الأحد، 25 يناير 2026

وقفات مع حديث اطوار الجنين

 عن عبد الله بن مسعود حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال:


" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح " رواه البخاري #3208
وهو أحد الأحاديث العظيمة عن رسول الله ﷺ ، وهو يكرر الإعجاز المذهل المذكور في كتاب الله ، عن مراحل خلق الإنسان داخل الرحم بدقة تدهش العقول!
__________________
ولكن الإشكال في حديث البخاري هو ما فهمه كثير من المفسرين ، من أن هذه المراحل الثلاث تستغرق (120 يوما) ، فقد فهموما (40 نطفة + 40 علقة + 40 مضغة) ، فهموه من لفظ (ثم يكون علقة مثل ذلك) ، (ثم يكون مضغة مثل ذلك) ، فقالوا أن (مثل ذلك) تعني كل في أربعين يوما مثل الأربعين الأولى للنطفة، و لكن هذا لا يصح!
___________________
فهذه المراحل كلها تتم خلال الأربعين يوما الأولى من الحمل ، كما أثبتت المشاهدة والتصوير والطب ، بما يعد نقاشه تكلفا لا يليق ، فالقول بهذا التفسير (40 نطفة + 40 علقة + 40 مضغة) مؤداه نفي الإعجاز عن آي القرآن التي تناولت الموضوع ، لأنه يعني أن هذه الأشياء التي نراها ليست هي النطفة ولا المضغة ولا العلقة ، ببساطة لأن الجنين بعد الأربعين الأولى سينزل في صورة إنسان صغير ولا يسمى هذا (نطفة) لا في لغة العرب ولا في الفقه!!
_______________
ولكن الأمر ليس كذلك بحمد الله ، بل الإعجاز باهر قاطع!
والحديث دقيق صحيح ، ولا يمكن لعاقل إنكار التطابق التام لهذه المراحل مع الآيات ، ولكن لنفهم الحديث لابد لنا من العودة إلى صحيحنا الثاني ، أي إلى (صحيح مسلم ) رحمه الله ، كما رجعنا إليه سابقا في فهم حديث سجود الشمس ، و في فهم حديث ماء المرأة ، فها نحن نرجع إليه ثالثة في خلق الجنين ليشفي صدورنا ويبين لنا ، وقد نقل عن ابن حزم رحمه الله وعن المغاربة عموما تفضيل صحيح مسلم ، لعنايته بالمتون وفروق الألفاظ والتنظيم ، ولا شك أن البخاري يتفوق كثيرا في أمور أخرى ، و لكن الحق أن لا غنى لأحد الكتابين عن الآخر ، ويأبى الله إلا أن يكون كتابه وحده هو الكامل لفظا ، التام صحة ، الدقيق حرفا بلا ثان!
________________________
وحديث الباب عند مسلم لفظه؛
"" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون ((في ذلك علقة)) مثل ذلك ثم يكون ((في ذلك)) مضغة مثل ذلك"" #2643
______
فالحديث هنا فيه زيادة بيان (في ذلك = أي في نفس الأربعين الأولى) ، (مثل ذلك = يجمع أيضا) ، فالمقصود بمثل ذلك ( مثل ذلك من الجمع)
فهذا معنى الحديث أن في هذه الأربعين الأولى (تجمع النطفة والمضغة والعلقة) ، فأنحل الإشكال تماما برواية مسلم وأتضح المعنى!
________
ليس هذا فحسب بل زاد مسلم حديثا صحيحا آخر يؤكد هذا المعنى تماما عن سيدنا حذيفة بن أسيد الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ..) #2645 وفي رواية (بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة)
فمرة أخرى هي (أربعون واحدة) أو (ثنتان وأربعون) والجلد والسمع والبصر والفم يظهر بين الاسبوع السادس إلى الثامن من الحمل ، وكذا التعظم والغضاريف ، والعضلات الأولية ، فسبحان الله العلي العظيم!
_______________
إذا فهي أربعون واحدة تلك التي تتناولها الأحاديث ، ولفظ البخاري كان فيه إجمال ، يفسره ، لفظ مسلم.
___________________________
من المهم ذكر أن الأطباء يحتسبون أسابيع الحمل من أول يوم لآخر دورة شهرية ، وتلقيح البويضة يحدث عادة بين اليوم العاشر والرابع عشر للدورة ، وتحتاج أسبوعا آخر لتنغرس في جدار الرحم فهذان أسبوعان أوثلاثة قبل الأربعين يوما أو الإثنان وأربعين يوما المذكورة في الحديث، والله أعلم
______
ذلك أن حساب الأربعين يوما تبدأ من انغراس النطفة الامشاج في الرحم (العلقة) ، فهذه أول مراحل التخلق في رحلة خلق الإنسان ، ومنها يبدأ العد ، أما النطفة قبل انغراسها فهي (ماء مهين) ، وهي التي منها نخلق كما خلق أبونا آدم من تراب (من نطفة خلقه فقدره) ،
ففي الحديث (إن أحدكم يجمع خلقه ...ثم يكون في ذلك علقة) ، فأول شيء ثبت له الجمع للخلق في هذه الرحلة هو (العلقة)
قال أبو محمد رحمه الله عن انقضاء عدة الحامل، مستدلا بما ذكرنا : (أن تسقط علقة فصاعدا ، واما إن أسقطت نطفة دون العلقة فليس بشيء ولا تنقضي بذلك عدة) انتهى
__________________
وعليه فنفخ الروح يكون في ((وقت ما)) ((بعد)) الأسبوع الثامن للحمل يقينا ،
ولكن لا نقطع بتعيين الوقت ، لقوله (ثم ينفخ فيه الروح) ، ف (ثم) تفيد نوع تراخي ، فهل بعدها مباشرة في نهاية الاسبوع الثامن أم التاسع أم بعد ذلك؟ الله أعلم
غير أن أكثر الفقهاء نقلوا الإجماع على أن نفخ الروح يكون بعد أربعة أشهر ، و ((عليه العمل)) وإن لم أجد إجماعا ثابتا عن الصحابة رضي الله عنهم. (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الإسراء 85

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق