٢٠ حديثاً صحيحاً في إباحة المعازف
بسم الله الرحمن الرحيم
إن حشد المرويات الصحيحة والحِسان في السنة النبوية المطهرة يوضح بجلاء أن الشريعة الإسلامية لم تحرم أصل "النغم والصوت والآلة" تحريماً مطلقاً كتحريم الفواحش والمحرمات لذاتها، وإنما دارت الأحكام مع العوارض والقرائن. وفي هذا المقال، نستعرض عشرين حديثاً شريفاً تبين هذا المنهج التوسعي والسمح في فقه السماع.
القسم الأول: الأحاديث المتعلقة بالعرس
الحديث الأول: إباحة السماع لصحابة معتكفين
📌 عن طارق بن شهاب، قال: دخلت على عدة من أصحاب رسول الله ﷺ وهم معتكفون على شراب لهم، وعندهم قينة، فقلت: أنتم النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقال أبو مسعود الأنصاري: إن رسول الله ﷺ رخص لنا في الغناء في العرس، وفي النوح في المصيبة. (صححه الألباني).
اللمحة الفقهية: إباحة الدف في العرس تقتضي إباحته في كل حال، لأن العرس ليس مناسبة لتحليل "المحرمات لذاتها" كالفواحش، بل هو موسم ترويح. واستدلال أبي مسعود رضي الله عنه هنا بإباحة الدفوف في العرس على إباحته في غير العرس يؤكده أن المناسبة التي دخل عليهم فيها كانت للأنس ولم تكن عُرساً. كما أن "الرخصة" هنا تأتي بمعنى التوسعة والمباح، كالفطر للمسافر الذي لا يجهده الصوم.
الحديث الثاني: مرور الجواري بالكبر والمزامير
📌 عن جابر بن عبدالله، قال: كان رسول الله ﷺ يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً خطبتين، فكان الجواري إذا نكحوا يمرون بالكبر والمزامير، فيشتد الناس ويدعوا رسول الله ﷺ قائماً، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}. (إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه أبو عوانة والوادعي).
الحديث الثالث: إقرار "الكبر والغرابيل"
📌 عن هبار أنه زوّجَ ابنة له، وكان عندهم كبر وغرابيل، فخرج رسول الله ﷺ فسمع الصوت، فقال: ما هذا؟ فقيل: زوّجَ هبار ابنته، فقال النبي ﷺ: "أشيدوا النكاح، أشيدوا النكاح، هذا النكاح لا السفاح". (حسّنه السيوطي والألباني).
اللمحة الأصولية: لو سلّمنا جدلاً بثبوت حديث يحرم المعازف عامة، فإن إباحة الدف في العرس تقتضي إباحة غيره من الآلات فيه (كالطبل الكبير والصنوج)، لأن تخصيص مناط الإباحة يبطل عموم التحريم في تلك المناسبة، وهو ما يشهد له ورود الكبر والمزامير والغرابيل (الصنوج) في الأحاديث.
الحديث الرابع: الضرب بالدف صبيحة العرس
📌 عن الرُّبيّع بنت معوذ، قالت: دخل علي النبي ﷺ غداة بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف يندبن من قُتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال النبي ﷺ: "لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين". (رواه البخاري).
اللمحة الفقهية: يثبت الحديث أن ضرب الدف لم يقتصر على ليلة العرس فقط، بل امتد لصباحيتها وبعد زف العروس ودخول زوجها بها، وفي هذا إقرار نبوي ظاهر لسماعها والاستمرار فيه مع تصحيح اللفظ العَقَدي فقط.
الحديث الخامس: الدف فارق بين الحلال والحرام
📌 عن محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال رسول الله ﷺ: "فصل ما بين الحلال والحرام: الدف، والصوت في النكاح". (حديث حسن، صححه الحاكم والترمذي والأرنؤوط).
اللمحة الفقهية: المميز بين الحلال والحرام لا بد وأن يكون حلالاً في نفسه، فيُستدل به على الإباحة في النكاح، ويقاس عليه غيره من مواسم الفرح والأنس ما لم يمنع منه مانع.
الحديث السادس: غناء النساء وإقرار ألحانهن
📌 عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ مر بنساء من الأنصار في عرس لهن وهن يغنين: (وأهدى لها أكبشا تبحبح في المربد / وزوجك في النادي ويعلم ما في غد) فقال النبي ﷺ: "لا يعلم ما في غد إلا الله عز وجل". (إسناده حسن). وعن أم نبيط رضي الله عنها قائلة: "...ومعي دف أضرب به وأنا أقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم.. فقال رسول الله ﷺ: قولي: لولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم".
القسم الثاني: الأحاديث المتعلقة بالعيد
الحديث السابع: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد"
📌 عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: "دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد". (رواه البخاري ومسلم).
الحديث الثامن: ظاهرة "التقليس" أمام البيوت
📌 عن قيس بن سعد وعياض الأشعري: أن رسول الله ﷺ كان يُقَلّس له يوم الفطر. والتقليس هو أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق يلعبون بالطبل وغيره فرحاً بالعيد. (إسناده صحيح وثقاته أجمعون).
💡 أوجه الدلالة الأصولية من أحاديث العيد:
إن العيد ليس موسماً لتحليل "المحرمات لذاتها" (كالخمر والزنا والحرير للرجال)، بل هو موسم للتوسع في "المباحات والترويح"، ويشهد لذلك:
القياس على اللعب بالحراب: اقترن حديث الجاريتين بحديث لعب الحبشة بالحراب في المسجد وتفريق الشياطين عند مجيء عمر، فبأي وجه تكون إباحة الدف مقيدة بالعيد بينما إباحة اللعب بالحراب والدرق مطلقة؟
عدم انقلاب المحرم حلالاً: لما اقترح عمر على النبي ﷺ لبس حلة حرير في العيد منعه؛ لأن الحرير محرم على الرجال ولا ينقلب حلالاً في العيد، فلو كان الدف محرماً لذاته كالحرير لما جاز في العيد مطلقاً.
استصحاب القواعد: المحرمات في غير العيد (كحرمة دخول الحائض للمصلى، أو وجوب الصلوات المفروضة) بقيت على حالها في العيد، مما يدل على أن السماع أصله الفسحة والطيبات.
القسم الثالث: الأحاديث المتعلقة بقدوم الغائب والنذور
الحديث التاسع: الوفاء بالنذر بضرب الدف
📌 عن بريدة قال: رجع رسول الله ﷺ من بعض مغازيه، فجاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: "إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا"، فقعد رسول الله ﷺ، فضربت بالدف ودخل الصحابة وهي تضرب، فلما دخل عمر ألقت الدف تحتها، فقال ﷺ: "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر". (حديث صحيح مستفيض الأسانيد).
اللمحة الفقهية: من القواعد المستقرة بالإجماع أن "نذر المعصية لا يجوز الوفاء به باطلاً". ولو كان الدف معصية أو محرماً، لما أذن لها النبي ﷺ بالوفاء به، ولما جلس يستمع إليه ومعه أكابر الصحابة كأبي بكر وعلي وعثمان. وأما قوله ﷺ عن عمر فليس ذماً للفعل بل هو إشادة بصلابة وعناية عمر بترك ملاذ الدنيا والترويح لتنزهه الشديد عنها.
القسم الرابع: الأحاديث العامة التي ليس لها مناسبة أو قيود
الحديث العاشر: أهازيج جواري بني النجار
📌 عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ مر بجَوارٍ من الأنصار، وهن يضربن بالدفوف ويقلن: (نحن جوار من بني النجار / يا حبذا محمد من جار) فقال النبي ﷺ: "الله يعلم إني لأحبكن". (حديث صحيح لغيره). واجتمع فيه سماع الدف والإعلان به في غير مناسبة عرس أو عيد.
الحديث الحادي عشر: مزمار الراعي واستنباط التنزه
📌 عن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق وهو يسأل نافعاً إن كان الصوت قد انقطع، فلما انقطع أعاد راحلته وقال: رأيت رسول الله ﷺ وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا. (حديث حسن صحيح الأصول).
اللمحة الفقهية: استدل الإمام الشافعي وابن حزم والشوكاني بهذا الحديث على الإباحة؛ إذ لو كان السماع محرمًا لما أباحه النبي ﷺ لابن عمر، ولما أباحه ابن عمر لنافع، ولأمر النبي ﷺ بكسر الآلة فورًا لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وإنما كان فعله ﷺ على سبيل "التنزه والتجرد" عن ملاذ الدنيا كعزوفه عن تبييت الدينار في بيته.
الحديث الثاني عشر: عصمة النبي ﷺ في الجاهلية
📌 عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول أنه في الجاهلية خرج ليلتين ليسمر كما يسمر الفتيان، فسمع صوت غناء ودفوف وزمر وعزف بغرابيل ومزامير لعرس، قال: "فلهوت بذلك الغناء والصوت وجلست أنظر حتى غلبتني عيني ونمت...". (صححه الحاكم والذهبي والقيسراني).
اللمحة الفقهية: العصمة الحاصلة للنبي ﷺ في الحديث كانت حيلولة بينه وبين منكرات شبان الجاهلية المظنونة كالفواحش وشرب الخمر، بدليل أنه لَها بالصوت واستمع ونظر ونام، وحاشاه ﷺ أن يفعل السوء المحرم ثم يقول لصاحبه بعد ذلك: "ما فعلت شيئاً".
الحديث الثالث عشر: تشبيه حسن الصوت بالمزمار
📌 قال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود". (رواه البخاري ومسلم).
اللمحة الأصولية: من القواعد الشرعية المستقرة أن المشبَّه به لا يكون محرماً أو خبيثاً بذاته؛ لأن النبي ﷺ قال: "ليس لنا مثل السوء". فلو كان المزمار مذموماً ومحرم العين لما شبه به حسن تلاوة القرآن الكريم.
الحديث الرابع عشر: إقرار "المزهر" (العود) في بيت النبوة
📌 عن عائشة رضي الله عنها في حديث أم زرع الشهير، وجاء فيه مدح الزوج بأنه: "...إذا سمعن صوت المزهر أيقنّ أنهن هوالك". (رواه البخاري ومسلم). والطلب على تفسير أهل اللغة (كأبو عبيد والبغوي) أن المزهر هو العود الذي يُعزف به، وقصته عائشة ولم ينكره النبي ﷺ، وإقراره سُنّة متبعة.
الحديث الخامس عشر: نية اتخاذ البوق والناقوس
📌 عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن المسلمين كادوا أن يتخذوا الناقوس أو البوق لجمع الناس للصلاة، وجاء في الحديث: (وهو له كاره لموافقته النصارى واليهود). (إسناده حسن). فكراهته ﷺ كانت معللة بـ "المشابهة الدينية للعبادات" ولم ير حرجاً ذاتياً في ذات الأصوات والآلات لولا ذلك.
الحديث السادس عشر: المغنية بحضور عمر رضي الله عنه
📌 عن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة كانت تغني وتضرب بالدف في بيتها، فلما استأذن عمر ألقت المغنية الدف وقامت خوفاً من هيبته، فضحك النبي ﷺ وقال عمر: "الله ورسوله أحق أن يخشى يا عائشة". (إسناده حسن المتابعات وتاريخ مكة للفاكهي). وفيه إباحة الضرب بالدف في غير مناسبة طارئة.
الحديث السابع عشر: انفضاض الناس للتجارة واللهو
📌 عن أبي هريرة رضي الله عنه: في نزول الآية الكريمة حين قدم دحية الكلبي المدينة بالدفوف والتجارة والناس في خطبة الجمعة. وقال الإمام الذهبي معلقاً: "فما عنّفهم عز وجل على التجارة المباحة واللهو الذي لم يحرمه علينا، إلا إذا تركوا الجمعة والجماعة والصلاة المفروضة لذلك، وسكت عما عدا ذلك فهو مما عفا الله عنه".
الحديث الثامن عشر: رخصة الغناء بمرسل الزهري
📌 عن الزهري قال: خرج رسول الله ﷺ فإذا هو بجارية في يدها دف تغني، فلما رأته تخوفت، فأنشأت تمدح بني عبد مناف بأبيات شعرية... ومراسيل الزهري صحيحة ومقبولة في المغازي والسنن عند أكابر المحدثين كمالك بن أنس ويحيى بن معين والخطيب البغدادي.
الحديث التاسع عشر: "هذه قينة بني فلان أتحبين أن تغنيك؟"
📌 عن السائب بن يزيد، أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ، فقال: "يا عائشة، أتعرفين هذه؟ قالت: لا، فقال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقاً فغنتها، فقال النبي ﷺ: قد نفخ الشيطان في منخريها". (إسناده صحيح على شرط الشيخين، وبوّب له النسائي في السنن الكبرى).
اللمحة الفقهية: لفظ "القينة" صريح في أن مهنتها وصنعتها هي الغناء، واستدعاء النبي ﷺ ابتداءً لعائشة وسؤالها يدل على مطلق الإباحة والترويح، وقوله ﷺ "نفخ الشيطان في منخريها" هو تعبير مجازي لقوة وعذوبة صوتها كما يقال في لسان العرب "شيطان الشعر" لإتقان الوزن واللحن والجمال، وحاشاه ﷺ أن يعرض على زوجته حراماً عينياً.
الحديث العشرون: "الكرينة" وسماع حمزة بن عبدالمطلب
📌 عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة إبل شارفي المغنم وما فعله حمزة بن عبدالمطلب وهو في شرب من الأنصار، وجاء في الحديث: "...غنته قينة وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء...". وجاء في الروايات والتفاسير اللغوية (كالخطابي والزبيدي وابن الأثير) أن القينة كانت "كرينة"، والكرينة هي الجارية العوّادة الضاربة بالعود، وفي هذا إثبات لوجود عازفات العود المتقنات وإقرار استماع الغناء المطرب في بيوت المدينة.
🌟 الخلاصة الختامية
إن هذه الأحاديث العشرين بمجموع طرقها وأسانيدها الصحيحة والحِسان تؤسس لقاعدة أصولية متينة: أن الأصل في الأصوات والآلات والألحان هو الحل والإباحة والدخول في باب الطيبات والترويح عن النفوس. ولا تنقلب هذه الإباحة إلى حرمة إلا إذا عرضت عليها عوارض خارجية؛ كأن تقترن بالمجون الفاضح، أو شرب المسكرات، أو التعدي على العقائد، أو التلهية والصد عن أداء الواجبات والصلوات المفروضة، فحينها تحرم للعارض لا لذات الصوت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق