تهافت دعوى الإجماع في تحريم آلات السماع
(حكم الغناء والمعازف في ضوء "السنة التقريرية الغائبة")
📜 حكم الغناء والمعازف في ضوء "السنة التقريرية الغائبة"
سُئل الإمام بدر الدين بن جماعة عن الغناء وحكمه فقال: "هذه مسألة خلافية تباينت فيها الطرق تبايناً لا يوجد في غيرها، وصنف العلماء فيها تصانيف... وملخص القول أن الناس على أربعة أقسام: فرقة استحسنت (أي استحبت)، وفرقة أباحت، وفرقة كرهت، وفرقة حرمت".
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكيك واحدة من أشهر الدعاوى في الخطاب الوعظي المعاصر، وهي "دعوى الإجماع على تحريم الموسيقى".
❌ أولاً: تهافت دعوى الإجماع وتفنيد "الجمهور"
إن ادعاء الإجماع في المسائل الظنية والخلافية مسلكٌ يلجأ إليه البعض عندما تعوزهم الحجة القاطعة. وقد تنبّه الإمام أحمد بن حنبل قديماً لخطورة هذا المسلك فقال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريه!". ولذلك صنف الإمام الشوكاني كتابه الشهير: "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع".
أما دعوى أن "جمهور العلماء وأئمة المذاهب الأربعة على التحريم المطلق"، فهو كلام لا يؤخذ بجملته. فالصحيح في مذهبي الشافعي وأحمد هو الكراهة لا التحريم، وقد نقل الإمام الماوردي في "الحاوي" أن أبا حنيفة ومالكاً والشافعي لم يحرموا ذات الغناء. وإنما انصبت الكراهة أو المنع عند بعضهم على الظروف المصاحبة للمجالس من فواحش ومنكرات، كما نص عليه البغوي في "شرح السنة".
📚 ثانياً: عباقرة الفقه والحديث الذين أباحوا السماع والآلات
تزخر أروقة التاريخ الإسلامي بجهابذة من أهل العلم المعتبرين الذين قالوا بجواز السماع والآلات، ومنهم:
حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 555هـ): الذي أفاض في حلية السماع في كتابه "إحياء علوم الدين".
سلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت 660هـ): وكان يقول بإباحة العود.
الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي (ت 748هـ): وله رسالته المخطوطة "الرخصة في الغناء والطرب".
الإمام ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ): إمام الظاهرية والحجة في الأثر.
الحافظ محمد بن طاهر المقدسي (ت 507هـ): الذي صنف كتاباً نقض فيه أقوال المحرمين وأثبت حلية الأوتار واليراع والدف.
الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي (ت 1143هـ): وله كتاب "إيضاح الدلالات في سماع الآلات".
وينضم إلى هؤلاء مئات من العلماء المعاصرين، كالشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد الغزالي، والعلامة يوسف القرضاوي، والشيخ عبد الله الجديع، والشيخ د. خالد المذكور، والشيخ عادل الكلباني، والشيخ عبد المحسن العبيكان، وغيرهم الكثير.
🕋 ثالثاً: السنة التقريرية وأكابر الصحابة والتابعين
إن أعظم دليل عملي يبطل دعاوى التحريم هو ما ثبت في السيرة والسنة التقريرية، وما أُثر عن خيار الأمة:
في بيت النبوة: أقر النبي ﷺ الجاريتين اللتين تغنيان في بيته بحضور أبي بكر، وسمح للمرأة التي نذرت الضرب بالدف على رأسه عند عودته سالماً.
الفاروق عمر بن الخطاب: مرّ برجل يتغنى في الفلاة فقال بإنصاف: "الغناء من زاد الراكب"، وطلب من خوات بن جبير أن يغنيهم في السفر حتى السحر.
عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير: نُقل في الأثبات التاريخية رعاية عبد الله بن جعفر لجوارٍ يصغن الألحان ويضربن بالأوتار، ودخل ابن عمر على ابن الزبير فرأى عنده عوداً (ميزاناً شامياً) فقال ابن الزبير مداعباً: "توزن به العقول".
عائلة الماجشون بالمدينة المنورة: وهم من ثقات رواة البخاري ومسلم؛ كان عبد العزيز بن الماجشون، وابنه يوسف، وابن أخيه مفتي المدينة يروون الحديث الشريف ويُعرف عنهم في ذات الوقت رخصتهم في سماع العود والمعازف.
إبراهيم بن سعد الزهري: أحد أئمة الحفاظ وروات الصحاح، كان يجيد صناعة الغناء، وغنى للخليفة هارون الرشيد، ونفى له أن يكون الإمام مالك يكره السماع.
🔍 رابعاً: التحقيق الفقهي لمأثورات التحريم
1️⃣ قصة ابن عباس والباطل:
يستشهد المحرمون بحوار رجل مع ابن عباس حين سأله عن الغناء فقال: "أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة؛ فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، قال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك". التحقيق: هذا الأثر يحمل دليلاً ضد المحرمين؛ فابن عباس صدر كلامه قائلاً: "لا أقول حراماً إلا ما في كتاب الله". أما تصنيفه مع الباطل، فالباطل في لغة الشرع هنا يعني "ما لا فائدة فيه" أو "اللهو المعفو عنه"، وليس الحرام الذي يستوجب العقاب؛ فالناس لا تُساق إلى النيران بسبب تذوق الألحان.
2️⃣ قول ابن القيم حول عدم اجتماع حب القرآن والغناء:
التحقيق: هذا رأي شخصي وتوصيف تربوي للشيخ رحمه الله، لكن الواقع التاريخي والمعاصر يكذبه كقاعدة مطردة. فالشيخ زكريا أحمد، والشيخ سلامة حجازي، والشيخ سيد درويش، وأم كلثوم، والمنشد مشاري العفاسي.. كلهم حفظوا القرآن وعاشوا مع ألحان الموسيقى والغناء.
⚠️ خامساً: التنبيه من التجرؤ على التحريم والأحاديث الواهية
نقل الإمام الشافعي في "الأم" عن القاضي أبي يوسف (صاحب أبي حنيفة) قولاً بليغاً: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيناً بلا تفسير". فالتحريم بغير نص قاطع هو افتراء وتطاول على حق التشريع الإلهي.
وقد تتبع المحدث المحقق الشيخ عبد الله الجديع في كتابه الفذ "الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام" الأحاديث التي يتداولها المحرمون، وأثبت وهنها ونكارتها. ومن أشهر هذه الأحاديث الضعيفة والمكذوبة:
"الغناء ينبت النفاق في القلب..." (حديث لا يثبت مرفوعاً ولا موقوفاً).
"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة..." (طريقه كذب وضيعف).
"من جلس إلى قينة فسمع لها صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" (حديث منكر باطل).
"استماع الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق..." (حديث مكذوب لا أصل له).
✨ خلاصة القول:
المسألة أيسر وأرحب مما يصورها غلاة التشدد؛ ولنا في حكمة الراحل الشيخ محمد بن عثيمين أسوة حسنة حين عبّر عن سعة أفق الفقه؛ فرغم تفضيله للقول بالتحريم، إلا أنه كان يستقبل الفنان محمد عبده بود ومحبة، معتبراً إياه متبعاً لقول علماء آخرين معتبرين من أهل السنة والجماعة يثق في علمهم.
إن دين الله يجمع ولا يفرق، والأصل في الطيبات الفطرية الإباحة ما لم تفضِ إلى منكر أو تصد عن واجب.
#الفقه_المقارن #السنة_التقريرية #الغناء_والمعازف #تجديد_الخطاب #الاعتدال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق