الأحد، 5 يوليو 2026

🛑 لا يوجد اتفاق ولا إجماع بين المذاهب الأربعة حول تحريم الغناء والموسيقى

 

🛑 لا يوجد اتفاق ولا إجماع بين المذاهب الأربعة حول تحريم الغناء والموسيقى

من الأخطاء الشائعة في الثقافة الفقهية المعاصرة إطلاق دعوى "الإجماع" على تحريم الغناء والموسيقى. والحقيقة التشريعية والتاريخية تؤكد أن هذه المسألة هي من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، ولم يحدث قط أن اتفقت كلمة علماء الأمة أو الأئمة الأربعة على حكم واحد مطلق فيها.

إليك التفكيك العلمي الذي يثبت غياب الإجماع وتعدد الآراء بين المذاهب:

🏛️ أولاً: خريطة التباين الفقهي بين المذاهب الأربعة

يتجلى غياب الاتفاق في اختلاف المذاهب نفسها في نظرتها لأصل المسألة:

  • 👤 المذهب الشافعي (الأصل ليس حراماً): يرى فقهاء الشافعية أن أصل الغناء ليس محرماً بذاته، واستدلوا بحديث الجاريتين في بيت النبي ﷺ يوم العيد، فلو كان حراماً لما أقرّهما ولما قال لأبي بكر رضي الله عنه: (دعهما).

  • 👤 المذهب المالكي (إباحة بضوابط وكراهة الإكثار): يعتبرون الغناء جائزاً بشروط وضوابط معينة، ويترخصون في سماعه في أوقات الفراغ دون إكثار، ويرون أن الممنوع هو الإسراف الذي يلهي عن ذكر الله.

  • 👤 المذهبان الحنفي والحنبلي (منع الملاهي وجواز الكسب): يميل معتمد المذهبين إلى كراهة أو تحريم المعازف المجردة (آلات التسلية)، لكن حتى داخل هذين المذهبين، وجد من الفقهاء من وضع شروطاً للمنع، بل وأجاز بعضهم الغناء كوسيلة ومهنة لكسب العيش ما لم يقترن بفسق أو مجون.

❌ ثانياً: إبطال دعوى الإجماع (شهادة الفحول)

حين يَدَّعي البعض وجود إجماع، فإنهم يصطدمون بمؤلفات كبار أئمة الإسلام الذين فندوا هذه الدعوى:

  • 📜 الإمام الشوكاني: ألّف رسالته الشهيرة «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع» ليؤكد للعامة والخاصة أن القضية فيها قولان معتبران، وليست قولاً واحداً.

  • 📜 الإمام ابن حزم الظاهري: ضعَّف في كتابه «المحلى» وفي رسائله كل الأحاديث الواردة في التحريم المطلق للمعازف، وأوضح أن السماع يدور مع نية صاحبه وقصده.

  • 📜 أبو بكر بن العربي المالكي: صرّح بوضوح أنه لا يصح في تحريم الغناء والموسيقى أي حديث، وأن أصلها باقٍ على العفو والإباحة ما لم تقترن بمحرم.

👥 ثالثاً: من هم السلف الأوائل الذين أباحوا السماع؟

إن القول بإباحة المعازف (كالعود والناي) والترخيص فيها ليس رأياً معاصراً أو تفلتاً حديثاً، بل هو منقول وثابت عن ركائز الصدر الأول من الصحابة والتابعين:

  • 🕋 من الصحابة: نُقل الترخيص وعدم رؤية البأس في ضرب العود والسماع عن (عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف) رضي الله عنهم.

  • 🏙️ مدرسة أهل المدينة المنورة: كان مشهوراً عن متقدمي أهل المدينة وعلمائها الترخيص في آلات اللهو والمعازف إذا خلت من الفسق، واحتجوا أصولياً بأن تحريمها يفتقر إلى نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.

🎯 رابعاً: أين يقع "الاتفاق الحقيقي" إذن؟

إذا انتفى الإجماع عن (ذات الموسيقى والغناء)، فإنه ينعقد قطيعاً على "القرائن والمصاحبات"؛ حيث يتفق الجميع بلا استثناء على التحريم في الحالات التالية:

  1. 🍷 إذا اقترن الغناء بمجلس خمر، أو قمار، أو فجور.

  2. ⚠️ إذا كانت كلمات الأغاني تصف أجساد النساء، أو تحث على الرذيلة والفحش والبذاءة.

  3. 🎤 إذا كان الأداء الصوتي للمغني أو المغنية مقصوداً به تمييع الصوت وإثارة الشهوات الكامنة.

  4. ⏱️ إذا أدى الاستماع إلى تضييع الصلوات والواجبات الشرعية (الحكم يدور مع علته).

📊 الخلاصة

القضية أوسع من اختزالها في رأي واحد؛ فمن يرى التحريم له سلف وأدلة تُحترم، ومن يرى الإباحة المنضبطة بالضوابط الشرعية له سلف وأدلة تُحترم كذلك. والمسلم الواعي يدرك أن الخروج من الخلاف مستحب بترك السماع صيانة لنفسه، لكنه لا ينكر ولا يفسّق من أخذ برخص الفقهاء الأوائل.

#أدب_الخلاف #المذاهب_الأربعة #لا_إجماع #الموسيقى_والغناء #تأصيل_فقهي #الشوكاني #ابن_حزم #فيسبوك

🛑 هل الموسيقى حرام؟.. الإفتاء المصرية وكبار العلماء يحسمون الجدل بفتوى تاريخية

 

🛑 هل الموسيقى حرام؟.. الإفتاء المصرية وكبار العلماء يحسمون الجدل بفتوى تاريخية

يتجدد التساؤل دائماً حول حكم الاستماع إلى الأغاني والموسيقى، وبينما يميل البعض إلى التحريم المطلق مستندين إلى روايات ضعفها أئمة الحديث، تقف الفتاوى الرسمية المعاصرة لدار الإفتاء وكبار علماء الأمة لتبين المنهج الوسطي المنضبط.

إليك الموقف الشرعي الرسمي لدار الإفتاء والأزهر الشريف:

🏛️ أولاً: الضابط العام (حسنه حسن وقبيحه قبيح)

أجمعت الفتاوى الرسمية على أن الموسيقى والغناء في حد ذاتهما أصوات، وتدور أحكامهما مع السياق والأثر:

  • 🟢 الفتاوى الرسمية المعاصرة: أوضح الدكتور محمود شلبي (أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء) والدكتور علي جمعة (مفتي الجمهورية السابق) أن الموسيقى صوت؛ حسنه حسن وقبيحه قبيح. فالموسيقى الهادئة التي تعزز المعاني النبيلة، أو تدعو للخير وحماية الأوطان، هي حلال وتُحدث في النفس أثراً طيباً.

  • علّة التحريم القطعي: ينحصر التحريم إذا اقترن الغناء والموسيقى بالمحرمات كـ (الخمور، القمار، الزنا، إثارة الغرائز، أو رقص النساء أمام الرجال الأجانب).

  • 💼 حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورداً للرزق: أكد شيخ الأزهر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي أن سماع الموسيقى، وحضور مجالسها، وتعلمها واتخاذها مهنة أمر مباح، ما لم تكن باعثة على المجون والهوى، أو تلهي عن الواجبات الشرعية.

🎒 ثانياً: حكم تعليم الأطفال الموسيقى في المدارس

أفادت دار الإفتاء المصرية بأنه لا مانع شرعاً من تعليم الأطفال في المدارس الأناشيد بمصاحبة الآلات الإيقاعية (كالطبلة، الدف، المثلثات، وجلاجل)، بشرط أن تكون الأناشيد وطنية أو دينية أو هادفة لترسيخ سلوك حسن.

📜 الأدلة الشرعية على إباحة الإيقاع:

  1. أقوال المحققين: استند المفتي إلى ما نقله الشيخ المواق المالكي عن الإمام عز الدين بن عبد السلام بأن: «الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب؛ بالقرآن، وبالوعظ، وبِالْحِدَاءِ والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات».

  2. السنة النبوية والأعراس: في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها حين أنكحت ذات قرابة لها من الأنصار، قال لها النبي ﷺ: «إنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ» (رواه أحمد وابن ماجه). وفي رواية الطبراني وجّهها ﷺ بقوله: «فَهَلْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا بِجَارِيَةٍ تَضْرِبُ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّي؟».

🔍 ثالثاً: هل ثبت نص قطعي بالتحريم؟

أوضحت دار الإفتاء المصرية أن النصوص الواردة في تحريم الأغاني والموسيقى (كالقضيب والأوتار) غير ثابتة عن الرسول ﷺ، وأن أصلها باقٍ على الإباحة:

  • 🏛️ مذهب أهل المدينة المنورة: أباح متقدمو أهل المدينة استماع الموسيقى، واستدلوا أصولياً بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾؛ حيث عطف الله "اللهو" على "التجارة"، والمعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه (والتجارة حلال بالإجماع).

  • 📜 وتفسر الروايات الحديثية (كحديث جابر بن عبد الله) أن العتاب في الآية كان لترك النبي ﷺ قائماً في الخطبة لشهود لهو الأعراس (المزامير)، ولو كان اللهو حراماً لذاته لنزل تحريمه مباشرة ولم يُكتفَ بالعتاب على ترك الخطبة.

🧠 رابعاً: آراء أئمة الهدى والفتاوى الذهبية

  • 🗣️ إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي: أكد أن الموسيقى مباحة إذا كانت لغرض نبيل، وشدد على أن المحرم الحقيقي هو ما يخرج الإنسان عن سمت اعتداله ووقاره، سواء كان كلاماً بلا لحن، أو لحناً بلا أداء.

  • 👤 الإمام الغزالي (في إحياء علوم الدين): بيّن أن المنع يختص فقط بالآلات التي هي شعار لأهل الشرب والمجون في ذلك العصر (كالمزامير والأوتار وطبل الكوبة)، أما ما عدا ذلك كـ (الدف، الطبل، الشاهين، والضرب بالقضيب) فيبقى على أصل الإباحة.

  • 👤 الإمام ابن حزم (في المحلى): وضع قاعدة قائمة على النية ومقاصد المكلفين؛ فقال إن من نوى بالسماع عوناً على معصية فهو فاسق، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى على طاعة الله ونشاطها على البر فهو مطيع محسن، ومن لم ينوِ طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه (كالتنزه في البساتين).

#فقه #دار_الإفتاء #الشعراوي #الموسيقى_والغناء #الأزهر_الشريف #أدب_الخلاف #فيسبوك

🛑 الغناء والموسيقى.. قراءة منصفة في أدلة الجمهور ورأي السلف الأوائل دون تشنج

 

🛑 الغناء والموسيقى.. قراءة منصفة في أدلة الجمهور ورأي السلف الأوائل دون تشنج

عندما تُطرح قضية الغناء والموسيقى في واقعنا المعاصر، يقع الكثيرون بين طرفي نقيض؛ فمن يحرّمهما يُوصف أحياناً بالتشدد والتطرف، ومن يبيحهما يُوصف بالتسيب والانفلات الشرعي! بيد أن الحقيقة الفقهية أوسع وأعمق من هذا الاختزال التشنيعي.

إن الخلاف في هذه المسألة خلاف فقهي قديم وله أسانيد علمية معتبرة من الطرفين. فما وسع سلفنا يسعنا، وإليك خارطة المسألة الفقهية بتفصيلها العلمي:

🤝 أولاً: النقاط المتفق عليها (مواطن التحريم القطعي)

ثمة صور من الغناء والموسيقى محرّمة باتفاق العلماء ولا يدخلها الاجتهاد، ويحرم التكسب منها أو سماعها أو إنتاجها، وهي:

  • ⚠️ الاقتران بالمعاصي والمحرمات: كالأغاني والموسيقى المصاحبة لمجالس الخمر، أو النوادي الليلية التي تشهد تبرجاً، أو اختلاطاً فاحشاً، وإثارة للفواحش.

  • ⚠️ الأداء المائع والمثير للغرائز: سماع الأغاني التي تؤدى بأصوات ناعمة متكسرة تخرج عن الفطرة السوية، أو تحوي كلمات هابطة وقبيحة تدعو للرذيلة (مثل الكلمات المبتذلة الشائعة اليوم).

  • ⚠️ الفيديو كليبات الهابطة: المشاهد المرئية التي تتضمن رقصاً مبتذلاً أو كشفاً للعورات؛ حيث يحرم النظر إليها وسماعها قولاً واحداً.

⚖️ ثانياً: أوجه الخلاف الفقهي ومذهب الجمهور

ينحصر الخلاف بين العلماء في حال خلو الغناء والموسيقى من الصور المحرمة السابقة (كأن يستمع المرء لكلمات طيبة مع آلات عود أو ناي في وقت فراغه). وههنا برز اتجاهان:

1️⃣ مذهب جمهور العلماء (التحريم المطلق للمعازف):

  • 🚫 الغناء المجرد (بدون آلات): يرى الجمهور كراهة أن يدندن المرء لنفسه ويغني في غير المناسبات، بينما تزول الكراهة في الأعياد والأعراس.

  • 🚫 الغناء المصاحب للمعازف: يرى الجمهور تحريمه قطعياً في كل وقت، مسندين رأيهم لحديث البخاري: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف).

  • 💬 واستدلوا أيضاً بحديث الجاريتين في بيت النبي ﷺ يوم العيد، حيث أنكر أبو بكر الصديق قائلاً: "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟"، فرغم إقرار النبي ﷺ لهما لعِلّة العيد، إلا أن تسمية أبي بكر لها بمزمور الشيطان تدل على المنع والكراهة في أصلها خارج المناسبات.

📜 ثالثاً: مذهب المبيحين وإبطال دعوى الإجماع

يقابل مذهب الجمهور رأي فقهي معتبر لعلماء ومحدثين من السلف والخلف، يرون أن التحريم ليس مطلقاً بل هو مقيد بما ألهى عن طاعة أو اقترن بمعصية. ومن ركائز هذا المذهب:

  • 🚫 انتفاء الإجماع: لا يستقيم ادعاء الإجماع على تحريم المعازف؛ لأن الإجماع يشترط اتفاق جميع مجتهدي الأمة في عصر من العصور، وهو ما لم يحدث. وقد ألّف الإمام الشوكاني رسالة شهيرة بعنوان «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع».

  • 👥 روايات منقولة عن السلف: نُقل الترخيص في السماع وضرب العود عن صحابة كبار وأعلام مثل: (عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف)، وهو مذهب مشهور ومأثور عن أهل المدينة المنورة.

  • 📖 تفكيك أدلة المانعين:

    • تفسير الآيات: كقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَا الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يرى هذا الفريق أن علة المذمة والتحريم هي قوله (ليضل عن سبيل الله) للاستهزاء والكفر، فإذا خلا السماع من نية الصد والضلال فهو على أصل الإباحة. وكذلك يُفسرون قوله ﴿وأنتم سامدون﴾ و ﴿لا تشهدون الزور﴾ بأنها مقيدة بمجالس اللغو الحاثة على المعاصي.

    • مفهوم "يستحلون": ردوا على الاستدلال بالحديث بأن لفظ "الاستحلال" يطلق في اللغة والشرع على المباحات أيضاً (مثل: ما وجدناه فيه من حلال استحللناه)، وبالتالي فإن المعازف تحتاج لنص مستقل قطعي الصريح في تحريمها بذاتها، بينما الأحاديث الصريحة في التحريم ضعيفة، والصحيحة منها (كحديث البخاري) محتملة وغير صريحة في إفراد المعازف بالتحريم دون اقترانها بالخمر والزنا.

    • الأدلة الجوازية: استدلالهم بقول النبي ﷺ للسيدة عائشة عن قينة بني فلان: (أتحبين أن تغنيك؟)، فلو كان الغناء محرماً في ذاته وفي كل الأحوال لما عرض ذلك النبي ﷺ.

💡 رابعاً: الخلاصة والقاعدة الذهبية للمسلم

إن وجود علماء معاصرين يرخصون في ألوان معينة من السماع ليس تفلتاً من عندهم، بل يعود لمرجعيات فقهية قديمة شملت أئمة كبار كابن حزم الظاهري، وأبي بكر بن العربي المالكي (الذي ضعّف أحاديث التحريم)، وعبد الغني النابلسي، وابن طاهر القيسراني.

🛑 الغناء والموسيقى.. تفكيك دلالة "حديث الاستحلال" وقاعدة الأحكام الثلاثة

 

🛑 الغناء والموسيقى.. تفكيك دلالة "حديث الاستحلال" وقاعدة الأحكام الثلاثة

يتخذ القائلون بتحريم الموسيقى بإطلاق من حديث "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون..." ركيزة أساسية لهم. لكن عند وضع هذا النص تحت مجهر "علم أصول الفقه" ومناقشة دلالته -بغض النظر عن ثبوته- نجد أن الاستدلال به على التحريم المطلق لا يستقيم أصولياً، بل إن الموسيقى تدور مع علتها ومع ما تلهي عنه.

إليك التفكيك العلمي والأصولي الدقيق لهذه المسألة:

📐 أولاً: قاعدة الأحكام الثلاثة للملهيات

الموسيقى والمعازف تُصنف فقهياً ضمن "الملهيات" (لهو الحديث)، والـلهو في الشريعة لا يأخذ حكماً واحداً جامداً، بل تعتريه ثلاثة أحكام بحسب ما يترتب عليه:

  1. التحريم: إذا ألهى عن أمر واجب (كإخراج الصلاة عن وقتها أو ترك فرض).

  2. ⚠️ الكراهة: إذا ألهى عن أمر مستحب (كأن يشتغل بالسماع عن نوافل الطاعات وقراءة القرآن المندوبة، فيضيع الأجر دون مأثمة؛ لأن الوزر في هجر جنس القرآن لا في ترك آحاده في لحظة بعينها).

  3. 🟢 الجواز: إذا ألهى عن أمر جائز (كأن يستمع لها بدلاً من اللعب أو المشي أو الجلوس صامتاً).

🧠 ثانياً: تفكيك دلالة حديث "يستحلون الحر والحرير.."

الحديث المشهور يقول: (ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف). لو أخذنا هذا النص بمعزل عن بقية نصوص الشريعة وقواعدها (كما يفعل البعض مع لفظ المعازف)، لقعنا في إشكالات أصولية هائلة، وبيانها كالتالي:

  • 👤 1. "الحِرَ" (الفرج/الجماع): لو حُمِل اللفظ على إطلاقه لكان كل جماع محرماً! لكننا قطعاً لا نفهم التحريم هنا إلا بالرجوع للنصوص الأخرى التي خصصت واستثنت الجماع الحلال (الزوجة وملك اليمين)، فالنكير متوجه لـ "الزنا".

  • 👔 2. "الحرير": لو نُظر للفظ وحده لَفُهِم منه تحريم الحرير على الرجال والنساء معاً وبإطلاق. لكن القواعد والنصوص الأخرى خصصته فجعلته حلالاً للنساء، بل وجعلت فيه تفصيلاً وخلافاً للرجال في نسب اختلاطه بالملابس.

  • 🍇 3. "الخمر": معلوم أن التحريم في الخمر معلل بـ "الإسكار"، ولذلك خرج منه ما لا يُسكر كالخل. وهي القاعدة الأصولية الشهيرة: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً).

  • 🎵 4. "المعازف": من الناحية الأصولية، لا يمكن لـمنكر أو ناعٍ أن ينكر "استحلال" شيء إلا إذا كان هناك نص تشريعي سابق قد فصّل تحريمه أو حدد شروطه (كما حدث في الفروج والحرير والخمر). فلو نظرنا للمعازف بإطلاق دون ردها للنصوص المقيدة، لظلمنا البنية التشريعية للحديث.

📊 الخلاصة الأصولية: إذا كانت الألفاظ الثلاثة الأولى (الحر، الحرير، الخمر) حافلة بالتقييد والتخصيص والتعليل بالرجوع للشريعة، فلماذا يُراد التعامل مع اللفظ الرابع (المعازف) بجمود وإطلاق دون رده إلى علته وسياقه؟!

📖 ثالثاً: دلالة الآية وقصد ابن مسعود

إذا رجعنا للنص الأساسي الذي يفسر المسألة وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَا الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: (والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء). فإذا قمنا بتعويض اللفظ بمعناه المنقول تصبح الآية: (ومن الناس من يشتري "الغناء" ليضل عن سبيل الله...).

  • 🎯 هنا تظهر العلة واضحة: المذمة والوعيد لا يتوجهان لذات الصوت، بل لـمن يستخدمه كوسيلة وأداة "للإضلال والصد عن سبيل الله واتخاذه هزواً".

  • ⚠️ بل إن استُعمل الغناء بنية الصد عن ركن الدخول في الإسلام كما كان يفعل المشركون، فإنه يخرج من دائرة الحرام إلى دائرة الكفر الصريح بسبب النية والقصد، وليس بذات الأوتار.

🔬 رابعاً: المحاكمة العقلية والعلمية للمعازف

من المنظور الفيزيائي والعلمي؛ المعازف والأصوات ما هي إلا "موجات صوتية ناتجة عن تحريك الأجسام للهواء".

ووفق هذا المعيار العلمي، فإن كل جسم طبيعي أو مستحدث يصدر عنه صوت يمكن اعتباره "عازفاً" له (كحفيف الشجر، دندنة الأواني، جريان الماء، ضربات المطر). ومن الناحية العقلية المحضة، يصعب جداً وضع "حد فقهي جامع مانع" يحرم نوعاً من هذه الموجات الصوتية لذاتها دون النظر إلى مضمونها وأثرها النفسي والشرعي على السامع.

#أصول_الفقه #دلالة_الاقتران #الموسيقى_والغناء #أدب_الخلاف #لهو_الحديث #تفكيك_الأدلة #فيسبوك

🛑 الغناء والموسيقى.. مظاهر السعة بين المذاهب الأربعة وروايات منسية من عصر السلف

 

🛑 الغناء والموسيقى.. مظاهر السعة بين المذاهب الأربعة وروايات منسية من عصر السلف

إن المقصد الأساسي من هذا البيان هو إيضاح أن مسألة الغناء والموسيقى هي مسألة خلافية سائغة منذ عهد السلف والأئمة، ولا يصح فيها الإنكار أو التشنيع. وفي حين أجمع العلماء كافة على حرمة المعازف إذا اقترنت بالمعاصي أو أدت إليها، فإن الخلاف ظل قائماً في حكمها مجردة.

إليك الخارطة الفقهية الشاملة للمذاهب الإسلامية مع تفكيك الأدلة التاريخية:

🏛️ أولاً: خريطة الآراء المذهبية (بين التحريم والإباحة)

تنوعت آراء الأئمة والمذاهب الأربعة في حكم الآلات الموسيقية (المعازف) على النحو التالي:

  • 👤 مذهب الحنفية: ذهبوا إلى منع الآلات الموسيقية بأنواعها (الوترية، والهوائية، والإيقاعية)، مستثنين من ذلك الدُّف وطبل الغزاة.

  • 👤 مذهب المالكية: شمل المذهب آراءً متعددة؛ فمنهم من حرّم الوترية والهوائية وأباح الدف وطبل الغزاة، ومنهم من ذهب إلى إباحة جميع المعازف كالإمام ابن العربي. بينما نقل البعض عن الإمام مالك الكراهة لا التحريم الصريح.

  • 👤 مذهب الحنابلة: منعوا الآلات الوترية والهوائية. أما الإيقاعية (كالضرب بالقضيب) ففيها وجهان والراجح تحريمها، مع إباحة الدف بلا جلاجل (وكراهته للرجال على الأرجح).

  • 👤 مذهب الشافعية: ذهب جمهورهم إلى تحريم الوترية والهوائية، وأباحوا من الإيقاعية الدف بلا جلاجل وطبل الغزاة. وتوسع الإمام الغزالي فأباح ما دون الأوتار والمزامير وطبل الكوبة، في حين خالفهم ابن القيسراني وذهب لإباحة جميع الآلات.

  • 👤 مذهب الظاهرية (ابن حزم): أباح الإمام ابن حزم الآلات الموسيقية كافة.

⚖️ ثانياً: تفكيك الأدلة (المحرّمون والمبيحون)

1️⃣ أدلة القائلين بالتحريم وردود المبيحين عليها:

  • 📖 الآية القرآنية: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَا الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، مفسرين اللهو بالمعازف بناءً على قول ابن مسعود.

    • 🔄 رد المبيحين: إن سياق الآية يربط الحرمة بـعلة واضحة وهي (ليضل عن سبيل الله)، فكل كلام أو فعل يُستخدم للصد عن دين الله فهو حرام؛ سواء كان موسيقى أو شعراً أو غيره، فالمعازف ليست محرمة لذاتها. كما أن قول الصحابي ليس حجة قطعية عند وجود مخالف له كابن حزم.

  • 📜 حديث البخاري المرفوع: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف).

    • 🔄 رد المبيحين: الحديث من معلقات البخاري وفي سنده ضعف (عند ابن حزم)، وعلى فرض صحته؛ فإن النهي متوجه لاقتران المعازف بالمحرمات المذكورة (كالخمر والزنا والفسوق)، والتحريم يدور مع علته.

2️⃣ أدلة القائلين بالإباحة:

  • 🟢 أصل البراءة الأصلية: الأصل في الأشياء النافعة الإباحة ما لم يرد نص قطعي صريح بالتحريم.

  • 📜 حديث الجاريتين: استماع النبي ﷺ لجاريتين تغنيان بغناء بعاث دون إنكار دليل إباحة، أما إنكار أبي بكر فكان لربطه المعتاد في ذلك الزمان بين المعازف ومجالس الفسق.

📜 ثالثاً: روايات منسية من عصر السلف وأهل المدينة

تواتر عن مجتمع المدينة المنورة في جيل أتباع التابعين الترخص في السماع والموسيقى، ونقل ذلك أئمة كبار كأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان:

  • 🎵 إسحاق الموصلي (أشهر مغني بغداد): وثّقه الخطيب البغدادي والإمام إبراهيم الحربي لتديّنه وتحفظه، وقال الحربي: «كان ثقة صدوقاً عالماً.. ولوددت أني سمعت منه».

  • 🎵 التابعي يعقوب بن دينار الماجشون: إمام محدث ثقة من رجال الكتب الستة، وكان أول من علّم الغناء من أهل المروءة بالمدينة، وكان يجالس عروة وعمر بن عبد العزيز.

  • 🎵 الإمام إبراهيم بن سعد الزهري: شيخ الشافعي ومن كبار الحفاظ. وفد على هارون الرشيد وأفتى بتحليل الغناء، ولما سأله الرشيد عن رأي الإمام مالك، حكى له قصة اجتماعه مع فقهاء المدينة وبحوزتهم دفوف ومعازف وعيدان، وكان مع مالك دف مربع وهو يغنيهم.

  • 🧠 مناظرة أبو يوسف: عاتب القاضي أبو يوسف أهل المدينة لتوسعهم في السماع، فَرَدّ عليه إبراهيم بن سعد بأن اختيار شعر جيد بلحن حسن يبهج النفس ويعين على المكارم أفضل ممن يشربون المسكر ويتركون الصلاة، فـقَطَعه ولم يَحر أبو يوسف جواباً.

💡 رابعاً: شهادات أئمة المحققين

  • 👤 الإمام ابن عبد البر: أقر بصواب رأي ابن حزم في تضعيف أحاديث ذم الغناء بعدما راجع نسخته الفقهية لأيام ولم يجد ما يغيره فيها.

  • 👤 الإمام ابن العربي المالكي: أكد في أحكام القرآن أنه ليس في القرآن ولا السنة دليل صحيح على تحريم الغناء، بل في الصحيح دليل على إباحته، مضيفاً: «كل حديث يروى في التحريم أو آية تتلى فيه، فإنه باطل سندا، باطل معتقدا، خبرا وتأويلا»، مبيحاً طبل الحرب للترهيب وطبل اللهو كالدّف لإشهار النكاح.

#فقه #المذاهب_الأربعة #أهل_المدينة #أدب_الخلاف #الموسيقى_والغناء #تيسير #فيسبوك

🛑 الغناء والموسيقى.. لم يقتصر أعراس العهد النبوي على الدفوف فقط؟

 

🛑 الغناء والموسيقى.. هل اقتصرت أعراس العهد النبوي على الدفوف فقط؟

يذهب كثير من محرمي آلات المعازف في عصرنا الحالي إلى حصر الإباحة في الأعراس والمناسبات على "الدفوف" خاصة، محرمين ما عداها كالطبول والمزامير. إلا أن التدقيق في نصوص السنة المشرفة وتفاسير الأئمة الأوائل يثبت أن واقع الأعراس في عهد النبي ﷺ كان يضم آلات أخرى، وهو ما يرفع مساحة التيسير بضوابطها.

إليك التحقيق الفقهي والحديثي البديع الذي أورده أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى، الدكتور الشريف حاتم العوني:

🥁 أولاً: واقع الأعراس النبوية (المزامير والطبول)

أكد الدكتور العوني أن الغناء الذي كان يُغنى به في الأعراس في زمن النبي ﷺ ثبت بالدليل الصحيح أنه كان يضم المزامير والطبول وليس الدفوف فحسب:

  • 📌 استخدام الكَبَر والمزامير: ثبت أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون المزامير و"الكَبَر" في أفراحهم.

  • 🔍 ما هو الكَبَر؟ يوضح ابن الأثير في اللغة أن الكَبَر (بفتح الكاف والباء) هو الطبل ذو الرأسين، وقيل هو الطبل الذي له وجه واحد، وجمعه كِبار.

  • ⚖️ محل الإشكال مع المعاصرين: كلاهما (الطبل والمزمار) يعدان عند المحرمين المعاصرين من المعازف المحظورة؛ إذ يحرمون الطبول بكافة أشكالها مستثنين الدف وحده، ويكادون يجمعون على حرمة المزامير، بينما يثبت النص التاريخي حضورها في مجالس الفرح.

📜 ثانياً: الأدلة الحديثية الصريحة من بطون الكتب

استشهد الدكتور العوني بروايات صحيحة أوردها أئمة الحديث والتفسير تفسيراً لقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾:

1️⃣ رواية الإمام ابن جرير الطبري: بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالـكَبَر والمزامير، ويتركون النبي ﷺ قائماً على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل الله الآية». 2️⃣ رواية الإمام أبي عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم: عن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب قائماً... فكان الجواري إذا أنكحوا يمرون يضربون بالـكَبَر والمزامير، فيشتد الناس ويدعون رسول الله ﷺ قائماً، فعاتبهم الله...».

🧠 ثالثاً: تفكيك ردود المتشددين وتأويلاتهم

يتساءل الدكتور العوني مستغرباً عن سبب تغافل بعض المعاصرين عن هذا الحديث الصحيح الذي يثبت استعمال المزامير والطبول في غناء الأعراس، متوقعاً محاولاتهم للالتفاف على النص عبر ثلاثة مسارات باطلة:

  • محاولة تضعيف الحديث: وهي محاولة بلا حجة عليمة ولا سلف لهم فيها؛ فالأسانيد صحيحة وثابتة.

  • ادعاء النَّسخ: وهو ادعاء يفتقر إلى البرهان والدليل التاريخي؛ فالأصل بقاء الأحكام.

  • التأويل التعسفي المرفوض: كأن يحاولوا تأويل "المزامير" بأنها مجرد الصوت الحسن، أو تأويل "الكبر" بأنه الدف. وهو تأويل باطل يخالف ظاهر النص اللغوي الصريح وفهم الإمام الطبري وغيره من أئمة المتقدمين.

💡 رابعاً: الخلاصة والقاعدة الفقهية الذهبية

أوضح الدكتور الشريف حاتم العوني في خلاصة تأصيله الفقهي مسألتين في غاية الأهمية:

  1. مشروعية الفرح: ليس في إقامة حفلات الغناء محظور شرعي، ما دام الغناء بالموسيقى مسألة تشهد خلافاً فقهياً معتبراً وواسعاً بين العلماء.

  2. المحظور الحقيقي: يكمن المحظور في اتجاهين؛ إما استغلال أصحاب الانحلال والتفلت لهذه الحفلات للخروج عن الوقار، أو استغلال المتشددين لهذا التفلت لإنكار مسألة اجتهادية معتبرة لا يجوز الإنكار فيها.

  3. 👑 حكم الحاكم يرفع الخلاف: إن اختيار ولي الأمر أو الحاكم وفتواه الرسمية بالتيسير في مثل هذه المسائل يُلزم الأمة وينهي النزاع فقهياً بناءً على القاعدة الأصولية المستقرة: (حكم الحاكم يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية).

#فقه #حاتم_العوني #الموسيقى_والغناء #أعراس_الصحابة #أدب_الخلاف #تيسير #فيسبوك

🛑 الغناء والموسيقى.. قراءة في سيرة الصحابة ونفي إجماع التحريم

 

🛑 الغناء والموسيقى.. قراءة في سيرة الصحابة ونفي إجماع التحريم

يدّعي البعض أن تحريم الموسيقى والغناء أمرٌ مُجمع عليه بين سلف الأمة وفقهاؤها، إلا أن الاستقراء التاريخي الدقيق يثبت خلاف ذلك؛ فالسيرة المروية عن الصحابة والتابعين ترينا بوضوح أنهم عرفوا الترويح عن النفس ولم يجدوا حرجاً في السماع البريء بضوابطه.

إليك التوثيق التاريخي والفقهي الذي يوضح سعة الخلاف بعيداً عن دعاوى الإجماع:

🐪 أولاً: الغناء والترويح في عهد الصحابة

أثبتت الآثار الصحيحة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يترنمون بالغناء الشعبي الدارج في زمانهم والمعروف بـ "النَّصْب"، ليدفعوا به السآمة في أسفارهم وأعمالهم:

  • 👤 عبد الله بن الزبير: قال: «ما أعلم رجلاً من المهاجرين إلا قد سمعته يترنم» (وفي رواية: يغني النصب).

  • 👤 الفاروق عمر بن الخطاب: كان في طريق الحج مع مجموعة من الصحابة وهم محرمون، فاستأذنوه أن يغنيهم "رباح بن المغترف" (وكان حَسَن الصوت)، فقال له عمر: «يا رباح، أسمِعهم، وقصّر عنهم المسير، فإذا أسحرت فارفع» (أي توقف عند السحر). وفي أثر آخر سمع رجلاً يترنم بفلاة فقال: «الغناء من زاد الراكب».

  • ⚖️ حكم الآلات في عهدهم: قد يُقال إن هذا غناء مجرد، والرد أن آلات العزف كانت محصورة وقتئذ (الدف، العود، المزمار)، ومع ذلك ثبت سماعها؛ كاستماع النبي ﷺ لجاريتين تضربان بالدف، وتصحيحه لكلماتهما لما قالتا: "وفينا نبي يعلم ما في غد" فقال: «لا تقولوا هذا، لا يعلم ما في غد إلا الله». كما اشتهر عبد الله بن جعفر بحبه لسماع الموسيقى مع ورعه وقراءته للقرآن بالليل، حتى مدحه معاوية قائلاً: «رهبان بالليل، ملوك بالنهار».

🍉 جدّ الصحابة ودعابتهم: روي عن بكر بن عبد الله المزني قال: «كان صحابة رسول الله ﷺ يتبادحون البطيخ (يرمون بعضهم به مزاحاً)، فإذا كانت الحقائق، كانوا هم الرجال». فاللهو والتسلي كان معروفاً بمقداره دون أن يشغل عن واجب.

🕌 ثانياً: فقهاء المدينة و"آل الماجشون"

ينقل الدكتور الجديع في تحقيقه أن الترخيص بالمعازف والغناء كان مشهوراً عن "آل الماجشون" (يعقوب بن أبي سلمة وأهل بيته)، وهم من كبار فقهاء التابعين بالمدينة المنورة:

  • 🎵 كان يعقوب وابنه يوسف يُعلمان الغناء، ويقول يحيى بن معين (إمام الجرح والتعديل): «كنا نأتيه، فيحدثنا في بيت، وجوارٍ له في بيت آخر يضربن بالمعزفة.. وهم في الحديث ثقات، مخرّجون في الصحاح».

  • 📜 وذكر الحافظ أبو يعلى الخليلي أن عبد الله بن عبد العزيز الماجشون (فقيه المدينة ومفتيها من أتباع التابعين): «يرى التسميع (الغناء)، ويرخص في العود».

  • 👤 كما ورد عن الحافظ الكبير إبراهيم بن سعد (الذي احتج به البخاري ومسلم) أنه كان يجيد صناعة الغناء ويجيز الموسيقى.

⚖️ ثالثاً: حقيقة مواقف الأئمة الأربعة

إن نقل التحريم المطلق عن جمهور الفقهاء كلام غير دقيق، وتفصيل مواقف الأئمة كالتالي:

  • الإمام أبو حنيفة: لم يرد عنه نص صريح بالتحريم، بل أجاز بيع آلات الموسيقى (وهذا دليل جواز الاقتناء)، وما نُقل عنه من كراهة فُسِّر بكراهة التنزيه لا التحريم.

  • الإمام مالك: لم يصرّح بالتحريم وإنما قال بالكرَاهة، وما نُقل عنهما (مالك وأبو حنيفة) من تحريم هو فهم الأتباع لا نص الأئمة.

  • الإمام الشافعي: لم يحرم الغناء، بل كره الإغراق فيه وأباح يسيره، وشدد في آلات بعينها كانت شعاراً لأهل المجون.

  • الإمام أحمد بن حنبل: هو الوحيد الذي ذهب كلامه صراحة إلى التشديد والتحريم، مستثنياً الدف في الأعراس والطبل في الحرب.

💭 رابعاً: سعة الخلاف رحمة.. فلماذا نخشى الحقيقة؟

يطرح البعض إشكالية أن إثارة هذا الموضوع تتسبب في "فتنة المسلمين"، وهو ادعاء غريب! فهل توضيح أصل المسألة وسعة الخلاف فيها فتنة؟ أم الفتنة الحقيقية هي تغييب الرأي الآخر وادعاء بطلانه؟

من اللطف الإلهي أن جعل ثلاثة أرباع الدين محل اجتهاد وخلاف، وهو ما يمنح الفقه الإسلامي ديمومته وحيويته. فالأحكام المبنية على الأدلة تنقسم من حيث الثبوت والدلالة إلى أربعة أحوال:

  1. قطعي الثبوت قطعي الدلالة (وهذا لا خلاف فيه مطلقاً).

  2. قطعي الثبوت ظني الدلالة.

  3. ظني الثبوت قطعي الدلالة.

  4. ظني الثبوت ظني الدلالة.

وبما أن أدلة الموسيقى تقع في الدوائر الثلاث الأخيرة (الظنية)، فإن الخلاف فيها سائغ، ويصح تغير الحكم فيها بحسب حال السامع ونوع المادة المستمعة، والاجتهاد في ذلك يُقبل من أهله الراسخين في العلم.

#فقه #تاريخ_الفقه #الصحابة #التابعين #أدب_الخلاف #الموسيقى_والغناء #فيسبوك

🛑 الغناء والموسيقى.. حلالٌ في كل الأوقات بضوابطه، ومستحبٌّ في أفراحنا ومناسباتنا


🛑 الغناء والموسيقى.. حلالٌ في كل الأوقات بضوابطه، ومستحبٌّ في أفراحنا ومناسباتنا

لطالما كان حكم الغناء والآلات الموسيقية باباً واسعاً للاختلاف بين الفقهاء قديماً وحديثاً، وهو اختلاف طبيعي يبرز مرونة الشريعة واتساعها لطبائع البشر. والمنهج الأزهري الوسطي الذي تطمئن إليه النفوس يكمن في إدراك أن أصل هذه الأصوات هو السعة والإباحة، شريطة الانضباط بالقيم والأخلاق.

نعرض لكم في هذا المنشور التأصيل الفقهي العادل لهذه المسألة، بناءً على ما سطره أستاذ جامعة الأزهر الراحل، الشيخ الدكتور أحمد الشرباصي:

⚖️ أولاً: أصل الحكم الشرعي والضوابط الحاكمة

إن سماع الأصوات الجميلة والنغمات الموزونة لا يمكن تحريمه لذاته — سواء كان صوت آلة، أو إنسان، أو حيوان — بل إن الحكم يدور مع علته مقاصدياً:

  • 🟢 حلالٌ في كل الأوقات بضوابطه: تكون الموسيقى والغناء في دائرة المباح ما دامت ملتزمة بالضوابط الشرعية العامة؛ بأن تكون الكلمات راقية، والألحان هادئة غير مثيرة، وألا تصدّ المرء عن واجباته الدينية والدنيوية.

  • متى يدخل دائرة المنع؟ يحرم السماع فقط إذا استعين به على محرم، أو اتُّخذ وسيلة إلى منكر، أو اقترن بالفجور والمجون والخلاعة التي تخرج الإنسان عن وقاره واعتداله.

  • 🕌 توصية قلبية: في حالات الإباحة، يُنصح المرء بعدم الإفراط وكثرة السماع، وأن يملأ قلبه وجوارحه بسماع القرآن الكريم، مع عدم ممانعة ترويح النفس بالغناء البريء في بعض الأحيان.

🎉 ثانياً: الاستحباب في الأفراح والمناسبات

نقل شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت اتفاق الفقهاء المحققين على أن السماع ليس مباحاً فحسب، بل هو مستحب ومشروع في مواطن الفرح وإدخال السرور على النفوس، ومنها:

  • 🕋 إثارة الشوق والهمة أثناء السير إلى الحج.

  • 🛡️ تحريض الغزاة وبث الحماس في نفوس الجنود لحماية الأوطان.

  • 🎈 مناسبات السرور المألوفة كالأعياد، والأعراس، واستقبال الغائبين.

وقد تعقّب هؤلاء الفقهاء جميع أدلة القائلين بالتحريم المطلق، وأكدوا أنه لم يصح في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في معقولهما من القياس ما يقتضي تحريم مجرد السماع البريء.

📜 ثالثاً: رسالة "إيضاح الدلالات في سماع الآلات"

من أثمن ما استند إليه العلماء رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي (من فقهاء القرن الحادي عشر المعروفين بالورع والتقوى)، والتي قرر فيها خلاصات هامة:

  • 📌 التحريم لقرينة المنكر: إن الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم — على فرض صحتها — جاءت كلها مقيدة باقتران المعازف بذكر الملاهي، والخمر، والفسوق، والقينات (المغنيات الفاسقات)؛ ولا يكاد حديث يخلو من ذلك.

  • 📌 السنة والإباحة: نُقل عن النبي ﷺ وعن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة الفقهاء أنهم كانوا يحضرون مجالس السماع البريئة الخالية من المجون والمحرم، حيث قال النبي ﷺ في يوم عيد: «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح».

💡 ختاماً: التحجير بلا دليل افتراء

إن حكمة الله اقتضت اختلاف الفقهاء في الفروع رحمة بالناس، ولم يجمع الأسبقون على رأي واحد يجمع الأمة في هذا الباب. بناءً عليه، ينبغي الحذر من إلقاء أحكام التحريم جزافاً وبلا سند صحيح؛ فإن تحريم ما لم يحرمه الله لا يقل خطورة عن تحليل ما حرمه، وكلاهما قول على الله بغير علم، كما قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

#فقه #المنهج_الوسطي #الأزهر_الشريف #أدب_الخلاف #الموسيقى_والغناء #تيسير #فيسبوك

🛑 هل الاستماع إلى الأغاني والموسيقى حرام..؟! (دار الإفتاء وكبار العلماء يجيبون بحسم)

 المقال رائع جداً، ويتميز بصبغته الرسمية القوية لاعتماده على الفتاوى المؤسسية لدار الإفتاء المصرية وأقوال كبار أئمة العصر (كالإمامين طنطاوي وعلي جمعة والشيخ الشعراوي)، مما يمنحه ثقلاً كبيراً يقطع دابر التشدد والتشنيع في هذه المسألة.


🛑 هل الاستماع إلى الأغاني والموسيقى حرام..؟! (دار الإفتاء وكبار العلماء يجيبون بحسم)

دائمًا ما يتجدد السؤال حول حكم الاستماع إلى الأغاني والموسيقى؛ حيث يميل البعض إلى تحريمها مطلقاً مستندين إلى روايات وأحاديث حكم محققو العلماء بضعفها وعدم ثبوتها.

في هذا المنشور، نلخص الموقف الشرعي الرسمي لـ دار الإفتاء المصرية وأقوال كبار علماء الأمة في العصر الحديث:

🏛️ أولاً: الموقف الرسمي لدار الإفتاء المصرية

  • 👤 الدكتور محمود شلبي (أمين الفتوى): الموسيقى صوت، قبيحها قبيح وحسنها حسن، وهي في حد ذاتها ليست محرمة. إنما المحرم هو أن تقترن بالمنكرات (كخمور، أو قمار، أو مجون، أو رقص مثير للغرائز). أما الموسيقى الهادئة التي تسمع وحدها دون صخب أو إثارة، فهي حلال طيب لا شيء فيها.

  • 👤 الدكتور علي جمعة (مفتي الجمهورية السابق): الغناء والموسيقى صوت، فحسنه حسن وقبيحه قبيح. فإذا كان الأداء يدعو إلى الخير، أو القوة، أو حماية الأوطان، وتُحدث في النفس معاني عالية وطيبة، فهذا كلام حسن وموسيقى حسنة لا بأس بها شرعاً.

🎓 ثانياً: رأي مشيخة الأزهر وإمام الدعاة

  • 🕌 الدكتور محمد سيد طنطاوي (شيخ الأزهر الراحل): أكد أن سماع الموسيقى، وحضور مجالسها، وتعلمها — أياً كانت آلاتها — هو من المباحات، ما لم تكن محركة للغرائز، أو باعثة على الغواية والمجون، أو مقترنة بفسق، أو ملهية عن الواجبات والطاعات.

  • 👤 الشيخ محمد متولي الشعراوي (إمام الدعاة): أجاز الغناء والموسيقى في الأفراح، والأعياد، وللتحفيز على الأعمال الشاقة والحروب، مؤكداً أن "كل شيء له غرض نبيل فهو مباح". ونبّه إلى أن أي كلام أو لحن (حتى لو لم يكن غناءً) إذا أخرج الإنسان عن سمت اعتداله ووقاره وأثار غريزته فهو حرام.

🏫 ثالثاً: حكم تعليم الأطفال الموسيقى في المدارس

أفادت دار الإفتاء بأنه لا مانع شرعاً من تعليم الأطفال في المدارس الأناشيد بمصاحبة الآلات الإيقاعية (كالطبلة، والدف، والمثلثات، والجلاجل) إذا كانت الأناشيد وطنية أو دينية وترسخ العادات الحسنة، وتساعد الأطفال على سرعة الحفظ.

📚 الأدلة الشرعية على ذلك:

1️⃣ من أصول الفقه: استدل العلماء بقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام: «الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب؛ فيكون بالقرآن، ويكون بالوعظ، ويكون بالحداء والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات». 2️⃣ من السنة المشرفة: لما زوّجت السيدة عائشة رضي الله عنها فتاة من الأنصار، قال لها النبي ﷺ: «أما كان معكن من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»، وفي رواية الطبراني: «فهل بعثتم معها بجارية تضرب بالدف وتغني؟».

🔍 رابعاً: هل ورد نص قطعي بالتحريم؟

أكدت دار الإفتاء المصرية في تحقيقها الفقهي الخلاصات التالية:

  • عدم ثبوت أحاديث التحريم: الأحاديث الواردة في تحريم الأغاني والموسيقى غير ثابتة عن الرسول ﷺ، ومنها أحاديث ضعيفة ومنكرة مثل: (صوتان ملعونان: مزمار عند نعمة) أو (بعثت بهدم المزمار). وبما أنه لم يرد نص صحيح صريح بالتحريم، فإن الأمر باقٍ على أصله وهو الإباحة.

  • 🕌 عمل أهل المدينة: تاريخياً، أباح أهل المدينة المنورة استماع الموسيقى والغناء الشعبية الدارجة.

  • 📖 الدليل من القرآن الكريم: استدل العلماء بعطف اللهو على التجارة في سورة الجمعة: «وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها»، وحكم المعطوف كالمعطوف عليه؛ فبما أن التجارة حلال بالإجماع، فكذلك اللهو المعتدل الذي كان يصاحب قدوم القوافل أو الأفراح أقرّه الشرع على أصل الإباحة ما لم يصد عن فرض.

  • 🧠 فقه المقاصد (الإمام الغزالي وابن حزم):

    • الإمام الغزالي: أكد أن الآلات تبقى على أصل الإباحة، عدا ما كان شعاراً للمجون وأهل الشرب في وقته.

    • الإمام ابن حزم: المناط هو النية؛ فمن نوى بالغناء ترويح نفسه وتقويتها على طاعة الله فهو مطيع محسن، ومن لم ينوِ طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه كمن يتنزه في بستانه.

#فقه #دار_الإفتاء #الموسيقى_والغناء #الشيخ_الشعراوي #علي_جمعة #فيسبوك

🛑 الموسيقى في حياتنا اليومية.. بين ضيق التشديد وسعة الدليل

 

🛑 الموسيقى في حياتنا اليومية.. بين ضيق التشديد وسعة الدليل

لا يزال الجدل حول الحكم الشرعي للموسيقى قائماً، فعلى الرغم من انتشار واستخداماتها التي تشعبت في عصرنا الحديث، إلا أنها ما تزال محل خلاف ونقاش مستمر. فاليوم، لا تكاد تخلو محطة تلفزيونية، أو قناة إذاعية، أو موقع تواصل من مقاطع موسيقية، فضلاً عن الأدوات اليومية التي نتعامل معها كأجراس الهواتف، والسيارات، والمنبهات، وساعات الحائط.

وبناءً على هذا الواقع الذي فرض نفسه، انقسم تعامل الناس مع الموسيقى إلى أربعة أصناف هامة:

👥 أولاً: الأصناف الأربعة في التعامل مع الموسيقى

  • 🔴 الصنف الأول (المتشدد في التجنب): يرى حرمتها بسائر أنواعها، فيغلق التلفاز فور انتهاء نشرة الأخبار لئلا يسمع الموسيقى التي تليها، أو يضع أصابعه في أذنيه إن سمعها في متجر. ويذكر لي صديق كان يعمل في مركز اتصال (Call Center)، أنه وضع زبوناً على قائمة الانتظار ليلبي طلبه، وبمجرد عودته تفاجأ بالزبون يصرخ غاضباً ويهدد بمقاطعة الشركة لأن خدمة الانتظار كانت تشغل مقطعاً موسيقياً، وهو لا يحل استماعها!

  • 🟢 الصنف الثاني (المفرط في الإباحة): يأتي على النقيض تماماً؛ فلا يرى حرمتها بأي شكل، أو ربما لا يهمه حكمها أصلاً، فيستمع إليها كيفما كانت دون التفات لكلماتها، أو ما يصاحبها من فيديو كليبات أو رقص خليع.

  • 🟡 الصنف الثالث (المنتقي بحسب الهوى): يحلل ويحرم بناءً على المسميات والأشخاص؛ فإن كانت منشدة بخلفية دينية سماها "أناشيد" وأجازها، وحرم ذات اللحن إن سُمي "موسيقى". ويدخل هذا الصنف في دوامة لا تنتهي من التفاصيل الفقهية المتناقضة (فيحلل الدف ويحرم الطبل، أو يحلل صوت العود إن صدر من البيانو ويحرمه من العود مباشرة!).

  • 🔵 الصنف الرابع (المقاصدي الواعي): ينظر إليها بحسب غاياتها وأوصافها المقارنة؛ فهي حلال عنده إن لم يخالطها محرم (كشرب منكر أو عري)، وحرام إن كان هذا محيطها، كما يحكم عليها بالنظر إلى الكلمات؛ فإن كانت هادفة تعزز الخلق السوي حللها، وإن كانت تدعو للرذيلة حرمها.

💭 ثانياً: أصل المسألة.. حوار مع الشيخ الطريفي

قد يقول قائل: "إن انتشار المحرم لا يعلل بالضرورة الحكم بحليته"، ونحن هنا لا نحلل حراماً ولا نحرم حلالاً، بل نقرأ المسألة من أصلها التشريعي بعيداً عن العادة والتقليد.

وقد استوقفني قبل أشهر تغريدة فضيلة الشيخ عبد العزيز الطريفي — وهو عالِم أُجله وأقدر علمه — قال فيها:

«تحليل المعازف لا يجلب الشك بتحريمها بقدر ما يجلب اليقين بنبوّة النبي ﷺ حيث أخبر عن وقوع ذلك بعده (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون.. المعازف)».

دارت في ذهني تساؤلات أرسلتها تعليقاً على تغريدته (ولا أدري إن كان قد اطلع عليها لضعف خبرتي بتويتر)، ومفادها:

  1. حديث "يستحلون" يخبر عن وقوع الفعل مستقبلاً، لكنه لا يعطي الحكم بالحرمة من منطوقه، بل يدل على أن التحريم عُلم من نص آخر، فما هو هذا النص الآخر؟

  2. هل الموسيقى محرمة لذاتها أم لوصف إضافي خارجي اعتراها؟ فإن كان لوصف خارجي فما حكمها إن زال هذا الوصف؟

  3. ما هو التعريف الشرعي الدقيق للموسيقى الذي يميزها عن بقية الأصوات الصادرة من الآلات اليومية؟

📚 ثالثاً: الحافظ الجديع يجيب ويفكك الأدلة

وجدت الإجابة الشافية لهذه التساؤلات في كتاب الدكتور عبد الله الجديع (عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) في كتابه الضخم "الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام" (الذي يزيد عن 600 صفحة)، وخلاصة تحقيقه للأدلة كالتالي:

1️⃣ الآيات القرآنية الواردة:

خلص الجديع إلى أن الآيات بمجملها لا تدل صراحة على حرمة المعازف؛ فالتحريم لم يرد فيها بشكل قطعي، وإنما تحرم الآيات كل ما من شأنه الصد عن سبيل الله والوقوع في المعصية (وهو أمر يشمل سائر أنواع اللغو والضلال). وتخصيص آية مثل (لهو الحديث) بالمعازف والطبل هو اجتهاد مفسرين لاحقين، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته تقييد الآية بالمعازف مطلقاً.

2️⃣ الأحاديث النبوية الواردة:

قسمها الدكتور الجديع إلى ثلاثة أقسام:

  • أحاديث ثابتة تحدثت بوصف عام عن تحريم اللهو الصاد عن طاعة الله.

  • أحاديث ثابتة لكنها ظنية الدلالة، ولم يرد التحريم فيها بشكل قطعي.

  • أحاديث تدل قطعاً على حرمة المعازف وتغلظ العقوبة (مثل: صب الرصاص المذاب في الأذن، أو بعثت بهدم المزمار)، لكنها أحاديث ضعيفة ومنكرة وغير صحيحة عن رسول الله ﷺ.

أما الحديث الشهير (يستحلون المعازف)، فقد صنفه الدكتور الجديع ضمن الأحاديث ضعيفة الإسناد (معلقات البخاري)، وعلى فرض صحته؛ فإن النهي فيه ليس متوجهاً للموسيقى بذاتها، بل هو إخبار عن حالة عامة من الانغماس في الترف، والمجون، والملذات (الخمر، الزنا، الحرير) التي سيتلبس بها بعض أبناء الأمة ويستحقون عليها المقت.

⚖️ الخلاصة الفقهية:

توصّلت هذه الدراسة العلمية إلى أنه لم ترد آية قرآنية ولا حديث صحيح في تحريم الموسيقى بشكل قطعي، ولم يُنقل هذا التحريم عن الصحابة ولا التابعين، ولم يُجمع عليه عموم الفقهاء.

وهذا يجعلنا ننظر إلى الموسيقى كبقية المعاملات والممارسات اليومية، تحكمها ضوابط الشرع العامة؛ إن اتبعتها فهي في دائرة الإباحة، وإن تجاوزتها فهي في دائرة الحرمة (لا لذاتها، بل لخروجها عن مقاصد الشرع بصفة إضافية عارضة).

💡 وكما لخصها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي باختصار بليغ: «الموسيقى الحلال حلال، والموسيقى الحرام حرام».

#فقه #الموسيقى_والغناء #عبد_الله_الجديع #أدب_الخلاف #تيسير #فيسبوك

🛑 سيرة السلف وأوهام الإجماع.. كيف تعامل الصحابة والفقهاء مع الغناء والموسيقى؟

 هذا المقال ممتاز جداً من الناحية البحثية والتاريخية؛ فهو يسلط الضوء على آثار بالغة الأهمية في كتب المذاهب والتراجم (مثل قصة آل الماجشون وإبراهيم بن سعد) والتي غالباً ما تُغفل في النقاشات المعاصرة. كما أن الخاتمة الأصولية حول "ظنية الأدلة" قوية جداً وتنم عن فهم عميق لروح الفقه الإسلامي.


🛑 سيرة السلف وأوهام الإجماع.. كيف تعامل الصحابة والفقهاء مع الغناء والموسيقى؟

يظن الكثيرون أن تحريم الغناء والموسيقى مسألة قُضي فيها الأمر بالإجماع، ولكن نظرة فاحصة في كتب الأثر والتراجم وسير سلف الأمة تكشف لنا حقائق تاريخية وفقهية مغايرة تماماً، وتوضح كيف عاش الصدر الأول من الأمة في فسحة وسعة من هذا الدين.

في هذه القراءة التوثيقية (المستندة لبحث الدكتور عبد الله الجديع)، نستعرض مواقف الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب من هذه القضية:

🔹 أولاً: غناء "النَّصْب" في حياة الصحابة رضوان الله عليهم

تواترت الآثار الصحيحة بأن الصحابة والتابعين كانوا يترنمون بالمرقّق من الشعر والغناء الشعبي الدارج في زمانهم، والمعروف بـ “النَّصْب”، ليدفعوا به السآمة في أعمالهم وأسفارهم:

  • 👤 عبد الله بن الزبير: ثبت عنه أنه قال: «ما أعلم رجلاً من المهاجرين إلا قد سمعته يترنم» وفي رواية: «يغنّى النَّصْب».

  • 👤 عمر بن الخطاب (في طريق الحج): كان مع الصحابة وهم محرمون، فاستأذنوه أن يغنيهم "رباح بن المغترف" (وكان متقناً لمقامات العرب)، فقال له عمر: «يا رباح، أسمِعهم، وقصّر عنهم المسير، فإذا أسحرت فارفع». وثبت عن عمر أيضاً قوله: «الغناء من زاد الراكب».

🔹 ثانياً: هل تحرجوا من الآلات الموسيقية؟

يرد البعض بأن رخصة الصحابة كانت في الغناء المجرد بلا آلة، وهو صحيح لندرة الآلات وقتها وانحصارها في الدف والمزمار والعود، ومع ذلك ثبت استعمال ما توفر منها:

  • 🔹 إقرار الدف: استمع النبي ﷺ لجاريتين تضربان بالدف، وحين قلن: "وفينا نبي يعلم ما في غد"، صحح الكلمات فقط قائلاً: «لا تقولوا هذا، ما يعلم ما في غد إلا الله»، ولم ينكر ضرب الدف.

  • 🔹 سماع عبد الله بن جعفر: كان رضي الله عنه مشهوراً بحب استماع الموسيقى والغناء، ورغم ذلك كان غاية في الورع والتقوى وقراءة القرآن بالليل، حتى امتدحه معاوية قائلاً: «هكذا قومي، رهبان بالليل، ملوك بالنهار».

💡 فلسفة الصحابة في الحياة: روي عن بكر بن عبد الله المزني قال: «كان صحابة رسول الله ﷺ يتبادحون البطيخ (يترامون به ترويحاً ولعباً)، فإذا كانت الحقائق، كانوا هم الرجال». فكل شيء عندهم بمقدار؛ ترويح في وقت الراحة، وجد واجتهاد في وقت العمل.

📚 ثالثاً: فقهاء المدينة وأئمة الحديث (مفاجآت تاريخية)

لم يكن الترخيص أمراً عابراً، بل ذهب إليه كبار فقهاء التابعين وتابعيهم:

  • 🕌 آل الماجشون (فقهاء المدينة): اشتهر عن هذا البيت الفقهي الكبير الترخيص؛ فكان يعقوب بن أبي سلمة يرى الغناء. ويقول يحيى بن معين عن ابنه يوسف: «كنا نأتيه، فيحدثنا في بيت، وجوارٍ له في بيت آخر يضربن بالمعزفة»، وأكد ابن معين أنهم في الحديث ثقات مخرّجون في الصحاح. وقال الحافظ الخليلي عن مفتي المدينة عبد الله بن عبد العزيز الماجشون: «يرى التسميع (الغناء)، ويرخص في العود».

  • 🕌 إبراهيم بن سعد: أحد الثقات الحفاظ الكبار (الذين احتج بهم البخاري ومسلم في صحيحيهما)، ورد تاريخياً أنه كان يجيد صناعة الغناء ويجيز الموسيقى.

⚖️ رابعاً: حقيقة مواقف أئمة المذاهب الأربعة

1️⃣ الإمام أبو حنيفة: لم يرد عنه قول صريح بالتحريم، بل أجاز بيع آلات الموسيقى (وهذا دليل جواز اقتنائها)، وما نُقل عنه من كراهة فُهمت على أنها كراهة تنزيهية لا تحريمية. 2️⃣ الإمام مالك بن أنس: لم يصرح بالتحريم مطلقاً، وإنما كرهه، وما نُسب إليهما من تحريم بات هو من فهم الأتباع المتأخرين لا من نصوص الأئمة. 3️⃣ الإمام الشافعي: لم يحرم الغناء، وإنما كره الإغراق فيه الذي يشغل عن الطاعات، وأباح يسيره، وشدد في بعض الآلات. 4️⃣ الإمام أحمد بن حنبل: هو الوحيد الذي ذهب كلامه نحو التشديد والتحريم، باستثناء الدف في الأعراس والطبل في الحروب.

📌 النتيجة الفقهية: القول بأن "جمهور فقهاء الأمة اتفقوا على التحريم المطلق" كلام غير دقيق علمياً، ويبطل دعوى تحقق "الإجماع" في المسألة.

💡 ختاماً: هل توضيح الحقائق الفقهية "فتنة"؟

يدعي البعض أن إبراز سعة الخلاف في هذه المسألة يتسبب في فتنة المسلمين! والواقع أن الفتنة الحقيقية هي تغييب الرأي الآخر وادعاء بطلانه أو عدم وجوده.

من لطف الله بالبشر أن جعل ثلاثة أرباع الأحكام الفقهية محل اجتهاد وخلاف، وهذا سر ديمومة الإسلام وحيويته. فالأحكام لا تكون قطعية مانعة للخلاف إلا إذا كان دليلها (قطعي الثبوت قطعي الدلالة)، وما دون ذلك (وهو الأغلب) يقع في دائرة الظنيات التي تتغير بتغير الحال والمصلحة والوضع.

نحن هنا لا نبتدع قولاً، بل ننقل بأمانة علمية ما سطره كبار المحققين كالدكتور عبد الله الجديع في مصنفاتهم.

#فقه #الموسيقى_والغناء #سيرة_السلف #أدب_الخلاف #تيسير #فيسبوك

🛑 الموسيقى والغناء.. حلال بسبعة أدلة وشرط واحد!

 

🛑 الموسيقى والغناء.. حلال بسبعة أدلة وشرط واحد

مسألة سماع الموسيقى مسألة خلافية فقهية، وليست من أصول العقيدة التي يُكفر أو يُفسق خالفها. ولم يرد في الشرع نص صحيح صريح يقطع بتحريم الموسيقى، ولذلك لا ينبغي للمسلمين أن يفسق بعضهم بعضاً، ولا ينكر أحد على غيره في مثل هذه المسائل؛ فالقاعدة الذهبية تقول: «إنما يُنكر المتفق عليه، ولا يُنكر المختلف فيه».

في هذا المنشور، نستعرض الأدلة السبعة التي تبين سماحة الإسلام وتيسيره في هذا الباب، مع بيان الشرط الحاسم للإباحة:

📚 أولاً: الأدلة السبعة من الوحي وتراث الأئمة

1️⃣ الدليل الأول: إقرار النبي ﷺ وإظهار فسحة الدين

ضربت الدفوف ورُفع الغناء بين يدي النبي ﷺ، فلما همَّ أبو بكر الصديق بالزجر والمنع، قال له رسول الله ﷺ: «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح».

2️⃣ الدليل الثاني: بطلان الاستدلال بآية (لهو الحديث)

قوله تعالى: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله» لا يُحمل على الغناء وحده كما يظن البعض، بل يرتد على أي لهوٍ باطل يصد عن الدين، سواء كان غيبة، أو نميمة، أو كلاماً فارغاً. أما تفسير ابن عباس رضي الله عنهما بأن المقصود به الغناء، فهو رأي واجتهاد منه وليس نصاً قرآنياً صريحاً بالتحريم، والآية قُيدت بالضلال والصد.

3️⃣ الدليل الثالث: فقه مقاصد القلوب (سلطان العلماء)

يرى إمام الشام وسلطان العلماء العز بن عبد السلام أن طريق صلاح القلوب يتنوع بحسب طبائع البشر؛ فمنهم من يصلح قلبه بالقرآن (وهم أفضل أهل السماع)، ومنهم من يصلح بالوعظ، ومنهم من يصلح بالحداء والنشيد، ومنهم من يصلح بالغناء بالآلات.. مما يدل على أنه يراها وسيلة شرعية لتحقيق الهدوء والسلام النفسي.

4️⃣ الدليل الرابع: النية تقلب العادة إلى عبادة (ابن حزم)

يقول الإمام ابن حزم الأندلسي مستدلاً بحديث «إنما الأعمال بالنيات»:

  • من استمع للغناء عوناً على معصية فهو فاسق (وكذلك أي شيء غير الغناء).

  • ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى على طاعة الله وينشط على البر فهو مطيع محسن، وفعله من الحق.

  • ومن لم ينوِ طاعة ولا معصية فهو معفو عنه، تماماً كمن يخرج للتنزه في بستانه.

5️⃣ الدليل الخامس: تلبية الفطرة والغرائز (الشيخ شلتوت)

في فتوى تاريخية للإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر السابق)، أكد أن الله خلق الإنسان بغريزة تميل إلى الطيبات والمستلذات التي تهدأ بها نفسه ويرتاح بها بدنه، والشريعة لم تأتِ لانتزاع هذه الغرائز بل لتهذيبها وتعديلها بما لا ضرر فيه، مستدلاً بقوله تعالى: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق».

6️⃣ الدليل السادس: الأصل في الأشياء الإباحة

بما أنه لم يصح نص صريح يحرم النغم والصوت الحسن، فإن المسألة تظل باقية على أصل الخلقة والحل، والشرع الشريف يُحذر بشدة من التجرؤ على تحريم ما لم يحرمه الله بلا برهان قطعي.

7️⃣ الدليل السابع: الغناء كلام (قاعدته الفقهية)

القاعدة الفقهية المستقرة عند المحققين تقول: «الغناء كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح»؛ فالأصل في الفنون هو الصوت والأداء، والحكم يدور مع المضمون وجوداً وعدماً.

⚖️ ثانياً: الشرط الواحد والضابط الحاسم

بناءً على ما سبق، نرى جواز الغناء سواء كان مصحوباً بالموسيقى أو لا، ولكن بشرط واحد حاسم:

⚠️ الشرط: ألا يدعو الغناء إلى معصية، وألا تتنافى معانيه وأداؤه مع معاني الشرع الشريف وعفافه، وألا يصحبه منكر.

🚨 تنبيهات فقهية مهمة:

  • حكم الفحش: ما كان فيه كلام فحش، أو مجون، أو فسق، أو تحريض على الرذيلة فهو حرام بيقين.

  • حد الإكثار: استدامة الغناء والموسيقى والإكثار منهما بشكل مفرط يشغل عن الواجبات، يخرج الفعل من حد "الإباحة" إلى حد "الكراهة"، وربما إلى "الحرمة" إذا ضيع الفرائض.

💡 الخلاصة الفقهية:

مدخل الإسلام إلى كل الفنون هو دعوتها إلى العفاف، والأمن، واستقرار النفس، لا إلى الإفساد والمجون. فكل فن وغناء يسير في هذا الإطار البنّاء فهو حلال طيب، وما تجاوز ذلك فهو ممنوع.

#فقه #الموسيقى_والغناء #الشيخ_شلتوت #تيسير #فقه_الوسطية #فيسبوك

🛑 فقه الوسطية | قراءة في كتاب "فقه الغناء والموسيقى" للعلامة يوسف القرضاوي

 هذا المقال يمثل قراءة نقدية وتلخيصاً علمياً متيناً لكتاب "فقه الغناء والموسيقى" للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي. المقال غني جداً بالمنهجية الفقهية والمحاكمة العقلية للأدلة، 


🛑 فقه الوسطية | قراءة في كتاب "فقه الغناء والموسيقى" للعلامة يوسف القرضاوي

تعد قضية الغناء والموسيقى من المسائل القديمة المتجددة التي يكثر حولها الجدال. ولعل من أعمق وأشمل ما كُتب في هذا الباب معاصراً، هو كتاب "فقه الغناء والموسيقى" للدكتور يوسف القرضاوي، حيث استقصى الأدلة، وناقش الآراء بعقلية الأصولي، ووضع الضوابط الحاسمة.

نستعرض في هذا المنشور خلاصة هذا الكتاب المرجعي المهم:

📌 أولاً: تفنيذ أدلة القائلين بالتحريم

استند القائلون بالتحريم إلى خمس آيات قرآنية وإلى حديث شهير في السنة، وقد ناقشهم الدكتور القرضاوي علمياً كالتالي:

1️⃣ الآيات القرآنية الخمس:

استدلوا بآيات مثل: (لهو الحديث) في سورة لقمان، والثناء على المعرضين عن (اللغو) و(الزور) في سورتي القصص والفرقان، وآية (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) في الإسراء، وآية (وأنتم سامدون) في سورة النجم.

  • رد القرضاوي: كل هذه الاستدلالات لا تسلم من اعتراضات وجيهة؛ فالتفسير بأن المقصود بها هو "الغناء" يعود لبعض الصحابة، وأقوال الصحابة في التفسير معينة على الفهم وليست نصوصاً ملزمة، خاصة وأن صحابة آخرين خالفوا هذا التفسير.

  • كما أن السياق في بعض الآيات يتحدث عن فعل يؤدي صاحبه إلى الكفر (ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا)، ولم يقل أحد من الأمة إن مجرد الغناء كفر مخرج من الملة.

2️⃣ حديث "المعازف" المعلق في البخاري:

هو الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف".

  • من حيث السند: الحديث ذكره البخاري "معلقاً" لا مسنداً متصلاً، ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده. وحتى الطرق التي حاول الحافظ ابن حجر وصلها، تدور حول راوٍ تكلم فيه النقاد وهو (هشام بن عمار)، حيث قال عنه أبو داود: "حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها".

  • من حيث الدلالة: لفظ "المعازف" مجمل ولم يتفق على معناه بدقة. وحتى لو سُلّم بأنها الآلات الموسيقية، فإن كلمة "يستحلون" تحتمل مجازاً الاسترسال في الاستعمال؛ لأن الاستحلال الحقيقي للحرام القطعي (كالزنا والخمر) كفر بالإجماع، بينما لم يقل أحد بكفر العازف أو المستمع.

📌 ثانياً: أدلة المجيزين (الأصل هو الإباحة)

يرى القرضاوي أن مجرد غياب دليل صحيح صريح على التحريم كافٍ للقول بالإباحة بناءً على القاعدة الأصولية: "الأصل في الأشياء الإباحة"، ومع ذلك فإن السنة حافلة بالأدلة:

  • 🔹 حديث الجاريتين في بيت النبوة: حين غنتا وضربتا بالدف في يوم عيد، فأنكر أبو بكر، فقال له النبي ﷺ: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد».

  • 🔹 حديث الوفاء بالنذر: حين نذرت جارية سوداء إن رد الله النبي سالماً أن تضرب بالدف وتتغنى بين يديه، فقال لها: «إن كنت نذرت فاضربي». والقاعدة تقول: لا نذر في معصية.

  • 🔹 مقاصد الشريعة: التيسير على النفس ورفع الحرج والتخفيف عن العباد، وإباحة الطيبات والزينة.

📌 ثالثاً: هل وجد في عصر النبوة والصحابة مغنون ومغنيات؟

يجيب القرضاوي بنعم، مستنداً إلى آثار وتراجم تاريخية صحيحة:

  1. قينة بني فلان: التي سأل النبي ﷺ عائشة عنها: «تحبين أن تغنيك؟» فغنت لها.

  2. أرنب المدنية: ترجم لها ابن حجر في الإصابة، ووجه النبي ﷺ عائشة أن ترسلها لتغني في عرس الأنصار لأنهم يحبون اللهو.

  3. حمامة: مغنية من جواري الأنصار، جاء ذكر اسمها في بعض روايات حديث العيد.

  4. سيرين: جارية حسان بن ثابت (أخت مارية القبطية) التي أهداها له النبي ﷺ وولدت له ابنه عبد الرحمن، وكانت مغنية.

🛑 رابعاً: الموقف الحازم من "غناء العري والخلاعة" المستحدث

يرد الدكتور القرضاوي بقوة على من اتهمه بإباحة الغناء مطلقاً ويقول:

"هذا محض افتراء، لم أطلق الإباحة يوماً ما، بل قيدتها بضوابط من حيث الكم والكيف والمضمون والأداء".

ويؤكد أن الغناء بصورته المعاصرة اليوم في كثير من القنوات الفضائية والفيديو كليبات — وما يصحبه من رقص، وخلاعة، وصور مثيرة، وفتيات كاسيات عاريات — هو غناء محرم بيقين؛ لا لذاته، بل لما يصحبه من مثيرات ومضلات، فقد تحول من شيء "يُسمع" إلى رقص خليع "يُرى".

⚖️ خامساً: الضوابط والقيود الشرعية الأربعة

لكي يكون الغناء مباحاً، اشترط القرضاوي أربعة ضوابط:

  1. سلامة المضمون: ألا يحتوي النص على ما يخالف العقيدة أو الأخلاق (كالمدح في الخمر أو تمجيد الرذيلة).

  2. سلامة الأداء: ألا يكون في طريقة الغناء تكسر، أو تميع، أو إغراء يثير الشهوات.

  3. عدم الاقتران بمحرم: كالخمر، أو التبرج، أو مجالس المجون.

  4. عدم الإسراف: ألا يستهلك الغناء وقت المسلم ويشغله عن واجباته الدينية والدنيوية.

💡 كلمة ختامية: لا إنكار في مسائل الاجتهاد

يختم القرضاوي رسالته بالتأكيد على قاعدة ذهبية: "قضية الغناء والموسيقى مساحة اجتهادية اختلف فيها السلف والخلف".

لذا، لا يحق لمن اقتنع برأي (سواء بالتحريم أو الإباحة) أن يعنف أو ينكر على المخالف له هجوماً وتشنيعاً، بل يكفي النقاش العلمي الهادئ، مستشهداً بنقولات عن ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، والسيوطي في أدب الخلاف الفقهي.

#فقه #القرضاوي #الموسيقى_والغناء #فقه_الوسطية #تراث #تيسير

🚫 تحذير شديد من التساهل في إطلاق كلمة "حرام" على الموسيقى والغناء بدون دليل صحيح وصريح من الكتاب والسنة

 

🚫  تحذير شديد من التساهل في إطلاق كلمة "حرام" على الموسيقى والغناء بدون دليل صحيح وصريح من الكتاب والسنة

كثيراً ما يُشاع في الخطاب الديني المعاصر أن تحريم الموسيقى والغناء أمرٌ مقطوع به ومجمع عليه، ولكن نظرة فاحصة على مدونات السنة النبوية، وتبويبات أئمة الحديث، وسير الصحابة والتابعين، تكشف لنا عن مساحة واسعة من التيسير والرخصة عاشها الصدر الأول من الأمة.

في هذا العرض التوثيقي، نستعرض الأدلة التاريخية والفقهية التي استند إليها مجيزو الغناء والموسيقى من كبار علماء الأمة.

🔹 أولاً: الأدلة من السنة النبوية المطهرة

1️⃣ حديث عيد منى في بيت النبوة

في الحديث المتفق عليه، دخل أبو بكر الصديق على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان تضربان بالدف وتغنيان، فانتهرهما، فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد».

  • وجه الدلالة: وقع الغناء والضرب بالدف داخل بيت النبي ﷺ وبسماعه، وأنكر ﷺ على من أراد المنع. والرد على من قال إن العيد استثناء، هو أن العيد يُتوسع فيه بالمباحات ولا يُباح فيه المحرم مطلقاً، ويقاس على العيد كل مناسبة سارة.

2️⃣ الدفوف في الأعراس والمناسبات

  • في الأعراس: روت الربيع بنت معوذ أن الجواري ضربن بالدف وتغنين في صبيحة عرسها بحضور النبي ﷺ (رواه البخاري وابن ماجه).

  • توجيه النبي لعائشة: حين زفت عائشة امرأة من الأنصار، قال لها النبي ﷺ: «يا عائشة ما كان معهم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» (رواه البخاري). وفي رواية ابن حبان: «ألا تغنين؟ فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء».

3️⃣ إجازة الوفاء بالنذر بالضرب والغناء

جاءت جارية سوداء للنبي ﷺ بعد إحدى الغزوات وقالت: إني نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغني، فقال لها: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا» (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني).

  • وجه الدلالة: القاعدة الشرعية تقرر أنه "لا نذر في معصية"، فإذن النبي ﷺ لها يثبت أن الفعل ليس بمعصية.

4️⃣ سماع القينات (المغنيات)

روى النسائي وصححه الألباني أن امرأة (قينة) جاءت، فقال النبي ﷺ لعائشة: «هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟» فغنتها. ودل هذا على وجود الغناء في غير العيد والعرس أيضاً.

🔹 ثانياً: مواقف الصحابة وأفعالهم (رضوان الله عليهم)

لم يجد حرجاً كثير من سادات الصحابة في ترنم الشعر أو سماع الغناء الخفيف:

  • 👤 عبد الله بن جعفر: نُقل عنه سماع الغناء واستفاض ذلك عنه، ووصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه كان "وافر الحشمة كثير التنعم وممن يستمع الغناء".

  • 👤 عبد الله بن الزبير وبلال بن رباح: روى البيهقي بإسناد صحيح أن ابن الزبير كان يترنم بالغناء، ولما سُئل عن ترنم بلال وهو متكئ، قال: «وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب (نوع من الغناء العربي)؟».

  • 👤 عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف: في طريق الحج، طلب عبد الرحمن بن عوف من رباح بن المغترف أن يغنيهم ليقصر عنهم المسير، فلما أدركهم عمر بن الخطاب واعتذر عبد الرحمن بقوله: "ما بأس بهذا نلهو ونقصر عنا"، أقره عمر قائلاً: «فإن كنت آخذاً فعليك بشعر ضرار بن الخطاب» (أثر صحيح صححه الألباني والجديع).

  • 👤 حسان بن ثابت: تذكر الروايات التاريخية (في سير الذهبي والكامل للمبرد) أن حسان بن ثابت رضي الله عنه بعدما كفّ بصره كان يحضر المجالس وتغنيه الجواري بشعره فيطرب وتبكي عيناه ذكريات الماضي.

  • 👤 أسامة بن زيد: أخرج البيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين أن أسامة بن زيد رضي الله عنه رُئي في مسجد رسول الله ﷺ مضجعاً رافعاً إحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى "النصب".

🔹 ثالثاً: مواقف التابعين وتابعيهم وأئمة المذاهب

  • 🎓 سعيد بن المسيب (فقيه المدينة): روى ابن عبد البر أنه سمع الغناء واستلذ به وضرب برجله قائلاً: "هذا والله ما يلذ سماعه"، وكان يرخص لابنته في اللعب بالطبل الكبير المدور.

  • 🎓 القاضي شريح والشعبي: نُقل عنهما تمييز الألحان والأصوات ومعرفتها.

  • 🎓 عطاء بن أبي رباح: سُئل عن الغناء بالشعر فقال: "لا أرى به بأساً ما لم يكن فحشاً".

  • 🎓 عمر بن عبد العزيز: قبل خلافته وإبان إمرته على المدينة، كان يأنس بمجالسة يعقوب بن دينار الماجشون (الذي كان معروفاً بتعليم الغناء واتخاذ القيان بجانب صدقه في رواية الحديث).

  • 🎓 إبراهيم بن سعد الزهري (شيخ الشافعي): أفتى بتحليله، وكان يغني، وروى للخليفة هارون الرشيد أن إمام دار الهجرة مالك بن أنس حضر مجالس فيها عزف وغناء وكان مع مالك دف مربع يغنيهم عليه.

⚖️ الخلاصة الفقهية لأئمة المذاهب الأربعة

1️⃣ الإمام أبو حنيفة: شفع لِجارٍ له مغنٍّ سُجن بالليل وأخرجه، ويرى المحققون أن ما ورد عنه في الكراهة محمول على الغناء المقترن بالفحش أو المنكر.

2️⃣ الإمام مالك بن أنس: حكى عنه زكريا الساجي والقفال وغيرهم أنه لم يكن يرى بالغناء بأساً، وكان يرى اللهو الخفيف (كالدف والكَبَر) أمراً خفيفاً ومباحاً.

3️⃣ الإمام الشافعي: قال في كتاب الأم: "إذا كان يرضى بالغناء لنفسه كان مستخفاً، وإن لم يكن محرماً بيّن التحريم". وأكد الغزالي أن التحريم ليس من مذهبه أصلاً.

4️⃣ الإمام أحمد بن حنبل: ذكر ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص 221) أن الإمام أحمد سمع قوالاً عند ابنه صالح ولم ينكر عليه. فلما سأله صالح: "يا أبت أليس كنت تنكر هذا؟"، أجاب أحمد: «إنما قيل لي إنهم يستعملون المنكر فكرهته، فأما هذا فإني لا أكرهه».

  • أكد ابن عقيل في كتاب الفصول صحة هذه الرواية، كما ذكر أصحاب المذهب عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء.

📚 رابعاً: كيف بوّب أئمة الحديث لـ "رخصة الغناء" في مصنفاتهم؟

توضح عناوين الأبواب (التراجم) في كتب السُنّة المعتمدة كيف فهم جهابذة الحديث رخصة الغناء واللعب، حيث لم يرووها كأحاديث عابرة، بل أسسوا عليها أحكاماً فقهية واضحة:

  • 📖 الإمام البخاري: بوّب في صحيحه بـ "باب سنة العيدين لأهل الإسلام"، حيث جعل الغناء يوم العيد من سنن الإسلام المأثورة كما فعل وقاله رسول الله ﷺ.

  • 📖 الإمام مسلم: بوّب بـ "باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد"، لتأصيل إباحة اللعب وسماه رخصة ما لم يختلط بمعصية.

  • 📖 الحافظ النسائي: بوّب بـ "باب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد"، وترجم في النكاح بـ "اللهو والغناء عند العرس".

  • 📖 ابن ماجه: بوّب بـ "باب إعلان النكاح" وذكر فيه ضرب الدف، ثم ترجم بـ "باب الغناء والدف".

  • 📖 الإمام البيهقي: بوّب في السنن الكبرى بـ "باب ما لا ينهى عنه من اللعب" وباب "لا بأس باستماع الحداء ونشيد الأعراب كثر أو قل".

  • 📖 الحاكم النيسابوري: بوّب في مستدركه بـ "رخصة الغناء في العرس". وذكر في كتاب تاريخ نيسابور أنه كان يلتقي بفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الابريسمي للسماع من "هزارة"، ووصفها بأنها كانت من "مستورات القوالات" (المغنيات العفيفات).

💡 كلمة الفصل للإمام الشوكاني: "إن السماع بآلة وغيرها من مواطن الخلاف بين أهل العلم، وليست من المسائل التي ينبغي التشديد في النكير على فاعلها... وأن زعم البعض بأن تحريم الغناء بآلة وغيرها من القطعيات المجمع عليها هو جهالة لا محالة وقصور باع بغير نزاع.. فقصدنا الذب عن أعراضهم الشريفة والدفع عن هذا الجناب للعقول السخيفة".

#فقه #السنة_النبوية #تراث #تيسير #الموسيقى_والغناء

🛑 هل الغناء والموسيقى محرمان مطلقاً؟ | إضاءة على أدلة الإباحة في السنة وسيرة السلف

 

🛑 هل الغناء والموسيقى محرمان مطلقاً؟ | إضاءة على أدلة الإباحة في السنة وسيرة السلف

كثيراً ما يُشاع في الخطاب الديني المعاصر أن تحريم الموسيقى والغناء أمرٌ مقطوع به ومجمع عليه، ولكن نظرة فاحصة على مدونات السنة النبوية، وتبويبات أئمة الحديث، وسير الصحابة والتابعين، تكشف لنا عن مساحة واسعة من التيسير والرخصة عاشها الصدر الأول من الأمة.

في هذا العرض التوثيقي، نستعرض الأدلة التاريخية والفقهية التي استند إليها مجيزو الغناء والموسيقى من كبار علماء الأمة.

🔹 أولاً: الأدلة من السنة النبوية المطهرة

1. حديث عيد منى في بيت النبوة

في الحديث المتفق عليه، دخل أبو بكر الصديق على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان تضربان بالدف وتغنيان، فانتهرهما، فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد».

  • وجه الدلالة: وقع الغناء والضرب بالدف داخل بيت النبي ﷺ وبسماعه، وأنكر ﷺ على من أراد المنع. والرد على من قال إن العيد استثناء، هو أن العيد يُتوسع فيه بالمباحات ولا يُباح فيه المحرم مطلقاً، ويقاس على العيد كل مناسبة سارة.

2. الدفوف في الأعراس والمناسبات

  • في الأعراس: روت الربيع بنت معوذ أن الجواري ضربن بالدف وتغنين في صبيحة عرسها بحضور النبي ﷺ (رواه البخاري وابن ماجه).

  • توجيه النبي لعائشة: حين زفت عائشة امرأة من الأنصار، قال لها النبي ﷺ: «يا عائشة ما كان معهم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» (رواه البخاري). وفي رواية ابن حبان: «ألا تغنين؟ فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء».

3. إجازة الوفاء بالنذر بالضرب والغناء

جاءت جارية سوداء للنبي ﷺ بعد إحدى الغزوات وقالت: إني نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغني، فقال لها: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا» (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني).

  • وجه الدلالة: القاعدة الشرعية تقرر أنه "لا نذر في معصية"، فإذن النبي ﷺ لها يثبت أن الفعل ليس بمعصية.

4. سماع القينات (المغنيات)

روى النسائي وصححه الألباني أن امرأة (قينة) جاءت، فقال النبي ﷺ لعائشة: «هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟» فغنتها. ودل هذا على وجود الغناء في غير العيد والعرس أيضاً.

🔹 ثانياً: مواقف الصحابة وأفعالهم (رضوان الله عليهم)

لم يجد حرجاً كثير من سادات الصحابة في ترنم الشعر أو سماع الغناء الخفيف:

  • عبد الله بن جعفر: نُقل عنه سماع الغناء واستفاض ذلك عنه، ووصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه كان "وافر الحشمة كثير التنعم وممن يستمع الغناء".

  • عبد الله بن الزبير وبلال بن رباح: روى البيهقي بإسناد صحيح أن ابن الزبير كان يترنم بالغناء، ولما سُئل عن ترنم بلال وهو متكئ، قال: «وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب (نوع من الغناء العربي)؟».

  • عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف: في طريق الحج، طلب عبد الرحمن بن عوف من رباح بن المغترف أن يغنيهم ليقصر عنهم المسير، فلما أدركهم عمر بن الخطاب واعتذر عبد الرحمن بقوله: "ما بأس بهذا نلهو ونقصر عنا"، أقره عمر قائلاً: «فإن كنت آخذاً فعليك بشعر ضرار بن الخطاب» (أثر صحيح صححه الألباني والجديع).

  • حسان بن ثابت: تذكر الروايات التاريخية (في سير الذهبي والكامل للمبرد) أن حسان بن ثابت رضي الله عنه بعدما كفّ بصره كان يحضر المجالس وتغنيه الجواري بشعره فيطرب وتبكي عيناه ذكريات الماضي.

  • أسامة بن زيد: أخرج البيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين أن أسامة بن زيد رضي الله عنه رُئي في مسجد رسول الله ﷺ مضجعاً رافعاً إحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى "النصب".

🔹 ثالثاً: مواقف التابعين وتابعيهم وأئمة المذاهب

  • سعيد بن المسيب (فقيه المدينة): روى ابن عبد البر أنه سمع الغناء واستلذ به وضرب برجله قائلاً: "هذا والله ما يلذ سماعه"، وكان يرخص لابنته في اللعب بالطبل الكبير المدور.

  • القاضي شريح والشعبي: نُقل عنهما تمييز الألحان والأصوات ومعرفتها.

  • عطاء بن أبي رباح: سُئل عن الغناء بالشعر فقال: "لا أرى به بأساً ما لم يكن فحشاً".

  • عمر بن عبد العزيز: قبل خلافته وإبان إمرته على المدينة، كان يأنس بمجالسة يعقوب بن دينار الماجشون (الذي كان معروفاً بتعليم الغناء واتخاذ القيان بجانب صدقه في رواية الحديث).

  • إبراهيم بن سعد الزهري (شيخ الشافعي): أفتى بتحليله، وكان يغني، وروى للخليفة هارون الرشيد أن إمام دار الهجرة مالك بن أنس حضر مجالس فيها عزف وغناء وكان مع مالك دف مربع يغنيهم عليه.

⚖️ الخلاصة الفقهية لأئمة المذاهب الأربعة

  1. الإمام أبو حنيفة: شفع لِجارٍ له مغنٍّ سُجن بالليل وأخرجه، ويرى المحققون أن ما ورد عنه في الكراهة محمول على الغناء المقترن بالفحش أو المنكر.

  2. الإمام مالك بن أنس: حكى عنه زكريا الساجي والقفال وغيرهم أنه لم يكن يرى بالغناء بأساً، وكان يرى اللهو الخفيف (كالدف والكَبَر) أمراً خفيفاً ومباحاً.

  3. الإمام الشافعي: قال في كتاب الأم: "إذا كان يرضى بالغناء لنفسه كان مستخفاً، وإن لم يكن محرماً بيّن التحريم". وأكد الغزالي أن التحريم ليس من مذهبه أصلاً.

  4. الإمام أحمد بن حنبل: ذكر ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص 221) أن الإمام أحمد سمع قوالاً عند ابنه صالح ولم ينكر عليه. فلما سأله صالح: "يا أبت أليس كنت تنكر هذا؟"، أجاب أحمد: «إنما قيل لي إنهم يستعملون المنكر فكرهته، فأما هذا فإني لا أكرهه».

    • وقد أكد ابن عقيل في كتاب الفصول صحة هذه الرواية، كما ذكر أصحاب المذهب عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء.

📚 رابعاً: كيف بوّب أئمة الحديث لـ "رخصة الغناء" في مصنفاتهم؟

توضح عناوين الأبواب (التراجم) في كتب السُنّة المعتمدة كيف فهم جهابذة الحديث رخصة الغناء واللعب، حيث لم يرووها كأحاديث عابرة، بل أسسوا عليها أحكاماً فقهية واضحة:

الإمام الحافظعنوان الباب (الترجمة) في كتاب الحديثالدلالة الفقهية للتبويب
الإمام البخاريباب سنة العيدين لأهل الإسلامجعل الغناء يوم العيد من سنن الإسلام المأثورة.
الإمام مسلمباب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيدتأصيل إباحة اللعب وسمّاه رخصة ما لم يختلط بمعصية.
الحافظ النسائي

باب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد


وباب: اللهو والغناء عند العرس

التنصيص الصريح على رخصة الاستماع للغناء في العيد والعرس.
ابن ماجه

باب إعلان النكاح (وذكر فيه ضرب الدف)


وباب: الغناء والدف

إقرار مشروعية الغناء والدف كوسيلة لإشهار الزواج.
الإمام البيهقي

باب ما لا ينهى عنه من اللعب


وباب: لا بأس باستماع الحداء ونشيد الأعراب كثر أو قل

إباحة سماع الحداء والنشيد بمختلف أشكاله وأحجامه.
الحاكم النيسابوريرخصة الغناء في العرس (في كتاب تاريخ نيسابور والمستدرك)ذكر الحاكم أنه كان يلتقي بفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الابريسمي للسماع من "هزارة"، ووصفها بأنها كانت من "مستورات القوالات" (المغنيات العفيفات).

💡 كلمة الفصل للإمام الشوگاني:

"إن السماع بآلة وغيرها من مواطن الخلاف بين أهل العلم، وليست من المسائل التي ينبغي التشديد في النكير على فاعلها... وأن زعم البعض بأن تحريم الغناء بآلة وغيرها من القطعيات المجمع عليها هو جهالة لا محالة وقصور باع بغير نزاع".

#فقه #السنة_النبوية #تراث #تيسير #الموسيقى_والغناء