الجمعة، 14 يونيو 2019

الشيخ الالباني وكارثة عدم التمذهب !!!

ترددات الألباني في المذهبية وأثرها على الحركة السلفية


يعد الشيخ الألباني -رحمة الله- أحد علماء السلفية المعاصرين البارزين، والذي ترك بصمات واضحة على الحركة السلفية بكل أطيافها، فلا تكاد تجد مؤيد له أو معارض إلا واستفاد من جهوده العلمية. وكعادة العلماء المكثرين، فإن الناظر في تراثه -رحمه الله- يجد له صولات وجولات، وإقرارات وتراجعات، وترددات في مسائل كثيرة، طوال مسيرته العلمية، منها مسالة حكم تارك الصلاة والمذهبية والكثير من المسائل الفقهية. وقد شكل رأيه في مسألة عدم "التمذهب" لطالب العلم الشرعي، ورفضه لاتباع المذاهب الأربعة في أكثر اختياراته أثراً كارثيا على الحركة السلفية المعاصرة.
الألباني وإنكار المذهبية:
نذر الألباني حياته لمحاربة "التقليد" و"المذهبية"، والذي عنى به "محاربة تقليد طالب العلم الشرعي لأئمة المذاهب، من غير فهم مسوغ للأدلة الشرعية"، و اعتبرها في كتابه (الحديث حجة بنفسه) جريمة تضاهي جريمة الحكم بغير ما أنزل الله!، فقال: "فإن كثيراً من هؤلاء الشباب لم يتنبه بعد أن المشاركة المنافية لمبدأ الحاكمية لله تعالى، لا فرق فيها بين كون البشر المُتَبَع من دون الله مسلماً أخطأ في حكم من أحكام الله، أو كافراً نصب نفسه مشرعاً مع الله، وبين كونه عالماً أو جاهلاً، كل ذلك ينافي المبدأ المذكور الذي آمن به الشباب والحمد لله تعالى".

وتجاوز الألباني بدعوته طلاب العلم الشرعي، إلى عوام الناس فلم يجوِّز "التقليد" لهم على إطلاقه، فقال في نفس الكتاب: "إنني أرى إطلاق الكلام في العامي، وأنه لابد له من تقليد لا يخلو من شيء؛ لأنك إذا تذكرت أن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة، فمن السهل في كثير من الأحيان على بعض أذكياء العامة أن يعرف الحجة لوضوحها في النص الذي بلغه". وبعد أن حرم تقليد المذاهب، دعى لاتباع مذهبه الوليد، الذي جمع الحق، وضمن سالكة الهداية من الله!، ففي مقدمته لكتابه "صفة صلاة النبي" قال: "فإن الكتاب سيكون جامعاً لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه - على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه -، بينما لا يجمع ما فيه من الحق أيُّ كتاب أو مذهب، وسيكون العامل به – إن شاء الله - ممن قد هداه الله".
كارثة عدم التمذهب:
بالرغم من أن الألباني قد جعل التعصب المذهبي بين أهل المذاهب مبرراً لطريقته الجديدة، إلا أنه قد ظهر بسببها تعصب مذهبي جديد للمذهب الألباني أو المسلك الحادث الوليد في الفقه والحديث والاعتقاد
متابعةً لدعوى الألباني، انطلق طلبة العلم السلفيين مستسهلين هذه الطريقة في الطلب، حيث بات كلل واحد منهم ينظر بنفسه في الأدلة، ويختار منها ما يشاء، من غير معرفة متعمقة بآلة الاجتهاد الشرعي من علوم الأصول واللغة والحديث، والتي تُرَسِّمُ طرق الاستدلال ومسالكه، متعللين برأي الشيخ الألباني. وانقطعوا عن مدارس الفقه على المذاهب، ليتصلوا بغير المتمذهبة كالشوكاني، والصنعاني، وتوسعوا في علم "أدلة الأحكام" دون الفقه على المذاهب الأربعة.
والحقيقة أن هذه الطريقة سريعة الثمر لكنها عديمة الأثر، تُخرِّج في النهاية مجموعة من طلبة العلم الظاهرية في الفقه –إن تفقهوا- مع جراءة في الحكم على الأحاديث خلافا لأئمته الأثبات السابقين. بل ألف أحد مشايخهم كتابه (مفاتيح الفقه في الدين) على هذه الطريقة، بعد أن أصبح جل علمهم علم التصحيح والتضعيف، دون الخوض أو التعلم للأصول أو القدرة على التواصل مع التراث السلفي الفقهي.

نتج عن هذا مذهب فقهي جديد، أو قل مذاهب فقهية وليدة، على غير مسلك علمي مُعتبر، أو منهجية مُجمَع عليها، أدت لتضارب الفتوى وشذوذها، ناهيك عن تصادمها مع مذاهب المجتمعات الفقهية، المعمول بها في الفتوى منذ القرون الأولى كالمالكية في المغرب، والشافعية في إندونيسيا، والحنفية في الهند، والحنابلة في الشام والحجاز.

تراجع الألباني وتعصب الأتباع:
وبالرغم من أن الألباني قد جعل التعصب المذهبي بين أهل المذاهب مبرراً لطريقته الجديدة، إلا أنه قد ظهر بسببها تعصب مذهبي جديد للمذهب الألباني أو المسلك الحادث الوليد في الفقه والحديث والاعتقاد. ومع مرور الوقت أدرك الألباني خطورة هذه الدعوى، وتراجع عنها فأوجب التقليد حتى على أهل العلم الثقات، من بعد أن كان أنكره من قبل للعوام!

يقول الألباني في (سلسلة الهدى والنور): "نحن نقول للمقلدين بعبارة أخرى نحن لا ننكر مجرد التقليد، وهذه أرجو أن تكون الفكرة ظاهرة لدينا جميعاً، نحن لا ننكر مبدأ التقليد، وإنما ننكر التدين بالتقليد وجعله مذهباً وديناً لا يحاد عنه قيد شعرة، هذا الذي ننكره، أما الإتباع لعالم نثق بعلمه سميتموه تقليداً -على الرأس والعين - هذا واجب". وكذلك تراجع فأوجب على العامة التقليد، إذ يقول في نفس الشريط: "إن عامة الناس مــا يستطيعوا أن يعرفوا دقائق المسائل، وما يستطيعوا أن يعرفوا أدلتها، ولو أراد العالم أن يشرحها له ما يستطيع أن يفهمها".

ويتراجع في شريط (التقليد والاتباع)، حيث سئل عن معنى قول الشاطبي في الموافقات: "إن فتوى العالم بالنسبة للعامي كالدليل بالنسبة للمجتهد"، وهل يأثم العامي إذا خالف فتوى الإمام، كما يأثم العالم إذا خالف الدليل؟ فأجاب: بلا شك أقول بقولة الإمام الشاطبي، لا شك أن العامي إذا خالف فتوى المفتي له دون عذر شرعي، متبع لهواه أولاً، ثم هو مخالف لمقتضى قول ربنا تبارك وتعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

ويتراجع في (فتاوى المدينة) فيقول: لا أعلم دليلاً على تحريم التقليد، بل التقليد لا بد منه لمن لا علم عنده، وقد قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ فهذه الآية جعلت المسلمين من العلم قسمين: عالم وأوجب عليه أن يجيب السائل، وغير عالم وأوجب عليه أن يسأل العالم، فلو كان رجلاً من عامة الناس جاء لعالم فسأله فأجابه العالم فقد طبق هذا الرجل هذه الآية.
أدعو مشايخ الحركة السلفية وأبنائها، للعودة لما كان عليه أئمة السلف الأربعة، ومراجعة موقفهم من التمذهب، وعدم التمسك بدعوى الألباني، وبكثير من المسائل، التي تراجع عنها بعد أن بان له خطؤها
  
أهمية المذاهب الفقهية:
وتنبيها على أهمية المذاهب وخطورة دعوى عدم الاكتراث أو الانتساب لها طلبا وتقريرا على الحركة السلفية يقول الشيخ (يوسف الغفيص): "من انتسب للإمام أحمد تعبداً؛ كما يفعل مثلاً بعض الشيعة، وبعض الصوفية حين ينتسبون على جهة التعبد لأعيان؛ فهذا لا شك أنه بدعة، لكن من انتسب للإمام أحمد لأنه أخذ من علمه ما لم يأخذ من علم الشافعي، أو قرأ من كتبه ما لم يقرأه من كتب الشافعي، أو رأى أن الإمام أحمد أعلم بالسنن والآثار، أو رأى أنه أقرب.

فالمسألة مسألة تراتيب علمية، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) لماذا يطيعون أبا بكر وعمر؟ هل أبو بكر مشرع؟ لا، ولكن هذه تراتيب علمية: أن المفضول في العلم يقتدي بالفاضل، وإذا تعصب متعصب لـ أحمد أو للشافعي قلنا: أخطأ، لكن أن يقال: إن السلفي هو الذي لا يتمذهب فهذا ليس صحيح، وإلا للزم من كونك لا تقلد أحداً في مسألة، ألا يكون لك سلف في كل المسائل، وهذه ليست طريقة السلف، الإمام أحمد يقول: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك لعلهم اختلفوا.

إذاً لا بد من هذا الاتباع، وهذا من سنن المرسلين: أن يقتدي المفضول بالفاضل، فالتمذهب فيه طرفان ووسط؛ فإذا غلا بعض المتمذهبين بتعصبهم للمذاهب، وصاروا يقلدون الأقوال ولا يعتبرون النظر في الدليل، وكان همهم الانتصار للمذهب، فهذا لا شك أنه بدعة وجدت في قرون من الأمة على يد بعض الفقهاء.

وقد أنكره قوم ولا سيما من المعاصرين الذين بالغوا في رده وجعلوا السلفية مرتبطةً بعدمه، والحق أن المحققين من السلفيين كـ ابن عبد البر وشيخ الإسلام وابن كثير ومن قبل هؤلاء أو من بعدهم، والمعاصرين الذين قرب عصرهم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخ الدعوة، كل هؤلاء كانوا على التمذهب البعيد عن التعصب، إنما اختاروا أصولاً فقهيةً عند أحمد أو أصولاً عند الشافعي أو أصولاً عند أبي حنيفة.

لكن المقصود أن الأمور تؤتى من أبواها، فتحصيل الاجتهاد ليس بإنكار المذاهب، وتحصل السلفية ليس بإنكار المذاهب، فإن أئمة هؤلاء المذاهب هم أئمة السلف، وكثير من أتباعهم المحققين كانوا على عقيدة السلف، خاصة أن من ينكر هذا تجد أنه يأخذ بأقوال ابن حزم أو أقوال الشوكاني، فرجعوا إلى قول عالم من علماء السنة والجماعة على أحسن تقدير". ولهذا أدعو مشايخ الحركة السلفية وأبنائها، للعودة لما كان عليه أئمة السلف الأربعة، ومراجعة موقفهم من التمذهب، وعدم التمسك بدعوى الألباني، وبكثير من المسائل، التي تراجع عنها بعد أن بان له خطؤها، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق