الاثنين، 29 يونيو 2026

هل الموسيقى حرام؟ عرض موضوعي لأقوال العلماء وأدلتهم

 

 


هل الموسيقى حرام؟

عرض موضوعي لأقوال العلماء وأدلتهم

 

بحث فقهي يستعرض:

أدلة التحريم · أدلة الإباحة · نقد الأسانيد · الترجيح

 

مقدمة

تُعدّ مسألة الغناء والموسيقى من أكثر المسائل الفقهية التي شهدت جدلاً واسعاً بين العلماء عبر القرون، وقد تباينت فيها الأقوال وتعددت الأدلة. وفيما يلي عرض موضوعي أمين لأقوال الفريقين وأدلتهم، مع بيان مواطن القوة والضعف في كل منها، وصولاً إلى الترجيح.

 

أولاً: التمييز بين الغناء والموسيقى

المسألة في حقيقتها مسألتان متمايزتان ينبغي التفريق بينهما:

 

المسألة الأولى: الغناء

الغناء كلام يجري عليه حكم الكلام: حسنه حسن وقبيحه قبيح.

إن اشتمل على كلمات مباحة حسنةفلا حرج فيه

إن اشتمل على كلمات خبيثة بذيئة تدعو إلى الفجورفهو محرم

 

المسألة الثانية: الموسيقى

هذه هي محور الخلاف الحقيقي بين العلماء، وفيها قولان رئيسيان:

 

 

ثانياً: القولان في حكم الموسيقى

القول الأول: التحريم

ذهب إليه جمهور العلماء، وادّعي فيه الإجماع، وإن كان هذا الإجماع منخرماً كما سيأتي.

 

القول الثاني: الإباحة

ذهب إليه عدد كبير من أهل العلم، ومن أبرزهم:

أهل المدينة

الإمام أبو محمد ابن حزم الأندلسي

الإمام ابن القيسراني (أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي)

الإمام ابن العربي المالكي

الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ محمد الغزالي (من المعاصرين)

الدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني

دار الإفتاء المصرية

 

 

ثالثاً: أدلة القائلين بالتحريم ومناقشتها

أ) من القرآن الكريم

الدليل الأول

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان: 6]

استدلوا بأن «لهو الحديث» هو الغناء، نقله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم.

المناقشة: قال الإمام ابن الجوزي إن المراد بـ«لهو الحديث» اختُلف فيه على أربعة أقوال: الغناء، وما يُلهي عن الله مطلقاً، والشرك، والباطل. وعلى فرض أنه الغناء، فالآية تذمّ الغناء الذي يكون وسيلةً للصد عن سبيل الله لا مطلق الغناء.

 

الدليل الثاني

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء: 64]

قالوا: المراد بـ«صوته» صوت المزمار.

المناقشة: في المراد قولانابن عباس قال: كل داعٍ إلى معصية الله، ومجاهد قال: الغناء والمزامير. فهو على أحد القولين فقط.

 

الدليل الثالث

وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: 72]

قالوا: الزور هو الغناء.

المناقشة: «الزور» في الآية اختُلف فيه على ثمانية أقوال: الصنم، والغناء، والشرك، ولعب الجاهلية، والكذب، وشهادة الزور، وأعياد المشركين، والخنا. فلا يتعين حمله على الغناء.

 

ب) من السنة النبويةنقد الأحاديث

استدل المحرِّمون بجملة من الأحاديث، وفيما يلي عرضها مع بيان درجتها:

 

[1] ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازفضعيف (فيه عطية بن قيس الكلابي لم يوثَّق من معتبَر، وكل متابعاته ضعيفة)

[2] صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبةضعيف (فيه شبيب بن بشر قال البخاري: منكر الحديث. وطريق ابن عباس فيه كذّاب)

[3] إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والغبيراءضعيف (كل طرقه ضعيفة)

[4] نُهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة ورنة شيطانضعيف (فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف)

[5] إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرامضعيف (ضعيف من كل طرقه)

[6] الجرس مزامير الشيطانصحيحمسلم (لكنه يفيد كراهة الأجراس لشبهها بناقوس النصارى لا تحريم الموسيقى)

[7] يكون في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ إذا ظهرت المعازفلا يصح (ضعيف من جميع طرقه المروية)

[8] كان ابن عمر إذا سمع الزمار وضع إصبعيه في أذنيهضعيف (قال أبو داود عقبه: هذا حديث منكر)

 

ج) من الآثار

أثر ابن عباس في «لهو الحديث»: يمكن تصحيحه بمجموع طرقه.

أثر ابن مسعود: فيه صهيب أبو الصهباء البكري وهو ضعيف.

أثر جابر: يرويه قابوس بن أبي ظبيان وهو ضعيف، وانقطاع محتمل.

أثر أم علقمة عن عائشة: فيه مرجانة وهي مجهولة العين.

 

د) الإجماع المزعوم

نقل الإجماع على التحريم: ابن الصلاح (ت643هـ)، وابن تيمية (ت728هـ)، وابن حجر الهيتمي (ت974هـ) نقلاً عن القرطبي (ت671هـ).

والجواب: هذه الإجماعات غير صحيحة؛ إذ خالف فيها عدد كبير من أهل العلم، وقد بيّن الإمام الشوكاني ذلك في رسالته «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع».

 

رابعاً: أدلة القائلين بالإباحة

أ) من القرآن الكريم

{ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } [فاطر:1] — قال الزهري وابن جريج: هو حسن الصوت.

{ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } [الروم:15] — والحَبرة في اللغة: كل نغمة حسنة، والسماع من نعيم الجنة.

{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } [الأعراف:32] — والأصوات الحسنة والموسيقى الهادئة مما يُتزيّن به.

 

ب) من السنة النبوية

حديث الجاريتين عند عائشة: لم يُنكر النبي الغناء، بل أنكر على أبي بكر إنكاره. متفق عليه.

حديث: «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو». رواه البخاري.

حديث ابن عباس: «أرسلتم معها من يغني؟». رواه البخاريوفيه حثٌّ على الإعلان بالغناء.

حديث الربيع بنت معوذ: ضرب الدف في غير الأفراح ولم يُنكر ﷺ. رواه البخاري.

حديث: «فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت» — جعل الدف شعاراً للحلال.

 

ج) الأصول الشرعية

الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يثبت التحريم إلا بدليل صحيح صريح، وليس في المسألة حديث صحيح صريح في تحريم مطلق الموسيقى.

وقالوا أيضاً: الموسيقى أصوات طبيعية مؤلَّفة كأصوات الطير والريح، فليس في ذاتها ما يوجب التحريم.

 

خامساً: الترجيح والخلاصة

بعد استعراض أدلة الفريقين، يترجح جواز سماع الموسيقى والغناء بقيدين لا بد من توافرهما:

 

الأول: ألا تشغل صاحبها عن واجب ديني أو دنيوي.

الثاني: ألا يصاحبها محرَّم كشرب الخمر، أو الصور الفاضحة، أو الكلمات الداعية إلى الفسق.

 

تطبيق على الواقع المعاصر

أغلب ما هو شائع اليوملا سيما مقاطع الفيديو الغنائيةيقترن بمحرمات واضحة من: نساء متبرجات، واختلاط محرم، وكلمات خادشة للحياء. فتحريمها لا يكون لذات الموسيقى بل لما اقترن بها.

أما الأغاني الخالية من هذه المحرمات فهي مباحة، ومن أمثلتها: «خلّي السلاح صاحي» لعبد الحليم حافظ، و«زهرة المدائن» لفيروز، والأناشيد الدينية ذات الموسيقى الهادئة كـ«مولاي صلّ وسلّم دائماً».

وعليه فالموسيقى التي تُصدَّر بها البرامج الدينية أو تُضمَّن في الأناشيد الإسلامية لا حرج فيها على القول المختار.

 

سادساً: أبرز المصادر والمراجع

مؤلفات القائلين بالإباحة

ابن القيسراني (ت507هـ): السماع.

ابن حزم الأندلسي (ت456هـ): رسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور؟

الإمام الشوكاني (ت1255هـ): إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع.

الشيخ يوسف القرضاوي: الحلال والحرام في الإسلام (مبحث الغناء والموسيقى).

الشيخ عبد الله الجديع: الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام / أحاديث ذم الغناء في الميزان.

 

مؤلفات القائلين بالتحريم

ابن أبي الدنيا (ت280هـ): ذم الملاهي.

الآجري (ت360هـ): تحريم النرد والشطرنج والملاهي.

ابن تيمية (ت728هـ): رسالة في السماع والرقص.

ابن القيم الجوزية (ت751هـ): الكلام على السماع (من إغاثة اللهفان).

ابن حجر الهيتمي (ت974هـ): كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع.

الشيخ الألباني (ت1420هـ): تحريم آلات الطرب.

 

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق