قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الاثنين، 6 أبريل 2026
هل السجود لقبور الصالحين يعد شركا؟!
هل السجود لقبور الصالحين يعد شركا؟!
هذا المقال ليس تبريرا للسجود لقبور الصالحين - كما يحلو لقصار النظر أن يفهموه - ولكنه محاولة لتبرئة المسلمين من تهمة الشرك، مع إنكارنا عليهم هذا الفعل!
بقلم: خادم الجناب النبوي الشريف
محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف
السجود في الإسلام لا يكون إلا لله تعالى، فهو وحده المستحق للسجود الذي هو غاية الخضوع والذل، وقد كان السجود للبشر مشروعا قبل الإسلام، حتى جاء الإسلام، فنسخه، فلا سجود في الإسلام إلا لله عز وجل، وقد وقع في القرآن الكريم السجود لغير الله تعالى، في قصة نبيين كريمين، هما آدم وموسى، عليهما السلام، كما وقع في السنة شيء من ذلك.
ودونك ما ذكره الإمام القرطبي في هذا المقام؛ فانه لم يترك مقالا لقائل!
قال - رضي الله عنه - في تفسيره المسمى: [الجامع لأحكام القرآن]، في تفسير آية السجود لآدم:
"واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم، بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة.
فقال الجمهور: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة؛ لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم، وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا.
ومعنى (لآدم): إلى آدم، كما يقال: صلى للقبلة، أي: إلى القبلة.
وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم، الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مُبْقًى على أصل اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي: اخضعوا لآدم، وأقِرُّوا له بالفضل، فسجدوا، أي امتثلوا ما أُمِروا به.
واختُلف أيضا: هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام، فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى؟
أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام، لقوله تعالى: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا)، فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين؟
والذي عليه الأكثر: أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: "نحن أولى بالسجود لك من الشجرة، والجمل الشارد". فقال لهم: "لا ينبغي أن يُسجد لأحد إلا لله رب العالمين".
روى ابن ماجه في [سننه] والبُسْتِي - يعني: ابن حِبَّان - في [صحيحه] عن أبي واقد قال: "لما قدم معاذ بن جبل من الشام؛ سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا؟". فقال: "يا رسول الله، قدمتُ الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك". قال: "فلا تفعل؛ فإني لو أمرتُ شيئا أن يسجد لشيء؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، حتى لو سألها نفسها وهي على قَتَبٍ - وهو رحْل البعير، مصنوع من خشب - لم تمنعه". لفظ البُسْتِي.
ومعنى القَتَب: أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة، فيحملون نساءهم على القَتَب عند الولادة.
وفي بعض طرق معاذ: "ونهى عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة".
قلت: "وهذا السجود المنهي عنه؛ قد اتخذه جُهال المتصوفة عادة، في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيُرى الواحد منهم إذا أخذه الحال - بزعمه - يسجد للأقدام، لجهله، سواء أكان للقبلة، أم غيرها، جهالة منه، ضل سعيهم، وخاب عملهم". انتهى.
وقال في تفسير قوله تعالى: "ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجدا":
"قوله تعالى: "وخروا له سجدا" الهاء في "خروا له" قيل: إنها تعود على الله تعالى. المعنى: وخروا شكرا لله سجدا، ويوسف كالقبلة، لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن.
قال النقاش: وهذا خطأ، والهاء راجعة إلى يوسف، لقوله تعالى في أول السورة: "رأيتهم لي ساجدين". وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير، سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف - عليه السلام - فاقشعر جلده، وقال: "هذا تأويل رؤياي من قبل" ...".
ثم قال: "...قال سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن، في قوله: "وخروا له سجدا": قال: لم يكن سجودا، لكنه سنة كانت فيهم، يومئون برءوسهم إيماء، كذلك كانت تحيتهم.
وقال الثوري والضحاك وغيرهما: كان سجودا كالسجود المعهود عندنا، وهو كان تحيتهم.
وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن خرورا على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتكفي والانحناء، وقد نَسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام بدلا عن الانحناء.
وأجمع المفسرون: أن ذلك السجود - على أي وجه كان - فإنما كان تحية لا عبادة.
قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة.
قلت: هذا الانحناء والتكفي الذي نُسخ عنا؛ قد صار عادة بالديار المصرية، وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض، حتى إن أحدهم إذا لم يقم له، وجد في نفسه، كأنه لا يؤبه به، وأنه لا قدْر له، وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض، عادة مستمرة، ووراثة مستقرة، لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء، نَكبوا عن السَّنن، وأعرضوا عن السُّنن! ". انتهى النقل عن الإمام القرطبي بنصه.
قلت: قد دلت النصوص على وجود سجود لغير الله تعالى، في شرع من قبلنا، وأنه - بالإجماع - لم يكن سجود عبادة؛ لأن العبادة لا تستحق إلا لله عز وجل، وإنما كان سجود تحية، وسواء كان السجود سجودا حقيقيا، وهو وضع الجبهة على الأرض، أو إيماءة بالرأس، أو انحناء وتكفيا بالجسد، كهيئة الراكع أو قريبا منها، أو كان سجودا مجازيا، بمعنى الخضوع والامتثال، وإن لم يكن سجود!
وهذه المعاني كلها تجعل الحكم على الساجد لقبور الصالحين شركا؛ محل نظر الفقيه، حتى يسأله: على أي وجه فعلت هذا السجود؟!
على وجه العبادة والتقديس، أم على وجه التحية والتكريم، أم على وجه المحبة والتبرك؟!
وهل كان سجودا، أم تقبيلا للأرض؟!
فإن قال: على وجه العبادة والتقديس؛ فهذا الفعل شرك، بلا خلاف!
وإن قال غير ذلك؛ فهو منهي عنه!
وهذا هو الصواب في تحرير هذه المسألة، فليس كل ساجد أمام ضريح؛ مشركا، ونحن نحاشي جمهور المسلمين من الشرك، ولكن ننهاهم عن فعل ذلك؛ لورود النهي عنه في شريعتنا!
ولعل الإمام القرطبي قد شاركنا هذا الرأي؛ إذ قد وصف فاعله ب (جهال المتصوفة)، وأنهم يفعلونه عن جهالة - ومقتضاه: أن علماءهم وعقلاءهم لا يفعلونه - ولم يصفهم بالشرك، بل أنكر عليهم فعله عن جهالة!
وقال: إن ذلك من عاداتهم، وإنهم يفعلونه، والقرطبي توفي سنة ٦٧١ للهجرة، أي في القرن السابع الهجري، وإنهم يفعلونه مع مشايخهم، وعند السماع، وعند الاستغفار، إذا أخذهم الحال، وهو قيد مخفف، وقد يسجدون للقبلة، أو لغيرها، مما يؤكد أنهم لا يقصدون به العبادة لغير الله تعالى!
وأنا قد رأيت بعيني رجلا متصوفا، دخل على شيخه، فخلع نعليه خارج الحجرة، ثم مشى إليه حافيا، ثم انحنى تحت قدميه، ولمس بيده الأرض تحتهما، كأنه يأخذ البركة، فاستبشعت ذلك منه، وعاتبته فيما بيني وبينه!
والتعظيم المبالغ فيه للرجال؛ من فعل الأعاجم، وقد أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: "لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم لملوكها".
ولا يزال ذلك فعلهم حتى اليوم، يفعلونه بملوكهم وكبارهم وعلمائهم ومن يعتقدون فيه الصلاح والبركة!
ولعلك تعلم أن الإمام القرطبي أندلسي الأصل، لكنه بعد سقوط الأندلس؛ رحل إلى مصر، وطاف بها، ونزل الإسكندرية والقاهرة والمنصورة والفيوم، حتى استقر به المقام في المنيا، وبها توفي، في زاوية سلطان، وضريحه بها مشهور، يزار!
وقد رأى القرطبي من عادات المصريين؛ ما أنكره عليهم، بلسان العلم والحكمة، لا بلسان التهويل والتشغيب، ومن جملة ما أنكره عليهم، وعلى العجم؛ الانحناء والتكفي، لا سيما عند لقاء الرؤساء والكبراء، وكذلك قيام بعضهم لبعض، وإن كان ينازع في الأخيرة، إذا فعله على وجه التكريم، لأهل العلم والفضل والصلاح؛ لأنه من جملة التوقير المأمور به شرعا للكبير!
وهكذا فليكن الإنكار على الخطأ، بلسان العلم والحكمة، لا بلسان الجهل والغضب!
وبالله التوفيق.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)