الجمعة، 19 يونيو 2020

شبهة إنكار الاستغاثة بالموتى .. والرد عليها

شبهة إنكار الاستغاثة بالموتى .. والرد عليها
كثر الخوض ، واشتد الجدال ، وحدث الإنكار ، ضد الاستغاثة بالموتى ، ومنع النداء لهم ، ظناً من المنكرين ، أن سائر الموتى من الأنبياء ، والمرسلين ، والأولياء الصالحين ، وعامة المؤمنين لمجرد انتقالهم من دار الحياة الدنيا ، صاروا تراباً لا بقاء لهم في قبورهم ، لا يسمعون ولا يدركون .




بيد أن الحق على خلاف ما يزعمون ، والصواب على غير ما يعتقدون . والسنة الشريفة ترد عليهم زعمهم في صراحة قوية ، وتبطل قولهم فيما جاء بها من أحاديث صحيحة .
أخرج البخاري ومسلم ، وأصحاب السنن ، من حديث ابن عمر قال : اطلع رسول الله على أهل القليب فقال :
" هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً " . فقيل له : أتدعون أمواتاً ؟ فقال : " ما أنتم بأسمع منهم ، ولكن لا يجيبون " .
فمن نظر بعين الحق والصواب والإنصاف إلى هذا الحديث وما اشتمل عليه من التصريح بلفظ : " ما أنتم بأسمع منهم " ، لأدرك لا محالة أن الموتى يسمعون ويدركون ، وأن الحياة البرزخية ثابتـة لهم . فلو اعتقد المنكر ذلك لما وسعه الإنكار ، فإن دار البرزخ هي دار انتقال من دار إلى دار ، وقد ثبت كل ما ذكرناه من هذه الأحوال ، بنص الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة خلفا عن سلف .
ومن لم يعتقد ذلك فقد ترك من واجب الإيمان شيئاً ، يجعله من الخارجين عن سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم فإن البعث من أركان الإيمان الذي يكفر منكره ، وإنكار حياة القبر للنعيم والعذاب إنكار للبعث الأصغر الذي هو نموذج البعث . والمنكر لهذا إنما هو منكر في الواقع لما أجمعت الأمة عليه .
يقول صاحب ( نظم الشيبانية ) : إن عذاب القبر حق ، وإنه على الروح والجسم .
فالنعيم والعذاب على الروح والجسم ، وإن لم نره نحن ، لأنه من الإيمان بالغيب ، وهو راجع إلى قدرة الله ، وهذا بالنسبة إلى العقل .
أما بالنسبة إلى النقل فالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، وأقوال السلف ، مطبقة على الأحوال التي ذكرناها لأهل البرزخ ، فإن كان المنكر يجهلها فنحن نذكرها .
قال الله تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون " آل عمران : 169 . فإذا ثبت هذا في الشهداء وهم من سائر الأمة في كل زمان ، فلا شك أن الأنبياء من باب أولى : " ما من نبي إلا ورزق الشهادة " ، وهذا ظاهر .
وأما قول الحلبي في ( السيرة النبوية ) : " قد يكون في المفضول ما لا يكون في الفاضل ، فلا يلزم القياس " ، فممنوع بأن ذلك ممكن فيما لم يرد به نص يوافق هذا القيـاس ، وقد ورد من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها ما يوافق ذلك ، ففي البخاري ومسلم : " مررت ليلة أسري بي على موسى وهو قـائم في قبره يصلي " .
وروى البيهقي وغيره بأسانيد صحيحة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " . وورد " أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " . وقد أطبق العلماء على ذلك .
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما : " أن الله بعث لنبينا جميع الأنبياء ليلة الإسراء ، فصلى بهم إماماً ركعتين " . والصلاة ذات ركوع وسجود . وهي تستدعي جسداً حياً كما قالوه في صلاة موسى في قبره .
قال في ( المشكاة ) ناقلاً عن الصحيحين : " وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي ، فإذا هو رجل ضرب جعد - يعني شعره غير سبط - وكأنه من رجال شنوءة " وهم قوم سمر اللون .
وأخرج البيهقي في كتاب ( الاعتقاد ) : " الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم ، فغيبوا عنا ، وإن كنا لا نراهم كالملائكة ، إلا من أكرمه الله تعالى بنوع كرامة " .
وكذلك ذكر الإمام السيوطي ، وهو قول الإمام النووي والسبكي ، والقرطبي ، عن شيخه ، ونقـله ابن القيم الحنبلي في كتاب ( الروح ) ، وابن حجر والرملي ، والقاضي زكريا ، وكمال الدين الحنفي ، وابن أبي جمرة المالكي ، وتلميذه ابن الحاج في ( المدخل ) وغيرهم ممن وثقوا .
وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه في وقعة الحرة لما خلى المسجد النبوي ، وتعطل المسجد عن الأذان والإقامة ، صار يسمع الأذان والإقامة من الحجرة الشريفة النبيوية . وذكره ابن تيمية في كتابه ( اقتضاء الصراط المستقيم ) .
والحاصل أن حياة الأنبياء ثابتة بالإجماع ولا يرد على هذا ما ورد في الحديث الصحيح : " ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام " . فظاهره يقتضي أن روحه الشريفة تفارق جسده الشريف وأنها بالسلام ترد .
فقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة أحسنها : أنه صلى الله عليه وآله وسلم يكون مستغرقاً بمشاهدة حظيرة القدس ، فيغني عن إحساسه الشريف ، فإذا سلم المسلم عليه ، ترد روحه من ذلك الاستغراق ، إلى الإحساس لأجل الرد المذكور ، ونحن نرى في الدنيا بعض من هو مشغول البال ، بأمر من الأمور الدنيوية أو الأخروية ، وربما يتكلم أحد معه وهو لا يشعر بكلامه ، لاشتغال باله واستغراقه ، فكيف بمن هو مشغول بمشاهدة جمال ذي الجلال والإكرام .
ومن الأدلة الدالة على صحة التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته ، ما روى الحافظ ابن حجر : عن أبي سعيد السمعاني ، أنه روى " عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، أنهم بعد دفنه صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أيام ، جاءهم أعرابي فرمى بنفسه على القبر الشريف ، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام ، وحثى من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله .. قلت فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله ما وعينـا عنك ، وكان فيما أنزله عليك قوله تعالى : " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً " . وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربي ، فنودي من القبر الشريف : أن قد غفر الله لك " .
ويؤيد ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : " حياتي خير لكم ، تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم ، ما رأيت من خير حمدت الله ، وما رأيت من شر استغفرت لكم " .
وفي هذا الباب آثار كثيرة والأمر لا يحتاج إلى الإطالة .
ويدل عليه عرض أعمال الأحياء على الموتى ، فإنهم لو لم تكن لهم الرؤية ، لما صح عرض الأعمال عليهم ، والعرض لا يكون بداهة إلا على من يرى ، ويسمع ، ويحس ، ويشهد ، ويستطيع إصدار الحكم ، وهذا كله من صفات الأحياء لا الأموات بمعنى العدم .
أما عرض الأعمال من الأمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد روى البزار بسنده - ورجاله رجال الصحيح - عن أبي مسعود قـال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم ، تعرض عليَّ أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله ، وإن رأيت شراً استغفرت لكم " .
أما علم الأموات بأحوال الأحياء وبما هم فيه : فقد روى الإمام أحمد في مسنده ، وعبد الرزاق في مصنفه عن سفيان عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات ، فإن كان خيراً استبشروا ، وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا " .
وروى الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) من حديث عبد الغفور ابن عبد العزيز عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله . وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة ، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضاً وإشراقاً ، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم " .
وأما عرض الأعمال على الأجانب ، فأخرج ابن المبارك ، وابن أبي الدنيا ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : " تعرض أعمالكم على الموتى ، فإن رأوا حسناً فرحوا واستبشروا ، وإن رأوا سوءاً قالوا : اللهم راجع بهم " .
وأخرج الحكيم الترمذي ، وابن أبي الدنيا ، والبيهقي في ( شعب الإيمان ) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " اتقوا الله في إخوانكم من أهل القبـور ، فإن أعمالكم تعرض عليهم " . وهذان الحديثان عامان في مطلق الموتى .
وبما أنهم ثبت لهم وجاز في حقهم كل هذا ، فلا مجال لإنكار التوسل والاستغاثة بهم على ضوء ما قررنا .
وأما شبهتهم في المنع من النداء لهم ، فقالوا :
إن النداء والخطاب للجمادات ، والغائبين ، والأموات ، من الشرك الذي يباح به الدم والمال ، ولا حجة لهم في ذلك ، فإن الأحـاديث الصحيحة صريحة في بطلان قولهم هذا .
إنهم زعموا أن النداء للأموات والغائبين والجمادات يسمى دعاء ، وأن الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة . وحملوا كثيراً من الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الموحدين ، وقد تقدم ذكر كثير من تلك الآيات ورد زعمهم فيها .
وهذا كله منهم تلبيس في الدين ، فإنه وإن كان النداء قد يسمى دعاء كما في قوله تعالى : " لا تجعلوا دعـاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً " النور : 63 . لكن ليس كل نداء عبادة ، ولو كان كل نداء عبادة لشمل ذلك نداء الأحياء والأموات ، فيكون كل نداء ممنوعاً مطلقاً ، وليس الأمر كذلك ، وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقدون ألوهيته واستحقاقه العبادة فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه .
فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله تعالى ، وأما مجرد النداء لمن لا يعتقدون ألوهيته ولا تأثيره فإنه ليس عبـادة ، ولو كان لميت أو غائب أو جمـاد وذلك كله وارد في كثير من الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة .
والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة القبور في كثير منها النداء والخطاب للأموات كقوله : " السلام عليكم يا أهل القبور " . و " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ، وأنا إن شاء الله بكم لاحقون " . ففيها نداء وخطاب ، وهي أحاديث كثيرة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها هنا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق