الأربعاء، 17 يونيو 2026

لماذا لا أُعفي لحيتي؟

 

اللحية وجوهر التدين: لماذا لا أُعفي لحيتي؟ (حديث من القلب والعقل)
******
كثيراً ما يصلني هذا السؤال، أحياناً بدافع المحبة والحرص، وأحياناً بصيغة العتب أو الاستنكار: "يا دكتور، أنت تتحدث في الدين والفقه والأصول، فلماذا لست ملتحياً؟

أليست اللحية من السنة؟".

وهو سؤال مشروع ومهم، ولا يزعجني أبداً -مع أنه أمر شخصي- بل أعتبره فرصة لنطرح معاً قضية أعمق بكثير من مجرد "شعر الوجه"؛ إنها قضية (فقه الأولويات) وكيف نفهم ديننا.
****
وإليكم إجابتي في نقاط علمية ومنهجية هادئة:

#أولاً: التحرير الفقهي (الخلاف المعتبر)

نحن نُجلّ سنة النبي ﷺ ونحبها، ومن أعفى لحيته اقتداءً وحباً فله الأجر والكرامة.

# ولكن من الناحية الفقهية الأكاديمية، مسألة اللحية ليست من "أصول الدين" ولا من "المعلوم من الدين بالضرورة" كما يظن البعض..

# بل هي مسألة فرعية اختلف فيها كبار الفقهاء:

١- صحيح أن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى وجوب إعفائها..

٢- ولكن المعتمد في (المذهب الشافعي) -وهو من كبار المذاهب المتبوعة- (وللعلم أنا شافعي المذهب) أن حلق اللحية (مكروه وليس بحرام)، وهو ما نص عليه الإمامان النووي والرافعي.
(ينظر: "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي 1/ 290، و"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي 9/ 376، حيث نص صراحة على أن المعتمد عند الشيخين -النووي والرافعي- هو الكراهة لا التحريم)

٣- وهناك من كبار علماء الأصول المعاصرين من يرى أنها من (سنن العادات) المرتبطة ببيئة العرب قديماً، وليست من (سنن التشريع والتعبد) المحضة.

(وهو ما قرره كبار علماء الأزهر الشريف، كالإمام محمد أبو زهرة في كتابه "أصول الفقه" ص 115، والإمام محمود شلتوت في كتابه "الفتاوى" ص 227).

# فإذا كانت المسألة خلافية، وقابلة للاجتهاد، فكيف نجعلها معياراً لتقييم إيمان الشخص أو علمه؟

#القاعدة الأصولية تقول: "لا يُنكر المُختلَف فيه، وإنما يُنكر المُجمَع عليه".

#شمولية "السنة" وعدم اختزال الدين في المظاهر:

#السنة النبوية محيط واسع وعظيم؛ تشمل رحمة النبي ﷺ، وعدله، وعمق تفكيره، وسعة صدره للمخالفين، ونظافته، ورقي أخلاقه.
-
#الإشكالية تحدث عندما نختزل هذا "النموذج النبوي الشامل" في قائمة ضيقة من المظاهر الشكلية، ونجعلها الميزان الأوحد لتقييم علم الإنسان أو مدى قربه من الله.
-
#المظاهر لها احترامها، ولكن الميزان الحقيقي الذي وضعه الشارع لتقييم الإنسان يتعلق بالجوهر والأثر، وهو ما حسمه النبي ﷺ بقاعدة ذهبية قاطعة حين قال: «إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، وإنَّما يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ وأعْمالِكُمْ» (صحيح مسلم، رقم: 2564).

#فتقييم العالم أو الداعية يجب أن ينصب على ما يقدمه لعقول الناس وقلوبهم، لا على اختياراته الفقهية في هيئته الشخصية.

#ثالثاً: فقه الأولويات في عصر النوازل

نحن نعيش في عصر تُموج فيه الشبهات، وتُطرح فيه أسئلة وجودية كبرى حول الإلحاد، والعدل الإلهي، ومناهج التفكير.

# في هذا العصر، الأولوية القصوى هي بناء "العقل المسلم" وتحصين "القلب المسلم".

أن أصرف جهدي ووقتي لتبسيط أصول الفقه، وتفكيك الشبهات، وربط الشباب بجوهر القرآن، هو عندي مقدم على الانشغال بالمعارك الجانبية حول المظاهر.

# نحن بحاجة إلى "لحية في العقل" (أي نضج وحكمة) و"لحية في القلب" (أي تقوى وخشية) قبل أن نحاكم الناس على وجوههم.

--------
#خلاصة القول:

# أنا أحترم كل ملتحٍ يزين لحيته بحسن الخلق، وأرجو من إخوتي أن يتسع صدرهم لمن أخذ بالرأي الفقهي الآخر واهتم بجوهر الدين.

# دعونا نتجاوز محاكم التفتيش الشكلية، ولنتعاون على ما ينفع أمتنا ويصلح مجتمعاتنا.

# فالدين أوسع، والفقه أرحب، ورحمة الله تسع الجميع.

--------
لمن أراد فهم مسألة اللحية من أصولها يتفضل بمتابعة القراءة:

هل كل ما فعله النبي ﷺ يُعد "سُنَّة" نأثم بتركها؟
*
تمهيد لا بد منه:

#الفقه عِلْمٌ وليس معركة

قبل أن نلج في تفاصيل هذا البحث، يجب أن نتفق على قاعدة ذهبية: (الفقه الإسلامي عِلْمٌ له أدواته وقواعده، وليس ساحة لتسجيل المواقف أو استعراض العواطف). عندما نناقش مسألة فقهية، فنحن لا نحارب السُّنة معاذ الله، ولا نتبع الهوى، بل نمارس أرقى درجات العبودية لله؛ وهي "محاولة الفهم الدقيق لمراد الله ورسوله" بأدوات علم (أصول الفقه).

# فمن تسلح بالعلم اتسع صدره، ومن اكتفى بظواهر النصوص ضاق ذرعاً بالمخالفين.

*******
أولاً: خريطة الأفعال النبوية (ليس كل فعل تشريعاً)
******

# من أعظم أسباب الخلل في فهم الدين اليوم، هو الخلط بين مقام "النبوة والتشريع" وبين مقام "البشرية والعادة" في حياة النبي ﷺ.

# وقد حسم علماء الأصول هذا الخلط بتقسيم أفعاله ﷺ إلى أقسام دقيقة:

١-الأفعال الجِبِلِّيَّة:

# ما صدر بمقتضى الطبيعة البشرية (كالنوم والمشي)

# وحكمها أنها (مباحة) لا تدل على إيجاب

# كما قرر الإمام الآمدي (الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص 171)..
------

٢- الأفعال العُرْفِيَّة:

# ما فعله جرياً على عادة قومه (كلبس العمامة وإعفاء اللحية)، وهي (لا تفيد التشريع الإلزامي)

# كما نص الإمام الطاهر بن عاشور (مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 225)..

-------
٣- الأفعال الدنيوية:
# ما تعلق بالخبرة (كالزراعة والطب)، وتخضع للتجربة لقوله ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ».
(ينظر: الفروق للإمام القرافي، ج1، ص 205).

-------
٤- الخصائص النَّبَوِيَّة:
# ما أُوجب عليه وحده (كالوصال في الصوم)، ويحرم تقليده فيها. (ينظر: غاية السول في خصائص الرسول للإمام ابن الملقن، ص 120)..
-------

٥-الأفعال التَّشْرِيعِيَّة:
# ما فعله بصفته مُبلِّغاً (كالصلاة والأخلاق)، وهذه هي (السنة الواجبة الاتباع) كما قرر الإمام الشوكاني (إرشاد الفحول، ج1، ص 161).

# يقول الإمام ولي الله الدهلوي: "ما رُوي عنه ﷺ من باب العادات... ليس من باب التشريع في شيء" (حجة الله البالغة، ج1، ص 286)..

*******

#ثانياً: التطبيق العملي للقاعدة (اللحية والمظاهر نموذجاً)

# إذا طبقنا هذه الخريطة الأصولية على مسألة كـ "اللحية"، سنجد تسلسلاً علمياً يحل الإشكال من جذوره:
--------
# الواقع التاريخي (عادة بشرية):

# إعفاء اللحية كان هو "السمت الطبيعي" للرجل العربي والعالمي.
# فسادات قريش (كأبي جهل) كانوا ذوي لحى، وكذلك كسرى ملك الفرس، وحاخامات اليهود.

#إذن، الأصل التاريخي المقطوع به: اللحية (عادة بشرية) اشترك فيها المؤمن والكافر.
*

٢- الإشكال الأصولي (لماذا أمر بها؟):

# ما داموا يعفون لحاهم بحكم العادة، فلماذا قال النبي ﷺ: "أعفوا اللحى"؟

# الجواب: النبي ﷺ لم يأمرهم بـ (إحداث اللحية من العدم)، بل أمرهم بـ (تغيير هيئتها لعلة المخالفة).

# فالأحاديث ربطت الأمر بعلة واضحة: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا المَجُوسَ».

#فالأمر هنا قرار بـ "التمييز البصري" نكايةً في المجوس (الفرس) الذين كانوا يحلقون لحاهم ويطيلون شواربهم جداً.

# قال الإمام ابن حجر العسقلاني: "المراد بالمشركين هنا المجوس... وكانوا يقصون لحاهم ويطولون شواربهم" (فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج10، ص 350).
**

٣-فلسفة التشريع:
# لماذا المجوس تحديداً؟
# لأنهم كانوا يمثلون "القوة العظمى"، ومن طبيعة البشر أن "المغلوب مولع بتقليد الغالب".

#فخشي النبي ﷺ أن ينبهر المسلمون بـ "موضة الإمبراطورية الفارسية" الشاذة، فأصدر أمراً حاسماً بمخالفتهم، حمايةً لـ "الاستقلال الثقافي" للمسلمين.

**
٤-رجوع الحكم إلى أصله: القاعدة الأصولية تقول: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً).

# بما أن الأمر كان لعلة طارئة (مخالفة المجوس)، فاليوم لم يعد حلق اللحية شعاراً للمجوس، بل صار إعفاء اللحية وحلقها عادة عالمية.

# فلما زالت "علة المخالفة"، رجع الأمر إلى أصله؛ وأصله أنها (عادة عربية وبشرية).

# والقاعدة في العادات هي "السعة والإباحة".
*

# ثالثاً: أقوال الأئمة وتفكيك الاستدلال بالعمومات

# لسنا بدعاً في هذا التقرير؛ فقد نص كبار الأئمة على أن اللحية وهيئات اللباس من (العادات).
---
١- فالإمام ولي الله الدهلوي وضعها في قسم (الارتفاقات وأدب المعيشة) لا في العبادات (حجة الله البالغة، ج1، ص 152)
---
٢- والإمام الطاهر بن عاشور قرر أن أوامر الهيئات هي من قبيل (السياسة الشرعية) (مقاصد الشريعة، ص 231)..
------
٣- وصرح الإمام الأكبر محمود شلتوت بأن: "أمر اللباس والهيئات، ومنها حلق اللحية، من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة" (الفتاوى: دراسة لمشكلات المسلم المعاصر، ص 227).
-----
# وبناءً عليه، نص الإمامان النووي والرافعي، واعتمده المتأخرون كابن حجر الهيتمي، على أن حلق اللحية (مكروه كراهة تنزيه، وليس بحرام) (تحفة المحتاج بشرح المنهاج، ج9، ص 376).
*
# أما من يلجأ للعمومات القرآنية لفرض العادات كعبادات، فقد خالف أصول الاستنباط:

١-آية {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}:

# الأسوة الحقيقية هي أن توافق النبي ﷺ في "رُتبة" الفعل.
# فما فعله كـ (عادة ومباح)، فالأسوة أن نعتقده عادة ومباحاً، كما قرر الإمام الغزالي (المستصفى في علم الأصول، ص 232). الابتداع هو أن نرفع (العادة) إلى درجة (الفرض)!.

----
٢- آية {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}:

# أي خذوه بحسب دلالته الشرعية.

# فإذا آتانا أمراً معللاً بـ (مخالفة المجوس)، نأخذه كحكم يدور مع علته..
--
٣- آية {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}: الاتباع هو موافقة النبي ﷺ في الفعل والقصد منه، كما قرر الإمام الشاطبي (الموافقات في أصول الشريعة، ج3، ص 293).

# ولو كان الاتباع يشمل (العادات الدنيوية) للزمنا أن نأكل على الأرض، ونركب الدواب، ونترك السيارات!

# الاتباع الذي يجلب محبة الله هو اتباع "المنهج النبوي" في رحمته وعدله وأخلاقه..
*
#الخلاصة:
# من أعفى لحيته اقتداءً وحباً فله الأجر والكرامة.
# ومن أخذ بالرأي الفقهي المعتبر وحلقها أو هذبها بناءً على تغير أعراف الناس، فلا إثم عليه.

د : أحمد بهدر

#صوت_الأزهريين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق