جماعة المداخلة (الجامية): دراسة تفصيلية في النشأة، والأصول، وبنية التنظيم
مقدمة
شهدت الساحة الإسلامية المعاصرة تحولات فكرية وحركية أنتجت تيارات متعددة انحرفت عن الجادة العلمية التي كان عليها السلف الصالح. ومن أبرز هذه التيارات ما يُعرف بـ "المدخلية" أو "الجامية". ورغم ادعاء هذا التيار تمثيل المنهج السلفي، إلا أن ممارساته العملية وأصوله الحركية جعلته أشبه بفرقة منغلقة تمارس التبديع والإقصاء، وتجمع المتناقضات الفكرية في تطبيقها المعاصر.
أولاً: التعريف اللغوي والاصطلاحي
المدخلية: مصطلح اصطلاحي يطلقه الخصوم والباحثون على أتباع ربيع بن هادي المدخلي.
الجامية: هي المظلة الأوسع لهذا التيار، ونُسبت إلى محمد أمان الجامي.
القاعدة التنظيمية: كل مدخليٍّ هو جامي بالضرورة، ولكن ليس كل جامي مدخلياً؛ إذ يشترك الطرفان في الأصول السياسية، بينما يزيد المداخلة بشرط الولاء المطلق لشخص ربيع المدخلي.
ثانياً: المحتوى العقدي والمنهجي (الأصول النظرية مقابل التطبيق الميداني)
ينقسم فكر الجماعة إلى شقين: أصول عامة يوافقون فيها المنهج النظري لأهل السنة، وأصول محدثة ضالة انحرفوا بها عن الجادة.
1. الأصول النظرية (الموافقة الظاهرية)
يقر المداخلة في أدبياتهم النظرية بالإيمان بمصادر التشريع (الكتاب، السنة، الإجماع، القياس)، ويعلنون تعظيم عدالة الصحابة والقرون الثلاثة الأولى، وإثبات مسائل التوحيد والأسماء والصفات إجمالاً، مع إظهار العناية بالشعائر الظاهرة كاللحية وتقصير الثياب.
2. الأصول البدعية والعملية (الانحراف المنهجي)
تكمن خطورة هذا التيار في تطبيقاته العملية التي لخصها الباحثون في النقاط التالية:
التناقض بين الإرجاء والخروج: يوصف المنهج المدخلي بأنه جمع بين نقيضين؛ فهم مرجئة مع الحكام (حيث يمنحون الحاكم طاعة مطلقة تقترب من العصمة)، وخوارج مع المسلمين ومخالفيهم (بالتكفير المبطن، التبديع، والفسق المتسرع).
الغلو في طاعة ولاة الأمر وتغير الأحكام بتغير السياسة: يربط المداخلة مفهوم الحلال والحرام برضا الحاكم وسياسته؛ فالحلال ما وافق مصلحة ولي الأمر والحرام ما كرهه. وتتغير فتاواهم السياسية والدينية بتغير المواقف الرسمية للدول التي يوالونها (مثل الموقف من قيادة المرأة، أو التطبيع، أو العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى). بل بلغ الغلو ببعض شيوخهم (مثل طلعت زهران) إلى إيجاب الطاعة لمن تسلّط وتغلّب ولو كان غير مسلم كـ "بابا شنودة".
التجريح، والتدليس، وإسقاط العلماء: قصر المداخلة جهدهم الدعوي على تتبع سقطات علماء أهل السنة والتشهير بهم. وفي المقابل، يقل تعرضهم للتيارات الإلحادية، العلمانية، أو التنصيرية إلا نادراً. ويعتمدون "المحسوبية والواسطة" في التزكية؛ فمن وافق ربيع المدخلي حظي بالألقاب الفخمة، ومن خالفه أُسقط ولو كان من كبار العلماء (كما جرى مع الشيخ ابن جبرين).
ظاهرة التبديع العيني والتشظي الداخلي: يطلقون أحكام التبديع على الأشخاص بأعيانهم دون مراعاة للشروط والموانع العلمية. ولأن بأسهم بينهم شديد، انقسم التيار داخلياً إلى فروع متناحرة تتبادل التبديع (مثل الحدادية، الحجورية، ومؤخراً الصعافقة والمصعفقة الناتجة عن صراع الأتباع على خلافة ربيع المدخلي).
ثالثاً: الهيكلية الطبقية لتيار المدخلية
ينقسم هذا التيار من الناحية التنظيمية والواقعية إلى طبقات هرمية صارمة تتحكم في حركة الأفراد ومواقفهم:
| الطبقة | المكونات والرموز | الدور الوظيفي والتنظيمي |
| الأولى | ربيع بن هادي المدخلي | المرجعية العليا والرمز المحوري للولاء والبراء. |
| الثانية | محمد المدخلي، عبيد الجابري، بازمول | القيادات التنفيذية ومصدرو أحكام التجريح الكبرى. |
| الثالثة | رسلان، الرضواني، طلعت زهران، البيلي، القوصي | الوجوه الإعلامية والخطابية الإقليمية (مصر نموذجاً). |
| الرابعة والخامسة | فركوس، الرحيلي، سنيقرة، عويسات | رموز محليون يتأثر ترتيبهم صعوداً وهبوطاً بمدى رضا الطبقات العليا. |
| السادسة والسابعة | أئمة المساجد الموالون والمجموعات المحلية | ضبط الشارع المحلي، وإصدار قرارات الهجر والتحذير على مستوى الأحياء. |
| الثامنة والتاسعة | العوام، والمنضمون حديثاً للتيار | أدوات تنفيذ الهجر، ونشر أشرطة التجريح، وهم محاطون بسياج عازل يمنعهم من سماع أي مخالف بدعوى "حماية العقيدة". |
الطبقة المميزة (الضحايا الفكريون): أفراد يمتلكون أصولاً سلفية صحيحة وأخلاقاً طيبة، لكنهم وقعوا ضحية التوجيه الممنهج الذي يحصر طاقاتهم العلمية في تكرار المتون الصغرى (كإعادة دراسة كتاب التوحيد لسنوات دون تجاوزها)، مما يعطل نضجهم العلمي ويقيد قدراتهم المعرفية.
رابعاً: الخصومة والعداء المنهجي
يتسع النطاق الجغرافي والفكري لخصوم المداخلة ليشمل تقريباً كل التيارات الإسلامية والعلماء المستقلين. وتتحدد الخصومة بناءً على التوجهات السياسية للدول التي يوالونها؛ ومن أبرز من يضعهم المداخلة في قوائم العداء والتجريح:
جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ.
التيار السروري (مثل سفر الحوالي وسلمان العودة).
المدرسة الألبانية ومدرسة علي الحلبي.
العلماء والدعاة المستقلون والمصلحون (مثل الحويني، المأربي، الطريفي، العريفي، وخالد الراشد).
خلاصة واستنتاج
إن "المدخلية" تمثل حالة من الانحراف الحركي الذي يستغل الشعارات السلفية لتمرير مواقف سياسية معينة عبر صياغتها في قالب فتاوى دينية. وقد أدى اعتمادهم على "التجريح المطلق" واحتكار الحق إلى عزل أتباعهم عن الإنتاج العلمي الحقيقي، وتحويلهم إلى كيانات تتآكل داخلياً عبر التشظي والانقسام المستمر.