تساؤلات حول الأضحية .. وتصحيح مفاهيم!
السؤال الأول: هل تجوز التضحية بديك أو عصفور؟ وهل يجوز شراء لحم بنية الأضحية؟
الجواب: لا تجوز التضحية بغير بهيمة الأنعام من سائر أنواع الحيوان كالغزال والظبي، أو الطيور كالديك والعصفور، وإن ضحى منها لم تجزئه، ولم تكن أضحية!
كما لا يجوز شراء لحم وتوزيعه على الفقراء بنية الأضحية؛ لأن شرط الأضحية إراقة الدم، وإنما يقع اللحم المشترَى صدقة، وربما كان أعظم ثوابا من الأضحية، لتفريجه على الفقراء قبل العيد!
وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، بدليل القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقوله تعالى: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها، وأطعموا البائس الفقير"، وأما السنة فلم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم؛ أنهم ضحوا بغير بهيمة الأنعام، وكل الأحاديث القولية لم تذكر في الأضاحي سواها، وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من العلماء، كابن عبد البر وابن رشد!
وأما ما رُوي عن بلال من أنه قال: ما أبالي إن ضحيت بديك! وما روي عن ابن عباس من أنه أمر أن يُشترى لحمٌ بدرهمين، وأن يقال: هذه أضحية ابن عباس!
وما روي عن إبراهيم التيمي: تستحب العقيقة ولو بعصفور!
فَيُجَاب عن ذلك بأن هذه الآثار فيها ضعف، وعلى فرض صحتها فهي مؤولة عند العلماء بأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أرادوا بذلك أن يثبتوا عدم وجوب الأضحية، وبأنها سنة، فصدر ذلك عنهم على سبيل المبالغة في تأكيد السُّنِّيَّة وعدم الوجوب، وكان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر لا يضحيان خشية أن يراها الناس واجبة!
بهذا أوَّلها الحافظ ابن عبد البر!
وعلى فرض أن قصد هؤلاء الصحابة جواز التضحية وإجزاؤها بالفعل؛ فهو اجتهاد منهم، وقول الصحابي وفعله ليس بحجة وحده، فكيف وقد خالف السنة المرفوعة؟!
ولم يقل أحد بجواز التضحية بالديك والعصفور ونحوهما قبل ابن حزم في القرن الخامس الهجري، وتبعه ابن المِبْرَد في القرن العاشر، في رسالته المسماة: (الرد على من شدَّد وعسَّر، في جواز الأضحية بما تيسَّر) وقد فهما هذه النصوص على ظواهرها، بينما أوَّلها الجمهور بصرفها عن ظواهرها، والحق مع الجمهور!
ثم إن ابن حزم خالف مذهبه في ترك الاحتجاج بالقياس؛ حين قاس التضحية بالديك والعصفور على جواز إهداء البيضة إلى البيت الحرام، ونسي أن الحديث ورد لبيان ثواب التبكير إلى صلاة الجمعة؛ ليكون ثواب المبكر إليها كثواب من أهدى بدنة ثم بقرة ثم بيضة، مع أنه لا يجوز الهدي ببيضة إجماعا، ولكن هذه آفة الظاهرية، التي توقعهم في التناقض والاضطراب!
وقد قال برأي ابن حزم وابن المِبْرَد من المعاصرين الدكتور سعد الهلالي وغيره!
وقلت - شعرا - في الرد عليه:
وقالوا: هل يَجُوزُ لنا نُضَحِّي
بِطَيْرٍ أو بِدِيكٍ أو دَجَاجَةْ؟!
لقد أَفْتَى بِذَا [ سَعْدُ الهِلاليْ]
فَقُلْتُ: كلامُه مِثْلُ الزُّجَاجَةْ!
وهذا رَأْيُهُ في كلِّ عامٍ
يُثِيرُ به الخُصومةَ واللَّجَاجَةْ!
وجمهورُ الأئمةِ من قديمٍ
بإجماعٍ لهم رَدُّوا احتجاجَهْ!
وشَذَّ بِرَأْيِه عنهم جميعًا
وليس لنا بما قد شَذَّ حاجَةْ!
السؤال الثاني: هل يجوز التضحية بما لم تستوف السن الشرعية من بهيمة الأنعام؛ إذا كانت أوفر لحما ممن استوفت السن؟
الجواب: بالنظر إلى ظاهر النصوص الشرعية لا يجوز في الأضحية إلا التي بلغت السن، وبالنظر إلى مقصد الشريعة من الأضحية؛ تجوز الأضحية بما دون السن إذا كانت أوفر لحما من التي بلغت السن، لأن الشرع إنما اشترط هذه الأسنان؛ لأن الحيوان يتوفر لحمه ويَسْمَن فيها غالبا، وإلا فلو بلغها وكان هزيلا؛ كانت التضحية بموفور اللحم أولى، وإن لم يبلغها، وهو ما نميل إليه، لكن بشرط ألا يجد التي بلغت السن مع وفرة اللحم معا؛ فإن الوقوف مع النصوص أولى، وهو ما اعتمدته دار الإفتاء في فتواها!
السؤال: هل لا تجوز الأضحية من تارك الصلاة، ولا الأكل منها؟
الجواب: إن كان تارك الصلاة قد تركها جاحدا لوجوبها؛ فهو كافر بالإجماع، والكافر لا تصح منه القربة، والأضحية من القربات، وإن كان ترك الصلاة تهاونا أو تكاسلا مع اعتقاده بوجوبها؛ فهو مسلم عاص عند جمهور أهل العلم، وتصح أضحيته، ويجوز الأكل منها، وأما الرأي المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي بعدم جواز أضحية تارك الصلاة والأكل منها؛ فهو على المذهب الذي يرى كفر تارك الصلاة مطلقا، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه فتوى علماء المملكة العربية السعودية، وهو مذهب مرجوح، ومذهب الجمهور هو الراجح!
السؤال: كيف ترد على القائلين بأن كثرة ذبائح المسلمين في عيد الأضحى؛ دليل على أن الإسلام دين دموي، يعشق الدماء؟!
والجواب: هذا كلام من لم يقف على أسرار الشريعة وحِكَم التشريع، ولطالما استغلت جمعيات الرفق بالحيوان في أوربا شعيرة الأضحية لتردد هذه المزاعم والترهات كل عام، ولعل ذلك قد سبق إليهم من تجاوزات بعض المسلمين، وعدم اتباع الهدي النبوي عند ذبح الأضاحي، من الرفق بها، وإحكام تقييدها، وعدم سن السكين أمامها، وعدم ذبحها أمام أخواتها، وهو ما أكدت عليه السنة النبوية الشريفة في حديثها عن طريقة ذبح الأضحية، وكذلك يقوم بعضهم بعمليات ذبح جماعي للأضاحي، تسيل فيه الدماء أنهارا في الشوارع والطرقات، كما يقوم بعضهم بحشر أعداد ضخمة من الحيوانات في مكان صغير، وربما ضربها بطريقة وحشية، وهنا ننبه إلى أن تجاوزات بعض المسلمين تكون غالبا هي السبب في الطعن على الإسلام، والإسلام منها بريء!
أما عن الحكمة من تشريع الأضحية فهي كافية في رد هذا الزعم الفاسد؛ فإن الأضحية شرعت تقربا إلى الله تعالى بما يحب، وإعلانا عن الاستعداد للتضحية بالغالي لأجله، والصدق في العبودية له، وإحياء لسنة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل، في الاستجابة لأمر الله، والصبر على ما قدره وقضاه، ومواساة للمحتاجين، وصلة وبرا بالأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف والجيران، ونشرا لروح المودة والإخاء، فليس المقصود نفس اللحم والدم، حسبما يشير إليه قوله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم".
وأما قضية الرفق بالحيوان؛ فلا نعلم على ظهر الأرض دينا أو نظاما أو قانونا دعا إلى الرفق بالحيوان مثل دين الإسلام، حتى لقد أصبح سمة من سمات الحضارة الإسلامية، ولسنا نطيل بذكر الأدلة القولية والعملية على ذلك؛ فهي أشهر من أن ينبه عليها، وقد كتبت فيها بحوث مستفيضة!
ثم إن الغرب يتهم المسلمين بأنهم عاشقون للدماء، بسبب شعيرة الأضحية، وتجاهل الغرب المذابح والمجازر البشرية التي ارتكبها - بلا رحمة - في كل مكان حل فيه، باسم الرب، ولا أدل على ذلك من الحملات الصليبية، وحرب الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان وميانمار وكشمير والإيجور وصابرا وشاتيلا وغزة، وغيرها مما يجب أن يخجل منه الغرب، ويطأطئ رأسه إلى الأبد، ويخرس، ولا يتكلم!
خادم الجناب النبوي الشريف
ا.د : محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف