولو خلا هذا الاحتفال من مظاهر التبرك المحرمة ومن الشرك الظاهر والباطن وليس لهم دليل قوي على ذلك إلا ما أخذوه عن أئمتهم على علاته من غير تمحيص. هل في الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم وما يصحبه من احتفاء بشمائله صلى الله عليه وسلم ومن قراءة القرآن واحتفاء بأهل القرآن ما يخالف السنة ويناقض الشريعة؟ إنني أرى أن الاحتفال بالمولد النبوي يندرج ضمن “البدع الواجبة” وخاصة في ظل الهجمات التي يشنُّها خصوم الإسلام على نبي هذا الأمة صلى الله عليه وسلم مدعومين من المؤسسات التنصيرية والماسونية والصهيونية، كما أرى أن من يمنع المسلمين من الاحتفال بالمولد النبوي أو يُشنِّع أو يُشوِّش عليهم فقد ارتكب محظورا شرعيا يقترب في اعتقادي من الصد عن سبيل الله ولو كان عن نية حسنة.

ومن شاكلة التوهم الذي يقع فيه بعض السلفيين مغالاتهم في تحريم زخرفة المساجد وتزويق المصاحف مع أنها تندرج -كما قال العز بن عبد السلام- في البدعة المكروهة، فهل نأخذ بقول العز أم بأقوال هؤلاء المخرِّفين الذين يهرفون بما لا يعرفون؟ إننا نأخذ بيقين بقول العز بن عبد السلام عملا بقوله تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”.

نقل عبد الإله بن حسين العرفج مؤلف كتاب “مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى المعاصرة” قول حرملة بن يحيى: “سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتنان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم”. إن الخلط والخبط الذي يقع فيه كثيرٌ من سلفيي هذا الزمان مرده إلى فهمهم السقيم وغير المستقيم لمعنى السنة وحدودها ومعنى البدعة وحدودها، أليس فيهم رجلٌ رشيد ينزع حجاب الجهل عن عقولهم ويُرشدهم إلى الصواب؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق