السبت، 9 سبتمبر 2023

بيان جهل من يزعم أن يوم الوفاة رسول الله ﷺ هو يوم المولده .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفاتح أما بعد، مع إقتراب يوم مولد سيد الخلق سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بدأ الوهابية الجفاة في حبه في نشر شبهاتهم المعتادة على أنه لا يجوز إظهار السرور بيوم مولده، ومن أشهر - وأسخف - الحجج التي يطرحونها أنه يوم مولد النبي ﷺ مختلف فيه بينما يوم وفاته مجمع عليه وعلى أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قد توفي في ١٢ ربيع الأول ١١هـ فعلى هذا فالمحتفلين بمولد الرسول ﷺ إنما يحتفلون بوفاته لا مولده ! وهذا هو الكذب والتدليس بعينه !! ونقول ردًا على هذا الطرح وقد توكلنا على الله:



[أولاً: إثبات أنه الرسول ﷺ قد ولد في يوم ١٢ ربيع الأول]

بداية فلا شك على أنه الرسول ﷺ قد ولد يوم الإثنين، فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي قال: "وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ، قالَ: ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ" (صحيح مسلم ١١٦٢) فمتى وجدنا التاريخ لا يوافق يوم الإثنين جزمنا ببطلانه، ثانيًا فقولنا هذا هو قول جمهور أهل العلم، قال الإمام الجليل ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: "قال غير واحد من أهل العلم، ومنه كثير مما حفظ عن مالك في هذا المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل ونبيء يوم الاثنين." (الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ ص ١٢٦) ويقول الحافظ ابن كثير: "وَقِيلَ: لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَفَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَا عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ بُعِثُ، وَفِيهِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ، وَفِيهِ مَاتَ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ." (البداية والنهاية ت التركي ٣/ ٣٧٥) وأما باقي الأقوال فهي باطلة، ونحن نذكرها ونحكمها إلى القاعدة التي أصلناها في البداية:


1- أنه ولد في ٢ ربيع الأول وهذا باطل لأنه يوافق الجمعة لا الإثنين.

2- أنه ولد في ٨ ربيع الأول وهو كذلك باطل لأنه يوافق يوم الخميس لا الإثنين كذلك.

3- أنه ولد في ٩ ربيع الأول الموافق لـ ٢٠ إبريل ٥٧١م وهو قول ساقط من جميع الأوجه لأنه ٩ ربيع الأول يوافق بداية ٢ مايو ٥٧٠م والذي هو يعادل يوم الجمعة لا يوم الإثنين !

4- كذلك من قال بأنه الرسول قد ولد في ١٠ ربيع الأول قد أخطئ لأنه يوافق السبت لا الإثنين.

5- أما ما حكته الشيعة من أنه الرسول ﷺ قد ولد في يوم الجمعة الموافق ١٧ ربيع الأول فلا نعلق عليه سوى بأنه ١٧ ربيع الأول يوافق يوم السبت لا الجمعة !!!!!

6- وقد زعم الزبير بن بكار أنه الرسول قد ولد في يوم ١٢ رمضان !! وهو قول باطل لأنه ١٢ رمضان يعادل يوم الخميس، وقد روى الحافظ ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٣/ ٩٩) هذا القول عن محمد بن عبد الله السهمي وأنه الرسول ﷺ قد حمل به في عاشوراء وولد في ١٢ رمضان بعد ٢٣ سنة من عام الفيل !!! وبداية ففي سند الرواية المسيب بن شريك وهو متروك الحديث، ثانيًا فبين شهر محرم ورمضان ثمانية شهور ولا يوجد حمل يدوم ثمانية شهور ! ثالثًا هذا مخالف لإجماع أهل العلم وقبلهم صحابة رسول الله على أنه النبي ﷺ قد توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وأنه قد  ولد عليه السلام في عام الفيل، رابعًا فهذا التاريخ يعادل السبت لا الإثنين ! خامسًا فهذا مخالف لإجماع أهل العلم على أنه الرسول ﷺ قد ولد في شهر ربيع الأول كما سننقله عن الإمام النووي رحمه الله، سادسًا هذا القول مخالف لما ثبت في كتب السير من كون ولادته ﷺ كانت بعد دخول الفيل بخمسة وخمسين يوم، وقد كان دخولهم في منتصف شهر محرم فإذًا كان مولد الرسول ﷺ في الثلث الأول من شهر ربيع الأول.

وراجع هذا الموقع الإسلامي المخصص لمعرفة يوم الأسبوع عن طريق التاريخ الهجري والمخصص للتحويل بين التقويمين الميلادي والهجري للتحقق من ما نقوله:

http://www.muslimphilosophy.com/ip/hijri.htm

وقد تحققت من صحة تلك النتائج عن طريق عدة مواقع آخرى، فثبت أنه الرسول ﷺ قد ولد في ١٢ ربيع الأول سنة ٥٣ ق.هـ ولم يصح شيء خلاف ذلك.

[ثانيًا: بيان أنه الرسول ﷺ لم يتوفى كما زعموا في يوم ١٢ ربيع الأول]

1- أجمع أهل السنة على أنه الرسول ﷺ قد توفي في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، يقول الإمام الطبري رحمه الله: "أما اليوم الذي مات فيه رسول الله ص، فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، غير أنه اختلف في اى الاثانين كان موته ص؟" (تاريخ الطبري ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠) ويقول الإمام النووي رحمه الله: "وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ ربيع الاول وتوفي يوم الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ" (شرح مسلم ١٥/ ١٠٠) ويقول بدر الدين العيني رحمه الله: "وَلَا خلاف أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ" (عمدة القاري ١٨/ ٦٠) وقد سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "في أيِّ يَومٍ تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ؟" فقالت: "يَومَ الِاثْنَيْنِ" (صحيح البخاري ١٣٨٧) (صحيح مسلم ٩٤١) وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "وَمَاتَ لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ ، فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ" (مسند أبي حنيفة رواية الحكصفي ١١٧) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، فَتُرِكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمِنَ الْغَدِ ، وَدُفِنَ لَيْلا" (أنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٢٦٧) وقال عكرمة رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَجَلَسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى دُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ" (الطبقات الكبرى ط العلمية ٢/ ٢٠٣) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ" (تاريخ أبي زرعة ص ١٥٣) وقال مكحول: "وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ" (دلائل النبوة ٧/ ٢٥٥) وقال ابن شهاب الزهري رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ" (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٣٢)  وقال الإمام الأوزاعي رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ، قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ" (دلائل النبوة ٧/ ٢٥٦) وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: "تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، فَلَبِثَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ" (المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٦٤) وأعتقد أنه في هذا الكفاية للبرهنة على إجماع الأمة على أنه الرسول ﷺ قد توفي في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول.

2- رغم إتفاق أهل العلم على وفاة الرسول ﷺ في يوم الإثنين إلا أنهم أختلفوا في يوم وفاة الرسول ﷺ فقال موسى بن عقبة والليث والخوارزمي أنه توفي ﷺ في الأول من ربيع الأول، وقال ابن الكلبي وأبو مخنف وسليمان التيمي أنه وفاته ﷺ كانت في اليوم الثاني من ربيع الأول، وقال جمهور أهل العلم أنه توفي في الثاني عشر من ربيع الأول وقد فسر القاضي بدر الدين بن جماعة قولهم بأن قال: "يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ" (فتح الباري ٨/ ١٣٠) وهو القول الصحيح كما سنبين إن شاء الله، وأما ما رواه روى ابن سعد (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٠٩) عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه الرسول ﷺ توفي في ١٢ ربيع الأول فلم يصح، فراويها عنهما هو محمد بن عمر الواقدي وهو متروك متهم بالكذب، فما يزعمه الوهابي من إجماع وهمي على أنه الرسول ﷺ قد توفي في ١٢ ربيع الأول هو محض خرافة لا وجود لها، بل هي خرافة مضحكة باطلة بالأدلة والبراهين كما سنيين بعد قليل.

3- بعد أن نقلنا الإجماع على أنه الرسول ﷺ قد توفي يوم الإثنين في ربيع الأول وإختلاف في تحديد هذا اليوم فنحن نقول بإستحالة أن يكون الرسول ﷺ قد توفي في يوم ١٢ ربيع الأول لأنه هذا التاريخ لم يوافق يوم الإثنين، وإنما وافق يوم الأحد ! (راجع الموقع الذي سبق وأشرنا إليه) وأول من تفطن إلى تلك الإشكالية كان الإمام السهيلي رحمه الله فقال: "وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونَ تُوُفّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا فِي ((الثّانِي مِنْ الشّهْرِ أَوْ الثّالِثَ عَشَرَ أَوْ الرّابِعَ عَشَرَ أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ)) لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنّ وَقْفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ التّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجّةِ فَدَخَلَ ذُو الْحَجّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَكَانَ الْمُحَرّمُ إمّا الْجُمُعَةُ وَإِمّا السّبْتُ فَإِنْ كَانَ الْجُمُعَةُ فَقَدْ كَانَ صَفَرٌ إمّا السّبْتُ وَإِمّا الْأَحَدُ فَإِنْ كَانَ السّبْتُ فَقَدْ كَانَ رَبِيعٌ الْأَحَدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ وَكَيْفَا دَارَتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فَلَمْ يَكُنْ الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهِ وَلَا الْأَرْبِعَاءَ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْقُتَبِيّ ... إلخ" (الروض الأنف ت تدمري ٧/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، وإنما توفي الرسول ﷺ في يوم ١٣ ربيع الأول ١١هـ الموافق ٨ يونيو ٦٣٢م والدليل على ذلك موافقته يوم الإثنين ودخوله ضمن مجموعة الأيام التي حددها الإمام السهيلي رحمه الله، ويُفسر قول الجمهور بما ذكره القاضي بدر الدين بن جماعة رحمه الله.


فتبين من ما سبق سقوط مزاعم الوهابية وأننا نحتفل بيوم وفاة الرسول ﷺ !

[ثالثًا: بيان أنه على فرض صحة زعمهم فلا حجة فيه]

ثم لنفترض جدلاً أنه الرسول ﷺ قد توفي في ١٢ ربيع الأول - وهو قول باطل - فنحن لا نسلم بأنه إتفاق يوم الوفاة مع يوم المولد ينفي فضل هذا اليوم، وينفي إظهار الفرحة فيه، ونجيب عن تلك الشبهة في نقاط فنقول:-

1- نحن لا نسلم من الأساس بأنه الرسول ﷺ ميت الآن، بل نقول بأنه وفاته كانت مجرد إنتقال مؤقت لحديث: "الأنْبياءُ أحياءٌ في قُبورِهِمْ يُصَلُّونَ" (صححه ألبانيهم في صحيح الجامع ٢٧٩٠ وغيره) ولقوله ﷺ: "حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي لكم خيرٌ، تُحْدِثون فيحدثُ لكم، فإذا أنا متُّ عُرِضَتْ عليَّ أعمالُكم، فإن رأيتُ خيرًا حمدتُ اللهَ، وإن رأيتُ شرًّا استغفرتُ اللهَ لكم." (مجمع الزوائد للهيثمي ٩‏/٢٧) (فضل الصلاة للألباني ٢٦) فأفنحزن على من هو حي في قبره وفي مقام خير مقامنا هذا؟!

2- قد قال رسول الله ﷺ: "إنَّ مِن أفضلِ أيّامِكم يومَ الجُمعةِ فيه خلَق اللهُ آدَمَ وفيه قُبِض" (سنن أبي داود ١٠٤٧) (صحيح ابن حبان ٩١٠) وقال الصحابي  سهل الساعدي رضي الله عنه: "إنّا كُنّا نَفْرَحُ بيَومِ الْجُمُعَةِ" (صحيح البخاري ٢٣٤٩) فلم تنفي مسئلة موت سيدنا آدم عليه السلام في يوم الجمعة خيرية هذا اليوم المبارك ولا يجوز أن يُقال لمن يفرح بقدومه أنه إنما يفرح بوفاة سيدنا آدم عليه السلام، أو كيف يفرح به الصحابة رضوان الله عليهم وهو قد وافق كذلك يوم وفاته !!

3- قال الله جل جلاله على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَیَّ یَوۡمَ وُلِدتُّ وَیَوۡمَ أَمُوتُ وَیَوۡمَ أُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ٣٣] فسلم على نفسه في يوم ميلاده وفاته، وقال الله عزوجل عن سيدنا زكريا عليه السلام: ﴿وَسَلَـٰمٌ عَلَیۡهِ یَوۡمَ وُلِدَ وَیَوۡمَ یَمُوتُ وَیَوۡمَ یُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ١٥] فجعل الله يوم مولده يوم سلام ومحبة كما جعل يوم وفاته يوم سلام ومحبة، فثبت أنه وفاة الإنبياء لا حزن فيها ولا شر.

4- نحن نصوم كل يوم إثنين لما سبق من كونه يوم مولد النبي ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ: "لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ." (صحيح البخاري ٧٤٩٢) (صحيح مسلم ١١٥١) فصيامنا بهذا اليوم هو فرحة به، ومع ذلك لا يقول قائل أنتم إنما تفرحون بيوم وفاة نبيكم لأنه قد توفي في نفس اليوم !

5- قال رسول الله ﷺ: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّها قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لها فَرَطًا وسَلَفًا بيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَها ونَبِيُّها حَيٌّ، فأهْلَكَها وهو يَنْظُرُ، فأقَرَّ عَيْنَهُ بهَلَكَتِها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أمْرَهُ." (صحيح مسلم ٢٢٨٨) فوفاة الرسول ﷺ هي رحمة لنا، وهي خير كذلك كما سبق في حديث حياتي خير لكم، فلماذا نحزن على ما هو خير من الله ورحمة؟

6- قد أبدع الإمام السيوطي رضي الله عنه في الجواب عن هذه الشبهة إذ قال: "إِنَّ وِلَادَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَوَفَاتَهُ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ لَنَا، وَالشَّرِيعَةُ حَثَّتْ عَلَى إِظْهَارِ شُكْرِ النِّعَمِ وَالصَّبْرِ وَالسُّكُونِ وَالْكَتْمِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ إِظْهَارُ شُكْرٍ وَفَرَحٍ بِالْمَوْلُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ وَإِظْهَارِ الْجَزَعِ، فَدَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ بِوِلَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ إِظْهَارِ الْحُزْنِ فِيهِ بِوَفَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ ابن رجب فِي كِتَابِ اللَّطَائِفِ فِي ذَمِّ الرَّافِضَةِ حَيْثُ اتَّخَذُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا لِأَجْلِ قَتْلِ الحسين: لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكَيْفَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!" (الحاوي للفتاوي ١/ ٢٢٦) فالإسلام إنما يدعو إلى تجديد الأفراح لا الأحزان !!

7- قال الله جل جلاله: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰ⁠لِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨] والرسول ﷺ من رحمة الله عزوجل لنا لقوله عز من قائل: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء ١٠٧] فأمر الله عزوجل صريح لنا بالفرح بالرسول ﷺ لا بالحزن به والتعزية فيه ! فالرسول ﷺ نعمة عظيمة ورحمة من الله للعالمين، فهو عتقنا من النار وشفيعنا يوم القيامة، وعليه فالمفترض أن نحمد الله ونشكره على تلك النعمة لا العكس !!

8- قد أمرت الشريعة الإسلامية بترك الحداد بعد ثلاثة أيام إلا للزوجة فلها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، وقد كره جمهور الفقهاء التعزية بعد ثلاثة أيام، لذا فلا يجوز الحزن على وفاة الرسول ﷺ اليوم أو تخصيص يوم لهذا الغرض بحكم مرور السنين المتطاولة على وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.

ثم كذلك لنفترض صحة ما يزعمونه من عدم وجود أي أدلة على أنه الرسول ﷺ قد ولد في ١٢ ربيع الأول (وهذا باطل لأنه هذا القول بمولده ﷺ في ربيع الأول من عام الفيل محل إجماع، والقول بمولده ﷺ في يوم ١٢ هو قول الجمهور الذي لم يصح شيء خلافه) فما المشكلة؟ المهم هو نية المحتفلين وأسلوبهم البديع في تعبيرهم عن حب النبي ﷺ، وأني لأسئلك، هل إذا وهمت أنه اليوم يوم ميلاد صديقك فقدمت له هدية ما بمناسبة حلول يوم مولده، هل لن يفرح بها بحجة أنه هذا ليس بيوم مولده؟ أم سيفرح بها ويقبلها منك رغم ذلك وستكون تعبير عن مدى حبك له؟ أليس هناك من لا يدري تاريخ مولده ومع ذلك يخصص لنفسه تاريخ إعتباطي في السنة لهذا الغرض ويفرح إذا أحتفل معه أحد بهذا اليوم وكأنه يوم مولده الحقيقي؟ فمما سبق يتبين لك سقوط تلك الحجة على جميع المستويات، وكذب الوهابي على من الصوفية عندما زعم أنهم يحتفلون بوفاة النبي ﷺ !

وإلى ربك المنتهى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق