التناقض في إنكار المجاز: رحلة بين السجود و"الإخلاد إلى الأرض"
تثير مسألة تحديد "المكان" أو "العلو" في حق الله تعالى جدلاً واسعاً بين المدارس الفكرية الإسلامية. وحين نطرح سؤال "أين الله؟"، نجد أنفسنا أمام خيارين: إما الأخذ بظاهر النصوص حرفياً، أو قبول "المجاز" للتنزيه.
ولإثبات أن المجاز أصل أصيل في فهم النصوص، يمكننا تأمل دليلين قرآنيين:
أولاً: مفارقة القرب في السجود
يقول الله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19].
إذا التزمنا بالظاهر الحرفي: فإن الساجد ينخفض بجسده إلى الأرض، وبالتالي يصبح أبعد مسافةً عن السماء. فلو كان القرب هنا قرباً حسياً مكانياً، لكان القائم أقرب إلى الله من الساجد!
النتيجة المنطقية: بما أن الساجد يكون أقرب ما يكون إلى الله (كما ورد في الحديث الشريف)، فإن هذا القرب هو قرب مَجازي (قرب مكانة، ومنزلة، وإجابة)، وليس قرب مسافة حقيقية.
وجه الدلالة: إذا قبلنا بأن القرب هنا مجازي لتفادي التناقض العقلي، فلماذا يُمنع تأويل نصوص مثل "الله في السماء" على أنها علوّ رفعة ومقام ومنزلة، لا علوّ مكان وجهة؟
ثانياً: دلالة "الإخلاد إلى الأرض"
يتجلى المجاز بشكل أوضح في قصة بلعام بن باعوراء (الذي أوتِيَ آيات الله ثم كفر)، حيث قال تعالى عنه:
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: 176].
بالفهم الحرفي: هل كان هذا الرجل قبل كفره معلقاً في السماء، فلما كفر لزق بالوجاد واستلقى على الأرض؟ بالطبع لا، فقد كان حتماً يمشى، ويقوم، ويعيش كسائر البشر.
بالفهم المجازي السليم: الرفع هنا هو رفع القيمة والدرجة عند الله، و"الأخلاد إلى الأرض" هو هبوط همّته، ودنوّ منزلته، واتباعه لشهوات الدنيا الدنية.
الخلاصة والمحاكمة العقلية
إن محاولة حمل كل نصوص الوحي على ظاهرها الحسي المادي توقع العقل في تناقضات تُنزه عنها الشريعة. فالقرب من الله والبعد عنه، والارتفاع إليه والهبوط إلى الأرض، في هذه السياقات، هي مصطلحات مجازية بليغة تعبر عن القيمة والمكانة الروحية، لا عن الأبعاد الجغرافية والمساحات الحركية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق