الخميس، 19 مارس 2026

ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - بحث قيم في جكم الغناء والموسيقى في الاسلام بالتفصيل .

71

ثمّ إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّ الغناء ليس موضوعا لمجرّد الصوت لغة و لا عرفا، إذ من البديهيّ أنّ أصوات الطيور مثلا لا تسمّى غناء حقيقة و إن أطلق عليها مجازا كما قال النابغة:

بكاء حمامة تدعو هديلا * * *مفجعة على فنن تغنّي (١)

قال السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في «غرره و درره» فشبّه صوتها لما أطرب إطراب الغناء، بالغناء انتهى (٢).

فسقط ما في المصباح من تفسيره بالصوت (٣) إن أراد به ظاهره، و لا يثبت الوضع بقول لغويّ واحد، و لا سيّما إذا كان معارضا بمخالفة الأكثر، و قد بيّنا في المقدمة الخامسة أن الظنّ الحاصل بقول اللغويّ ليس من الظنون المخصوصة الخارجة عن أصالة حرمة العمل بالظنّ، و ليس من الظنون اللفظية، هذا، مع أنّه لا ظنّ مع مخالفة أكثر اللغويين.

بل، هو موضوع قطعا للصوت المكيّف بكيفية خاصّة، مردّدة بين الكيفيّات المذكورة، و الرجوع إلى العرف لعدم انضباطه غير مجد في الكشف عن الوضع اللغويّ، و أكثر الكيفيات المذكورة غير مذكور في كتب اللغة، و إنّما المذكور فيها أمور أشهرها اعتبار الترجيع و التطريب خاصّة.

فالأظهر ثبوت وضع هذا اللفظ لكلّ صوت مشتمل على الوصفين.

مع احتمال وضعه للمشتمل على الأوّل خاصّة، نظرا إلى الأصل، فتدبّر.

و يمكن القول بأنّ هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ و المقترن بالملاهي، لشيوع استعماله فيهما، و كثرة وجودهما في جميع الأعصار بحيث يكونان متبادرين من إطلاق هذا اللفظ، بل يمكن دعوى تبادرهما- و لو مع قطع النظر عن كثرة الاستعمال و غلبة الوجود- فتأمل.

و الحاصل: أن الغناء حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ بالمعنى الأعم، أي ما يتلهّى به من‌

____________

(١). ديوان النابغة الذبياني، ص ١٣٦.

(٢). غرر الفوائد و درر القلائد «أمالي السيد المرتضى»، ج ١، ص ٢٥.

(٣). المصباح المنير للفيومى، ص ١٢٦- ذيل مادّة غنّ.

72

الأصوات مطلقا، سواء كان بنفسه، مجرّدا من الاقتران بالآلات الخارجيّة المحرّمة، أو بسبب اقترانه بشي‌ء منها.

فالوضع العرفيّ التخصّصيّ الحاصل بشيوع الاستعمال في هذا النوع متّحد، بمعنى أنّه لم يثبت وضع آخر حتّى يحكم بالاشتراك.

و لا ينافي ذلك وضعه لمطلق الصوت المشتمل على الترجيع و التطريب أو الترجيع خاصة في اللغة، فإنّ المناط في الاشتراك و عدمه هو تعدّد الوضع و عدمه في اصطلاح واحد، لا في اصطلاحين.

و الدليل على النقل في العرف من المعنى اللغوي إلى هذا المعنى خاصّة، مع كونه على خلاف الأصل وجوه.

منها: شيوع استعماله فيه، و غلبة وجود هذا المعنى في الأعصار، فتأمّل.

و منها: تبادره منه تبادرا كاشفا عن الوضع، فإنّه المتبادر منه، و لو قطع النظر عن شيوع الاستعمال و غلبة الوجود.

و منها: عدم شكّ العرف و ترديدهم في إطلاق هذا اللفظ على هذا النوع من الصوت، مع شكّهم في إطلاقه على غيره.

و منها: عدم صحّة سلب هذا اللفظ عن هذا النوع مع صحّة سلبه عن غيره عند العرف.

فلا يقال: إن ذلك لعدم صحة سلب الكلّي عن شي‌ء من أفراده، مع أنّ استعماله فيه تجوّز، فلعله لوضعه لمطلق الصوت المطرب، أو المشتمل على الترجيع، فلا يصحّ سلبه عن هذا الفرد.

فإنّ صحّة سلبه عن غيره دليل على اختصاص وضعه به، فليتأمل.

و منها: اتّفاق الفقهاء على شمول ما دلّ على حرمة الغناء لهذا النوع و اختلافهم في شموله لغيره، فإنّ الظاهر المصرّح به في بعض كلماتهم أنّ ذلك لمسلّميّة وضعه عرفا لهذا المعنى، فتأمّل.

و الظاهر: أنّ تحسين الصوت و تطريبه متلازمان في الوجود الخارجيّ، و إن تغايرا مفهوما كتزيينه، و كذا موالاة الصوت مع ترجيعه، بل يمكن إرجاع المدّ و الرفع اليه، و قد‌

73

تقدّم عن (مفتاح الكرامة) القول باتّحاد التطريب مع المدّ و الترجيع و التحسين، و لكن الظاهر: أنّ التطريب مستلزم للترجيع بل العكس على مصطلح أهل الموسيقى، غاية ما في الباب أنّ محصّل الاختلاف في وضع الغناء لغة- بعد بداهة فساد القول بكونه مجرّد الصوت، لما بيّنّاه- يرجع إلى اثنين:

أحدهما أنّه موضوع لغة للصوت المشتمل على الترجيع أي ترديده في الحلق بالتلفظ با آ اآ اآ كما تقدّم.

و ثانيهما: أنّه يعتبر فيه مع ذلك الإطراب.

و الأوّل، و إن كان مقتضى الأصل، بل الأخذ بالأعمّ، بناء على القول الذي في المقدمة الخامسة تقدّم، إلّا أنّ القائل المصرّح به قليل، بل لم نعرفه باسمه و أنّما حكاه جماعة قولا، أو عن بعض من [غير] تصريح (١) باسمه، بل في بعض الرسائل لبعض الأفاضل: أنّ الحكم بكونه غناء ممّا لا شاهد له، و لا دليل يساعده من لغة أو عرف أو حديث، بل في قوله (عليه السّلام) في رواية ابن سنان: «اقرأوا القران بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجي‌ء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء» (٢).

دلالة ظاهرة على أنّ مطلق الترجيع ليس غناء بل هو كيفية خاصّة من التراجيع (٣) انتهى.

و في رسالة السيد ماجد أنّه (عليه السّلام) نهى عن ترجيع القرآن ترجيع الغناء، فلو لم يكن ترجيع الغناء أخصّ من الترجيع المطلق لكان يقتصر على قوله «يرجّعون القرآن» و لم يذكر «ترجيع الغناء» لعدم الفائدة فيه.

و بعبارة أخرى «ترجيع الغناء» وقع مفعولا مطلقا مضافا، و المفعول المطلق المضاف أو‌

____________

(١). في المخطوط (من تصريح) و الصحيح: من غير تصريح. كما في المنتقد مجلد المتاجر، ص ١٥٧- مخطوط.

(٢). الكافي، ج ٢، ص ٦١٤، حديث ٣.

(٣). نقل هذا في المنتقد أيضا، ص ١٥٧، «مخطوط» و لم أقف بعد على صاحب العبارة و الرسالة.

74

الموصوف أخصّ من مصدر فعله، كقولك سرت سير البريد، و ضربت ضربا شديدا (١) انتهى فتدبّر.

فحيث ظهر و بان ضعف هذا القول تعيّن الثاني، لتصريح أكثر أهل اللغة، بل و غيرهم، به، كما لا يخفى على المتتبع المتنبّه.

هذا، مع أنّي لا أظنّ العرب يصحّحون سلب الغناء عن الأصوات المشتملة على الترجيع مع الإطراب، بل الظاهر تبادر ذلك منه عندهم، كما صرّح به بعض الأطياب.

و كلام السيّد المرتضى (رحمه اللّه) على بيت النابغة شاهد على ما ذكرنا بلا ارتياب، فإنّه جعل العلاقة هو المشابهة في الإطراب.

فتحصّل ممّا بيّناه و شرحناه: أنّ الحقيقة العرفيّة لهذا اللفظ هو: الصوت اللهويّ الشامل للمقترن بالملاهي، و الحقيقة اللغوية له هو الصوت المطرب، و لا حاجة إلى اعتبار الترجيع، لاستلزام الإطراب للترجيع، كما أشرنا إليه.

فكلّ صوت مطرب يستعمله إنسان غناء لغة، و إن لم يكن على سبيل اللهو و لم يقترن بشي‌ء من الملاهي و المحرّمات، و الّا فهو غناء عرفا.

و لا فرق- على الوجهين- بين ما كان مشتملا على كلام مفهوم المعنى و غيره، و لا بين ما كان في كلام باطل و حقّ، و لا بين الشعر و غيره، و لا بين المرثيّة و غيرها، فإنّ ذلك كلّه مع الإطراب غناء لغة و مع التلهّي غناء عرفا و لغة، فإنّ كلّ ما يطلق عليه الغناء في العرف يطلق عليه الغناء لغة، دون العكس، كما لا يخفى.

ثمّ ليعلم أنّ المراد بالصوت اللهويّ:

يحتمل أن يكون مطلق ما يتلهى به، و أن لم يحكم بحرمته، بناء على عدم ثبوت حرمة مطلق اللهو، كما أشرنا إليه في المقدمة العاشرة، لعدم اعتبار الحرمة في صدق الغناء العرفيّ، و حمل ما يأتي من الاخبار على اللهويّ المحرّم لا يوجبه.

____________

(١). إيقاظ النائمين و قد سبق ذكره، راجع التمهيد في علوم القرآن، ج ٥، ص ٢١٠.

75

نعم، ربما يقال بثبوت العرف الشرعي فيه، نظرا إلى غلبة استعمال هذا اللفظ فيه، في زمن صدور هذه الأخبار و وجوده، و هو مشكل.

نعم، يحتمل من ذلك اختصاصه بالمحرّم، نظرا إلى احتمال كون الغلبتين معا منشأ لتحقّق الوضع العرفيّ، فتأمّل.

و المراد بالمطرب المغيّر للحال المحرّك للقلب مطلقا سواء كان من فرح أو من حزن، فإنّه مأخوذ من الطرب المفسّر في بعض كتب اللغة بالخفّة الّتي تلحقك: تسرّك أو تحزنك، أو المفسّر فيه- أيضا- بالحركة.

قال الطريحيّ في (المجمع): الطرب بالتحريك خفّة تعتري الإنسان لشدّة حزن أو سرور، و العامة تخصّه بالسرور (١) انتهى.

و عدّ في القاموس من معانيه: الخفّة المذكورة، و الحركة، و الشوق، قال: و رجل مطراب و مطرابة: طروب، و استطرب: طلب الطرب، و الإبل: حرّكها بالحداء، و التطريب:

الإطراب، كالتطرّب و التغنّي انتهى (٢).

و على هذا، فليس استعمال المطرب في هذا المقام من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و لا من قبيل استعمال المشترك في عموم الاشتراك، ليلزم التجوّز، فإنّ المراد به هو مطلق الموجد للخفّة الموجبة لأحد الأمرين، و هو معنى حقيقيّ له، و كذا لو أريد به مطلق المحرّك.

نعم، لو جعلنا المبدء مشتركا بين الضدّين، كما في (سرّ الأدب) للثعالبي (٣) و به صرّح في (القاموس) أيضا، فلا يجوز إرادتهما منه إلّا على الوجه الثاني، و لكنّه مفتقر إلى القرينة و الظاهر «حينئذ» أنّ امتناع إرادة الجميع قرينة على هذا التجوّز.

____________

(١). مجمع البحرين، ج ٢، ص ١٠٩.

(٢). القاموس المحيط، ج ١، ص ٩٧.

(٣). لم أجده في سرّ الأدب و لكن المصنف (ره) قال في المنتقد مجلد المتاجر، ص ١٥٣ ايضا- مخطوط. و في سرّ الأدب للثعالبي: الطرب: الحزن و الفرح.

76

نعم، على القول بالجواز، لا بدّ من القرينة.

و كذا في استعماله في خصوص الحزن و الهمّ.

و أمّا استعماله في خصوص السرور، فالظاهر أنّ تبادره منه الناشئ من شهرة الاستعمال مغن عن القرينة.

و قد يقال: إنّ تفسير الطرب بالخفّة المشار إليها هو المدخل للصوت في أفراد اللهو، قال العجّاج:

أطربا و أنت قنّسري * * *و الدهر بالإنسان دوّاري (١)

أراد هذه الخفّة على سبيل اللهو و التلهّي، و إلّا فمجرّد السرور أو الحزن لا يبعد عن الشيخ الكبير حتّى يتعلّق به الاستفهام التوبيخي.

و لكن فيه: أنّ الخفّة لا تستلزم التلهّي، و إلّا لكان كلّ صوت مطرب ملهيّا، و هو بعيد، و لذا تراهم يقسّمون الصوت المطرب إلى ما كان على سبيل اللهو و غيره، و ربما يشهد له بيت الكميت:

طربت و ما شوقا الى البيض أطرب * * *و لا لعبا منّي و ذو الشيب يلعب؟

(٢)

فإنّه، مع إثباته الطرب لنفسه، نفي اللعب و أنكره على ذي الشيب، على وجه الاستفهام الإبطالي المحذوف أداته، فليتأمّل.

و كيف كان، فهل يعتبر الأطراف في تحقّق الغناء اللغويّ، أو يكتفى بما من شأنه الإطراب بالفعل فلا يقدح فيه قبح الصوت و غلظته و نحو ذلك وجهان؟

و لعلّ الأول أظهر، فتدبّر.

و كذا الكلام في الصوت اللهويّ المعتبر في الغناء العرفيّ، فتأمّل.

____________

(١). شرح شواهد المغني لجلال الدين السيوطي، ج ١، ص ٤٨.

(٢). هذا مطلع قصيدة للكميت بن زيد الأسدي، أنظر تمامها في القصائد الهاشميات، ص ٢٥.

77
=-=-=-=
152

يرفع فيها رأسه إلى السماء حياء من ربّه (١).

و كذا نياحة داود (عليه السّلام) فقد كان يبكي و يبكي، و يحزن و يحزن، حتّى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته.

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ داود كان حسن الصوت في النياحة على نفسه في تلاوة الزبور، حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة (٢).

و منه النياحة على المظلومين من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا سيّما الحسين (عليه السّلام) و أصحابه الذين بذلوا مهجهم دونه (عليه السّلام) فقد تواترت الأخبار بالحثّ على هذه النياحة.

و من الثاني: النياحة على فراق المحبوب المحرّم، و على ما فات من زخارف الدنيا.

قال الغزالي: و الحزن على الأموات من هذا القبيل، فإنّه تسخّط لقضاء اللّه و تأسّف على ما لا تدارك له، فهذا الحزن لمّا كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما، فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة (٣) انتهى.

و فيه نظر، فإنّ مطلق الحزن لا يستلزم التسخّط لقضاء اللّه، فإنّه قد ينشأ من حرقة القلب قهرا فيتبعه النياحة، و من هنا ورد أخبار كثيرة بجواز النوح و البكاء على الموتى، فقد روى الصدوق (رحمه اللّه) في كتاب (كمال الدين) عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن زيد قال:

ماتت ابنة لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا، فقطع النوح (٤).

____________

(١). لم أجد الحديث بلفظه و كأنه منقول بالمعنى. فراجع البحار، ج ١١.

(٢). احياء علوم الدين، ج ٢، ص ٢٩٥.

(٣). المصدر، ص ٣٠١.

(٤). كمال الدين (ص ٧٣).

153

فقيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أ يناح في دارك (١)؟ فقال (عليه السّلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال- لمّا مات حمزة- «لكنّ حمزة لا بواكي له» (٢) انتهى.

و روى الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن الحسين الواسطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إنّ إبراهيم خليل الرحمن سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته» (٣) انتهى.

و في رواية: «أنّ فاطمة ناحت على أبيها و أنّه أمر بالنوحة على حمزة» انتهى.

و في رواية اخرى أنّ الصادق (عليه السّلام) سئل عن أجر النائح؟ فقال: «لا بأس به قد نيح على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (٤) انتهى.

و في بعض الروايات: «إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح ليسيل دمعها و لا ينبغي لها (٥) أن تقول هجرا، فإذا جائها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح» انتهى.

و الهجر بضمّ الهاء الإفحاش، و الخنا، قيل: المراد به تعداد أفعاله القبيحة و صفاته المذمومة، و الأولى إرادة وصفه بما ليس فيه.

و على التقديرين: يجب حمل «لا ينبغي» الظاهر في الكراهة على الحرمة، لحرمة ما ذكر قطعا.

و يمكن أن يراد بالهجر ما يشعر بعدم الرضا بالقضاء كما هو المتعارف بين الجهّال عند المصائب، فيكون مكروها، بل يمكن القول بحرمته إذا كان فيه تسخّط للقضاء، كما يظهر من بعض الأخبار.

____________

(١). كذا و في المصدر، في دارك.

(٢). الوسائل، ج ٢، ص ٨٩٢، حديث ٢، الباب ٧٠.

(٣). المصدر، ج ٢، ص ٨٩٢، حديث ٣، الباب ٧٠.

(٤). المصدر، ص ٨٩٣، حديث ٢، الباب ٧١.

(٥). المصدر، ص ٨٩٣، حديث ١، الباب ٧١.

154

و بكراهة النوح في الليل المستفادة من هذه الرواية صرّح جماعة من فقهائنا الأبرار.

و في جواز نياحة المرأة مع إسماعها الأجانب إشكال:

من إطلاق بعض الأخبار، و اشتهار نياحة جملة من النسوة من أهل بيت أئمتنا الأخيار.

و من أنّ صوتها عورة، كما في بعض الأخبار، فتدبّر.

و لا فرق في ذلك بين النياحة على الحسين (عليه السّلام) و غيره، فليتأمّل.

تذنيبات:

الأوّل:

قال الشهيد (رحمه اللّه) في (الذكرى): يجوز الوقف على النوائح، لأنّه فعل مباح، فجاز صرف المال اليه، و لخبر يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السّلام) فساق روايته التي قدّمناها.

ثم قال: و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله (عليه السّلام) و إظهارها ليقتدى بها، و يعلم ما كان عليه أهل البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقيّة بعد الموت انتهى (١).

الثاني:

صرّح أيضا بأنّ المراثي المنظومة جائزة عندنا، لأنّها نوع من النوح، قال: و قد دلّلنا على جوازه، و قد سمع الأئمّة (عليهم السّلام) المراثي و لم ينكروها.

الثالث:

روى جماعة من علماء العامّة، كالبخاري و مسلم، عن عبد اللّه بن عمر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه» انتهى (٢).

و الحق الذي عليه أصحابنا أن الميّت لا يعذّب ببكاء الحيّ عليه، و إن كان بنوح محرّم، إذ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ.

____________

(١). ذكري الشيعة، ص ٧٢.

(٢). صحيح البخاري بحاشية السندي، ج ١، ص ٢٢٢ و ايضا صحيح مسلم بشرح النووي، ج ٦، ص ٢٢٨ و هذا الحديث مما استدركته عائشة على الصحابة.

155

و الرواية غير معوّل عليها عندنا، و على فرض صحّتها مصروفة الظاهر، لمخالفتها لقواعد العدل، فيمكن إرادة التألّم من العذاب، أي: يحزن و يتألّم باطلاعه على هذا الفعل.

و أوّلها الشهيد في (الذكرى) بأنّ الجاهلية كانوا ينوحون، و يعدّدون جرائمه كالقتل و شنّ الغارات، و هم يظنّونها خصالا محمودة، فهو يعذّب بما يبكون عليه، قال: و يشكل أنّ ظاهر الحديث المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميّت بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء، قضيّة للعليّة، و التعذيب بجرائمه غير منتف بكا عليه أولا؟

و قيل: كأنّهم كانوا يوصون بالندب و النياحة، و ذلك حمل منهم على المعصية و هو ذنب، فإذا عمل بوصيّتهم زيدوا عذابا.

و ردّ: بأنّ ذنب الميت الحمل على الحرام و الأمر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال و عدمه، و لو كان للامتثال أثر لبقي الإشكال.

إلى أن قال: و لك أن تقول: إنّ «الباء» بمعنى «مع» أي مع بكاء أهله عليه، يعني: أنّ الميّت يعذّب بأعماله، و هم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، و يكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه (١) انتهى.

و في بعض ما ذكره نظر، و لعلّ ما أشرنا إليه في تأويل الرواية أظهر، وفاقا لبعض المحقّقين من أهل النظر، فتدبّر.

و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر، و قد سميناه (بذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء). فللّه الحمد، و على رسوله أفضل التحيّات و الثناء.

____________

(١). ذكري الشيعة، ص ٧٢.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق