صحيح البخاري كتاب علمي ، بل من أرقى وأرفع الكتب العلمية ، فليس مجرد جمع عشوائي لصحيح لسنة ، بل إن كل تقديم وتأخير في الصحيح وكل لفظ وكل تعبير له دلالته ، لذا كان الجهل بعلم الحديث ومنهجية البخاري العلمية منبعا رئيسيا للهجوم على السنة والصحيح!
وأحاول هنا تسليط الضوء على شذرات ضئيلة من منهجية البخاري وطريقته في الصحيح مع عرض أمثلة لشبهات من ينتقده علها تكون بداية لتفكيك الجهل المركب عند مهاجمي الصحيح، فأتناول هنا بشكل مجمل صنوف الأحاديث في صحيح البخاري ..وانعكاس ذلك على فهمه!
.........................................................................
الصنف الأول أحاديث الباب أو الأصول الصحيحة التي يحتج بها البخاري وهي أصح الروايات للحديث وأدقها لفظا ويقدمها في أول الباب وهي "موضوع كتاب صحيح البخاري"
البخاري رحمه الله قد أسمى كتابه «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وايامه»
ومعنى ((المسند)) أي أنه التزم أن يورد فيه الأحاديث الصحيحة المتصلة الإسناد فهي موضوع كتابه
,,,,
ثم يأتي البخاري بعد ذلك بالصنف الثاني من الأحاديث وهي روايات للحديث من طرق أخرى جاءت عن رواة آخرين وهذه الروايات هدفها الرئيسي أن تدعم المعنى الإجمالي لحديث الباب وتعضده وتؤكده وربما تفسر مجملا أو تذكر زيادة أوتوضح اسما مبهما في الرواية الرئيسية وهي الأحاديث تعرف بالشواهد والمتابعات وهي أيضا أحاديث صحيحة فمعناها الإجمالي وموضوعها هو معنى وموضوع حديث الباب الرئيسي ورواتها إجمالا من الثقات أو الصدوقين ولكن أحيانا قد يكون في بعض ألفاظها عدم دقة أو مخالفة لحديث الباب في جزئية، لذلك يؤخرها البخاري بعد حديث الباب أو يذكرها لاحقا في كتابه متأخرة في باب آخر ليبين لنا أنها أقل درجة من حيث الصحة ونعرف موضع الخطأ فيها. وهذه الشواهد والمتابعات هي النوع الثاني من الأحاديث. أمثلة ذلك : ( الخلاف في السماء التي التقي فيها نبينا إبراهيم وموسى عليهم جميعا الصلاة والسلام ، أو الخلاف في ثمن جمل جابر بن عبدالله في قصة شراءه ،..إلخ)
قال الحافظ ابن حجر (أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح في تخريجها) النكت على كتاب ابن الصلاح # 256
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا يكاد يروي لفظا فيه انتقاد، إلا ويروي اللفظ الآخر الذي يبين أنه منتقد) منهاج السنة 7\216
وهذه طريقة الإمام مسلم كذلك حيث قال في مقدمة صحيحه : (فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا،.... فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم) انتهى
................................................................................
النوع الثالث من الأحاديث هي الأحاديث التي ذكرها بدون ذكر إسنادها كاملا في أي موضع من كتاب الصحيح بل ذكرها بدون كامل سلسلة الرواة وهي ماتعرف ب(المعلقات الغير موصولة = يبدأها بقول "قال فلان" ) ومنها أيضا (البلاغات = "بلغنا").
فهذه الأحاديث والروايات يوردها البخاري للاستناس والاستشهاد فقط بمعنى صحيح فيها مثل (دعم المعنى الإجمالي لحديث الباب أو لذكر الخلاف في مسألة أو تفسير مجمل أو ذكر تفصيل ، ..) فدورها يشبه الشواهد والمتابعات ولكن الفارق أن أسانيدها يكون فيها ضعفا كأن يكون رواتها فيهم ضعف أو في أسانيدها بعض انقطاع ، فرغم أن البخاري يكون قد سمعها من شيوخه مباشرة متصلة الاسناد إلا انه ((عمدا)) لا يذكر التحديث ولايصرح بسماعها ليميزها عن النوعين الأول والثاني فيحذف أول اسنادها عمدا (((لينبهنا)) أنها ليست من موضوع الكتاب وإنما يذكرها فقط للاستئناس والاستشهاد.
..
. ولتقريب المعنى للأذهان فإن أي كاتب في عصرنا قد يحتاج لذكر بعض الهوامش والمصادر الإضافية التي يستأنس بها أو الآراء الأخرى التي لم يذكرها في سياق كتابه ، ولكنه حتى لايقطع سياق الكتاب فإنه يضع هذه المصادر أو الآراء أو الإضافات في (الحاشية \ الهامش) أسفل الصفحة ليوضح أنها ليست من أصل كتابه وسياقه الطبيعي.
بالمثل فالبخاري رحمه الله يحذف أول سلسلة الرواة لهذه المعلقات ولايصلها في أي موضع من كتابه لينبهنا أن فيها ضعفا وأنها من الحاشية وليست من أصول كتابه. وهذه المعلقات منها الضعيف ومنها الحسن ومنها ما قد يصح لغيره أوعند غير البخاري!
وهذه الأحاديث قد تحوي معان صحيحة من حيث متن الحديث " وهو المعنى الذي قد يستشهد به البخاري" بجوار معان أخرى قد تكون غير صحيحة وغير ثابتة ولم يردها البخاري ، فلا يحتج بها منفردة.
قال الحافظ ابن حجر (موضوع الكتابين –البخاري ومسلم - إنما هو للمسندات، والمعلَّق ليس بمسند. ولهذا لم يتعرض الدارقطنيّ فيما تتبعه على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر، لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناساً واستشهادا، والله أعلم) #هدي الساري
..........................................................................
..........................................................................
فيأتي منكر السنة ليهاجم البخاري مستدلا بروايات وألفاظ في البلاغات والمعلقات أو لفظ خطأ في الشواهد والمتابعات لأنه لايفهم معنى (التقديم والتأخير) والفرق بين (بلغنا وحدثنا) ويتهم البخاري بالخرافة وهذا الناقد هو الجاهل جهول !
مثال 1 - من يهاجم الصحيحين لأنه وجد راويا في أحدهما راو متهم بالتدليس – إيهام السماع- (كأبي الزبير المكي) عند مسلم!
فهذا الناقد المهاجم سمع كلمة من جوجل أو من هنا أو هناك فخلطها بمئة كذبة تماما كالشياطين التي تسترق السمع وهو لايفهم أن أصل الحديث ومعناه ثابت وأن الرواية التي فيها مدلس هي في الشواهد والمتابعات لتدعيم المعنى والرواية الأصلية المحفوظة من طرق ثابتة.
مثال 2 – من زعم أن البخاري روى أن رسول الله حاول الإنتحار عند فتور الوحي وحاشاه عليه الصلاة والسلام ، وهذا المهاجم الناقد لم يفهم أن هذه الرواية وردت بصيغة (فيما بلغنا) أي تضعيف لهذه الرواية وبيان عدم ثبوتها. ولكن مهاجم السنة يطير بها شرقا وغربا لفرط جهله وينسبها للبخاري وهذا جهل فاحش!
مثال 3- من انتقد الصحيح لما جاء في رواية بتعليل قتل الوزغ بأنه (كان ينفخ النار على إبراهيم) ، وهو لم يتأمل أن هذه الرواية أخرها البخاري رحمه الله في كتابه وذكرها في آخر كتاب الأنبياء بعد ذكر الروايات المحفوظة في بداية كتابه وليس فيها هذه الزيادة وإنما فقط التصريح بقتل الوزغ كأي حشرة ضارة كالعقرب والكلب العقور.
(خالف عبيد الله بن موسى راوي هذه الرواية تسعة من الرواة الثقات وانفرد بهذه الزيادة في روايته وأين كان أصحاب ابن جريج كحجاج بن محمد من هذه الزيادة؟!)
.......................................................
مثال 4- أخيرا هناك من يهاجم البخاري لأحاديث صحيحة في كتابه لكنها فسرت تفسيرا جانبه الصواب مثل تفسير حديث أن الخلق لم يزل ينقص بعد آدم عليه السلام الذي كان طوله ستون ذراعا (28 مترا)... حيث اشتهر تفسير ابن التين في القرن السابع الهجري ونقله عنه الحافظ وغيره أن المقصود تناقص طول البشرية تدريجيا من ستين ذراعا إلى أطوالنا الحالية. وهذا التفسير لم يقله البخاري ولاينسب إليه!
إنما كان هذا طول آدم عليه السلام في الجنة التي عرضها السماء والأرض ، وليس على الأرض، ذكر ذلك الشيخ المعلمي، والنقص المقصود هو النقص العام عن أصل خلقتنا في الجنة من الطول والكمال والجمال ، كما يُفهم من تفسير شراح البخاري الأوائل كالخطابي وابن بطال الذي جعل تفسير الحديث في معنى قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) . شرح ابن بطال 9\5-6
فهذا النقص الذي يلازمنا حتى الآن هو النقص عن أصل خلقتنا في الجنة وليس التناقص التدريجي في الطول عبر الاجيال وامة بعد أمة!
..,
ولولا ضيق المقام لزدنا واستقصينا أمثلة الجهل المركب الذي تهاجم به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن نكتفي بهذا وعذرا على الإطالة أو غموض بعض المصطلحات أو خللها وقد حاولت تبسيط الامر ما استطعت.
والحمدلله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق