الثلاثاء، 4 أبريل 2023

جواب لمن يسال هل كانت النّقود متداولة في العهد النّبويّ؟؟ ولم يخرجونها بدلا من زكاة الفطر ؟!

 هل كانت النّقود متداولة في العهد النّبويّ؟؟


في كلّ عام، وفي الشّطر الأخير من شهر الصّيام، أحاول كبح جماح نفسي عن الكتابة في موضوع الخلاف المعروف والمشهور حول مشروعية إخراج زكاة الفطر قيمة، ولكنّي أفاجأ بكمّ وحِدّة المنشورات التي يتخم بها الفضاء الأزرق حول هذا الموضوع، وأقف على تلك الجرأة البالغة التي يتحلّى بها بعض الأتباع في تضييق الواسع والتّحجير على النّاس، بعبارات جريئة لا تكتفي بتبنّي القول بأنّ إخراج زكاة الفطر قيمة لا يجزئ، حتّى تتعدّاه إلى القول بأنّ ذلك لا يجوز! بمعنى أنّ إخراج زكاة الفطر نقودا فعل محرّم يأثم مقترفه!

في أزمنة مضت، كان العلماء وطلبة العلم الناقلون عنهم يتحرّزون –ما أمكن- من كلمة استعمال كلمة “حرام” في مسائل الاجتهاد والخلاف، حذرا من أن يكون لهم نصيب من قول الله تعالى: ((وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُون)) (النّحل: 116)، أمّا في زماننا هذا، فقد أصبحت كلمة “حرام” تجري على الألسن والأقلام بيسر وسهولة، وتُشهر بطاقة حمراء في كلّ خلاف، ليس على ألسن بعض العلماء وطلبة العلم فحسب، بل على ألسن الأتباع والمقلّدين كذلك، تماما كما يتساهل كثير من النّاس -في المقابل- في استعمال كلمة “هذا حلال” بعبارات تتنوّع وتتبدّل لكنّها تؤدّي الغرض ذاته، فهذا يقول: “نورمال”، وذاك يقول: “ما فيها والو”، وآخر يقول: “كِيف كِيف”… وهكذا.

العلماء معذورون بل مأجورون في اجتهادهم، مهما أصرّ بعضهم على إهمال مراعاة تغيّر الواقع فيما يتبنّون، لكنّ إصرار بعض طلبة العلم وكثير من الأتباع على التعصّب لأقوال هؤلاء العلماء هو الغريب في الأمر، خاصّة وهم يرون أنّ بعض أولئك العلماء بدؤوا يتردّدون في تبنّي القول بعدم مشروعية إخراج زكاة الفطر قيمة، ومنهم من تراجع أمام ضغط الواقع، وأمام توجّه الجهات الرّسمية إلى تبنّي القول بإجزاء القيمة.

مقاطع قديمة جزم فيها بعض علماء السّعودية بأنّ إخراج زكاة الفطر نقودا لا يجزئ، يروَّج لها وتبعث كلّ عام، مع أنّ الحجج التي تمسّك بها أولئك العلماء قد تكون مفتقرة إلى الفقه، أو بعيدة عن الحقيقة؛ ومن ذلك أنّ أكثر العلماء المتشبّثين بهذا القول يجزمون جزما قاطعا بأنّ النّقود كانت على عهد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ومع ذلك لم يذكرها ضمن الأصناف التي تُخرج منها زكاة الفطر.. فهل هذا الكلام موافق للواقع حقيقة؟

نعم، النّقود كانت موجودة حقيقةً على عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكن هل كانت تستعمل على نطاق واسع؟ وهل كانت موجودة في كلّ بيت أو في غالب البيوت على الأقلّ كما هي الحال مع الأقوات التي أمر أن تُخرج منها زكاة الفطر؟

النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عندما بُعث بالحقّ، كان العرب يتعاملون بالدّينار البيزنطيّ والدّرهم السّاسانيّ، إضافة إلى الفلس البيزنطيّ الذي كان نادرا وقليلا، وكانت الدنانير البيزنطية تحمل رسوما لأباطرة الروم إضافة إلى بعض الرموز المرتبطة بمعتقداتهم، وكذلك كانت الدراهم الساسانية تحمل صور ملوك الفرس كما تحمل نقشا للنّار المقدّسة يحرسها جنديان، وظلّ التعامل بهذه الدّنانير والدّراهم طيلة الفترة النبوية، في أحوال قليلة كعملات، وفي أكثر الأحوال كمقادير من الذّهب والفضّة تكتنز.. صحيح أنّها كانت تستعمل في البيع والشّراء، لكنّ ذلك كان ضمن نطاق ضيّق؛ فكثير من المعاملات اليومية البسيطة كانت تتمّ بالمقايضة، سلعة مقابل سلعة، لأنّ هذه النّقود لم تكن في كلّ البيوت ولا متيسّرة لكلّ الأيدي، لذلك كان التركيز في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر على ما كان متيسّرا لكلّ مسلم، لأنّ هذه الزّكاة يخاطب بها كلّ مسلم يملك ما يزيد على طعامه ليلة ويوم العيد، وأكثر من يُعنون بإخراجها لا يملكون دنانير الذّهب ولا دراهم الفضّة.

هكذا ظلّ الأمر في العهد النبويّ، وفي خلافة أبي بكر الصدّيق، وحتى في خلافة عمر بن الخطّاب قيل أنّه زاد على الدّينار البيزنطي والدّرهم السّاسانيّ بعض العبارات الإسلاميّة، لكنّ هذا لم يصحّ عند المحقّقين، وظلّ الأمر كذلك على عهد عثمان وعليّ وصدرِ الخلافة الأموية، إلى أن قرّر الخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان في العام 76هـ صكّ عملة خاصّة بالمسلمين بعد مشكلة القراطيس المشهورة مع الإمبراطور البيزنطيّ جستنيان الثّاني.

ليست تهمّنا ماهية النقود التي كانت على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، بقدر ما يهمّنا أنّها لم تكن موجودة في كلّ البيوت ولا متيسّرة لكلّ الأيدي ولا يجري استعمالها في كلّ المعاملات، بخلاف الطّعام الذي كان موجودا ومتوفّرا في أغلب البيوت، فلا يعقل أن يأمر النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بإخراج النّقود –العزيزة- مع الأصناف الأخرى المتوفّرة، فيحتاج من يريد إخراجها إلى بيع الطّعام لتحصيلها، وهي المفارقة التي يقع فيها من يختار إخراج الطّعام في زماننا هذا، حيث يحتاج إلى حمل النّقود ليشتري بها طعاما يعطيه الفقراء، ليظلّ الفقراء في حاجة إلى سلع وأشياء أخرى ليست مشمولة بالأصناف التي تخرج منها الزّكاة، لينضج طعامه، فلو سلّمنا جدلا أنّ الفقير يحتاج إلى الطّعام فقط لترتفع عنه مذلّة الحاجة؛ فهو سيكون في حاجة إلى شراء الزّيت والطّماطم لطبخ طعامه، وفي حاجة إلى النّقود لدفع فاتورة الغاز الذي لا بدّ منه لطهو الطّعام، بينما كان الفقير في زمن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لا يحتاج إلى كلّ هذا؛ إنّما كان يكفيه أن يطحن القمح ويصنع به خبيصا لذيذا مع بعض السّمن المتوفّر في أغلب البيوت على نار لا يكلّفه إيقادها دينارا ولا درهما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق