الاثنين، 29 يونيو 2026

هل نهى النبي ﷺ عن كسب العازفة؟


هل نهى النبي ﷺ عن كسب العازفة؟

مقدمة: عندما تُساق النصوص في غير موضعها في سياق الحشد المستمر للأدلة النبوية لمحاولة إثبات تحريم الغناء والموسيقى، يستدعي الخطاب التضييقي حديث النبي ﷺ: (بئسَ الكسبُ أجر الزَّمَّارة وثمن الكلب). ويزعمون هنا أن "الزمّارة" في النص هي المرأة المغنية أو العازفة، وبالتالي يكون النهي عن كسبها دليلاً على تحريم مهنتها وآلتها. بيد أن التحقيق العلمي الشامل استناداً إلى لسان العرب، وأقوال أئمة النقد، وقواعد تفسير السنّة بالسنّة، يكشف عن خطأ فاحش في هذا الفهم، ويثبت عبر ثلاثة أوجه رئيسية أن الحديث لا صلة له بموضوع المعازف من قريب أو بعيد:

أولاً: التحقيق اللغوي عند جهابذة اللسان العربي

إن تفسير "الزمَّارة" بالمغنية أو العازفة في هذا السياق هو تفسير ساقط لغوياً؛ فالصحيح المقر في وضع اللسان العربي أن الزمَّارة هي "الزانية البغي":

  • تفسير رواة الحديث: قال الحجّاج بن محمّد المصّيصي (وهو أحد الرواة الأثبات للحديث عينه): "الزمّارة: الزانية".

  • تأييد إمام اللغة أبو عبيد: عقّب الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام على هذا التفسير قائلاً: "هذا عندنا أثبت ممَّنْ خالفه. إنّما نهى رسول الله ﷺ عن كسب الزانية، وبه نزل القرآن في قوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا)، فهذا العَرَض هو الكسب وهو مهر البغي".

  • إقرار ابن قتيبة وابن الأنباري: جزم الإمام ابن قتيبة بأنها "البَغِيُّ". وشرح الإمام أبو بكر بن الأنباري ذلك بقوله: "الزمّارة: الفاجرة؛ لأنها تُحسِّن نفسها وكلامها. والزَّمِرُ عند العرب: الحَسَن". ومنه قيل للفاجرة زمرت نفسها أي حسنتها وزينتها لطلب الفاحشة، وقيل سميت بذلك لمهانتها وقلة الخير فيها من قولهم "زَمِرُ المروءة" أي قليلها.

ثانياً: شواهد الرواية وتفسير الراوي (أبو هريرة)

إن تتبع طرق الرواية عن راوي الحديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه يقطع الشك باليقين:

  1. روى أبو هريرة اللفظ مرة بقوله: (بئس الكسب أجر الزمَّارة).

  2. ورواه مرة أخرى بلفظ: (نهى رسول الله عن مهر الزمَّارة).

  3. ورواه بلفظ: (نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء).

إن هذا التنوع اللفظي في الروايات يوضح يقيناً أن (أجر الزمّارة) هو مرادف حتمي لـ (مهر الزمّارة)، ومرادف لـ (كسب الإماء في البغاء). وورود لفظ "المهر" هنا ينسف فكرة الآلة الموسيقية نسفاً، إذ المهر لا يُطلق في لسان الشريعة إلا على النكاح أو البغاء (مهر البغي). وحيث إن أبا هريرة رضي الله عنه عربي قح فصيح عليم بمرادات كلام العرب، فإن رواياته يفسر بعضها بعضاً وتُقدّم على تخمينات المتأخرين.

ثالثاً: المحاكمة بأسلوب "تفسير الحديث بالحديث"

إن من راسخ القواعد الأصولية أن أحسن ما يُفسَّر به الحديث هو الحديث نفسه. واللفظ الوارد في النص: (أجر الزمَّارة وثمن الكلب)، يجد تفسيره الصريح والشافي في حديث صحابي آخر وهو أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه في الصحيحين حيث قال: (إنّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغيّ، وحلوان الكاهن).

بالمطابقة الفقهية والحديثية بين النصين، يتضح بوضوح الشمس أن لفظ "مهر البغي" في حديث أبي مسعود هو ذاته لفظ "أجر الزمّارة" في حديث أبي هريرة، والنهي منصب على ذات العلة القبيحة.

خلاصة وفصل خطاب

بناءً على هذه المعطيات العلمية الصارمة، يسقط استدلال المحرمين بهذا الحديث سقوطاً مدوياً؛ فليس في النص شِبهة دليل، ولا أقل من دلالة، بل ليس له أي صلة بمسألة الغناء، أو الموسيقى، أو آلات المعازف أصلاً. وإنما هو نص شريف جاء لحماية أعراض النساء ومحاربة كسب البغاء والجاهلية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق