المقاصدية المعاصرة وإنكار السنن والشرائع ، هل كان الظاهرية على حق؟
في مقال بعنوان (حق المثلية في الإسلام) نشره موقع العربي الجديد؛ يستدل الكاتب على إباحة الشذوذ بأنه وبما أن مقاصد الشريعة قد كفلت حرية الكفر وحرية المجاهرة و المناظرة عنه (لا إكراه في الدين)، فمن باب أولى السماح بحرية الشذوذ لأنه في كل حال أدنى من الشرك!
وقبل أيام شاهدت بالفعل فيديو لداعية فاضل، ينكر حد الردة لأن الله قال (لا إكراه في الدين)، فحرية المعتقد من مقاصد الشريعة
والأسبوع الماضي تناقشت مع دكتور حديث محترم، يرد أحاديث النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام لأنها في نظره تخالف مقاصد الشريعة لأن الله قال ( لتعارفوا)
رشيد إيلال مؤلف كتاب (نهاية أسطورة البخاري) يصرح أن مقاصد الشريعة تؤسس للعلمانية وتعطي حق التشريع المرن للإنسان ويستدل بكلامه بمقاصدية الشاطبي وغيره ويدعو للبناء حولها.
_________
وهكذا ففي عصرنا أصبحت (مقاصد الشريعة) هي قنطرة العبور السلس نحو إنكار الشرائع ورد السنن والزندقة المتدثرة بثياب العلم والفقه. والحق أن هناك أيضا من الصالحين والدعاة والفقهاء من روج كثيرا لمقاصد الشريعة كدلالة على التجديد الفقهي والإصلاح الفكري، حتى أصبحت (موضة / صيحة / صرعة) أصولية -إن صح التعبير- دون ضبط حقيقي لمعناها وتطبيقاتها.
____________
كظاهري فأنا أرفض تماما مفهوم مقاصد الشريعة، لأنها في الأساس فرع عن القياس منبثقة عن البحث عن علل الأحكام وجمعها وتقسيمها، لاستخراج عموميات (موهمة) تستخدم اليوم في إنكار الشرائع وضرب السنة بالقرآن، ولعلك سمعت كثيرا (حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله)، حتى أصبح البعض في يومنا لايسلم لحكم حتى يعرف علته، حتى نسينا ان الإسلام هو الاستسلام لله، وتحول الأمر إلى ما يشبه الشراكة، بل حتى العبادات لم تسلم من محاولات السبر ، حتى أفسدوا علينا عباداتنا ونياتنا، فهل نصوم لأن الصوم المتقطع يساعد في التنحيف و يفيد الجسم ويحسن الأيض أم لله؟ أم لكلا الأمرين؟، وهل أنا ذاهب للمسجد احتسابا للأجر أم للرياضة ؟ هل اسجد خضوعا وامتثالا وخشوعا أم لتفريغ الشحنات الضارة؟ فلا عجب أن قال ابن حزم يوما : أن هذه القضية هي أصل كل كفر في العالم.
———
لكن مهلا، مهلا، فالحق أن مقاصدية مذاهب الرأي كالمالكية مهما خالفها الظاهرية فهي تظل مختلفة تماما عن الزندقة المتدثرة بالمقاصدية في عصرنا، فثم فروق جوهرية بين المقاصدية الحداثية، والمقاصدية الأولى الفقهية الأصولية، فالأخيرة قد أرى ضعف أصولها وخطأها، ولكن المالكية والأحناف لم ينكروا أبدا ما أجمع عليه، وفي أقصى درجات مقاصديتهم لم ينكروا الردة ولا الرجم ولا عبثوا بالمواريث، ذلك أن مقاصدية الفقهاء الأول كانت تتحرك داخل منظومة متكاملة من الاصول ، بينما المقاصدية المعاصرة المزعومة انتقائية، هوائية منبتة عن أي أصول، فقد ينكرون حد الردة بزعم حرية العقيدة و أن القتل إنما هو فقط للجاسوس المرتد لارتكابه الخيانة العظمى لا الردة ، ثم إذا جاؤا لحكم الجاسوس تبدل الكلام وقالوا أن الجاسوس مرتكب الخيانة لا يقتل وله حق الحياة ، وهكذا نتعامل مع أفعوانية بهلوانية أصولها الوحيدة هي مواثيق الغرب ودساتيره و شطحات الجمعيات النسوية وأهواء جمعيات إنقاذ سلاحف الكاريبي.
وبينما كانت مقاصدية الفقهاء الاول مبنية على النظر والتأمل واستقراء كل النصوص، فالحداثيون أي المتمقصدة المعاصرون لا يجدون حرجا في رد الأحاديث الصحيحة الثابتة بآية واحدة يستلونها من المصحف دون النظر في باقي الآيات و تفاصيل النصوص.
________________________________
ولأن المقاصدية الأولى حاولت وضع الكثير من الشروط والضوابط ، كان الخلاف بينها وبين الظاهرية عند التطبيق في كثير من الأحيان خلافا لفظيا ،
فالظاهرية و في مقدمتهم داود وابن حزم يؤمنون بالعموميات المنصوصة ويستدلون بها كثيرا (وتعاونوا على البر والتقوى) ، (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) ، (ما جعل عليكم في الدين من الحرج) ولكننا لا نسميها مقاصد، قد يقال قواعد فقهية وأحكام لكن الأهم من التسمية أن هذه القواعد العامة؛
أولا ؛ ليست مستنبطة بالظنون بل هي منصوصة مصرح بها
ثانيا؛ أنه لا يمكن استخدامها لتعطيل النصوص الخاصة والجزئية البتة، بل إن النصوص في الجزئيات متسقة مع هذه العموميات، وإن كان ثم تعارض ظاهري، ولا أجد بيانا لهذا أفضل من قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) ، فنعم الشريعة جاءت لحفظ النفس، ولكنها تأمر بإزهاق نفس القاتل، وتجعل في ذلك (حياة) ، فلايمكن لمنكري القصاص التمسح بمعارضته لآية ( ومن أحياها) أو بمقصد حفظ النفس.
ثالثا؛ أن هذه القواعد العامة تنزل على الواقع وتطبق وتهيمن في غياب النص الخاص ، فهي الملاذ في النوازل الفقهية والأمور المحدثة ، أما إذا وجد النص الخاص فهو المقدم.
_____________________
لذلك لا يمكنك إباحة الربا لأن ثَم مصلحة مادية للمسلم وتهمل قوله تعالى (فأذنوا بحرب)، ولا أن ترد أحاديث المنع من ابتداء السلام على أهل الكتاب لأن الله قال (لتعارفوا) وتهمل قوله (وهم صاغرون) ، وإن كان هذا الحديث قد يحتمل نقاش معناه و جمع طرقه ولكن هذا يختلف تماما عن رده بأوهام ومزاعم التعارض الانتقائية
كما لايمكنك رد حديث يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود ، بالقول أنه يهين المرأة وقد قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) ، لأنك وأنت المفكر المقاصدي السابر للعلل غفلت أننا إن جارينا مسلكك لقلنا تقطع المرأة الصلاة (لفتنتها) ، ويقطع الحمار الصلاة (لأذيته ) ، ويقطع الكلب الصلاة (لشيطنته ونجاسته ) ، فأين إهانة المرأة؟ بل إن المرأة شهوة =للعاطفة والسكن ، والخيل شهوة =للركوب والتفاخر ، والأنعام شهوة = للأكل والألبان والحرث ، وقد جمعهم الله سبحانه في آية واحدة! (زين للناس)
وكل المذاهب تقر أنه إذا (استحال) الجمع بين الحديث والقرآن يكون الحديث منكرا لا يصح، وهذا لا خلاف فيه أصلا، لكن الإشكال عند من يرد السنة بهذه الطريقة، وهي أنه يفسر حديثا ما بطريقته، ثم يعرض (تفسيره) للحديث على القرآن، أو آية واحدة مستلة من القرآن، ومن ثم يستنتج أن (الحديث) مخالف للقرآن، رغم أن العلماء والمجتهدين ذكروا تفاسيرا ليس فيها أي تعارض مع القرآن؟ فتفسيرك وفهمك للحديث هو ما تعارض به القرآن و ليس الحديث وحقيقته.
والبعض يبرر لنفسه بقول أن عائشة رضي الله عنها ردت حديث تعذيب الميت ببكاء أهله محتجة بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وز أخرى) ، ولكنهم يُغفلون أنها لم ترد الحديث بل أثبتته و لكنها صوبت معناه فقالت إنما قال ( إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه)
وهذا ليس ردا للحديث وإنما تأويل لمعناه ، وفهم لسياقه وهو ما يفعله المحدثون بجمع طرق الحديث ومروياته لفهمه!
وهو ما فعلته أُمُّنا كذلك مع حديث الشؤم ، إنما أولته وذكرت سياقه وأنه كان حديثا عن أمر الجاهلية، فتأمل!
بل وإنكار الرجم مثلا وأحاديثه الصحيحة بزعم أن الرجم يعارض مقاصد الشريعة رد عليه الشاطبي نفسه -الذي لا تُذكر مقاصد الشريعة إلا مقترنة باسمه - فيقول رحمه الله:
" و من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها وبالعمومات من غير تأمل هل لها مخصصات أم لا ؟
... ومنه دعاوى أهل البدع على الأحاديث الصحيحة مناقضتها للقرآن ... قالوا: هذا مخالف لكتاب الله لأنه قضى بالرجم والتغريب، وليس للرجم ولا للتغريب في كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلاً فهو ما أردنا، وإن كان حقًا فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب" الاعتصام 1/ 246
__________________
أخيرا نقول أن بعض المروجين لهذا الفكر هم زنادقة معروفون، والبعض الآخر هم حركات ممولة مثل جمعية (أزاهرة يستنيرون) الأوروبية الذين اخرجوا بيانا يدعم حرية سب النبي ﷺ ، والبعض كعدنان إبراهيم ممن جعل عقله "هو" ميزانا للحق، والبعض هم دعاة وفقهاء يعيشون في الغرب، سحقهم الضغط السياسي والمجتمعي الغربي، حتى أصبحت الميكيافيلية هي الدين، فأخرجوا أجيالا يعتقد الواحد منهم مُخلصا أن هذا هو الدين،
و موضوع الحدود وحد الردة خاصة يحتاج نقاشه و تفصيله إلى منشور لاحق إن شاء الله تعالى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق