الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

الحدود في الاسلام

 ردود على شبهات

 الجزء الرابع

الحدود في الاسلام

بحث بعنوان " ردود على شبهات" قدمه الدكتور عبدالكريم زيدان في المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية المنعقد في دولة قطر في الخامس من محرم  عام 1400 هـ المصادف 25 نوفمبر 1979م. 

تناول الدكتور عبد الكريم زيدان في هذا البحث الردود على اربع شبهات يرددها الجهال او الكارهين لشرع الله وهي (تعدد الزوجات, موقف النبي ‏  من بني قُرَيْظَة‏, الحروب و الغَزَوات في الاسلام, الحدود في الاسلام).

تمهيد :

في الشريعة الاسلامية عقوبات على ما يعتبر جرائم في حكم الشريعة الاسلامية , وهذه العقوبات ثلاثة انواع ( الاول) ويسمى الحدود ( والثاني) القصاص والديات ( والثالث) التعزير.

والحدود هي العقوبات المقدرة من قبل الشارع لبعض الجرائم وجبت حقا لله وهذه العقوبات هي : عقوبة جريمة الزنى ومقدارها الجلد والتعزير أو الرجم . وعقوبة شرب الخمر ومقدارها الجلد بعدد محدود. وعقوبة السرقة وهي قطع اليد والرجل من خلاف او القتل والصلب والنفي.

وعقوبة القذف وهي الجلد بعدد محدود , ومعنى القذف اتهام المقذوف بجريمة الزنى. وعقوبة البغي وهي قتل البغاة . وعقوبة الردة وهي قتل المرتد بعد استتابته ثلاثة ايام.

وهذه العقوبات عليها ادلة شرعية معتبرة مع اجماع الفقهاء ولا يختلفون في هذه العقوبات وانما يختلفون في شروط وجوبها, وتفصيل ذلك في كتب الفقه المختلفة.

اعتراضات:

وقد أثار البعض شبهات حول هذه العقوبات معترضين عليها صراحة حيناً ومخفين هذا الاعتراض حيناً آخر, فمن شبهاتهم واعتراضاتهم على هذه العقوبات ما يأتي:

ان هذه العقوبات جميعا تعتبر قاسية جدا ومن ثم بعيدة عن العدالة.

ان في بعضها اهداراً لآدمية الانسان كما في جلده في عقوبة الزنى.    

في بعضها تدخل في حرية الانسان الشخصية كما في عقوبة الزنى. والزنى اذا تم عن رضا بلا اكراه فلا يجوز العقاب عليه لأنه من قبل التدخل في حرية الانسان, ومثله عقوبة شارب الخمر.

عقوبة المرتد فيها معنى الاكراه على الدين والتدخل بحرية الانسان في الاعتقاد.

وبعضها فيه بتر الاعضاء والارجل, وهذا اسلوب قديم في العقاب يجب ان يزول فضلا عما فيه من تعطيل المعاقبين عن الكسب وصيرورتهم عالة على المجتمع.

تلك هي مجمل اعتراضاتهم التي يثيرونها على النقول: المسماة بالحدود , وهذه الاعتراضات هزيلة لا تثبت امام المناقشة الموضوعية ونرد عليها بإيجاز فيما يلي بنفس تسلسل فقراتها , فنقول.

أولا: بالنسبة لقسوتها وبعدها عن العدل كما يزعمون نقول:

في كل عقوبة يجب ان يتوفر مقدار كاف من الايلام ليردع من تسول له نفسه الاقدام على الجريمة, وهذا الايلام يتناسب طرديا مع جسامة الجريمة , والايلام شيء قاسِ بطبيعته , فاذا ما كان بالقدر المناسب للجريمة كان كافيا للردع ومحققا للعدالة, وهذا موفور في عقوبات الحدود وفي العقوبات الشرعية الاخرى قال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) كما ان هذه العقوبات حققت الردع بالقدر الممكن يوم كانت هي المطبقة, ولكن عندما عُطلت كثرت هذه الجرائم والاحصائيات تدل على ذلك.

ثانيا: ادعاء اهدار الآدمية في الجلد

ادعاء اهدار الآدمية في الجلد مردود بان الزاني هو الذي أهدر آدميته عندما أباح لنفسه أن يَلغ في اناء غيره, وأباح لنفسه ان ينزل الى مستوى الحيوان في الاتصال الجنسي, ومثل هذا الشخص يحتاج الى الجلد بعد انحداره الى هذا المستوى.

واما جلد شارب الخمر, فمرده حرص الشريعة على عقل الانسان من التعطل او الزوال وما يترتب على ذلك من اقدام على الاجرام. واما جلده في جريمة القذف فلأن القاذف يريد تلويث سمعة وعرض المقذوف واشاعة الفاحشة في المجتمع, مع ان الاسلام يريده مجتمعا طاهراً عفيفا نظيفا حتى من كلمات الفحش فضلا عن عمل الفاحشة.

وقد يقال هنا : ان جريمة الكفر والردة اكبر من جريمة الزنى, ولو قال انسان لآخر مسلم "يا كافر " فمعنى ذلك انه اتهمه بالردة عن الاسلام, ومع هذا لا يعاقب القاذف بالجلد ثمانين جلدة بينما لو قال شخص لامرأة (يا زانية) وعجز عن الاثبات فانه يجلد ثمانين جلدة , أو ليس في هذا تفاوت وبعد عن العدالة فيه؟ والجواب على ذلك ان المقذوف بالكفر والردة يستطيع أن يكذب القاذف بان يتلفظ الشهادتين فيقول اشهد أن لا اله الا الله واشهد أن محمدا رسول الله, ولكن ماذا تفعل المرأة المقذوفة بالزنى لتكذيب القاذف ؟ ومن طبائع الناس أن تتلقف قالة السوء حتى لو كانت المقذوفة من الطاهرات, ولنا في قصة الافك ورمي السيدة ام المؤمنين عائشة الصدّيقة رضي الله عنها خير دليل.

من اجل هذا غلظت الشريعة الاسلامية عقوبة القاذف حفظا لأعراض المسلمين والمسلمات وصيانة المجتمع من قول الفحش والتعود عليه والاستهانة به, لأنه يجر الى الاستهانة بفعل الفاحشة.

ثالثا: الزعم بان في بعضها تدخل في حرية الشخص

الزعم بان في بعضها تدخل في حرية الشخص كما في عقوبة الزنى وشرب الخمر, فليس الامر كما زعموا, لان حرية الشخص تقف عندما تكون اداة ايذاء وافساد في المجتمع, والزنى افساد وتخريب بيوت وتشريد اطفال. أن الرضى في الزنى لا يغير من جريمة الزنى شيئا لان العرض مما لا يجوز فيه البذل والعطاء. ان الاسلام يريد سلامة الاسرة وحفظ اللسان وعدم ضياع الاطفال وهذا يحصل بمنع الزنى, ومنعه يكون بتحريمه والعقاب عليه, فلا يجوز لرجل شريف غيور ان يصبح معترضا على عقوبة الزنا , وانما يمكن أن يصدر هذا الصياح ممن لا يهتم بعرض ولا شرف ولا كثرة الاخطاء في المجتمع.

اما عقوبة شرب الخمر وانها تدخّل في حرية الانسان , فالرد على هذا القول ان شرب الخمر يؤدي الى الجريمة ومن حق المجتمع ان يمنع الجريمة ويسد منافذها, وعلى الانسان ان يخضع لقيود المجتمع النافعة له وللفرد نفسه.

رابعا: اما عقوبة المرتد وانها تعني الاكراه على الاعتقاد

اما عقوبة المرتد وانها تعني الاكراه على الاعتقاد وانها تدخل في حرية العقيدة, فالجواب ان المرتد رجل كان مسلما وارتد, اي انه ارتكب جريمة تسمى (الردة) فيعاقب على هذه الجريمة , وسبب كونها جريمة ان المسلم بإسلامه التزم احكام الاسلام, وبردته يكون قد نقض هذا الالتزام , ومن المعلوم ان هناك عقابا لم يخل بالتزامه أو ينقضه, وقد يكون العقاب اعدام الشخص, كالذي يخون وطنه ويتجسس على بلاده, وعقوبة هذا المواطن الخائن الاعدام, فلا غرابة في قتل المرتد. ومع هذا يمهل ثلاثة ايام فان تاب ورجع عن ردته سقط عنه العقاب. فعقوبة المرتد لا علاقة لها بحرية العقيدة ولا بالإكراه على الدين وانما هي عقوبة لجريمة الردة اذا ارتكبها المسلم.

خامسا: ادعاؤهم ان بتر الاعضاء في العقاب اسلوب قديم

ادعاؤهم ان بتر الاعضاء في العقاب اسلوب قديم ويؤدي الى صيرورة المعاقب عالة على المجتمع , ادعاء مردود, بان العبرة ليست بكل جديد, فما كل جديد مقبول ولا كل قديم مرفوض, وانما ميزان القبول والرفض هو الصلاحية, ولا شك ان قطع اليد عقاب صالح لأنه رادع بالقدر الكافي, وقد ادى مهمة في الماضي فمنع الاجرام وأمن الناس على اموالهم, أما عقوبة الحبس للسارق في الوقت الحاضر فما ردعت السُراق وما قللت جرائم السرقة بل هي في تزايد مستمر, واصبح السجن منتدى يتجمع فيه السراق فيتبادلون خبراتهم في عالم السرقة والاحتيال !!

واما صيرورة المعاقب والمقطوعة يده عالة على المجتمع, فهذا غير صحيح لان مقطوع اليد يستطيع ان يعمل بعض الاعمال, وحتى لو صار عالة, فهذا خير من ان يكون اداة رعب وتخريب وفزع في المجتمع . واليد على كل حال أهون من الرأس , والرأس يقطع في بعض الجرائم التي يستحق مرتكبوها قطع الرأس , فكذا اليد يجب ان تقطع – وهي اقل شأنا من الرأس – في الجرائم التي يستحق مرتكبها قطع يده.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين,,

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق