معنى(الرَّحمنُ على العَرشِ استَوَى)
الحمد لله الذى أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة ، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع فى عماية الضلالة ، ونصب لنا من شريعة سيدنا محمد أعلى علم واوضح دلالة ، والصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أصحاب الهداية
المشبهة المجسمة يقولون استوى معناها دائمًا صعد وارتفع وجلس، وهم كاذبون...
وحجتهم ظاهرة -: قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} (أولا).
قلنا: تعالى أن يكون (ثانيا) استواؤه على العرش كاستوائنا على ظهور الدواب.
قالوا: وكما قال: {واستوت على الجودي} (ثالثا).
قلنا: تعالى الله أن يكون كالسفينة جرت حتى لمست فوقفت (رابعا ). قلنا له (خامساً ): وما العرش؟ وما الاستواء في العربية؟ فإن توقف، قلنا: هذا كله مخلوق، واستوى مخلوق على مخلوق بارتفاع وتمكين في مكان واتصال وملامسة، والبارىء تعالى يتقدس عنه، وقد اتفقت الأمة من قبل سماع الحديث وسرده أنه ليس استواؤه على شيء من ذلك، ولا تضرب به الأمثال بشيء من خلقه (سادسا).
قالوا: قد قال قوم: {ثم استوى على العرش} (سابعا)، {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (ثامنا).
قلنا: تناقضت أقوال العلماء (تاسعا) في ذلك، تقول مرة: إنه على العرش فوق السماوات، ثم تقول: إنه في السماء، لقوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} (عاشرا). وقلت: إن معناه على السماء، ويلزمك أن تقول: {الرحمن على العرش استوى} (الحادي عشر ) أي إلى العرش.
قالوا (الثاني عشر ): وقد قال: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض}
قلنا: هذا صحيح، ولكن ليس فيه لبدعتكم دليل.
قالوا: فما تقولون فى هذا: إن الأمة قد أجمعت على أنهم يرفعون أيديهم إلى السماء فى الدعاء، ولولا ما قال موسى: إلهي في السماء لفرعون، ما قال: {يا هامان ابن لي صرحا}.
قلنا: كذبتم على موسى، ما قالها قط، ومن يوصلكم إليه؟ إنما أنتم أتباع فرعون الذين اعتقدوا أن البارئ تعالى في جهة، فأراد أن يرقى إليه بسلم، فيهنئكم أنكم أتباع فرعون وأنه إمامكم.
قالوا: وهذا أمية بن أبي الصلت يقول :
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... من هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وأمية بن أبي الصلت قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور .
قلنا: هذا الذي يشبه جهلكم أن تحتجوا بقول فرعون وقول ملحد جاهلي، وتحيلون به على التوراة والإنجيل والزبور والفرقان والكتب المبدلة المحرفة، واليهود هم أعظم خلق الله كفرا، وأعظمهم تشبيها لله بالخلق.
تنزيه :
قال الإمام: والذي يجب أن يعتقد في ذلك: أن الله كان ولا شيء معه، ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش، فلم يتغير، ولا حدثت له جهة منها، ولا كان له مكان فيها، فإنه لا يحول ولا يزول، قدوس لا يحول ولا يتغير. وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر وجها ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز بحال، وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكين والاستقرار والاتصال والمجاورة ، فإن شيئا من ذلك لا يجوز على البارى تعالى، ولا تضرب له الأمثال في المخلوقات إلا كما قال مالك وغيره من العلماء: ان الاستواء معلوم، يعني أنه قد ورد في اللغة، والكيفية التي أراد الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعينها؟ والسؤال عنه بدعة؛ لأن الاشتغال به قد ينشىء طلبا للمتشابه ابتغاء الفتنة. فيتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك؛ أن الاستواء معلوم، وأن ما لا يجوز على الله منه غير معقول وغير متعين . وقد حصل لك التوحيد والإيمان بنفي التشبيه والمحال على الله، فلا يلزمك سواه.
وأما قوله: "ينزل" و "يجيء" و"يأتي" وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها، فإنها ترجع إلى أفعاله، وههنا نكتة، وهي أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك، وأفعال الله لا يجوز أن تكون في ذاته ولا ترجع إليه، وإنما تكون في مخلوقاته فهذا سمعت أن الله يفعل كذا، فمعناه
فى المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن هذا الحديث، فقال: يفعل الله ما يشاء. وأما أن يعلم أو يعتقد أن الله لا يتوهم على صفة من المخلوقات ، ولا يشبه شيئا من المخلوقات،
فقد وردت كلمة استوى في القرءان الكريم في عدة مواضع بمعانٍ مختلفة:
قال الله تعالى عن سفينة نوح: {واسْتَوَت على الجُودِي} أي استقرت عليه وليس معنى استوت هنا عَلَت وصعدت أو جلست.
وقال تعالى: {فاستوى على سوقه} أي الزرع استقام. هل يقول المشبهة المُجسِّمة استوى أي جلس الزرع واستقر وصعد؟؟
وقال تعالى: {ولمَّا بلَغَ أشُدَّهُ واستوى} المعنى هنا تمت قُوَّتُه الجسدية. هل يقولون ارتفع وصعد أو جلس واستقر؟؟
وقال تعالى في وصف جبريل: {عَلَّمَهُ شَدِیدُ ٱلۡقُوَىٰ ذُو مِرَّةࣲ فَٱسۡتَوَىٰ} "فاستوى": أي جسده مُستوٍ قوي. هل يقولون جبريل صعد وارتفع أو جلس واستقر؟؟
ويُذكر الاستواء ويُراد به الارتفاع والعلو كما قال الله تعالى: {فَإِذَا ٱسۡتَوَیۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ} هل يقول المشبهة والمجسمة جلس على المُلك واستقر على المُلك؟؟
ويطلق الاستواء ويراد به أشرف معانيه، وهو القهر والاستيلاء، وهو مما يليق بالله لأنه وصف نفسه بأنه قهار. فلا يجوز أن يُترك ما هو لائقٌ بالله إلى ما هو غير لائقٍ بالله تعالى وهو الجلوس والاستقرار.
فيصح أن يُقال: معنى {الرَّحمنُ على العَرشِ استَوَى} استوى استواءً يليق به بلا كيف ولا تشبيه ولا مكان
أو يقال حفظ وقهر وأبقى أي الله خلق العرش وهو حافظه وقاهره من أن يقع فيُحَطِّم السماوات والأراضين.. الله تعالى وصف نفسه بأنه القهار والرسول وصف ربه بأنه القهار.
والمشبهة المجسمة وهم يصلون صورةً بزعمهم يقول إمامهم: (سَوُّوا صفوفَكُم واستووا)، هل يقولون استوى معناه جلس الإمام أو صعد وارتفع وعلا !!!.. هل واحد منهم يجلس لما يقول إمامهم استووا
أو يصعد المنبر مثلًا أو يرتفع
أو يعلو؟؟!!!
قال الحافظ أبو بكر بن العربي: "إن استوى لها خمسة عشر معنى" وهو حافظ مُتَبَحِّرٌ لا بد أن يكون اطَّلع على هذه المعاني.
ومن معاني كلمة استوى في اللغة العربية: جلس وتمَ واستقرَّ وحازَ واعتدل قائمًا ونضِج وتمَّ (استوى القمر بدرًا) واستوى عودُه أي اشتدَّ ويقال في لغة العرب استوى الرجل أي ذهب شبابُه. وهذه كلها تليق بالمخلوق ولا تليق بالخالق.
ختاما : اللهم فقهنا فى الدين وعلمنا التأويل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق