الثلاثاء، 26 مارس 2024

تلقين الميت بعد الدفن ليس بدعة

 تلقين الميت بعد الدفن ليس بدعة

الحمد لله الذي وفقنا لما كلّفنا ففاهت ألسنتنا بحمده، وكان ذلك من محض كرمه، والصلاة والسلام على شفيعنا السيّد الأعظم أشرف المرسلين محمّد الذي منّ الله علينا برسالته وكتَبَنا بقلم فضله من أمّته وخدمه، ورضي الله عن العِترة والقرابة والوزراء الأقربين، وجميع الصحابة والأولياء العارفين، والعلماء العاملين، والسلام علينا وعلى عباده الصالحين، أمّا بعد
تلقين الميت مشروع و جائز على المذاهب الاربعة
اخرج الامام الطبراني عن الصحابي أبي أمامة الباهلي أنه قال:
“إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرءان إماماً فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لُقّن حجته، قال (أي أبو أمامة): فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يُعرف أمه، قال: ينسبه إلى أمه حواء، يا فلان ابن حواء”.
والحديث له طرق يتقوى بها،
يقول ا لإمام ابن الملقن رضي الله عنه كما في :”خلاصة البدر المنير”: “رواه الطبراني في أكبر معاجمه هكذا، وليس في إسناده إلا سعيد بن عبد الله فلا أعرفه، وله شواهد كثيرة يعتضد بها ذكرتها في الأصل”.ا.ه.
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه التلخيص الحبير :”وإسناده صالح وقد قواه الضياء في أحكامه”ا.هـ.
وعلى شرعية التلقين المذاهب الاربعة،بل جعل بعض ذلك من سيما أهل السنة،فأما قول المذاهب فعلى مايلي:
المذهب الحنفي:
الشيخ عبد الغني الغنيمي الدمشقي الحنفي في كتابه اللباب في شرح الكتاب ج1/125 قال:
“وأما تلقينه (أي الميت) في القبر فمشروع عند أهل السنة لأن الله تعالى يحييه في قبره”. انتهى.
المذهب المالكي:
الإمام القرطبي صاحب التفسير المشهور فقد أفرد للتلقين باباً من كتابه التذكرة بأحوال الموتى والآخرة (ص138-139) أسماه: باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته شهادة الإخلاص في لحده، وقد ذكر أن العمل جرى في قرطبة على تلقين الميت واستشهد بنصيحة شيخه أبي العباس القرطبي في جواز التلقين.
المذهب الشافعي:
– قال الإمام النووي في المجموع ج5/303-304: “قال جماعات من أصحابنا يستحب تلقين الميت عقب دفنه” .. ثم قال: “ممن نص على استحبابه: القاضي حسين والمتولي والشيخ نصر المقدسي” … وقال: “وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عنه فقال: التلقين هو الذي نختاره ونعمل به”، ثم قال النووي: “ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يُقتدى به وإلى الآن”. انتهى كلام النووي. (1)
وقال الشربيني صاحب مغني المحتاج
ويسن تلقين الميت المكلف بعد الدفن فيقال له يا عبدالله ابن أمة الله أذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا
لحديث ورد فية
قال في الروضة والحديث إن كان ضعيفا لكنه اعتضد بشواهد من الأحاديث الصحيحة ولم تزل الناس على العمل به من العصر الأول في زمن من يقتدى به وقد قال تعالى ” وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ” وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة ويقعد الملقن عند رأس القبر
أما غير المكلف وهو الطفل ونحوه ممن لم يتقدم له تكليف فلا يسن تلقينه لأنه لا يفتن في قبره.(3)
– قال الإمام أبو القاسم الرافعي الشافعي في كتابه فتح العزيز بشرح الوجيز (المطبوع في أسفل كتاب المجموع ج5/242): “ويستحب أن يُلقن الميت بعد الدفن فيقال: يا عبد الله بن أمة الله …” إلى آخره .
المذهب الحنبلي:
– الإمام منصور بن يوسف البهوتي الحنبلي في كتابه الروض المربع ص104.
– الإمام المرداوي الحنبلي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ج2/548-549
قال: “فائدة يستحب تلقين الميت بعد دفنه عند أكثر الأصحاب”. انتهى.
جاء في فقه العبادات
يسن تلقين الميت بعد الدفن، لما روى سعيد بن عبد اللّه الأزدي قال: شهدت أبا أمامة رضي اللّه عنه وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: (إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك اللّه، ولكن لا تشعرون. فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت باللّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً
تنبيه:ثبت سماع الموتى في أحاديث مشهورة ،ومنهاما رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ءابائهم “يا فلان ابن فلان”، قال: “إنا وجدنا ما وَعَدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً”،
فقال عمر: “ما تُكَلّم من أجساد لا أرواح لها”، فقال رسول الله: “والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع ما أقول منهم”، وكذلك حديث البخاري الذي رواه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم.إهـ.
وأما قوله تعالى: “وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ”، فالمراد بها تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه عليه الصلاة والسلام وهم أحياء، ذكره ابن حجر في الفتح ج7/354 والقرطبي في تفسيره ج14/305.
وقد سئل ابن تيمية عن تلقين الميت في قبره فأجاب في مجموع الفتاوى (24/ 296):هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة: أنهم أمروا به كأبي أمامة الباهلي وغيره. وروي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مما لا يحكم بصحته؛ ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك فلهذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء: إن هذا التلقين لا بأس به فرخصوا فيه ولم يأمروا به، واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك وغيرهم. والذي في السنن {عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن ويقول: سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل} وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لقنوا أمواتكم لا إله إلا الله} . فتلقين المحتضر سنة مأمور بها. وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له؛ فلهذا قيل: إن التلقين ينفعه فإن الميت يسمع النداء. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنه ليسمع قرع نعالهم} وأنه قال: {ما أنتم بأسمع لما أقول منهم} وأنه أمرنا بالسلام على الموتى. فقال: {ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام} والله أعلم.اهـ
وقال أيضا في مجموع الفتاوى (24/ 297): تلقينه بعد موته ليس واجبا بالإجماع، ولا كان من أيضا في عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه. بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة؛ كأبي أمامة وواثلة بن الأسقع. فمن الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي. ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة. فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب والكراهة والإباحة وهذا أعدل الأقوال.اهـ
أي أن ابن تيمية يرى جوازه خلافا لكثير من المتسلفة حاليا . والله أعلم
………………………………………….. …
(1) قال النووي في الاذكار: وأما تلقينُ الميّت بعد الدفن فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا باستحبابه، وممّن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في تعليقه، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه “التتمة”، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإِمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه ويقول: يا فلان بن فلان! ذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أن لا إِلهَ إِلاَّ اللّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث مَن في القبور، قل رضيت باللّه ربّاً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم نبيّاً، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً، ربّي اللّه لا إِلهَ إِلا هو، وهو ربّ العرش العظيم، هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه “التهذيب”، ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم مَن يقول: يا عبد اللّه ابن أمة اللّه! ومنهم مَن يقول: يا عبد اللّه بن حوّاء، ومنهم من يقول: يا فلان ـ باسمه ـ ابن أمة اللّه، أو يا فلان بن حوّاء، وكله بمعنى.
وسُئل الشيخ الإِمام أبو عمر بن الصلاح رحمه اللّه عن هذا التلقين فقال في فتاويه: التلقين هو الذي نختاره ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين قال: وقد روينا فيه حديثاً من حديث أبي أمامة ليس بالقائم إسناده (قال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جداً. الفتوحات الربانية 4/196) ، ولكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام به قديماً. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع فما له مُستند يُعتمد ولا نراه، واللّه أعلم. قلتُ: الصواب أنه لا يلقن الصغير مطلقاً، سواء كان رضيعاً أو أكبر منه ما لم يبلغ ويصير مكلفاً، وقال العجلوني في الكشف
وقال في المقاصد وروى الطبراني بسند ضعيف عن سعيد بن عبد الله الأودي أنه قال شهدت أبا إمامة وهو في النزع فقال إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول أرشد رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل اُذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما (1) بيد صاحبه يقول انطلق، ما نقعد عند من لقن حجته! فيكون الله حجيجه دونهما. فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم نعرف اسم أمه؟ قال: فلتنسبه إلى حواء، فلان ابن حواء.
وأورده إبراهيم الحربي في “اتّباع الأموات” عن ابن عباس وابن شاهين في<صفحة 376 > ذكر الموت، وآخرون.
وضعفه ابن الصلاح ثم النووي وابن القيم والعراقي والحافظ ابن حجر في بعض تصانيفه وآخرون،
لكن قواه الضياء في أحكامه، ثم الحافظ ابن حجر أيضا بما له من الشواهد، ونسب الإمام أحمد العملَ به لأهل الشام، وابن العربي لأهل المدينة، وغيرهما لقرطبة،
قال في المقاصد وأفردت للكلام عليه جزءا.
وقال ابن حجر في التحفة: ويستحب تلقين بالغ عاقل أو مجنون سبق له تكليف ولو شهيدا بعد تمام الدفن لخبر فيه، وضعفُهُ اعتُضِدَ بشواهد على أنه من الفضائل، فاندفع قول ابن عبد السلام أنه بدعة، وترجيح ابن الصلاح أنه قبل إهالة التراب مردود لما في الصحيحين “فإذا انصرفوا أتاه ملكان”، فتأخُّرُه بعد تمامه أقرب إلى سؤالهما انتهى.
ومثله في الرملي غير أنه خالف في شهيد المعركة، قال كما لا نصلي عليه كما أفتى به الوالد، وزاد قوله: والأصح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يسألون، قال: ويقف الملقِّنُ عند رأس القبر
(2) اورد السيوطي في الحاوي مانصـــــــــه: قال الزركشي في الخادم قد صرح ابن يونس في شرح التعجيز بأنه يستحب تلقين الطفل واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لقن ابنه إبراهيم قال وهذا احتج به المتولى في أصل المسألة. وقال السبكي في شرح المنهاج إنما يلقن الميت المكلف أما الصبي فلا يلقن وقال في التتمة إن النبي صلى الله عليه وسلم لما لحد ابنه إبراهيم لقنه وهذا غريب انتهى. وعبارة التتمة الأصل في التلقين ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن إبراهيم قال قل الله ربي ورسولي أبي والإسلام ديني فقيل له يا رسول الله أنت تلقنه فمن يلقننا فأنزل الله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) انتهى
(3) قال السيوطي في الحاوي: اختلف في الأطفال هل يفتنون في قبورهم ويسألهم منكر ونكير أولا على قولين شهيرين حكاهما ابن القيم في كتاب الروح عن أصحابه الحنابلة ورأيتهما أيضا للحنفية وللمالكية ويخرجان من كلام أصحابنا الشافعية: أحدهما أنهم لا يسألون وبه جزم النسفي من الحنفية وهو مقتضى كلام ابن الصلاح والنووي وابن الرفعة والسبكي وصرح به الزركشي وأفتى به الحافظ ابن حجر. والثاني: أنهم يسألون رويناه عن الضحاك من التابعين وجزم به من الحنفية البزازي والبيكساري والشيخ أكمل الدين وهو مقتضى كلام ابن فورك والمتولى وابن يونس من أصحابنا ونقله الشيخ سعد الدين التفتازاني عن أبي شجاع وجزم به من المالكية القرطبي في التذكرة والفاكهاني وابن ناجي والأقفهسي وصححه صاحب المصباح في علم الكلام.
كل التفاعلات:
١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق