الغناء والموسيقى في صدر الإسلام.. التاريخ المغيَّب وثقافة الترفيه والترويح 🎶⚖️
نص المقال منسقاً ومنقحاً بالكامل للفيسبوك:
يشهد تاريخنا الإسلامي على أن فنون الغناء والشعر وأدوات الموسيقى كانت جزءاً لا يتجزأ من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية في العاصمتين المقدستين (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، كأحد أبرز نماذج اللهو والترفيه منذ بزوغ فجر الإسلام.
هذه الفنون كانت امتداداً لما كانت عليه في العصر الجاهلي، ولكن تم تهذيبها مع دخول الإسلام بمعايير الدين وأحكامه؛ للحفاظ على الأخلاق والآداب العامة.
نُعيد في هذا المبحث تسليط الضوء على هذا التاريخ الثري الذي غُيِّب إعلامياً وثقافياً خلال عقود ما يُسمى بحراك «الصحوة» —التي آثرت فرض الزهد وغض الطرف عن مظاهر الترفيه الفطري— لنستكشف مجدداً كيف كان صدر الإسلام يتعامل مع هذه الفنون، خاصة في ظل الازدهار الكبير الذي يشهده قطاع «الترفيه» اليوم.
⚖️ موقف العلماء وعدم وجود منع قرآني مباشر
لقد اختلف العلماء عبر القرون حول الموسيقى والغناء ما بين محلل ومحرم. ومن المسلَّم به تاريخياً وعلمياً عدم وجود أية كلمة كراهية أو تحريم مباشرة للموسيقى في القرآن الكريم؛ لذا استندت غالبية الأدلة والحجج إلى الأحاديث السيرة النبوية.
وقد حثَّ رسول الله ﷺ على التغنِّي بالقرآن، وما التجويد إلا تحسين الصوت البشري وتجميله. وفي السيّاق الاجتماعي، نجد الأثر الصحيح يثبت إباحة هذا اللهو الفطري:
🟩 الدليل الأول (في الأعياد): في الحديث الصحيح (البخاري ومسلم) عن عائشة رضي الله عنها: «دخل عليَّ أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان بما تقاوَلَتْ به الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليست بِمُغنيتَيْن، فقال أبوبكر: أَبِمَزمور الشَّيطان في بيت رسول الله؟! وذلك في يوم عيد، فقال رسولُ الله ﷺ: يا أبا بكر، إنَّ لكلِّ قومٍ عيداً، وهذا عيدنا».
🟩 الدليل الثاني (في الأفراح): روى البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة أنها زفَّت امرأة من الأنصار، فقال النبِيُّ ﷺ: «يا عائشة: ما كان معكم من لَهْو؟ فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو».
⏱️ فلسفة الترويح: "ساعة وساعة"
وفي صحيح مسلم، يظهر بوضوح تأصيل مفهوم الترفيه والترويح عن النفس في حديث الصحابي حنظلة رضي الله عنه، حين قال: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال الرسول: «وما ذلك؟» قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة «ساعة وساعة».. ثلاث مرات».
وهذا يدل على الأهمية البالغة للترفيه في ضوء القيم الإسلامية لتخفيف التعب وإدخال السرور على النفس البشرية. وفي هذا السياق، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: 💬 «من لم يحركه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج». وهي مقولة تحث على دور المباح من الفنون في رفع الذائقة السمعية للإنسان.
📚 أعلام الفقهاء الذين أباحوا السماع والغناء
حفل التاريخ الإسلامي بفقهاء كبار أفردوا مصنفات كاملة لبيان مشروعية الغناء والموسيقى، ومنهم:
🔹 عبدالغني النابلسي في كتابه (إيضاح الدلالات في سماع الآلات).
🔹 محمد بن علي الشوكاني في (إبطال دعوى الإجماع على تحريم السماع).
🔹 ابن حزم الأندلسي في كتاب (المحلى).
🔹 ابن القيسراني في كتاب (السماع).
🔹 أبو حامد الغزالي في كتاب (آداب السماع والوجد).
💡 إضاءة تاريخية: إن التحفظ الذي ظهر في صدر الإسلام لدى البعض لم يكن تحريماً لذات الصوت، بل نتيجة لشدة ارتباط الغناء في العصر الجاهلي بطقوس الشرك والابتذال؛ فكان من الطبيعي للإسلام أن يُحدث ثورة تهذيبية تُحرر الغناء من العادات الجاهلية المرفوضة وتوجهه نحو غايات راقية.
🗺️ مواطن الغناء في الجزيرة العربية والمراجع التاريخية
استأثر الغناء في الجزيرة العربية (وخاصة منطقة الحجاز بحاضرتيها مكة والمدينة) باهتمام كبار مؤرخي الحياة الثقافية؛ حيث أفرد الأصفهاني أجزاءً كبيرة من موسوعته الشهيرة «الأغاني» لأخبار المغنين، وتناول ابن عبدربه في «العقد الفريد» فصلاً كاملاً عن الغناء. كما أرّخ للمسألة كل من: الطبري، المسعودي، السيوطي، وابن خلدون في مقدمته.
وفي العصر الحديث، شكلت دراسات أحمد تيمور باشا (الموسيقى والغناء عند العرب)، وخليل مردم (جمهرة المغنين)، وهنري جورج فارمر مرجعية تاريخية تؤكد ريادة الحجاز الفنية.
🌴 جذور الغناء الحجازي قبل الإسلام وبعده
يعود أصل الغناء الحجازي للعصر الجاهلي؛ حيث تحولت مكة (عبر قبيلة جرهم) إلى حاضرة تستقطب الفنون من اليمن، الحيرة، بلاد الغساسنة، فارس، والروم. وتطور هذا الفن تدريجياً باستخدام آلات وترية وهوائية. ويذكر ابن عبد ربه: «أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهراً فاشياً وهي: المدينة، والطائف، وخيبر، ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة».
وفي عصر صدر الإسلام، تحول الغناء في الحجاز إلى حركة فنية مجردة راقية، تقوم على اختيار قصائد فحول الشعراء، والإبداع اللحني، وحسن الأداء، وبلغ أوج فخامته لاحقاً في قصور الخلفاء والأمراء.
ومن الشواهد النبوية البارزة في استحسان الصوت المطرب:
قول النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود».
توجيهه ﷺ لعائشة في عرس الأنصار بأن يُبعث مع العروس من يُغني باللحن التراثي المبهج: (أتيناكم أتيناكم..) لأن الأنصار يعجبهم الغزل.
حديث أنس في صحيح مسلم عندما طلب النبي ﷺ من الغلام "أنجشة" الذي كان يحدو بالنساء بلحن متسارع ومطرب أن يترفق بهن: «رويداً يا أنجشة لا تكسر القوارير»؛ حيث وجهه لتبطئة الإيقاع ومدّ اللحن (بما يرجحه المؤرخون أنه يشبه مقام الصبا أو الرصد اليوم) رفقاً بالنساء والرواحل.
👥 أشهر المغنين في مكة والمدينة في صدر الإسلام الخلافة الراشدة
👤 طويس (11هـ - 92هـ): نشأ في دار أروى أم الخليفة عثمان بن عفان في المدينة المنورة. برع في الإيقاع الخفيف مستخدماً الدف، ووصفه ابن سريج بقوله: "والله هذا أعظم مغنٍّ عرفته الناس".
👤 مسلم بن محرز (توفي 140هـ): لُقب بـ «صناج العرب» لإجادته العزف على الصنج، وهو أول من غنى في الحجاز على إيقاع الرمل وابتكر «غناء الزوج» (تعديد الألحان للبيت الواحد).
👤 سائب خاثر (توفي 64هـ): برع في العزف على العود بالمدينة المنورة، وأطرب أشرافها كعبدالله بن جعفر، واستدعاه معاوية للغناء. ابتكر إيقاع «الثقيل الأول»، واستشهد في وقعة الحرة الشهيرة.
👤 معبد بن وهب (44هـ - 126هـ): لُقب بـ «أمير المغنين»، وتنازل كبار مغني مكة عن منافسته اعترافاً بمكانته. ابتكر محاولات ألحان متقنة عُرفت بـ «حصون معبد»، وكانت حجر الأساس لفن المقامات وتطوير الأنشودة الشعبية إلى غناء القصيدة المعبرة.
👤 يونس الكاتب (توفي 135هـ): مغنٍ مدني، ويعد وفقاً للفهرست لابن النديم أول من ألّف في الغناء والموسيقى في الإسلام عبر كتابيه (النغم) و*(القيان)*.
👤 سعيد بن مسجح (توفي 85هـ): علم الغناء المكي، وأول من وضع أسس اقتباس الألحان وتطويرها من الثقافات الفنية المجاورة كالفرس والروم وصياغتها بقالب مكي.
👤 ابن سريج (20هـ - 98هـ): أحد أعمدة الغناء الأربعة في الحجاز، وأول من استخدم العود في مكة المكرمة، وطوّر إيقاعات الرمل والثقيل الأول متغنياً بشعر عمر بن أبي ربيعة.
👤 الغريض (توفي 95هـ) و مالك بن أبي السمح (توفي 137هـ): من الأعلام الكبار الذين ملأوا مجالس الحجاز والقصور الأموية طرباً وفناً رفيعاً.
👩 المغنيات الفضليات في صدر الإسلام
تفوقت العديد من النساء في الحجاز بالعلم والأدب والفن، وكنّ مدارس فنية قائمة بذاتها:
👩 جميلة (توفيت 135هـ): أصل من أصول الغناء بالمدينة المنورة، قال عنها معبد: «أصل الغناء جميلة وفرعه نحن». أسست أول مدرسة موسيقية عربية في المدينة، وكانت مجالسها تجمع كبار الملحنين، وتغنت بفحول الشعراء كالأحوص وامرؤ القيس.
👩 عزة الميلاء (توفيت 115هـ): أقدم من غنى الغناء الموقَّع في الحجاز، وكانت سيدة مجتمع بارعة الجمال وكريمة الخلق، تعلّم منها طويس وابن سريج. وحين أراد والي المدينة منعها بحجة أنها تفتن الناس، تصدى له الصحابي الجليل عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ودافع عن بقائها الفني.
👩 سلامة القس (توفيت 130هـ)، بصبص، وحبابة (توفيت 105هـ): من القينات اللواتي جمعن بين حسن الصوت، وقراءة القرآن، ورواية الشعر، وتعلم العربية الرفيعة.
🎵 الآلات الموسيقية المعتمدة تاريخياً في التراث الإسلامي
تناول المؤرخ النويري في (نهاية الأرب)، وابن الدراج السبتي في مخطوطته الشهيرة المتوفى عام 693هـ، شرحاً مفصلاً لـ 31 آلة موسيقية سادت في عصر صدر الإسلام والعصور التي تلته، ومن أبرزها:
الآلات الإيقاعية (الضرب): الدف (الطار المدور)، الغربال، الكبر (طبل بوجه واحد)، الكوبة (الطبل الذي يضيق في وسطه)، والمصافق.
الآلات الوترية: المزهر (وهو العود العربي القديم ذو الأوتار الأربعة: الزير، المثنى، المثلث، والبم)، الرباب، الكران، الصنج (آلة الأعشى الشهيرة)، الكيثار (أصل آلة الجيتار الحديثة)، والمعزف (من جملة الطنابير).
آلات النفخ (الهوائية): المزمار، الناي، القصابة، البوق، والشبابة.
📥 خاتمة تاريخية مذهلة: تُثبت المجموعات النادرة من الآلات الموسيقية الحجازية المحفوظة اليوم في متحف (ريكيس) في ليدن بهولندا —والتي جمعها المستشرق سنوك هورخرونية في القرن التاسع عشر وحللها المستشرق البريطاني هنري فارمر— أن منطقة الحجاز وعاصمتيها المقدستين في صدر الإسلام كان لها السبق والريادة التاريخية في ابتداع، وتطوير، وتهذيب الآلات الموسيقية والفنون السمعية كجزء من الهوية الحضارية للمجتمع المسلم.
#التاريخ_الإسلامي #الغناء_والموسيقى #صدر_الإسلام #تاريخ_الحجاز #الترويح_عن_النفس #الحضارة_الإسلامية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق