هل الأشاعرة يقولون: الله في كل مكان؟
الجواب القاطع: لا، الأشاعرة لا يقولون أبداً إن "الله في كل مكان" بذاته. بل إنهم يُكفّرون أو يُضللون من يقول بهذه المقولة على ظاهرها (ويسمونهم "الحلولية" أو "الاتحادية" الذين يعتقدون أن الله يحل في المخلوقات أو يمتزج بالأمكنة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً).
إليك تفصيل معتقد الأشاعرة في هذه المسألة والمقولة المشهورة عنهم:
1. معتقد الأشاعرة الأساسي (التنزيه المطلق)
عقيدة الأشاعرة (وهم جمهور أهل السنة والجماعة مع الماتُريدية) تقوم على قاعدة التنزيه المستمدة من الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
يعتقد الأشاعرة أن الله سبحانه وتعالى ليس جسماً، ولا يشغل حيزاً، ولا يحده مكان، ولا يمر عليه زمان؛ لأن المكان والزمان من مخلوقاته، والله كان موجوداً قبل خلق المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان (أي لا يتغير).
لذلك، يقولون: "الله موجود بلا مكان ولا جهة".
2. كيف يفسر الأشاعرة وجود الله؟
إذا سُئل الأشعري عن وجود الله أو معاني الآيات مثل ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، فإنه يفسرها بـ:
المعية العلمية والإحاطة: أي أن الله مع العباد بـعلمه، وقدرته، وسمعه، وبصره، وتدبيره، وليس بذاته في الأمكنة.
فوقية القهر والمكانة: يفسرون الآيات التي ظاهرها الفوقية (مثل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾) بأنها فوقية رتبة، وشرف، وسلطان، وقهر، وتنزيه عن النقص، وليست فوقية مادية أو استقراراً في مكان.
3. من أين جاءت هذه التهمة؟
الخلط أو التهمة الموجهة للأشاعرة بأنهم يقولون "الله في كل مكان" تأتي من مصدرين:
الخصوم الفكريين: بعض التيارات المخالفة للأشاعرة (كالسلفية المدخلية) يتهمون الأشاعرة بنفي "العلو الذاتي" لله فوق العرش، ويرون أن نفي العلو والجهة يؤول منطقياً إلى القول بأنه في كل مكان أو أنه غير موجود (وهذا إلزام ينفيه الأشاعرة تماماً ولا يلتزمون به).
العوام: بعض جهلة العوام من المنتسبين لأهل السنة قد يرددون عبارة "الله في كل مكان" بجهل، ويقصدون بها (الله يرى ويسمع كل شيء)، لكن علمائهم يمنعون هذا اللفظ بعبارات صريحة.
خلاصة عقيدة الأشاعرة في جملة:
"كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، فهو سبحانه بائن من خلقه (أي غير مختلط بهم ولا حالّ فيهم)، مستوٍ على عرشه كما أخبر، بلا كيف ولا تشبيه ولا تجسيم ولا تحيز."
--
التناقض في إنكار المجاز: رحلة بين السجود و"الإخلاد إلى الأرض"
تثير مسألة تحديد "المكان" أو "العلو" في حق الله تعالى جدلاً واسعاً بين المدارس الفكرية الإسلامية. وحين نطرح سؤال "أين الله؟"، نجد أنفسنا أمام خيارين: إما الأخذ بظاهر النصوص حرفياً، أو قبول "المجاز" للتنزيه.
ولإثبات أن المجاز أصل أصيل في فهم النصوص، يمكننا تأمل دليلين قرآنيين:
أولاً: مفارقة القرب في السجود
يقول الله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19].
إذا التزمنا بالظاهر الحرفي: فإن الساجد ينخفض بجسده إلى الأرض، وبالتالي يصبح أبعد مسافةً عن السماء. فلو كان القرب هنا قرباً حسياً مكانياً، لكان القائم أقرب إلى الله من الساجد!
النتيجة المنطقية: بما أن الساجد يكون أقرب ما يكون إلى الله (كما ورد في الحديث الشريف)، فإن هذا القرب هو قرب مَجازي (قرب مكانة، ومنزلة، وإجابة)، وليس قرب مسافة حقيقية.
وجه الدلالة: إذا قبلنا بأن القرب هنا مجازي لتفادي التناقض العقلي، فلماذا يُمنع تأويل نصوص مثل "الله في السماء" على أنها علوّ رفعة ومقام ومنزلة، لا علوّ مكان وجهة؟
ثانياً: دلالة "الإخلاد إلى الأرض"
يتجلى المجاز بشكل أوضح في قصة بلعام بن باعوراء (الذي أوتِيَ آيات الله ثم كفر)، حيث قال تعالى عنه:
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: 176].
بالفهم الحرفي: هل كان هذا الرجل قبل كفره معلقاً في السماء، فلما كفر لزق بالوجاد واستلقى على الأرض؟ بالطبع لا، فقد كان حتماً يمشى، ويقوم، ويعيش كسائر البشر.
بالفهم المجازي السليم: الرفع هنا هو رفع القيمة والدرجة عند الله، و"الأخلاد إلى الأرض" هو هبوط همّته، ودنوّ منزلته، واتباعه لشهوات الدنيا الدنية.
الخلاصة والمحاكمة العقلية
إن محاولة حمل كل نصوص الوحي على ظاهرها الحسي المادي توقع العقل في تناقضات تُنزه عنها الشريعة. فالقرب من الله والبعد عنه، والارتفاع إليه والهبوط إلى الأرض، في هذه السياقات، هي مصطلحات مجازية بليغة تعبر عن القيمة والمكانة الروحية، لا عن الأبعاد الجغرافية والمساحات الحركية.