الجمعة، 15 أكتوبر 2021

إحياء المولد النبوي الشريف.- بدعة حسنة .

 




هذا ما قاله الشيخان في إحياء المولد النبوي الشريف.. فعلى علماء المشرق أن يتعلموا من المغرب/ محمد مصطفى حابس

الحمد لله الذي زيّن شهر ربيع الأوّل بمولد قمر الجود والوفاء. سيّدنا ومولانا محمّد المختار المصطفى. فسبحانه من إله رحيم. شرّف مولد هذا النبيّ الكريم. فجعله للمؤمنين سرورا، وللمحبّين ربيعا، وكان صلى الله عليه وسلم لأمّته في الدنيا رسولا، وفي الآخرة رحيما بهم وشفيعا، أمره ربّه بإظهار شرفه عليهم، فكان لقوله سميعا، ولأمره مطيعا، فقال له في سورة الأعراف:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}. نحمده تعالى ونشكره أن جعل أرواحنا وقلوبنا تستروِح بذِكْر حبيبِنا في جميع الأحوال، وتنشرح بسماع مَدْحه وما له من خصال الكمال، ورغم أنه في مثل هذا الشهر المبارك، وهذه الأيام المباركة، إظهارُ الحفاوةِ والتّرحيب المكلَّلةُ بالزّهور والعطر والطِّيب لقدوم شهرِ ربيعٍ الأنورِ الحبيب شهرِ ميلاد سيِّدِنا محمّد صلَّى وسلَّم عليه.. إلا أنه آلمني أشد الألم، حال بعض المشايخ في مشرقنا الإسلامي خاصة، الذين لا يحسنون إلا التحريم و”التكريه” بل وتنفير الناس من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، مشددين على أنها بدعة وظلال مهما كان أسلوب الاحتفال، كيف انقلبوا بين عشية وضحاها إرضاء لسياسات وافدة وأوامر نافذة، فتراجعوا وأباحوا ما كانوا قد حرموه منذ سنوات قريبة، بل منذ أشهر فقط، لما كانوا يرسلون لخطباء المساجد وللمسلمين عامة منشورات وخطبا جاهزة لبعض المشايخ والدعاة في مسألة تحريم ذكرى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف على أنها بدعة منكرة، وتوصية القوم بالتمسك بالسنة واجتناب البدع، خاصة منها – حسب زعمهم – “بدعة المولد النبوي” وانتشارها في صفوف الجالية المسلمة، مذكرين فيها بأدلة “بِدعية” الاحتفال بذكرى مولد رسول الله، مذيلة بأصناف المحتفلين بذكرى المولد النبوي وبعض شبهات أصحاب هذه البدعة والرد عليهم، مختومة بنداء إلى أهل البدع ليتوبوا!!..وغيرها من الأمور، والغريب أن هذه النداءات، لا تأتينا إلا في مثل هذه المناسبات، مناسبات فرح المسلمين بمولد خاتم الأنبياء، عليه الصلاة والسلام.. لكن حمدا لله، أن الأمة لا زالت بخير حتى في غربة بلاد المهجر، فهي تحتفل بالمولد النبوي بالطريقة الشرعية اللطيفة النظيفة العفيفة، بعيدا عن كل جنون ومجون، ولها مراجعها الموثوق بها في ذلك، مما حمل أحد المشايخ، بقوله “نحن في هذا الباب، أي الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، نأخذ عن علماء المالكية”، أي يقصد دول المغرب الإسلامي، مذكرا أياي أنه نظمت عدة ندوات في فرنسا وبلجيكا في السنوات الأخيرة، بل ووزعت منشورات تبصيريه تنويرية، تشرح للمسلم وترد على أسئلة عديدة منها:

ما معنى الاحتفال؟ ما هي البدعة وما هي الضلالة؟ ما هو المُحدَث؟ هل في الشرع بدعة حسنة؟ هل القرآن يعظم أيام ميلاد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟ هل هنالك شك في تاريخ ميلاد النبي ؟ هل كان النبي  يعظم يوم ميلاده؟ هل النبي  كان يترك الصدقات والذكر والعلم في يوم الاثنين، يوم ميلاده ؟ هل ذبح النبي  في ذكرى ميلاده بعد أن أتته الرسالة وجمع الصحابة للطعام؟ هل نخالف اليهود والنصارى في تعظيم الأنبياء والرسل عليهم السلام؟ هل الاجتماع للعلم والذكر ثابت شرعاً؟ هل الصحابة رضي الله عنهم مدحوا رسول الله  في المسجد النبوي الشريف؟

وقد كانت الإجابات عنها كافية وافية كالتالي:

ما معنى الاحتفال؟

هو التعبير عن الفرح برسول الله ﷺ، والفرح به ﷺ مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى:{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: فضل الله العلم ورحمته محمد ﷺ. قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } والفرح به ﷺ يكون طول العام ولكن يشتد في أيام ميلاده ﷺ.

ما هي البدعة الضلالة؟

البدعة هي المُحدَث، قال ﷺ:(فإن كل مُحدثة بدعة).

ما هو المُحدَث؟

المُحدَثُ هو المنهي عنه شرعاً ولا يشمل المسكوت عنه، قال ﷺ: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) وروى الدارقطني وفي الأربعين النووية قال ﷺ:(وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) وليس هنالك نهي عن الاحتفال، إذن ليس بدعة.

هل في الشرع بدعة حسنة؟

نعم روى مسلم، قال ﷺ:(من سن في الإسلام سنة حسنة عُمل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء). معنى عُمل بها بعده: لم يسبقه إليها أحد من العالمين. وروى البخاري أن سيدنا عمر رضي الله عنه جمع صلاة التراويح خلف إمام واحد، ثم قال: نعم البدعة هذه. ونحن الآن بل وجميع المسلمين نصلي في أواخر رمضان صلاة التهجد بعد التراويح وفي جماعة، ولم يفعل هذا جماعة من الصحابة، ولكن تبعاً لقول سيدنا عمر رضي الله عنه نعم البدعة هذه.

هل القرآن يعظم أيام ميلاد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟

نعم يعظمها، قال تعالى عن يوم ميلاد سيدنا يحيى عليه السلام: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} وقال تعالى عن ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام على لسانه:{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ} إذن فأولى تعظيم ميلاد إمام المرسلين وخاتم النبيين ﷺ.

هل هنالك شك في تاريخ ميلاد النبي ؟

لا يوجد شك في هذا التاريخ، قال جمهور العلماء إن أصح الروايات إسناداً أنه ﷺ ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول لعام الفيل.

هل كان النبي  يعظم يوم ميلاده؟

نعم، روى مسلم: سئل ﷺ عن صيام يوم الاثنين فأجاب ﷺ قائلاً: (ذاك يوم فيه ولدت). أخي المسلم لا تتجاهل قدر هذا اليوم قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.

هل النبي  كان يترك الصدقات والذكر والعلم في يوم الاثنين، يوم ميلاده ؟

لا حاشاه ﷺ، بل كان يكثر منها ﷺ.

هل ذبح النبي  في ذكرى ميلاده بعد أن أتته الرسالة وجمع الصحابة للطعام؟

نعم، أورد البيهقي وحسنه السيوطي عن أنس رضي الله عنه:(أن النبي ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوة)، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته ﷺ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية ولكن هذا لتشريع الذبح أو الصدقات في مثل هذا اليوم.

هل نخالف اليهود والنصارى في تعظيم الأنبياء والرسل عليهم السلام؟

نحن أولى بالأنبياء والرسل عليهم السلام منهم، جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ:(ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ:(نحن أحق وأولى بموسى منكم)، فصامه وأمر بصيامه، لكنه لم يقل ﷺ اتركوا عاشوراء وخالفوا اليهود، بل قال رسول الله ﷺ:(إذا كان العام القادم صمنا ما قبله)، بمعنى استقبلنا عاشوراء بصيام اليوم الذي قبله ثم صمناه. فعظمه ﷺ أكثر مما كان يعظمه اليهود، وبالتالي نحن أولى بموسى منهم وأولى بنبينا ﷺ منهم.

هل الاجتماع للعلم والذكر ثابت شرعاً؟

نعم، قال رسول الله ﷺ: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قيل وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال حِلَق الذكر، وفي رواية حِلَق العلم. وأن ساحة المولد مملوءة بالذكر ومملوءة بالعلم متمثلاً في قصة سيرة رسول الله ﷺ، قال تعالى:{وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} إذاً ساحات المولد رياض جنة وتثبيت إيمان، فاتركوا الاختلاط ما استطعتم.

هل ضُرب الدُّف –أي الطار– في بيت رسول الله ؟

نعم، جاء في صحيح البخاري: ضرب الدف في بيت رسول الله ﷺ ومدح به أهل بدر، وصوت الدف –أي الطار– يهز ويرز في المسجد النبوي الشريف، وفي حياته صلى الله عليه وسلم.

هل الصحابة رضي الله عنهم مدحوا رسول الله  في المسجد النبوي الشريف؟

نعم، وكان ذاك في حياته ﷺ وبعد وفاته، جاء في صحيح مسلم قول حسان بن ثابت لسيدنا عمر وهو يمدح في المسجد النبوي الشريف: (كنت أمدح وفيه من هو خير منك) ولم يقصد سيدنا عمر الإنكار إنما يقصد التأصيل لهذه الفعلة المباركة، فقال حسان:(أنشدك الله يا أبا هريرة، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: نافح عني يا حسان إن روح القُدُس لا يزال يؤيدك ما نافحتَ عن الله ورسوله؟) إذا جاز المدح في المسجد النبوي الشريف فأولى بقية المساجد بالجواز

كل هذه الأسئلة وأجوبتها وغيرها، مذيلة بنصوص لمشايخ أجازوا الاحتفال بالمولد بل ودعوا للاستفادة من نفحاته، نقتبس من منشورهم، بعض ما جاء فيها من اجتهادات رجالات جمعية العلماء المسلمين خاصة شيخيها العلامة ابن باديس والبشير الإبراهيمي رحمة الله عليهما، عن “مجالس التّذكير من حديث البشير النّذير” للشيخ عبد الحميد بن باديس، قوله :

” بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وعلى اسم الجزائر الرّاسخة في إسلامها، المتمسّكة بأمجاد قوميتها وتاريخها ـ أفتتح الذّكرى الأولى بعد الأربعمائة والألف من ذكريات مولد نبي الإنسانيّة ورسول الرّحمة سيّدنا ومولانا محمّد بن عبد اللّه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام … لسنا وحدنا في هذا الموقف الشّريف لإحياء هذه الذّكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها نحو خمسمائة مليون من البشر في أقطار المعمور كلّهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيّد العالمين… شارحا أن الدّاعي إلى إحياء هذه الذّكرى هي محبة الرسول، وإنّ الشّيء يحبّ لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذّكرى قد جمع ـ على أكمل وجه ـ بينهما”.  معلقا بقوله:”فمن الحقّ والواجب أن يكون هذا النّبيّ الكريم أحبّ إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن النّاس أجمعين ولو لم يقل لنا في حديثه الشّريف:”لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين” وكم فينا من يحبّه هذه المحبّة ولم يسمع بهذا الحديث؟ فهذه المحبّة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كلّ عام، استثمارا لهذه المحبة” خاتما بقصيدة للإمام ابن باديس، بعنوان: تحية المولد الكريم، في عدة أبيات، مطلعها:

حُـيَـيْـتَ يـا جـمعَ الأدب *** ورقـيـت سـامـيـةَ الرتبْ

وَوُقِـيـتَ شـرَّ الكـائـديـ *** ـن ذوى الدسـائـس والشغبْ

ومُـنِـحْـت في العليـاء مـا *** تسـمـو إلـيـه مـن أربْ

أحـيـيـت مـولـد من بـه *** حـييَ الأنـام على الحِـقَـبْ

أحـيـيـت مـولـوده بـما *** يُبرى النـفـوسَ مـن الوصبْ

بالـعـلـم والآداب والـ *** أخـلاق في نـشءٍ عـجـبْ

أما عن الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي، فقد نقل لنا عنه قوله رحمه الله :

“إحياء ذكرى المولد النبوي إحياء لمعاني النبوة، وتذكير بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من هدى، وما كان عليه من كمالات نفسية، فعلى المتكلمين في هذه الذكرى أن يذكّروا المسلمين بما كان عليه نبيهم من خلق عظيم، وبما كان لديهم من استعلاء بتلك الأخلاق. لهذه الناحية الحية نجيز إقامَ هذه الاحتفالات، ونعدّها مواسم تربية، ودروس هداية، والقائلون ببدعيتها إنما تمثلوها في الناحية الميتة من قصص المولد الشائعة.”

فكيف بعد هذه الرحمة، وهذا العطف والحنان والمحبّة، نغفُل عنه، أو نُحَوِّل قلوبَنا عن دوام التوّجه إليه؟ أيّها المسلمون، فكيف بعد هذا كلِّه لا نحتفي بشهر مولده، ولا نفرح بليلة قدومه، وسطوع نوره، صلى الله عليه وسلم؟! كيف لا نملأ الدنيا فرحاً وسروراً بمولد مَنْ جعله الله لنا سراجاً منيراً؟! فبِمَنْ يكون فَرَحُنا إنْ لم يكن برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! عروسُ مملكة الوجود..والسبب الأعظم لكل موجود، وما الذي يُدْخِل البهجة على قلوبنا إلا ذِكْرُ الحبيب المحبوب، الذي بذكره والصلاةِ عليه تستنير القلوب، وتُغْفَر الذنوب، وتُجَلَّى الكروب. وإذا كان جَبَلُ أُحُدٍ قد اضطرب فرَحاً، واهتزَّ وُجْداً وطرَباً، تحت قدميه، صلوات الله وسلامه عليه، فرحاً به، وحبّاً له، فكيف لا نفرح نحن ونحتفي بشهر مولده، ونعتزّ بأن جعلنا الله من أمّته صلى الله عليه وسلم.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق