📌 التوسل بالصالحين: خلاف فقهي فرعي.. أم مسألة عقيدة وتكفير؟
كثيراً ما يثور الجدل في مجتمعاتنا حول مسألة "التوسل إلى الله بأحد من خلقه"، وتتحول النقاشات فيها أحياناً إلى خصام وتبديع. فما هي حقيقة هذه المسألة في ميزان الفقه الإسلامي؟ وهل هي مسألة عقائدية تخرج من الملة، أم خلاف فرعي يسوغ فيه الاجتهاد؟
🔹 أولاً: ما هو التوسل؟
لغةً: التقرب إلى الغير، يقال: "توسل فلان إلى ربه" أي تقرب إليه بعمل.
شرعاً: التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بطاعته، وطاعة رسوله ﷺ، وفعل الأعمال الصالحة.
🔹 ثانياً: التوسل المشروع (محل اتفاق)
اتفق علماء الأمة دون أدنى خلاف على مشروعية ثلاثة أنواع من التوسل:
التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا: لقوله تعالى: 《وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا》.
التوسل بالعمل الصالح: مثل قول الداعي: "اللهم بإيماني بك وحبي لنبيك اغفر لي"، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا بصالح أعمالهم (بر الوالدين، العفة، والأمانة) ففرج الله كربهم.
التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي: كأن تطلب من رجل تقي أن يدعو لك. ومنه استسقاء الصحابة بالنبي ﷺ في حياته، وقول النبي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عند العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك»، وأمره بالتماس الاستغفار من التابعي أويس القرني.
🔹 ثالثاً: التوسل المختَلف فيه (محل النزاع)
الخلاف يدور حول "التوسل بالذات أو الجاه" (كقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بفلان الصالح). وهنا انقسم العلماء إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول (المنع): ويرى أن التوسل المشروع هو بدعاء الشخص لا بذاته وجاهه. وهو رأي الإمام ابن تيمية، مستدلاً بصنيع عمر بن الخطاب حين استسقى بالعباس رضي الله عنه ولم يستسقِ بذات النبي ﷺ بعد وفاته، مفسراً ذلك بأنهم توسلوا "بدعاء" العباس لا بذاته.
الرأي الثاني (الجواز مطلقا): أجازه الأئمة كالسبكي والكوثري، مستدلين بأحاديث كحديث الأعمى الذي علمه النبي ﷺ أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد..»، وصنيع بعض الصحابة والتابعين كعثمان بن حنيف وعائشة رضي الله عنها، معتبرين أن التوسل بالجاه يرجع في معناه إلى التوسل بصفة من صفات الله وهي "محبة الله لهذا العبد الصالح".
الرأي الثالث (التفصيل): كـ الشيخ عز الدين بن عبد السلام، الذي أجاز التوسل بذات وجاه النبي ﷺ فقط؛ كخصوصية له لعلو مرتبته، ومنعه في حق غيره من الأنبياء والصالحين.
⚖️ ما هو الراجح.. وكيف نتعامل مع الخلاف؟
إن الأقوى حجة والأحوط لدين المسلم هو المنع (تجنباً للوقوع في المحظور وسداً لذرائع الغلو). لكن؛ ما هي الطبيعة الفقهية لهذا الخلاف؟
شهد منصفو العلماء -حتى ممن اختاروا القول بالمنع- على أن هذه المسألة "فقهية فرعية" وليست عقائدية، وإليك النقول القاطعة:
💬 يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: «وإن كان في العلماء من سوغه [أي التوسل بالذات]، فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاعية.. وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين، بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم». ويقول أيضاً: «ولم يقل أحد إن التوسل بالنبي استغاثة به.. وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به».
💬 ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «فكون بعضهم يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه؛ فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله».
💡 لماذا هي مسألة فرعية وليست شركاً مخرجاً من الملة؟
لأن العوام حين يتوسلون بجاه النبي أو الصالحين، يتوجهون بالدعاء إلى الله وحده، ولا يعتقدون أن هذا الصالح يملك نفعاً ولا ضراً، بل يرجون استجابة الله لكرامة هذا العبد عنده.
تفريقاً بين "التوسل بالعبد" و"الاستغاثة بالعبد"؛ فالأولى دعاء لله، والثانية دعاء لغير الله. وعوام المسلمين قلّما يقع منهم الشرك الأكبر لثبات عقيدة التوحيد في قلوبهم، ورميهم بالكفر الصراح دون تعليمهم هو من الغلو في الدين.
🌿 هدي السلف في التعامل مع الاختلاف
إن تحويل رأي اجتهادي لبعض العلماء إلى "دين مقدس" يُهجر الناس ويُكفرون بسببه هو عين الخطأ. فلنتأمل أخلاق سلفنا الصالح:
قال التابعي الجليل يحيى بن سعيد الأنصاري: «ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحم هلك لتحريمه».
وقال سفيان الثوري: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه».
وناظر الإمام الشافعي يونس الصدفي يوماً في مسألة ثم افترقا، فلما التقيا أخذ الشافعي بيده وقال: «يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟».
💡 الخلاصة: الاحتياط والأسلم لدينك هو الالتزام بما اتفق عليه الصحابة والوقوف عند التوسل بأسماء الله وصفاته وعملك الصالح. ولكن، سعة الصدر مع المخالف في المسائل الفرعية التي ساغ فيها الاجتهاد هي شيمة العقلاء والفقهاء.
رحم الله أئمتنا، ورزقنا الفقه والاعتدال.
#الفقه_الإسلامي #التوسل #ابن_تيمية #الاعتدال #مسائل_الخلاف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق