الأربعاء، 1 يوليو 2026

فقه الإقرار: حديث صحيح وصريح في جواز الغناء والموسيقى

 بصائر سلفية معاصرة -  بصائر ورسائل فقهية 

📜 فقه الإقرار: حديث صحيح وصريح في جواز الغناء والموسيقى

إذا أردنا أن نحتكم إلى نص يجمع بين صحة السند المطلقة وصراحة الدلالة الفطرية، فلن نجد أسطع من "حديث الجاريتين" في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وهو الحديث الذي اتفقت على تخريجه أمهات كتب السنة.

نص الحديث: عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله ﷺ دخل عليها أيام منى، وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدُفين، ورسول الله ﷺ مسجى على وجهه الثوب (وفي رواية: مستتر بثوبه) لا يأمرهنّ ولا يناههنّ، فنهرهنّ (وفي رواية: فانتهرهما) أبو بكر، فكشف رسول الله ﷺ ثوبه عن وجهه، فقال: دعهن (وفي رواية: دعهما) يا أبا بكر فإنها أيام عيد" [حديث صحيح متفق عليه].

إن هذا النص بمفرده — فضلاً عن غيره من الشواهد — يعد قاعدة تشريعية صلبة تثبت مشروعية الفن العفوي، وتهدم أسوار التكلف والتشدد. ونستنبط من دلالاته العميقة جملة من الحقائق الأصولية والفقهية:

🏛️ أولاً: البنية التشريعية لإقرار الغناء والآلة

  1. شرعية أصل الفعل والسماع: يقرر الحديث بوضوح جواز غناء النساء، وجواز سماع المرأة للمرأة (كما فعلت عائشة)، بل وجواز سماع الرجل لغناء المرأة وموسيقاها؛ فالالنبي ﷺ كان متواجداً في الحجرة ويستمع يقيناً، وكذلك الصديق أبو بكر استمع لهما بعد توجيه النبي ﷺ ولم يغادر الحجرة، واستمرت الجاريتان في أدائهما.

  2. تثنية الآلة الموسيقية وتعددها: نص الحديث على لفظ "بدُفين"، مما يعني أن كل جارية كانت تمسك بآلة مستقلة تعزف عليها، وفي هذا دلالة صريحة على جواز التعدد الإيقاعي والموسيقي في المجلس الواحد دون حرج.

  3. الدف آلة موسيقية معتبرة: استنكر أبو بكر رضي الله عنه الصنيع واصفاً إياه بـ "مزمور الشيطان" (في رواية البخاري). والمزمور في لسان العرب يُطلق على الآلة اللحنية عموماً؛ فاستعمال الصديق للفظ الكناية عن الدف دليل على أن الشارع يعاملها كآلة تعبيرية معتبرة، وسنوضح لاحقاً مشروعية بقية الآلات.

⚖️ ثانياً: المحاكمة الأصولية لخطاب التحريم

  1. الخلل العقدي والأصولي في الاحتجاج: من أعجب ما تراه في أدبيات "هوس التحريم" هو تشبثهم بعبارة أبي بكر رضي الله عنه "أمزمور الشيطان؟"، وإعراضهم التام عن رد النبي ﷺ وتصويبه له! إن تعريف "السنة" أصولياً يتسع لـ (الإقرار)، وهنا لدينا إقرار نبوي صريح وردّ صريح لإنكار الصاحب؛ ومعلوم أن كلام المعصوم ﷺ مُقدّم على كل أحد دون استثناء. فكيف يُستدل بإنكارٍ أبطله النبي وصوّبه؟ إنها مفارقة معرفية تستحق التأمل في الخطاب الوعظي المعاصر.

  2. إدخال البهجة وجلب العازفين: يمنح الحديث مشروعية كاملة لرب البيت في جلب المغنين أو العازفين لإدخال البهجة والسرور على أهله وأولاده في المناسبات السعيدة، وهو مسلك سنّي نبيل ترفعت عنه طبائع التزمت المعاصرة.

  3. دحض دعوى الخصوصية: يحاول البعض تضعيف دلالة الحديث بادعاء أن هذا التصرف كان خاصاً بالسيدة عائشة لصغر سنها آنذاك؛ وهو طعن مردود؛ فالسيدة عائشة هي أعلم نساء الأرض إطلاقاً كما وصفها الحافظ ابن حجر، والتشريع لا يُبنى على فرضيات باطلة، خاصة وأن المعصوم ﷺ كان حاضراً ومستمعاً وموجهاً، والخطاب منه عام للأمة ما لم يرد دليل التخصيص.

🎉 ثالثاً: فقه المناسبات ونقد الخطاب الوعظي البديل

  1. شرعية التعبير عن الفرح: ربط النبي ﷺ الإباحة بقوله: "فإنها أيام عيد"؛ ليؤسس لمنهج إسلامي يرى في الفن والغناء وسيلة مشروعة لإظهار البهجة الفطرية، وترجمةً لرحابة الدين وسعته.

  2. تصويب العبارات الوعظية المبتدعة: في سياق إقرار النبي ﷺ للابتهاج في العيد، نجد رداً نامياً على بعض الخطباء والوعاظ الذين يروجون لمقولات تكسر فرحة المسلم مثل: "ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد". هذا الطرح يخالف الروح السنّية الفرحة؛ فلبس الجديد والابتهاج والتزين هو أصل السنة في العيد، أما استحضار الآخرة فهو شعور إيماني دائم وملازم للمسلم في حياته، ولا ينبغي توظيفه لتنغيص مواسم الفرح والترويج لمنهج الانقباض النفسي.

💡 خلاصة ومآل أصولي:

إن هذا الحديث الصحيح المتواتر بمفرده — دون الحاجة لعشرات الأدلة الأخرى التي سنوردها — كافٍ لبيان أن الغناء والعزف بالدف أقل أحواله في الشريعة المعصومة هو الجواز المطلق والسعة؛ فما كان في بيت رسول الله وبإقراره ورعايته، لا يمكن لفقيه أو واعظ أن يخرجه من دائرة الطيبات والمباحات.

يتبع في الجزء القادم: الأحاديث النبوية الأخرى ومواقف الصحابة والتابعين التقريرية في السماع...

#أدلة_السماع #حديث_الجاريتين #إقرار_النبوة #نص_صحيح_وصريح #جواز_الموسيقى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق