《تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان 》
ساقني لهذا الموضوع خوض عوام الناس في مسألة زكاة الفطر بعلم وبغير علم واتهام المخالف بأنه يجتهد برأية مع وجود النص،وهذا من أعجب ما سمعت.
فأنتم بهذا الادعاء يتهمون كبار الصحابة والتابعين ويرمونهم بمخالفة القرآن والسنة ،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن من أصول السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية مجال تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان، وهي قاعدة صاغها الفقهاء قديماً وتناولها عدد منهم بالشرح والتوضيح، وهذه القاعدة قاعدةٌ مهمة جداً عقد لها الإمام ابن القيّم فصلاً بقوله: ( فصل في تغيّر الفتوى بحسب الأمكنة والأزمنة والأحوال والنيّات والعوائد ). إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/11 .
-------☆☆-------☆☆----
《أمثلة تطبيقية لتغير الفتوى》:
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا أذكر منها حتى لا أطيل الآتي:
1- تغير الفتوى بتغيّر الحال:
ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ((كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء شاب، فقال: يا رسول الله أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أُقبِّل وأنا صائم ؟ قال نعم؟ قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علمت لمَ نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه )).رواه أحمد وغيره.
فقد اختلفت فتواه - صلى الله عليه وسلم - في حكم واحد، وذلك لاختلاف الحالين.
2- تغيّر الفتوى بسبب تغيّر الزمان :
1- ما ورد في عهد عثمان رضي الله عنه أنه أمر بالتقاط ضالة الإبل فقد روى مالك في الموطّأ ابن شهاب يقول: (( كانت ضَوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبَّلة تنََاتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنها)).
((فقد رأى عثمان رضي الله عنه أن التقاط ضالة الإبل أولى من إرسالها ترعى الشجر وترد الماء لأنه رأى في زمانه تبدلاً في حالة الناس أورث خوفاً على أموال الرعية من أن تمتد إليها يد الخيانة ، فكانت المصلحة في أمره بالتقاطها وتعريفها كسائر الأموال )).
فعثمان - رضي الله عنه - فقد أمر بتعريف الإبل الضالة ثم بيعها، على الرغم من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التقاطها،فهل نقول أن الصحابة خالفوا السنة !!
جاء في الحديث الصحيح عن زيد بن خالد أنه سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ضوال الإبل فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ما لك ولها، دعها فإن معها غذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها»، فالحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل.
2- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ضمن قوتهم التمر والزبيب وهي في زماننا لا تعتبر قوتا إنما هي من التفكه.فقد كانوا يعيشون عليه الأشهر ذوات العدد.
فعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ : " ابْنَ أُخْتِي ، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ " فَقُلْتُ : مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ؟ قَالَتْ : " الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ"رواه البخاري.
ومن خلال ما سبق يمكن القول أن الفتوى قد تختلف من بيئة إلى أخرى في النازلة الواحدة حسب الظروف والأحوال، وبحسب الأعراف والعادات.
3-فرض الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهم في الزكاة المفروضة على المسلمين بقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) التوبة 60.
فقد اقتضت المصلحة الشرعية إيقاف هذا السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم ومنعه عنهم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته بعد أن تبين له أن علة الإعطاء الخاصة بهذا السهم قد زالت وأن المصلحة للمسلمين في منع هذا السهم عن المؤلفة قلوبهم وإعطائه لمصارفه الشرعية من المسلمين.
فهل نقول أن عمر بن الخطاب رضي الله اجتهد وأعمل عقله في مخالفة النص؟؟؟
4- التين لم يكن مما يقتات في المدينة، لكن هو مما يقتات في الأندلس، فكان الإمام مالك رحمه الله تعالى لا يرى فيه الزكاة لأنه في بلده لا يقتات أي أنه غير قوت.
▪︎قال الباجي: “فأما التين فإنه عندنا بالأندلس قوت وقد ألحقه مالك بما لا زكاة فيه...".
ثم قال (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَى التَّفَكُّهِ لَا عَلَى مَعْنَى الْقُوتِ).كتاب المنتقى شرح الموطإ
،أبو الوليد الباجي.
5- ومما هو مقرر أن الإمام الشافعي قد غير مذهبه عندما سافر من العراق إلى مصر وهذا التغيير لا بد له من أسباب ينبغي دراستها وبيان الظروف التي من أجلها تتغيير الاحكام بتغير الزمان والمكان .
5- جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة صيانة للمسجد من السرقة.وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تغلق فهل نقول لمن يغلقها في تلك الأوقات انت خالفت ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟
3- أورد النووي في "المجموع"(9/253) " أن ابن أبي زيد القيرواني اتخذ كلبا في داره حين وقع حائطها، وكان يخاف على نفسه، فقيل له في ذلك-أي نقلوا له قول الإمام مالك بعدم الجواز-، فقال:لو أدرك مالك زماننا لأتخذ أسدا ضاريا." اهـ.
قال الحافظ احمد الغماري رحمه الله ان الإمام مالك رحمه الله لو كان في عصرنا لأفتى بجواز دفع زكاة الفطر نقدا.
---☆☆---------☆☆-----
3- تغير الفتوى وفق المعطيات العصرية
معرفة مدارك الأحكام وعللها تجلى نوعية الحكم الشرعي ممكن تغير الفتوى فيه بتغير ما أنيط به، ومع تطور الزمن الراهن وتجدد التقنيات المخترعة الحديثة؛ قد يكون لها أثرا في تغيير بعض المسائل الدينية:
ومن الأمثلة على ذلك:
1- قديما كان المؤذن يرتقى فوق السور والبيوت للأذان، واليوم مع وجود مكبر الصوت لم يكد يوجد من يؤذن فوق المسجد، فتغير شأن الأذان من هذه الحيثية وفق المعطيات العصرية.
2- وسئل الشيخ عبد اﷲ جبران رحمه اﷲ عن الإبراد في صلاة الظهر، هل العلة هي شدة الحر، فإذا كان كذلك فهل تطبق في هذا العصر مع وجود المكيفات؟
فقال رحمه اﷲ: صحيح أن العلة هي شدة الحر، وفي هذه الأزمنة لما وجدت هذه المكيفات فالصحيح أنه لا حاجة إلى الإبراد الذي كانوا يفعلونه في العهد القديم، لزوال العلة، وجود المبردات التي تخفف من شدة الحر.
-------------
أقول في هذا الصدد حول زكاة الفطر بالمال
1- هل نغنى فقراءنا في المدن إذا أعطيناهم أقطاً وشعيراً وبراً؟”
2- وهل يعقل أن نأمر مسلمي ألمانيا وسويسرا وانجلترا …إلخ أن يتعاملوا مع الأقط والشعير والتمر والزبيب؟
-----☆☆---------☆☆-----
والله تعالى أعلى وأعلم
جمع وترتيب
أبوبكر الزايدي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق