السبت، 2 مايو 2026

الرد على من يدعى أن أبا حنيفة كان يخالف السنة و يقدم القياس عليها

 الرد على من يدعى أن أبا حنيفة كان يخالف السنة و يقدم القياس عليها


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم
لقد رُمى الإمام أبو حنيفة فى حياته بمخالفة السنة, وأنه يقدم القياس على السنة, ولقد نفى هذه التهمة عن نفسه:
- فكان يقول "كذب والله وافترى علينا من يقول أننا نقدم القياس على النص, وهل يُحتاج بعد النص إلى قياس" (الميزان للشعرانى صـ 51).
- ويقول "نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة , وذلك أننا ننظر فى دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة, فإن لم نجد دليلا قسنا حينئذ مسكوتا عنه على منطوق به". (الميزان للشعرانى صـ 51).
- ويقول "إنا نعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله  ثم بأحاديث أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم".
- ويقول "ما جاء عن رسول الله  فعلى الرأس والعين بأبى وأمى وليس لنا مخالفته, وما جاء عن أصحابه تخيرنا, وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال".
- ومما كان كتبه الخليفة أبو جعفر المنصور إلى الإمام أبي حنيفة :"بلغني أنك تقدم القياس على الحديث فقال ليس الأمر كما بلغك يا أمير المؤمنين إنما أعمل أولا بكتاب الله ثم بسنة رسول الله  ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ثم بأقضية بقية الصحابة ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا وليس بين الله وبين خلقه قرابة ".
أسباب تشدد أبى حنيفة فى قبول ما يرويه له الرواة
لا يعني اشتهار أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يهمل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قبول الحديث شروطا متشددة؛ للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله ، وهذا التشدد في قبول الحديث هو ما حمله على التوسع في تفسير ما صح عنده منها، والإكثار من القياس عليها حتى يواجه النوازل والمشكلات المتجددة. ويرجع هذا إلى أمرين:
1- كان تشدد العراقيين فى قبول الرواية وهو الأمر الذى ورثوه عن ابن مسعود وعن على وعمر بن الخطاب , سببا فى أن يؤثروا فتوى الصحابى على رواية يشكون فى نسبتها إلى صاحب الرسالة .
2- كثرة واضعى الحديث من أهل البدع والأهواء فى العراق, كالشيعة بكل فرقهم والخوارج والمرجئة والجهمية والقدرية, ثم بعد ذلك الزنادقة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

تشجيع النبيّ ﷺ ( للبدعة الحسنة ) ؟!

 تشجيع النبيّ ﷺ ( للبدعة الحسنة ) ؟!


على هدي الآيات المباركة ، والأحاديث النبوية الشريفة تعلّم الصحابة وتفقهوا ، فذهبوا يعملون من الصالحات ، ما لا نص خاص صريح فيه ، والنبيّ r يحثُّهم ، ويُشجِّعهم بصورة غير مباشرة !
فتربَّوا ، تربية عالية ، سامية ، وأُشرِبوا روح الإسلام ، ولبّه ، فاجتهدوا في الصالحات ! منها – على سبيل المثال – :
1 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: « فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ» صحيح مسلم
هذا حثٌّ ، وتشجيع للصالحات ؟ !
[ الظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة ، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك ، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من ذلك الصحابي ، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد ، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقال له كيف تفعل في الصلاة شيئاً قبل أن آذن لك فيه ؟ ! ]
ونلاحظ أنه اجتهاد في العبادة ؛ الصلاة !
2 - و( عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ) صحيح مسلم.
هل هناك أفضل من هذا الحثّ ، والتشجيع ؟ !
و( عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ : فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ ) صحيح البخاري .
جواز إحداث ذكر في الصلاة !
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، رحمه الله :
[ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذا كَانَ غير مُخَالف للمأثور ]
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله :
[ وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - ]
3 - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ - قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ r . متفق عليه .
4 - وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِ - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سَلُوهُ لأَىِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ . متفق عليه .
وهذا الحديث ظاهر في أن أمير السـرية كان يختم القراءة في الصلاة بـ { قل هو اللهُ أحد } اجتهاداً منه ، لأنه صفة الرحمن جل وعلا ، فكان جزاؤه أن يحبه الله تعالى لحبه إياها .
عن أنس بن مالك: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:1] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها إما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكان يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبروه الخبر. فقال (( يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ )) قال: إني أحبها قال: (( حبك إياها أدخلك الجنة )) .
5 - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَك [1] .
وكان عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، يزيد فيها !
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَزِيدُ فِيهَا: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. صحيح مسلم
كان النبيّ r لا يزيد على هذه الكلمات !
قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، :
[ وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضا عِنْده عَن نَافِع عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَعرف أَن بن عمر اقتدي فِي ذَلِك بِأَبِيهِ
وَأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ وَزَادَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَن أخرجه من حَدِيث بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ وبن ماجة وَصَححهُ بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحق لبيْك وَبِزِيَادَة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يزِيد عَن بن مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا تقدم عَن عمر وبن عُمَرَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِلَخْ .
قَالَ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ
قَالَ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِه صرح أَشهب وَحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ .
فهل إستأذن الصحابة رسول الله r في هذه الأعمال قبل أن يعملوها ؟ !
وهذه الزيادات على تلبية النبيّ r ؛ التي جاء بها الناس من عند أنفسهم ، هي زيادات في العبادة ؛ وهي الحج ! والتي قَبْلها كانت في الصلاة ! وهما ركنان من أركان الإسلام ، أعني : الصلاة والحج ! !
موضع الشاهد
وموضع الشاهد من هذه الأحاديث هو : أن الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كانوا يعملون أعمالاً صالحة ، من غير أن يكون فيها نص خاص من القرآن ، ومن السنة ، بل على العكس ، كانت هناك سنة ، وعهد منه r ! فزادوا على ذلك باجتهاداتهم ، قبل إقرار النبيّ r ذلك ! !
تنبيه على عدم الخروج عن الموضوع !
هذا هو لب موضوعنا ! فلا يخرج عنه أحد فيقول : لقد أقرّهم النبي r ، فأصبحت هذه الزيادات سنة ، بإقرار النبيّ r ! !
فنحن نتحدث عن تربية ، وفهم ، وفقه الصحابة ، رضي الله عنهم ، في عمل الصالحات ، قبل إقرار النبيّ r ! !
بل نتيجة تربية القرآن ، والنبيّ r ، للصحابة ، رضي الله عنهم ، أصبحت أعمالهم الصالحة الإجتهادية - التي لا تخالف نصا ً، وهدياً عاماً ، أو قاعدة شرعية ، وتخدم إحدى المصالح الضرورية – أصبحت جزءاً من سنة النبيّ r !
فالسنة في إصطلاح الأصوليين هو : ما صدر عن النبيّ r ، غير القرآن ، من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، فهي بهذا الإعتبار دليل من أدلة الأحكام ، ومصدر من مصادر التشريع .
السنة التقريرية !
[ وهي سكوت النبيّ r عن إنكار قول ، أو فعل صدر في حضرته ، أو في غيبته ، وعلم به .
فهذا السكوت يدل على جواز الفعل ، وإباحته ، لأن الرسول r لا يسكت عن باطل ، أو منكر .
ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته ، وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن غناء جاريتين ، كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد .
هل الغلمان ، والجاريتان أخذوا الإذن من النبيّ r قبل أن يعملوا تلك الأعمال ؟ !

تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان

 

《تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان 》
ساقني لهذا الموضوع خوض عوام الناس في مسألة زكاة الفطر بعلم وبغير علم واتهام المخالف بأنه يجتهد برأية مع وجود النص،وهذا من أعجب ما سمعت.
فأنتم بهذا الادعاء يتهمون كبار الصحابة والتابعين ويرمونهم بمخالفة القرآن والسنة ،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن من أصول السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية مجال تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان، وهي قاعدة صاغها الفقهاء قديماً وتناولها عدد منهم بالشرح والتوضيح، وهذه القاعدة قاعدةٌ مهمة جداً عقد لها الإمام ابن القيّم فصلاً بقوله: ( فصل في تغيّر الفتوى بحسب الأمكنة والأزمنة والأحوال والنيّات والعوائد ). إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/11 .
-------☆☆-------☆☆----
《أمثلة تطبيقية لتغير الفتوى》:
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا أذكر منها حتى لا أطيل الآتي:
1- تغير الفتوى بتغيّر الحال:
ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ((كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء شاب، فقال: يا رسول الله أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال نعم؟ قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علمت لمَ نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه )).رواه أحمد وغيره.
فقد اختلفت فتواه - صلى الله عليه وسلم - في حكم واحد، وذلك لاختلاف الحالين.
2- تغيّر الفتوى بسبب تغيّر الزمان :
1- ما ورد في عهد عثمان رضي الله عنه أنه أمر بالتقاط ضالة الإبل فقد روى مالك في الموطّأ ابن شهاب يقول: (( كانت ضَوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبَّلة تنََاتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنها)).
((فقد رأى عثمان رضي الله عنه أن التقاط ضالة الإبل أولى من إرسالها ترعى الشجر وترد الماء لأنه رأى في زمانه تبدلاً في حالة الناس أورث خوفاً على أموال الرعية من أن تمتد إليها يد الخيانة ، فكانت المصلحة في أمره بالتقاطها وتعريفها كسائر الأموال )).
فعثمان - رضي الله عنه - فقد أمر بتعريف الإبل الضالة ثم بيعها، على الرغم من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التقاطها،فهل نقول أن الصحابة خالفوا السنة !!
جاء في الحديث الصحيح عن زيد بن خالد أنه سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ضوال الإبل فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ما لك ولها، دعها فإن معها غذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها»، فالحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل.
2- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ضمن قوتهم التمر والزبيب وهي في زماننا لا تعتبر قوتا إنما هي من التفكه.فقد كانوا يعيشون عليه الأشهر ذوات العدد.
فعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ : " ابْنَ أُخْتِي ، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ " فَقُلْتُ : مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ : " الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ"رواه البخاري.
ومن خلال ما سبق يمكن القول أن الفتوى قد تختلف من بيئة إلى أخرى في النازلة الواحدة حسب الظروف والأحوال، وبحسب الأعراف والعادات.
3-فرض الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهم في الزكاة المفروضة على المسلمين بقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) التوبة 60.
فقد اقتضت المصلحة الشرعية إيقاف هذا السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم ومنعه عنهم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته بعد أن تبين له أن علة الإعطاء الخاصة بهذا السهم قد زالت وأن المصلحة للمسلمين في منع هذا السهم عن المؤلفة قلوبهم وإعطائه لمصارفه الشرعية من المسلمين.
فهل نقول أن عمر بن الخطاب رضي الله اجتهد وأعمل عقله في مخالفة النص؟؟؟
4- التين لم يكن مما يقتات في المدينة، لكن هو مما يقتات في الأندلس، فكان الإمام مالك رحمه الله تعالى لا يرى فيه الزكاة لأنه في بلده لا يقتات أي أنه غير قوت.
▪︎قال الباجي: “فأما التين فإنه عندنا بالأندلس قوت وقد ألحقه مالك بما لا زكاة فيه...".
ثم قال (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَى التَّفَكُّهِ لَا عَلَى مَعْنَى الْقُوتِ).كتاب المنتقى شرح الموطإ
،أبو الوليد الباجي.
5- ومما هو مقرر أن الإمام الشافعي قد غير مذهبه عندما سافر من العراق إلى مصر وهذا التغيير لا بد له من أسباب ينبغي دراستها وبيان الظروف التي من أجلها تتغيير الاحكام بتغير الزمان والمكان .
5- جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة صيانة للمسجد من السرقة.وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تغلق فهل نقول لمن يغلقها في تلك الأوقات انت خالفت ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟
3- أورد النووي في "المجموع"(9/253) " أن ابن أبي زيد القيرواني اتخذ كلبا في داره حين وقع حائطها، وكان يخاف على نفسه، فقيل له في ذلك-أي نقلوا له قول الإمام مالك بعدم الجواز-، فقال:لو أدرك مالك زماننا لأتخذ أسدا ضاريا." اهـ.
قال الحافظ احمد الغماري رحمه الله ان الإمام مالك رحمه الله لو كان في عصرنا لأفتى بجواز دفع زكاة الفطر نقدا.
---☆☆---------☆☆-----
3- تغير الفتوى وفق المعطيات العصرية
معرفة مدارك الأحكام وعللها تجلى نوعية الحكم الشرعي ممكن تغير الفتوى فيه بتغير ما أنيط به، ومع تطور الزمن الراهن وتجدد التقنيات المخترعة الحديثة؛ قد يكون لها أثرا في تغيير بعض المسائل الدينية:
ومن الأمثلة على ذلك:
1- قديما كان المؤذن يرتقى فوق السور والبيوت للأذان، واليوم مع وجود مكبر الصوت لم يكد يوجد من يؤذن فوق المسجد، فتغير شأن الأذان من هذه الحيثية وفق المعطيات العصرية.
2- وسئل الشيخ عبد اﷲ جبران رحمه اﷲ عن الإبراد في صلاة الظهر، هل العلة هي شدة الحر، فإذا كان كذلك فهل تطبق في هذا العصر مع وجود المكيفات؟
فقال رحمه اﷲ: صحيح أن العلة هي شدة الحر، وفي هذه الأزمنة لما وجدت هذه المكيفات فالصحيح أنه لا حاجة إلى الإبراد الذي كانوا يفعلونه في العهد القديم، لزوال العلة، وجود المبردات التي تخفف من شدة الحر.
-------------
أقول في هذا الصدد حول زكاة الفطر بالمال
1- هل نغنى فقراءنا في المدن إذا أعطيناهم أقطاً وشعيراً وبراً؟”
2- وهل يعقل أن نأمر مسلمي ألمانيا وسويسرا وانجلترا …إلخ أن يتعاملوا مع الأقط والشعير والتمر والزبيب؟

-----☆☆---------☆☆-----
والله تعالى أعلى وأعلم
جمع وترتيب
أبوبكر الزايدي.